أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام شرتح - (تقنيات جمالية) في شعر عزالدين المناصرة















المزيد.....



(تقنيات جمالية) في شعر عزالدين المناصرة


عصام شرتح
الحوار المتمدن-العدد: 5895 - 2018 / 6 / 6 - 17:14
المحور: الادب والفن
    


(تقنيات جمالية) في شعر عزالدين المناصرة






1. التعبير بالأسطرة / والمشهد الأسطوري.
2. السرد الشعري / وتمفصل الأنساق الشعريّة.
3. تحوُّلات الضمائر / ولعبة المكاشفة.
4. شعريّة اللغة / ودهشة إسنادتها ومزاوجاتها اللفظيّة.
5. شعرية الحوار / ودينامية المواقف والأحداث.
• الدكتورعصام شرتح (سوريا)














التجربة الشعرية عند عزالدين المناصرة
بين (المثيولوجيا [الأسطورة] / وإيقاع السرد / وبنية الحوار)

كثيرة هي التجارب الشعرية التي تطفو على الساحة الشعرية العربية بمقوماتها الأسلوبية، وخصوبتها الجمالية، حتى ولو لم تكن ذات هوية، أو ذات قضية كبرى مركزية تتمحور عليها أو تؤسس وجودها على محور مركزي، أو رؤيوي تتمحور عليه؛ إذ غالباً ما تكون مثل هذه التجارب مغرقة في تصوير عالم مثالي (عالم حلمي رومانسي) يؤسطر وجوده على شعرنة الجمال، أو شعرنة المتخيل الماورائي البعيد الذي يهدف من خلاله إلى إثارة المتلقي بأشكال تركيبية متميزة، وصور مبتكرة؛ حتى ولو لم تكن هذه التجارب تنطوي على رؤى مركَّزة، ومشاعر دفَّاقة، ومقومات رؤيوية مستقبلية ترى الواقع بعين ثاقبة، وتسعى إلى تغييره قولاً وفعلاً؛ ليس ذلك فحسب، بل تحاول أن ترتقي بإنسانية الإنسان من خلال تعرية الواقع، وكشف سلبياته للمتلقي، ببصيرة ثاقبة، ورؤى منطقية مفاعلة للمشاعر، والأحاسيس، والرؤى، والأحداث دون تزويق أو تزييف يقتل ميزان الصورة؛ ويرمي بالحقيقة الواقعية إلى دائرة التزييف والانحراف، لتغدو في ذمة التاريخ.
وحين نتحدث عن تجربة عزالدين المناصرة الشعرية، فإننا – دون أدنى شك – نقف أمامها عاجزين ليس لقدرتها الفنية، وعمق مدلولها وتجذرها في الواقع، والارتحال عنه إلى جو الأسطورة وعالم الأسطرة فحسب، وإنما لقدرتها على تفعيل الرؤى بما يتناسب مع تطورات الواقع والأحداث في زمن متغير يؤذن بالتأزم، والارتكاس، والحصار... في زمن حاول (المناصرة) من خلاله الارتداد إلى زمن مغاير نقيض للزمن الأول، هو [زمن الماضي]، لتعرية الواقع الحالي، ونبذه في ظل المتغيرات الجديدة القاتمة التي طالته، لهذا جاء ارتداد المناصرة إلى الأساطير بمثابة الارتداد إلى الجذور، إلى الإرث الحضاري المتطور الذي ورثناه عن الأجداد، وما كثافة الأساطير والشخصيات التاريخية في شعره إلا دليلاً على (مرجعية حضارية)، وتأصيل مرجعي لما هو ماضٍ؛ وتقديم لما هو آتٍ في زمن قاتم (عقيم) مؤسس على الدمار، والخراب. وهذا ما وعاه المناصرة بقوله: "الموروث لدي محاولة انتماء دائمة، ومحاولة تواصل، ومحاولة لنفي التشتت؛ ومن هنا، فاستخدام الموروث في شعري يعني دائماً بنية مضادة للواقع، وهو – أيضاً – محاولة لخلق تواصل مع التاريخي، بما يساهم في إعادة لملمة أجزاء الصورة المبعثرة للشخصية الفلسطينية... لذلك كان لا بد من التقاط جوهر الموروث كحافز عاطفي عقلاني جدلي في علاقته بالواقع المعاصر"( ).
