أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد رمضان على - كلهم أبنائي - نقد















المزيد.....

كلهم أبنائي - نقد


سعيد رمضان على

الحوار المتمدن-العدد: 5954 - 2018 / 8 / 5 - 02:09
المحور: الادب والفن
    




المبدع الفلسطيني الراحل زكى العيلة عبر دائما عن الانتصار على الموت ، من خلال اندماجه الدائم في وطنه الذي أرهقته المتاهة , وكأديب لا تخذله الموهبة حمل قضية بلده لداخلنا , وبأصابعه الحساسة جسمها داخل قلوبنا , متصلا بنا كمواطنين عرب متصلا أيضا بفلسطيني الشتات الذي يطالعون عمله وهم في الخارج , كأنهم في ذاكرته , حاملا وهو الفلسطيني المقهور داخل وطنه , تلك الرغبة العارمة في مقاومة العدم كما تشتهى روحه.. تظهر هذه الرغبة العارمة في كل أعماله, لكنها تتألق كأجمل ما يكون في قصة( كلهم أبنائي ) التي تجيب على السؤال : ماذا يفعل الإنسان الفلسطيني وهو محاصر من كل الجهات بالموت والدمار .. وأكثر بظلم يسحقه ؟ إنسان يبدأ يومه من أول خيط للشمس بعذاب مرهق يسببه الشعور بالضياع ، وإذا كان النص يدعو إلى المواجهة لإثبات الوجود ، و يعبر عن لا جدوى التقوقع وسط واقع مرير، فهو من خلال عده صور يحيط بتعقيدات هذا الواقع ، كاشفا عن عناصر القوة والضعف فيه ، حمل النص شحنه من الألم الموجع ، إلا إن ذلك لم يثقله، لأنه نص يكشف عن كاتب متسلح بوعي حاد يملك شعورا عاليا بالمسئولية الجماعية .
والمدخل لفهم النص يكون من العنوان ( كلهم أبنائي ) ويحوى مفردتين :
الأولى : كلهم بمعنى الجمع أو الإشارة للجميع
الثانية : أبنائي أي الأبناء ، لكنه يعنى الأبوة .. كما يشير إلى الحماية
معنى هذا أن العنوان يدخلنا إلى منطقة الحماية .. عبر معاني الأبوة
والعنوان يشير إلى العموم وليس إلى التخصيص ، فكأن هؤلاء الأبناء هم كل الأولاد .. وعندما نتابع العنوان مع المتن الداخلي .. نلاحظ دال الحماية الظاهر ، وبدا من المتن أن العنوان يتحول مع الوقائع إلى عنوان للعموميات ، أي كل الأولاد من صلب الأب نفسه إلى كل الأولاد الفلسطينيين .. إلى كل الأولاد خارج الوطن الفلسطيني .. فهو عنوان تتفرع منه مدلولات لا تتوقف .. وعندما نعود بهذه المدلولات إلى أصولها أي المنبع التي صدرت منه ، وهو الأب الفلسطيني فأن السؤال الذي يظهر ممن يحميهم ؟
أن الإجابة على السؤال تؤدى إلى انفتاح الرؤية على واقع قاتم .. لأن الإجابة هي الحماية من التدمير على يد عدو وحشى لا يرحم .. وهو يزحف ليدمر ما يطوله ولن يتوقف عن الزحف أبدا .. فالحماية المقصودة لايمكن حصرها في أبناء الوطن الفلسطيني بل تتعدى لتشمل أبناء أوطان أخرى .. وهذا ما يعنيه عمومية العنوان ، كما يرمز لهذه العمومية أيضا داخل المتن عندما يذكر الشمس ، التي تنشر أشعتها على الجميع ، وتحوى الشمس دوال أخرى إلى جانب العمومية ، كالدفء ، والنور مقابل الظلام .. والدال الأخير ينطبق على شخصية بطل النص
فالكاتب يمهد لنصه بمفارقه جلية بين الشمس التي تنتشل الكون من ظلمته وتوضح مساراته وبين الشخصية الضائعة الحائرة التي لا تجد لنفسها دربا ولا طريقا .. فكأن الخيوط الأولى للشمس بداية نور يخرج الشخصية من ظلامها وحيرتها وفهمها المغلوط :
(والشمس ترسل خيوطها الأولى تغادر باب بيتك.. لا تدري أين )
أن تلك المفارقة تكشف عن طبيعة الشخصية وتوضح مكوناتها النفسية وما يرافقها من مشاعر وأحاسيس ، وإذا كان العذاب حدث بسبب الشعور بالضياع ، ضياع الرؤية و ضياع اليقين ، فأن الضياع أصلا جاء من غياب الروح الحقيقية ، والتقوقع عبر الدفاع السلبي الذي ثبت زيفه فتسبب ذلك بصدمة أحدثت البلبلة والتشتت والحيرة :
( - نحن في حالنا، ليس لنا دعوى، لا نحتك بأحد، لا جيش ولا غيره )
وهى قوقعة قد تؤدى إلى تدمير نسيج الوطن الفلسطيني – وأي وطن أخر أيضا - و لا ينبغي الذهاب في تفسير هذ ا القول إلى أن الإنسان حتى لو لم يفعل شيئا فأن المشاكل ستصل إليه لأنه قول يطمس الحقيقة ، تلك الحقيقة التي تؤكد أن الإعلان الدفاعي :
