أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتح عبدالفتاح كساب - الدولة المسخ والبنية الطبقية المشوهة















المزيد.....

الدولة المسخ والبنية الطبقية المشوهة


فتح عبدالفتاح كساب

الحوار المتمدن-العدد: 5911 - 2018 / 6 / 22 - 12:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدولة المسخ والبنية الطبقية المشوهة
تتشكل الطبقة الوسطى عبر النمو الطبيعي في المجتمعات المستقرة. فهي تتشكل عموما من حرفيي المدن واصحاب المهن التي تتطلب نوعا خاصا من الدراسة الأكاديمية، وكذلك من التجار وكبار الفلاحين القادرين على الاعتماد على انتاجهم الخاص لسد حاجاتهم اليومية والموسمية المختلفة. وينظر إليها منظرو علم الاجتماع السياسي على أنها صمام أمان وحائط صد أمام تغول السلطة التنفيذية ولتحد من اندفاعها للاستحواذ على كل مقدرات الدولة. كما أنها تحد من تهميش الطبقات الدنيا عبر توفير فرص عمل دائمة أو موسمية تخفف من عبء البطالة وقسوة الحياة. وتسعى كذلك لإدامة الاستقرار والازدهار للمحافظة على موقعها الطبقي الاجتماعي والاقتصادي. ويمتاز البناء الطبقي في الظروف الطبيعية بأنه يمنح فرصا للمبدعين في شتى المجالات للانتقال من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى أو من الوسطى إلى العليا ما يوسع آفاق الرفاه والتقدم أمام المجتمع.
لكن سلطات بعض الدول العربية لم تترك لهذه الطبقة الفرصة لتنمو طبيعيا كما غيرها في باقي أقطار العالم. عمدت تلك السلطات إلى هدم البنى الاجتماعية القائمة في دولها وإحلال فئة جديدة لتتشكل منها طبقة وسطى مُصنَّعة على مقاس تلك السلطات تكونت من كبار بيروقراط الدولة وبعض البنى القبلية المتحفزة للانقضاض على المشيخات التقليدية غير مضمونة الولاء. بذلك ضمنت تلك السلطات ولاء تلك الفئة الجديدة ومنع التشكل الطبيعي لطبقة وسطى قد لا تكون مضمونة الولاء لتلك السلطات وتحد من استحواذها على السلطة والثروة. وسأستعرض دور هذه الطبقة في منظومات الحكم العربي وأدوارها قبل وبعد تَشكُل هذه الدول.
لعبت الطبقة الوسطى العربية التي تشكلت طبيعيا أدوارا هامة ومحورية سياسية واجتماعية واقتصادية في نهاية العهد العثماني ومرحلة الاستعمار للدول العربية وما تلاها بعد الاستقلال.
فقد قادت هذه الطبقة النضالات السياسية والاجتماعية وأحيانا العسكرية ضد المُستَعمِر ما قاده في النهاية إلى الخروج – ولو شكليا – من المنطقة العربية. وفي فترة ما بعد الاستقلال لعبت أدوارا مهمة اجتماعية وسياسية واقتصادية أيضا. فقامت بتشكيل الأحزاب السياسية بمختلف اتجاهاتها وأنشأت النقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني وأسست في بعض البلدان العربية نواة لبنية صناعية، لتقود مجتمعاتها نحو التطوير والتحديث للتخلص من آثار الاستعمار الذي استحوذ على المنطقة العربية طويلا. كما لعبت الكثير من شخصيات هذه الطبقة أدوارا محورية في خلق حالة من التنوير قادت إلى التركيز على إنشاء المدارس والجامعات، وساهمت رؤاها في تعزيز اقتصاديات وثقافة ما بعد الاستقلال.
ومع مرور السنوات قادها ذلك إلى حالة من الاسترخاء عن الاستمرار وبدأت تبحث عن مصالحها الذاتية لتكريس وجودها كفاعل حقيقي على الأرض وشريك في صنع القرار السياسي والاقتصادي في بلدانها. ولما عصفت موجة الانقلابات العسكرية والتحالفات القطبية الكبيرة، كان أول من فهم لعبة التجاذبات تلك، الطبقة المهيمنة سياسيا وعسكريا والطبقة الوسطى. ولأن الطبقة الوسطى على درجة عالية من المرونة والقدرة على التكيف السريع مع ما يستجد من أحداث سياسية واقتصادية، فقد قامت بحسم أمرها بالتحالف مع الفئة المتنفذة والمهيمنة على مقاليد الحكم. وبقيت تمارس أدوارها وسيطا بين المهيمنين الكبار ومسحوقي الطبقة الدنيا باقتدار كبير. أدى هذا إلى حالة من التواطؤ السياسي والاقتصادي غير المعلن ما جعل البلدان العربية رهينة لاستبداد وفساد الطبقة الحاكمة وانتهازية الطبقة الوسطى. فَغضُ الطرف عن تفكيك الأحزاب السياسية وإبعادها من المشهد، وتسليم مقاليد العمل السياسي لبعض البنى الاجتماعية التقليدية والنقابات المهنية كرّس حالة من الاستبداد السياسي تعطلت على إثره الدساتير وتمت صياغة قوانين تحصر العمل السياسي في فئة المتنفذين، مقابل مكاسب اقتصادية للطبقة الوسطى ما خلق حالة من الفراغ السياسي والاستحواذ الاقتصادي وتهميش للطبقة الدنيا وتعزيز ثنائية المركز والأطراف.