والتجربة الشعرية الفذة – من منظورنا – هي التجربة التي تؤسطر ذاتها، من حيث قدرتها على التفرد في زمن مكرور، أو معاد، أو (مستهلك)، في زمن لا يملك الحد الأدنى من التعبير الفني المثير، أو التفعيل الشاعري العميق لما هو مألوف ومتداول، إذ إن عالم الشعر – اليوم – عالم ميت متحجر في قوقعة المناسبات/ والارتحالات داخل الذوات والتجارب الشخصية (الفردانية) التي لا تزيد الشعر إلا تقزماً، وتقوقعاً، وتحجراً، واضمحلالاً، وجموداً؛ بمعنى أدق: إن أغلب التجارب الشعرية المعاصرة اليوم تتمفصل حول دائرة الذات؛ لتصب رغم توجهها للآخر – في بؤرة الذات، مما يجعلها تجارب مذكرات، وليست تجارب شعرية ذات طبيعة شمولية إنسانية، ورؤى مستقبلية منفتحة على الحياة، بتشعباتها الكثيرة، وتمفصلاتها، وتغيراتها اللامتناهية، كمرجع تاريخي زمني يسجل الشاعر فيه بصمته الوجودية على خارطة الإبداع والتاريخ.
وإننا حين نتحدث عن (تجربة شعرية متميزة كتجربة المناصرة)، فهذا يعني إننا نتحدث عن شاعر قضية يمتد في قضيته إلى عالم أسطوري مفتوح لا تحده الحدود، إذ يملك المناصرة رؤية منفتحة، متمردة على المألوف، ونظرة شعرية شمولية ثاقبة تعري الواقع... وتؤسطر الماضي... لا لأنها تحن إلى الارتحال دوماً إلى الخلود، والأسطرة؛ وإنما لأنها ترى في الواقع مرآة للارتكاسات والانكسارات العربية المتتالية التي يندى لها الجبين خجلاً، وذلاً وهواناً، وحياءً.
ومن خلال مطالعتنا في الأعمال الشعرية الكاملة للمناصرة وجدنا أن شعريته تتمفصل على ركائز ومقومات أسلوبية وجمالية عديدة، نذكر من بينها ما يلي:

1- التعبير بالأسطرة / والمشهد الأسطوري:
لا شك في أن للتوظيف الأسطوري دوراً مهماً في تفعيل التجربة الشعرية المعاصرة التي وجدت عزاءها بالارتداد إلى الأسطورة؛ للهروب من ارتكاسات الحاضر وأزماته وانكساراته المتتالية؛ لأن الأسطورة "ليست مجرد حكايات تؤلِّف عمداً، بل هي تعيش بالضرورة في عقل الإنسان، لتقدم له حلولاً، وتعبر عن أوضاعه الاجتماعية وقيمه الخلقية، فضلاً عن حالته النفسية والذهنية الكامنة في الصلات اللاشعورية القائمة بين الأنماط العليا للحياة التي تعبر عنها الأساطير والواقع الذهني والنفسي للجماعات التي تستعمل رموز الأساطير في مواجهة مشكلات حياة غير مستقرة"( ).
ومن هنا تكمن أهمية الأسطورة في توسيع فضاء القصيدة الدلالي بانفتاحها على مؤثرات دلالية تحكي الواقع، وتحايث عالم المثال (العالم الخارق)، الذي تجسده الشخصيات الأسطورية؛ فالأسطورة – استناداً إلى ذلك –: "لا توسِّع الأفق الشعري فحسب، بل كذلك الراهن الاجتماعي"( ). وعلى هذا "فالحكي الأسطوري نسيج من الوقائع الأليفة عند الإنسان التي تنتمي إلى عالمه اليومي، لكنها تنقل – في الوقت نفسه – بصفة دائمة هذا الواقع إلى مستوى أعلى يتعلق بالكون وبالأصول"( ). ولأن الشعر – على حد تعبير وليد بو عديلة – محاولة إبداعية للارتقاء بالواقع إلى فضاء تخييلي يسمو ويرتقي به، ليهرب به من الماديات، والساذجات، ويدخله دروب الروحانية، والصفاء، والبراءة، فإن الاستعانة بالأسطورة تقنية تسعف الروح الشعرية، بخاصة عندما يؤمن الشاعر بأنه( ): [لا تكمن حقيقة الأسطورة في كونها تحكي قصة مقدسة بسبب كونها على صلة بالآلهة، وبكائنات تفوق الإنسان، لكن هذه الحقيقة تكمن في أمر بسيط هو أن الأسطورة لغة الإنسان تعبر عن تجربة يعيشها في أعمق أعماق كينونته، فتكشف له معنى الأشياء غير محدود]( ).