( نحن في حالنا )
قيل بعد الاحتلال لا قبله ، ( فنحن في حالنا ) يمكن أن تكشف عن طبيعة إنسان عادى وصادق وبسيط ليس مطلوبا منه أن يكون بطلا ، وهو لا يسعى للبطولة ، لكن عندما يقال بعد الاحتلال وعمليات المصادرة والتشريد والموت والدمار ، فهو قول يعبر عن الهروب من المسؤوليات عند البعض ومحاولة عدم مواجهه الواقع ، وليس وصول المشكلات للإنسان حتى لو كان عايش في حاله ويستمر النص :
(هراوات تلكز خاصرتيك، كتفيك، يرشقونك بكلمات تقطر سياطاً :
- أين الأولاد؟
يندفعون صوب الأبواب، يدفعونك، يفلت منك توازنك، يرفرف أمجد بين أيديهم كعصفور ابتعدت عنه الأشجار.
- ماذا تريدون؟ إنه صغير، لا يحمل هوية. )
أن البحث عن الأولاد يؤكد رعب اليهود المستمر من المستقبل ، وإذا كان الأولاد هم أمل الغد ، وهم قدرات الأمة ، إلا إنهم يكشفون عن الهم الإسرائيلي والخوف من إن تتحول الدولة اليهودية إلى دولة عربية ، لأن منح الفلسطينيين حقوقهم في غزة والضفة يعنى النهوض القوى لدولة فلسطينية مجاورة لدولة يهودية ، وهو ما يجعل هذه الدولة اليهودية عبر تحقيق السلام مع الفلسطينيين تعمل على تغير نفسها ، وان تمنح المواطنين العرب بإسرائيل حقوقهم كاملة الأمر الذي يجعل التحول مستقبلا إلى دولة عربية مع أقلية يهودية أمرا ممكنا جدا ، فإذا لم تفعل ذلك فما هو البديل ؟
سيكون البديل الحرب المستمرة والخوف والانكماش الدائم لمساحة الحرية لليهود نفسهم ، مما يؤدى إلى هجرة اليهود من إسرائيل ، خاصة أصحاب المستوى الأرفع من المثقفين ، الذين يملكون قدرات تعينهم على الحياة في أوربا وأمريكا ، إن تفريغ تلك الطاقة القوية من المجتمع اليهودي ، ستجعله مجتمعا كسيحا يعانى من عجز التقدم وعجز الاتصال بأي مجتمعات أخرى ، وفى النهاية يصبح مغلقا تماما ، انغلاق البحيرات المغلقة التي تميت
إن ذلك الرعب من المستقبل يدفعهم لمحاولة القضاء على من سوف يمثله ويمسك بتقاليد أموره ومقدراته ، وهم الأطفال الفلسطينيين ، ويأتي الاسم ( امجد ) كدلاله واضحة على مضمون القصة .. انه المجد القادم في المستقبل .والمقطع التالي يعبر عن ذلك أفضل تعبير :
( يرفرف أمجد بين أيديهم كعصفور ابتعدت عنه الأشجار. )
وعندما تكون الأشجار رمزا للهوية والتاريخ والتراث المترسخ في التربة الفلسطينية فأن الابتعاد عن تلك الأشجار تعنى قطع الصلة بالتراث والتاريخ مما يؤدى إلى فقدان الهوية وظهور مستقبل ضائع بلا معنى ولا قيمة .
إن الشخصية في القصة ظهرت في البداية سلبية ، لكنها بدأت تتغير عبر اكتشاف واقعها ثم اندماجها فيه ، لقد كان هناك قهرا داخليا على الذات من خلال الضغط عليها بالاستلاب ، بحجه الأمن والأمان ، وعندما جاء القهر الخارجي لينسف الأمن والأمان ، تكتشف الذات إنها كانت تمارس قهرا على نفسها، إن اليقين المخادع يختفي ليحل محله يقين جديد :
(- إنهم لا يتركون أحداً في حاله ، يتحرشون بكل الناس، لا أحد يسلم من شرهم.
كلامه ما يزال يتفجر ساخناً في أعماقك، القاعد والقائم سيان عندهم، لا أحد ينجو من بلائهم، لا يستثنون كبيراً أو صغيراً، ينغصون على الكل، الابتعاد عن طريقهم لا يجدي )
أن ذلك التغير في فكر الشخصية جاء بعد المرور بأزمة جعلتها تخرج من قوقعتها مطلة على الخارج منصته لما يحدث فيه ، وهو ما أدى إلى تغيرات داخلية متفجرة :
(تتمنى لو تتشظى مقلاعاً ، حجراً في أيدي الشباب، غضباً ينهمر على مركز الجيش )
لكن هذه الأمنية تعنى شيئا أخرا هو الرغبة في الذوبان بتراب الوطن وحجارته تلك الحجارة التي تقاوم ، حامله معها - عكس طبيعة الحجارة الصامتة - صوتها المدوي الذي يزلزل بنيان المحتل ..
وعندما يدوى السؤال : (- من منهم ابنك؟ )
فأن الإجابة الطبيعية النابعة من التغيرات التي تمت بداخله ومعبره عنها هي : ( كلهم أبنائي )
تملك هذه الإجابة عظمتها .. من خلال تعبيرها عن الشعور الجمعي ، والتسامي بعيدا عن الهموم الفردية .. لقد اندمج في حاضرة مع المأساة التي تتجدد كل يوم .. مأساة الإنسان والوطن .
-----------