بقيت الحال كذلك حتى العام 2011 حيث وصل منسوب الشعور بالغبن والتهميش حالة لا عودة عنها عند الطبقة المهمشة – وهي الأوسع – وبعض فئات الطبقة الوسطى التي استشعرت خطر الطوفان القادم، وكذلك فقدانها لبعض مواقعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نتيجة استحواذ المجموعات الحاكمة ومحيطها الانتهازي الصاعد على كل الكعكة. قفزت الطبقة الوسطى العليا والمتوسطة على مركب الحراكات وركبت موجتها وتواطأت مع بقايا الأنظمة التي سقطت رموزها، ومع الرموز التي بقيت نتيجة لمعادلات السياسة الإقليمية والدولية. أفرغت تلك الفئة من الطبقة الوسطى، بالتحالف مع الأجهزة الأمنية القوية العصية على التغيير والإصلاح، أفرغت الحراكات من مضامينها السياسية والاجتماعية عبر تمييعها وذلك لكبح ظهور قيادات حراكية لها القدرة على تحريك الناس وخلق أمر واقع جديد ينهي الشكل السياسي السابق للحراك.
ينسى الناس بسرعة – وخاصة الحراكيين – في كافة البلدان العربية ان هذه الطبقة منذ نشأتها التاريخية الأولى تلعب على حبل التوازنات. لذلك فإن تغيير مواقفها وتحالفاتها تفرضه موازين القوى على الأرض، وبالتالي فإن تمركزها في المنطقة الوسطى يبقى شكليا لكن تحالفاتها أمر آخر يفرضه ما تم ذكره قبلا. فالشواهد على ذلك في دول "الربيع العربي" وغيرها من التي لم تطالها آثار الربيع، تشير إلى أن السلطات الحاكمة ليس لديها النية لإنهاء الطبقة الوسطى، ولكن تطويعها وإبقاء تحالفاتها قائمة مع تلك السلطات. وظهر ذلك جليا في سلوكها السياسي والإعلامي مع حركات الاحتجاج التي اندلعت مؤخرا. فسرعان ما قامت في تخيفيف سقوف المطالب ومحاولة استقطاب مجموعات الاحتجاج لتبقى ضمن دائرة السيطرة ما أمكن. وكذلك سعت بكل أوتيت من قوة على الأرض لشيطنة أو تسفيه غضب الأطراف المهمشة في دولها وذلك بالحديث عن حضارية المراكز في التعاطي مع الأحداث والتماهي مع السلطات الحاكمة لمساعدتها على إعادة انتاج نفسها بشكل جديد بعيدا عن جوهر سياساتها وممارساتها على الأرض. والأخطر من ذلك أنها أبقت على تلك الاحتجاجات بلا رأس قيادي ولا برنامج عمل واضح للتعاطي مع مستجدات الموقف على الأرض. قد يظن البعض أن هذا نصر يُسجَّل للسلطات الحاكمة ولتلك الطبقة، لكني أعتقد أنه مجرد تأجيل لحالة انفجار قد لا تُبقي ولا تذر، ولن تكون الفوضى في صالح احد. فالتغاضي عن حاجات ومظالم الطبقة الدنيا لن يقود إلّا إلى مزيد من الضغط الذي إن انفجر سيحرق الأخضر واليابس. ولنا في تاريخنا عبرة، فكتب التاريخ ما زالت تحفظ فظائع ثورة المهمشين في البصرة (ثورة الزنج) وثورة الفلاحين والفقراء المنهوبين في أرض السواد (ثورة القرامطة)، وفي التاريخ عبرة لمن يعتبر.
لقد تنبهت الكثير من المنظومات الفكرية والسياسية العالمية ووعت ان مبدأ التوازن الهش بين الطبقات لا بد له من الاستمرار لتستمر كل طبقة في المحافظة على مكتسباتها وامتيازاتها. فالسطات الحاكمة والطبقة الوسطى في تلك المنظومات ليسوا ملائكة ولا هم جمعيات خيرية، لكنهم من الذكاء بمكان بحيث قاموا بخلق مؤسسات قادرة على المساءلة والمحاسبة والمعاقبة. فالسلطات التشريعية مثلا، وبغض عن تحالفاتها التي أوصلتها للبرلمانات، تقوم بممارسة أدوارها التشريعية والرقابية على السلطات التنفيذية وتحاسبها على أخطائها ما يجعل للجميع الثقة بالحد الأدنى بنجاعة المؤسسة التشريعية. وكذلك قامت تلك المنظومات بخلق مؤسسات مجتمع مدني تقوم بالضغط على المؤسستين التشريعية والتنفيذية في حالة ظهرت محاولات للاستحواذ على السياسي والاقتصادي في تلك البلدان، ما يخلق شعورا لدى مواطني تلك الدول بأنهم شركاء فعليين في تقرير مصيرهم وأن لهم في تلك البلدان ما يحفظ إنسانيتهم وعدالة توزيع مواردهم الوطنية بينهم؛ وأنهم مصدر الشرعية الوحيد للسلطات الثلاثة في بلدانهم. إضافة إلى مكتسبات أخرى لا تتسع هذه المقالة لذكرها.