واللافت أن (الشاعر عزالدين المناصرة) قد لجأ الى توظيف التراث العربي بكل ما يتضمنه من موروث أدبي ومثيولوجي (أساطير بابلية / وكنعانية قديمة)، ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما لجأ إلى أسطرة بعض الشخصيات الأدبية القديمة، وإكسابها طابعاً أسطورياً؛ حيث "وجد (المناصرة) في ملامح تجربة (امرئ القيس) الشاعر – بكل أبعادها – ما يحمل أدق ملامح تجربته الحياتية والوجدانية التي تتعلق فيها أبعاد مأساة الملك الضليل الخمسة: اللامبالاة، واللهو، والضياع، والتشرد، والبكاء الموتور، والسعي وراء التأثر والهزيمة"( ).
وقد أسطر (المناصرة) شخصية (المتنبي) دلالة على حالة العقم التي يعانيها؛ منزاحاً بمسار هذه الشخصية من التقديس والإجلاء الى السخط، والتعرية، والغضب، والسخرية بمواقفها ورؤاها، كما في قوله:
"في باب الشامْ
قابلتُ المتنبي وأبا تمامْ
وذهبنا للحانةِ في الشطِّ الغربيِّ المخمور
(صاحبُها ثرثارْ)
ثم سكرْنا حتى جرتْ الخمرةُ في جذعِ الأسرارْ
حدَّثنا عن عقدةِ كافورْ
قال: يحبُّ مديحَ الشعراء ويكرهُهم ويغارْ
سقطتْ فوقي أطنانُ الأشعارْ
من جوفِ أبي تمامْ: هذا الشاعرُ نمَّامْ
ذاك الشاعرُ صرصارْ
فسقطنا في بحرِ التذكارْ
كانَ الشعرُ ندياً كالدافورْ
كان النصُّ كنهرِ الخابورْ"( ).
نلاحظ أن الشاعر – في هذا المقطع – يؤسطر شخصية المتنبي وأبي تمام بمسار منحرف يقوم على الانزياح الداليّ، حيث تلعب شخصية المتنبي دوراً سلبياً غير منوط بها أصلاً؛ فهي هنا شخصية ثرثارة، ماجنة، عبثية، لا تملك الإرادة، والإصرار، والقوة، والشجاعة، القادرة على التغيير؛ نظراً إلى لهوها، ومجونها، واستغراقها في السكر، والعبث واللامبالاة. وهذا ما ينطبق كذلك على الشخصية الرديفة شخصية أبي تمام النمامة، العابثة التي لا تملك القوة، والإرادة القادرة على التغيير؛ نظراً إلى الدور السلبي المنوط بها من ثرثرة، ولا مبالاة؛ وعلى هذا النحو ينحرف الشاعر في مسار استحضاره النصي للشخصيات المؤسطرة في جانبها الحقيقي الملتصق بها أصلاً، إلى مسار جديد غير منوط بها على الإطلاق، بهدف خلق مزاوجة بين الأدوار المنوطة بالشخصية المؤسطرة والشخصية الحقيقية من قبيل التفعيل، والتحديث، والتشعير الدالي للشخصية المستحضرة، والأدوار المنوطة بها.
وقد اعترف المناصرة بالدور الفني المنوط بالأسطورة، إذ إن المناصرة يرى في (الأساطير الكنعانية) الوجه الحقيقي للذات الإنسانية، لهذا استعاض بها عن الأساطير الإغريقية؛ وهذا ما يؤكده بقوله: "بدلاً من استعمال الأسطورة اليونانية اتجهتُ إلى التراث العربي، وفيه الكثير من الأساطير، والمواقف، والشخصيات التي تمثل رموزاً، وكانت ملاحظتي على الرواد أنهم يستخدمون الصور الجاهزة للأسطورة، بحيث تبدو أسماء أبطال الأساطير ملصقات في القصيدة، تماماً كالكلمات القاموسية القديمة التي تقف حجر عثرة أمام انسياب القارئ مع القصيدة"( ).
