أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - منير المجيد - الميلاد في الدانمارك ليس جورج مايكل فحسب















المزيد.....

الميلاد في الدانمارك ليس جورج مايكل فحسب


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 6087 - 2018 / 12 / 18 - 03:54
المحور: سيرة ذاتية
    


إنه موسم الأعياد في الدانمارك، أو الكريسماس كما يحلو للبعض قوله. المملكة بأسرها دارت ١٨٠ درجة. أنا سأختصر الأمر وأسميه «الميلاد». ولأنه موسم الميلاد، فهو بالضرورة المطلقة موسم أغنية Last Christmas بصوت المرحوم إليه تعالى جورج مايكل، حينما كان يرمش بعينيه الساحرتين مع شريكه أندرو ريديغلي في فرقة Wham.
كلمة jul تُطلق هنا، في العصر الحاضر، على عيد الميلاد، لكنها في الواقع تعود إلى اللغات الإسكندينافية منذ عصر الفايكينغ، أي قبل المسيح.
هذه قصة سوف أعود إليها بعد قليل.

الأسواق محشوة بالشرّائين، والعاملات يُجاهدن في صرّ ولفّ سيل الهدايا التي يحملها زبائن يتحلون بصبر أيوب، واقفين في صفوف إنتظار لا تنتهي.
في الموسم الماضي تعرّض عُشر سكان البلاد إلى الإحتيال من طرف شركات تسويق وهمية على الإنترنيت، لهذا فقد إزداد زبائن هذه السنة في المحلات.
وثمة، في ساحة السوق التجارية، اوركسترا تعزف أغاني الميلاد، ورجل بدين وضع لنفسه لحية بيضاء طويلة مصنوعة من القطن وتعممّ بقبعة حمراء أطرافها بيضاء، وكذلك الرداء الكبير الفضفاض، وقد جلست فتاة صغيرة في حضنه.
«حسناً، ماذا تتمنين لهدية الميلاد أيتها الجميلة؟». سأل Julemanden (بالدانمركية)، أو سانتا كلوز أو حتى إذا شئتم بابا نويل، الفتاة الصغيرة.
«ألم تصلك رسالتي؟». ردّت الفتاة مستغربة وهي تنظر إليه بشكّ وقليل من الغضب.
الشوارع مليئة بالأنوار والزينة، وحتى بيوت الناس.
بعضهم يجنّ فيضع ما يُقدّر عدده بخمسة آلاف لمبة تلفّ بيته وأشجار وأسوار حديقته.
قليل من الناس يرتادون الكنائس أيضاً للمشاركة في القداس والإستماع إلى الموسيقى والأغاني والمشاركة بالتراتيل.

المختلف هنا، والأهم من كل هذا هو الـ Julefrokost. حفلة كبيرة تجري عادة في أمسية كل جمعة طيلة شهر ديسمبر.
الكلمة تعني «غداء الميلاد». في النرويج، السويد وفنلندا يسمّونها «طاولة الميلاد».
تعود الفكرة إلى الأربعينات من القرن الماضي، ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكنها تاريخياً تعود إلى أيام الفايكينغ. أي أنها تقليد لا علاقة له بالديانة المسيحية أبداً.
الإسم jul مشتق، على الأغلب من كلمة jól الإسكندينافية القديمة وتعني «أدر» أو «أقلب»، وهنا أعجز عن ربطها بالحفلة، اللهم إلا إذا سحبت عليها «الفعل» الذي يلحق بالوقائع.
حينذاك كان الإسكندنافيون يحتفلون في منتصف شهر يناير بالتخلص من أيام الشتاء المعتمة والطويلة، وذلك بتناول أطنان من الأطعمة وشلالات من الكحول، علاوة على ممارسة كل أنواع الفسق والفجور. وسنرى بعد قليل أن الإسكندينافيون يحرصون على التقاليد.
في الأربعينات، وبعد إحياء عادات الأجداد، اقتصرت الحفلة على دعوة أفراد الأسرة والأصدقاء لتناول غداء تقليدي، وتطّورت في منتصف الستينات، بعد الطفرة الإقتصادية الهائلة في أوروبا، فصارت تُعقد في الشركات والمصانع والمكاتب لـ «التقارب السايكولوجي» بين الموظفين والإداريين.
قائمة الطعام، كانت ومازالت، محصورة ببعض الأطباق الخاصة: Smørrebrød أو سندويش دانماركي مفتوح (قطعة خبز مسطحة مدهونة بالزبدة وفوقها يضع الشيف ما يشاء من لحوم وأسماك وخضار وأعشاب، Marineret sild (سمك الرنجة المُخلّل بعدة طرق)، Leverpostej (معجون كبد ودهن الخنزير)، Frikadelle (كُريات لحم الخنزير المقليّة، وهي إحدى أشهر الوجبات الدانماركية)، Flæskesteg (قطعة كبيرة من صدر الخنزير مُحمّصة في الفرن، Medisterpølse (سجق من لحم وشحم الخنزير وتوابل محشية في المصران الغليظ للخنزير). بالإضافة إلى عدة أنواع من السلطات، وبعض الأطباق الجديدة ينصرف عنها المحتفلون بسرعة.
المناسبة هي عودة إلى التقاليد، وهكذا يجب أن تستمر.
أما المشروبات فهي ببساطة Gløgg (شراب فاتح للشهية هو خليط من النبيذ ومياه غازية وعصائر وتوابل شرقية)، وبيرة الميلاد ( julebryg)، والـ Snaps ويدعى أيضاً akvavit (مشروب كحولي يعادل الفودكا بقوته وطريقة تقطيره).
حفلات الميلاد في المكاتب، التي تتمّ مجرياتها مساءً، كانت تبدأ بشكل مهذب في البداية، النساء يلبسن أجمل فساتينهن وثيابهن الداخلية الجديدة، تفوح منهن رائحة العطور الباريسية، والرجال يرتدون البزّات وربطات العنق.
بعد ثلاث زجاجات من البيرة ورشفتين من السناپس يتخلص الرجال من السترات ويفكّون، قليلاً، ربطات العنق التي طالما أشعرتهم بالإختناق. النساء يضعن الشالات على مساند الكراسي ويظهرن أكتافهن العارية وقليلاً من أطراف نهودهن. الجمع يبدأ بتبادل النكات التي تتطور في مستوى فجورها مع الوقت، وبعضهم يسترق النظرات مع آخرين عن بعد. بعدها يعلو صوت الموسيقا، فيقفز رجل ما برشاقة قرد ويطلب إمرأة للرقص، هنا يتشجّع الآخرون فيحذون حذوه لتضجّ القاعة بأقدام الراقصين وصوت صرير إبعاد الكراسي والطاولات لتوفير مساحة إضافية. وحين تهدأ الموسيقى يمسك الرجال بخصور النساء ويتشممون رائحة بعضهم البعض. بيرة وكحول وطعام وعطور وتعرّق. هكذا هو خليط الروائح، وهو، كما يبدو، مُحفّز للغدد التناسلية.

