أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - الدكتاتور والمسدس














المزيد.....

الدكتاتور والمسدس


سعود سالم

الحوار المتمدن-العدد: 5988 - 2018 / 9 / 8 - 14:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


وليكن..
لا شيء بعد اليوم في الدنيا مقدس
غير أن تهتف ضد الموت
في وجه المسدس
من المفارقات الغريبة في عالمنا المعاصر، أن يكون الوعي بالحرية وممارستها يزداد ويتعمق في المجتمعات التي يفتقد فيها المواطن هذه الحرية، أي في المجتمعات التي تديرها دكتاتوريات متسلطة دموية وأنظمة قمعية قائمة على القوة والنار والحديد، لغتها السجون والتعذيب والقتل والتنكيل بكل من يرفع رأسه ويرفض الخضوع. سارتر، فيلسوف الحرية أكد أكثر من مرة بأنه لم يكن حرا في حياته كما كان تحت الإحتلال النازي لفرنسا. فتحت نير القهر والطغيان والإحتلال يتعمق الشعور بالحرية وضرورتها، فالدكتاتورية لا توجد ولا تترعرع في مجتمع من العبيد. في المجتمعات الدكتاتورية، الإنسان الحر يمارس حريته الضرورية والأكثر إلحاحا، فيقول كلمته أو يناضل بالسلاح، فتمتلئ السجون والمقابر بالأحرار الذين اختاروا رفض الإنصياع والإستسلام والإنبطاح أمام الطاغية. والطاغية ذاته لا يمكن أن يكون طاغية بدون هؤلاء الرجال والنساء الذين يرفضون سلطته ويبصقون على المال والثروات والإمتيازات والمراتب التي يغريهم بها. الدكتاتورية تحتاج إلى من يقاومها ويقف في وجهها، لتتمكن من إثبات ذاتها وقوتها وسيطرتها. ومن ناحية أخرى، فإن أي نظام دكتاتوري لا يستطيع أن يدوم ويمارس سلطانه المطلق على جميع نواحي الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية بدون "العبيد" الذين أختاروا ممارسة حريتهم في مساندة النظام القمعي والإندماج فيه، مكونين بذلك هيكله المادي وسلاحه وقاعدته الأساسية التي يمارس من خلالها قبضته الحديدية على بقية المواطنين. فليس هناك إذا إنسان حر وآخر لا يتمتع بالحرية، الإنسان حر حرية مطلقة، وحتى عندما يقرر التخلي عن حريته، فإن ذلك يعبر عن هذه الحرية ويؤكدها، فنحن محكوم علينا بالحرية.
ولكن ماذا نقول في وجود السجون والقمع البوليسي وإرهاب الدولة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة عن الصحافة والسينما والمسرح والفن عموما، ألا يعني كل ذلك غياب الحرية للذين تمارس ضدهم كل هذه الإختراقات لما يسمى بحقوق الإنسان؟ من المتعارف عليه تسمية كل أنواع القمع التي تمارسها الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية الفاشية بسياسة تكبيل الحريات أو منع الحريات الأساسية وتكبيل الأفواه .. إلخ. ولابد للتأكيد هنا على أن كل هذه السياسات القمعية مهما بلغت درجة عنفها وضراوتها، فإنها لايمكن أن تمس جوهر الوجود الإنساني وهو هذه الحرية، ولا يمكنها أن تخترق قدس أقداس الضمير الإنساني. إن هذه القوى المادية الخارجية، بأدواتها السلطوية كالبوليس والمباحث والسجون والتعذيب أو التهديد، أو بأدواتها الفكرية أو الدينية لا تستطيع سوى أن تمنع الإنسان الرافض من ممارسة بعض الأعمال التي يراها حيوية بالنسبة لقناعته أو من قول كلمته الضرورية، أي أنها تمنع تمظهر الحرية وتجسدها في الواقع الملموس. فمهما كان القمع والسجن والتعذيب والتهديد، تبقى حريتنا كاملة ومطلقة، ونستطيع في كل لحظة، أمام التهديد بالقتل مثلا أن نختار الحياة ونعلن قبولنا للشروط المطلوبة، كما يمكن أن نواصل الرفض ونختار الموت بدلا من الإذعان. الحرية والإنسان شيء واحد، فهي جوهره ومصدر كونه إنسانا. وحتى لا يساء فهم ما نريد قوله، نؤكد بأننا لا نفصل بين الحرية المطلقة المرتبطة بالوجود الإنساني وبين ممارسة هذه الحرية وتجسيدها في الواقع الإجتماعي، الذي نريد قوله هو أن قمع مظاهر الحرية ومنعها لا يعني بالضرورة إلغاء الحرية كمصدر لهذه المظاهر والتجليات.
وجود الإنسان مرتبط إرتباطا أنطولوجيا بالحرية، فالوجود كالحرية ليس صفة تضاف للإنسان من الخارج، وجود الإنسان حرا، هو الحدث الأولي والجذري المؤسس للبشرية عموما. فالإنسان ليس حجرا أوكرسيا أو شجرة، فهذه الأشياء كائنة، ولكنها تفتقر للوجود، حيث تكون في ذاتها منغلقة على كينونتها بدون وعي وبدون منافذ للخروج للعالم وتكوين علاقات معه. فالحجر غير قادر على الفعل، وغير قادر على الإختيار بين أن يبقى حجرا أو يتحول إلى سلاح في يد أطفال الإنتفاضة. الإنسان إذا هو إختيار دائم وتحول وصيرورة مستمرة ولا تنتهي أو تتوقف إلا بالموت. وهذا الإختيار الحر الدائم هو المكون لماهية الإنسان وهويته الحقيقية المتطورة على مدار الزمن.
يقول محمود درويش في قصيدة للحرية:
ويستجوبونه :
لماذا تغّني ؟
يردُّ عليهم :
لأنُي أُغنّي
وقد فتَّشوا صدرَهُ
فلم يجدوا غير قلبهْ
وقد فتشوا قلبَهُ
فلم يجدوا غير شعبهْ
وقد فتَّشوا صوتَهُ
فلم يجدوا غير حزنهْ
وقد فتَّشوا حزنَهُ
فلم يجدوا غير سجنهْ
وقد فتَّشوا سجنَهْ
فلم يجدوا غير أنفسهم في القيود