وفي سياق توظيف المناصرة للأساطير الكنعانية وظَّف الاسم الاسطوري "جفرا" منذ عام (1962) في سياق شعري مؤسطر يقوم على الديالكتيك، والخارق، والجدلي، واللامألوف، كما في قصيدته (جفرا أمي إن غابت أمي):
" من لم يعرف جِفرا... فليدفنْ رأسهْ
من لمْ يعشقْ جفرا... فليشنقْ نفسَهْ
فليشرب كأسَ السمِّ الهاري،
يذوي، يهوي... ويموتْ
جفرا جاءتْ لزيارةِ بيروتْ
هل قتلو جفرا عندَ الحاجزِ،
هل صلبوها في التابوت؟؟!!
طائرةٌزرقاءْ
بنجوم نكرهُها، نلعنُها
صُبحاً، ومساءْ
قتلتْها، فتشظّت قِطعاً حمراءْ.
تتصاعدُ أغنيتي عبرَ سهوبٍ زرقاءْ
تتشابهُ أيامُ المنفى، كدتُ أقول:
تتشابهُ غاباتُ الذبحِ، هنا، وهناكْ.
تتصاعدُ أغنيتي: زرقاءْ و حمراءْ:
الأخضر يولدُ من دمعِ الشهداءِ على الأحياء
اللوحةُ تولدُ من نزفِ الجرحى
الفجر من الصبح إذا شهقتْ حباتُ ندى الصبحِ المبحوح
ترسلني جفرا للموت، ومن أجلكِ يا جِفرا تتصاعد أغنيتي الخضراءْ"( ).
تتأسس الرؤية الشعرية – في هذه القصيدة – على أسطرة الاسم التراثي المعاصر "جفرا"، وتحميله مدلولات نصية متعددة، وأدوار مفصلية تتجاوز المألوف إلى مستوى أسطوري خارق يتبدى بوضوح من خلال الأدوار المنوطة بهذا الاسم؛ فـ"جفرا" رمز الخصوبة، والتضحية، والميلاد، نظراً إلى اقترانه باللون الأحمر، والأخضر، والفجر، والصبح، متجاوزاً دلالته السطحية، ليدل على الميلاد، والخصوبة، والعطاء المتجدد، وهذا ما يعكسه قوله: "ومن أجلكِ يا جفرا تتصاعد أغنيتي الخضراءْ". وعلى هذا يمكن القول: "إن الأسطوري هو البعد المحجَّب من أبعاد العادي. والعادي هو لحظة شفَّافة من خلالها يتراءى الأسطوري ولكنه لا يمنح نفسه إلا للكلام الأصيل الذي يعيد للكلمات حرارتها الأولى، وخطرها الأول: التسمية / التأسيس، وهذا لا يقدر عليه إلا الشعر"( ).
إن "جفرا" رمز أسطوري معاصر وظفه المناصره لتحميله أبعاد مأساتنا العربية؛ ليحل عقدتنا في الخلاص من براثن التخلف، والضعف، والانكسار، لنستعيد حضارتنا البابلية القديمة ومجدنا العربي التليد؛ وهذا الرمز مزيج من الموروث الشعبي والوقائع الحقيقية اتخذه المناصرة رمزاً أسطورياً نزع به الطابع الملحمي في ديوانه الموسوم بـ"جفرا"؛ وهذا ما أشار إليه هو نفسه بقوله "الموروث لدي محاولة انتماء دائمة، ومحاولة تواصل ومحاولة لنفي التشتت، ومن هنا فاستخدام الموروث في شعري يعني دائماً بنية مضادة للواقع، وهو – أيضاً – محاولة لخلق تواصل مع التاريخي بما يساهم في إعادة لملمة أجزاء الصورة المبعثرة للشخصية الفلسطينية.... كان لا بد من التقاط جوهر الموروث كحافز عاطفي عقلاني جدلي في علاقته بالواقع المعاصر"( ).
وقد يلجأ المناصرة إلى أسطرة الأحداث والمشاهد الواقعية بأسلوب ديالكتيكي أسطوري خارق يقوم على تفعيل الأحداث، والمشاهد الواقعية، ذلك "‏إن التجربة الشعورية بما لها من خصوصية في كل عمل شعري هي التي تستدعي الرمز القديم لكي تجد في التفريغ الكلي لما تحمل من عاطفة أو فكرة شعورية، وذلك عندما يكون الرمز المستخدم قديماً، وهي التي تضفي على اللفظة طابعاً رمزياً، بأن تركز فيها شحنتها أو الفكرية على البعد الشعوري، وذلك عندما يكون الرمز المستخدم جديداً"( ). وهذا ما ينعكس على الرمز الأسطوري عند المناصرة، كما في قصيدته (جفرا.... لا تؤاخذينا)، إذ يقول:
" ليلاً ... آتيكِ كقبلةْ
ليلاً ... تجرحني ذكراكِ الدمويةْ
ليلاً... أبكيكِ، فيمنعني غضبُ المجروحْ
ليلاً ... في حلمي، أسري نحو كرومكِ
ليلاً... أسري نحو شعابكِ يا خضراءَ الروحْ.