تحفل الليلة بالعديد من الأنشطة، البريئة منها والبذيئة أيضاً. أشهر الأنشطة كانت في غرفة الفوتوكوبي. يذهب المحتفلون، واحداً تلو الآخر، ويجلسون على جهاز الفوتوكوبي العملاق ويأخذون صورة لموخراتهم العارية، ثم يجمعون الصور كلها ويتبارون في تحديد ووضع الأسماء للنسخ التي كانت بالأسود والأبيض قبل أن تأتي الأجهزة الملونّة لتكشف وتفضح تفاصيل اخرى.
يُقال أن المدير كان يتعرّف بسهولة على نسخ السيدات.
يُروى أن مديراً في أحد المكاتب استدعى موظفة في اليوم التالي بعد الحفلة الكبيرة. «قولي لي آنسة نيلسن، هل كانت أنتِ تلك التي ضاجعتها البارحة؟». سأل المدير ووجهه مليء بإبتسامة خبيثة. «في أي وقت؟». أجابت الآنسة نيلسن بسؤال آخر والإرهاق واضح عليها.
يُروى أيضاً أن فتاتين كانتا في طريقهما إلى حفلة الميلاد، فعرجتا على البنك المجاور لسحب بعض النقود. فجأة اقتحم لص البنك وأمر الجميع بالإستلقاء على بطونهم، مهدداً بمسدس في يده. لبّى الجميع الأمر، إلا إحدى الفتاتين، التي استلقت على ظهرها لأنها كانت، ربمّا، مذعورة ومرتبكة. صديقتها همست لها «نحن لم نصل إلى غداء الميلاد بعد أيتها الغبية».

الخيانات الزوجية كثيرة في هذه الليلة، مسرحها دورات المياه وطاولات المكاتب. وعادة يتجنب الزوجان في اليوم التالي، وهم يعانون من صداع مخيف ومعدة واهنة، التطرّق إلى تفاصيل الحفل. «كيف كانت أمسيتكم في حفل الشركة؟». يسأل الزوج. «ممتازة». تُجيب الزوجة. نقطة، إنتهى الحوار.

ولأن الدنيا في تطوّر وتغيّر دائم، فإن بعض أرباب العمل والمدراء أرادوها فرصة للتباهي، فأغدقوا وأكثروا من الهدايا، وصاروا يدعون موظفيهم إلى فنادق خُصصت مطاعمها لإحياء حفلات صاخبة، وغرفها، في نهاية المطاف، لجحافل من السكارى يصعب عليهم إدخال مفاتيحهم أو بطاقاتهم في أقفال الأبواب. علاوة على أنها طريقة عملية لتجنّب الوقوع في فخّ دوريات الشرطة التي تختبئ جيداً وتتصيّد العشرات من المخمورين وهم متلبّسين بقيادة سياراتهم.

أخيراً God jul og godt nytår وبالعربية: عيد ميلاد مجيد وكل عام وأنتم بخير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,612,744,858
- كيوتو (٣)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- كيوتو (١)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- كيوتو (٢)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- طوكيو، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- الشينكانسن، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- قامشلو
- لا، هذا ليس رثاء يا أمي


المزيد.....




- -واليس كار- للأخوين قيقة .. أول سيارة تونسية التصميم والمنشأ ...
- انتفاخ المعدة المزعج قد يكون علامة لحالة كامنة وخطيرة!
- بوتين يلخص نتائج العملية العسكرية الروسية في سوريا
- اختتام جلسات بمجلس النواب لمساءلة ترامب
- الكونغرس يطالب بتحرك أممي ضد -حزب الله-
- الكرملين يحدد موعد المؤتمر الصحفي السنوي الموسع لبوتين
- بوتين يحدد المهمة الأساسية للصناعات الدفاعية خلال العقد المق ...
- شاهد: مدينة البترا الأثرية بالأردن تحتفل بالسائح المليون هذا ...
- لبنان يحتفل رمزيا بالاستقلال عن الاستعمار ويسعى للخروج من أس ...
- ما وراء ظهور شخصية -الجوكر- في مظاهرات بيروت وبغداد؟


المزيد.....

- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - منير المجيد - الميلاد في الدانمارك ليس جورج مايكل فحسب