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,611,813
- السبابة والقمر
- المرايا
- النزيف
- قطار الرمل
- عن الصورة الفوتوغرافية
- عن الفن والصدفة
- الإستلاب الجمالي
- الأب والرب، وجهان لنفس الكارثة
- خذوا الله واعطونا خبزا
- وغرقت سفينة السيد نوح
- الحلم المزدوج
- صامدون في وجه الريح
- حريق الظلال
- دموع الأسماك العارية
- حروب الكلام
- الثوابت المترنحة
- الدليل الأنطولوجي على وجود الله
- قهوة بدون سكر
- قلق
- قشور الصوفي وعلبة الكبريت


المزيد.....




- مكالمة ابن السيستاني تخرس الطريحي نهائيًا
- إسرائيل تتراجع عن منع إدخال المنحة المالية القطرية إلى قطاع ...
- بوتين يقول إنه مستعد لاستضافة قمة بشأن سوريا مع تركيا وإيران ...
- الولايات المتحدة تعترف بزعيم المعارضة في فنزويلا -رئيسا مؤقت ...
- بوتين يقول إنه مستعد لاستضافة قمة بشأن سوريا مع تركيا وإيران ...
- عائلة عرفات تقول كلمتها بشأن أرض لها احتجزها الاحتلال بالقدس ...
- إنقاذ أوروبا من قبضة بوتين.. هذا ما يمكن أن تلعبه الدوحة في ...
- في الذكرى الثامنة لثورة يناير.. أين رموز نظام مبارك؟
- زعيم معارضة فنزويلا يعلن نفسه رئيسا وواشنطن تعترف به
- وزير إسرائيلي: لدينا خطوط حمراء في سوريا


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - الدكتاتور والمسدس