رُوحي، نحو غزالاتِ القلبِ، وبوحي بالأسرارْ
قبَّلتكِ نحو القبلةِ قربَ رموزٍ حجرية
أشعلتكِ بالغار،
ولملمتُ رمادكِ، ثم نثرتُكِ في الريجْ
طرَّزتكِ في الغيم قطيعاً، يسرحُ في المرجِ المسموحْ
لا ترتجفي، فالأرض تراتيلُ البوحِ،
إذا انطفأتْ شعلتُكِ الفضيَّة
الأرض صلاةٌ صامتةٌ وسكوتُ.
ثم دفنتكِ قربَ صخورٍ ذهبيةْ
علَّمتكِ بالحجر السري علمتُكِ بالحبرِ الصينيّ
ورسمتُك قبَّرةً،
فوقَ ذراعِ أسيرٍ بدويّ مقروحْ
ليلاً... أبكيتكِ، دون كلامْ
ليلاً... سامحتكِ يا شرياني المقطوعْ.
أفرغتُ زجاجَ مراراتي،
ونهرتُ نبيذَ الجوعْ
ليلاً... أتسللُ مثل فدائيٍّ مكبوتْ
كالصلِّ الأرقطْ، أنسابُ على الطرقات الرملية،
أتركُ آثاري... وأموتْ.
كي ينفجرَ الينبوعُ ربيعاً من توتْ"( ).
- يؤسس الشاعر فضاء قصيدته على جو الأسطورة، وفضائها الدلالي الممتد فـ"جفرا" ليست فقط رمزا مؤسطراً، أسطره الشاعر دلالة على الخلاص، والانبعاث، كطائر الفينيق، على نحو ما تبدى في قوله: [أشعلتكِ بالغارِ/ ولملمتُ رمادكِ]، وإنما رمز تاريخي ملحمي مشحون بدلالات كثيفة مشبعة بوميض الحضارات البابلية القدمية بما تمثله من صور ومشاهد قديمة تسترجع الماضي، وترصد الواقع الحالي، لتحايثه، وتسترجعه، وتنفذ في باطنه، لتحكي معاناة الإنسان الفلسطيني (أسطورة المناصرة الخالدة)؛ وهنا يحاول الشاعر أن يجعل نفسه بطلاً أسطورياً، دلالة على الانبعاث والميلاد الجديد، كطائر الفينيق، وعلى هذا صار موت الشاعر علامة الخصب التي تؤكد امتداد تضحية "جفرا" على مر التاريخ؛ فموت الشاعر هو انبعاث لـ "جفرا"، وانبعاث للثورة الفلسطينية، وانبعاث لينبوع الحياة... وربيع التوت. على نحو ما تبدى في قوله: [ليلاً... أتسللُ مثلَ فدائّيٍ مكبوت كالصلِّ الأرقطْ، أنسابُ على الطرقاتِ الرملية،/ أتركُ آثاري.. وأموتْ. كي ينفجر الينبوع ربيعاً من توتْ].
ولعل ولع المناصرة بالأساطير الكنعانية يؤكده قوله: "أن الكنعنة في شعري لا تعني الأحادية، بل هي رمز، وواقع: وتاريخ الاتحاد الكنعاني، إنها رفض الإقليمية وداعية للالتصاق بالأرض، وحتى مسألة المحلية إنها طريق للعالمية، هكذا الكنعانية تأتي لتكون طريقاً للإنسان الآخر"( ).
ويتابع قوله: "كل هذا دفعني للتفكير مبكراً منذأوائل الستينات بعنصر أساسي في الهوية الفلسطينية، وهو الجذور الكنعانية قبل الإسلام، لقد بدأ الأمر عندي عندما لاحظت انسياب الرموز والأساطير الكنعانية في قصائدي بصورة تلقائية، فتذكرت أن العمالقة الكنعانيين أقاموا حضاراتهم الأولى في جبل الخليل، (مسقط رأسي)، ثم انطلقوا إلى الساحل الفلسطيني"( ).