لكن لو انتقلنا إلى أوطاننا المنكوبة نجد المعادلة مقلوبة رأسا على عقب. فمؤسسات المجتمع المدني شكلية لاستجلاب المعونات لتعزيز مراكز الفساد والاستبداد، وإن كانت فاعلة فهي ممثل طبقي صريح لا يعنيها ما يتم تقديمه للمجتمع وخاصة الطبقة الدنيا. فهي لا ترى في مؤسساتها غير منافع خاصة وليذهب الآخرون للجحيم. وأما سلطات الدولة الثلاث فحدث عن البحر ولا حرج. فالسلطة التنفيذية ترى المواطنين إما أعداءا أو عبيد وبالتالي لا يعنيها رضى أو سخط هؤلاء عنها، كل ما يعنيها هو من يعطيها شرعيتها – دول الإقليم أو دول العالم القوية المتحكمة بمقدرات الكون. وأما السلطة التشريعية – إن جاز تسميتها كذلك – فهي مجرد دمى خيوطها في يد السلطة التنفيذية وأدواتها الأمنية. لأن الوصول للبرلمانات مرهون برضى الأجهزة الأمنية عن هذا المرشح أو ذاك. كذلك يتم تفصيل قوانين ونظم انتخابية تضمن وصول فئة بعينها من المرشحين. هذا عن الوصول للبرلمان. أما المجالس التي يتم إفرازاها عبر الآليات سابقة الذكر، فهي كساعي البريد الذي يتلقى الرسائل ويقوم بتوزيعها على المعنيين. فالتشريع والرقابة والدفاع عن مصالح وحقوق من انتخبوهم آخر هموم هذه السلطة. بل تشعر أحيانا أنها أكثر ملكية من الملك فيما يتعلق بإصدار القوانين وتعديلها. أما السلطة القضائية التي يُفترض أن تكون حصن المواطنين أمام ظلم وتغول السلطات الحاكمة, فلا تختلف أبدا في ترهلها وانحيازها عن السلطة التشريعية. فالقضاء غير متاح للجميع بسبب الكلف المالية المطلوبة لرفع القضايا، ناهيك عن المماطلة في البت في القضايا المرفوعة وتدني أهلية من يتولى العمل في القضاء. وأخيرا تسرب "مؤسسة الفساد" إلى هذا الجهاز عالي الحساسية.
هل بقي للمواطن المسكين ما يؤمن به وينتمي إليه؟ وهل بقي لديه ما يُشعِره أنه إنسان له كرامة وحقوق؟ أعتقد أن القادم يُنذر بفظائع وفواجع أكبر من أن يتم احتواءها، فالحذر الحذر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,683,213,002
- رهاب الحرية في عقلية العبيد
- تطوير التعليم في الأردن
- قراءة في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني
- مسلسل الخربة ولحظات التأزم الدرامي والسياسي
- مما كتبه ابن بطوطة بعد وفاته
- هل تاهت بوصلة ناصر الزفزافي؟
- نهاية التاريخ؟
- جذورالحَنَق الإسلامي
- صدام الجهل
- صدام الحضارات؟
- الأردن والربيع العربي


المزيد.....




- ما قصة كلبة الهاسكي المندهشة دائماً؟
- بعد خلاف حول أرقام قتلى التظاهرات.. اشتباك كلامي بين مذيع وم ...
- ريبورتاج: تصاعد في الحركة الاحتجاجية العراقية وتجدد للمظاهرا ...
- روسيا: الرئيس بوتين يقدم حزمة من التعديلات الدستورية للبرلما ...
- تدقّ أم لا تدقّ؟ سجال بريطاني حاد حول دق أجراس ساعة بيغ بن ا ...
- محكمة إيطالية: الاستخدام المفرط للهواتف المحمولة يسبب أوراما ...
- تدقّ أم لا تدقّ؟ سجال بريطاني حاد حول دق أجراس ساعة بيغ بن ا ...
- محكمة إيطالية: الاستخدام المفرط للهواتف المحمولة يسبب أوراما ...
- في السودان.. ملوك الغابة تموت جوعا
- صحيفة إيطالية: حفتر يهرب مرة أخرى أمام إنذار ميركل الأخير


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتح عبدالفتاح كساب - الدولة المسخ والبنية الطبقية المشوهة