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,774,237
- زبد الليل - نقد
- السفينة - نقد
- الشقراء أم الثلاث
- حكاية (( ليلة حزن في قصر الوالي )
- - ملكوتية -
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء السادس
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء السابع
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثامن والأخير
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الرابع
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الخامس
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثانى
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثالث
- رواد الفن التشكيلي في فلسطين – الجزء الأول
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الثالث والأخير
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الأول
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الثاني
- رقص العقارب
- قراءة في قصة ( زوجة العياشي )
- أدب الفانتازيا وأدب الخيال العلمي
- الجسور


المزيد.....




- رئيس الحكومة: ليس بالتشويه وبالتهويل يمكن كسب معركة مكافحة ا ...
- لهذه الأسباب قد يخرج -الأيرلندي- خالي الوفاض من حفل الأوسكار ...
- شاهد.. فنان يؤرخ لمهن وصناعات توارثتها عائلات كويتية
- وفاة والد الفنانة جوليا بطرس
- وفاة الممثل والمخرج تيري جونز بعد صراع مع المرض
- وقف عرض فيلم في باكستان يصور رقص رجل دين بعد تهديد حزب إسلام ...
- اختيار جمال حمدان شخصية معرض القاهرة للكتاب.. هل هو مجاملة ل ...
- وزيرة الثقافة المصرية: نخطط لإعادة مهرجان القراءة للجميع
- منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين : نداء لإيقاف حمامات الد ...
- نقيب الممثلين في مصر يحسم الجدل حول وفاة الفنان خالد النبوي ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد رمضان على - كلهم أبنائي - نقد