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل اعترف كبار العربية بالقيمة الفنية الموروثة لأشعار المناصرة، ونذكر منهم الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، إذ يقول: "يتميز الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة بلغة عربية فخمة، وموسيقى ناضجة، وبقدرته الفائقة على توظيف عصارة الموروث، بلغة يومية قريبة من النفس، وهو من ألمع الأصوات الجديدة في حركة الشعر العربي الحديث، في النصف الثاني من الستينات"( ).

2- السرد الشعري/ وتمفصل الأنساق الشعريّة:
لا شك في أن لتقنية السرد في لغة الشعر دوراً فاعلاً في تحويل الخطاب الشعري من لغة التكثيف، والإيحاء، والاختزال، إلى لغة التمطيط، والإطناب؛ إذ أن ايقاع السرد – غالباً – ما يركز على المداليل الشعرية باقتناص العبارة السهلة البسيطة (المأنوسة) التي تكون في منأى عن التشفير والترميز الذي غالباً ما يميز لغة الشعر، ولهذا تختلف بنية السرد في لغة الشعر عن بنية السرد في غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى (كالقصة، والرواية، والمسرحية)؛ وقد وعى الدكتور محمود الضبع هذه المسألة حينما فرق بين لغة السرد في الرواية ولغة السرد في الخطاب الشعري، إذ يقول: "إن السرد العربي الحديث – متمثلاً في الرواية – يختلف عن الشعر، في أن الرواية أسست تقاليدها بالاستناد إلى الوارد الغربي منذ البداية، ومن ثم فهي تنتمي إلى غير السائد الشعري الذي تنتمي الى تاريخه ومن ثم، فإن أي حركة تجديدية فيه تظل رهناً للزمن حتى يسمح لها بالاعتراف، والذي غالباً ما يكون إجماعاً. أما الرواية فإن نشأتها التي تدين للوارد ترتبط بالتجريب، والتغيُّر المستمرين؛ مما جعل تطور أشكالها أمراً مقبولاً منذ البداية، وكما تتعدد أشكال الحكي اليومية، تتعدد اشكال الحكي الروائي بين الشعر والسرد في الأدب العربي الحديث تكشف عن مفارقة الشعر الآني لامتدادته التاريخية؛ والهوة المتسعة التي ما تزال تتسع بين الشعر المعاصر، والشعر العربي الذي استقرت مفاهيمه في الذوق العربي عبر قرون. ولكن على العكس من ذلك تأتي الرواية والسرد بعامة"( ).
واللافت أن (تقنية السرد) في قصائد (المناصرة) تتأسس على التشفير، والانزياح، والرمز والأسطرة؛ وهذا ما أكده المناصرة بقوله :"إن الرمز يعني بالنسبة لي خلق جو ملحمي وأسطوري من خلال خلق تناقض بين الماضي والحاضر، أنا لم أكن أبحث في محاولة نقل تجربتي مع تلك الآثار الكنعانية المحيطة بقريتي، كنت أبحث عن نقل دهشتي التي يثيرها تجاوز نقيضين"( ). وعلى هذا، يتأسس وعي (المناصرة) بأهمية تقنية السرد على الدور الوظيفي لهذه التقنية في التوظيف الأسطوري؛ لرصد الأحداث الأسطورية وتعميقها، وتكثيف دلالاتها ورموزها في تفعيل الرؤية الشعرية بعامة؛ إذ يقول: "نحن بحاجة للأسطرة في وجه جفاف الخيال العلمي، ونحن بحاجة إلى لغة رعوية زراعية حديثة تخفف قليلاً من قسوة التسليع والاستهلاك في عصر ثورة الاتصالات التي لم نستفد منها نحن في العالم السادس، بل أصبحنا عبيداً لها"( ).
- ففي (قصيدة: "مذكرات البحر الميت") للمناصرة ، يؤسس أحداثها الأسطورية على تقنية السرد التي تسهم في تبئير الدلالة وتمفصل أنساقها الشعرية على الجدلي، والعبثي، والأسطوري، والخارق، كما في قوله:
"جدّي كنعانُ لا يقرأ، إلا الشعرَ الرصينْ
يلعبُ الشطرنجَ، أحياناً،
يلاعبُ أحفادَهُ، يتشعلقونَ بفرسهِ البيضاءْ
أضف إلى ذلك... جدَّتي
وهيَ من أصلٍ هكسوسيّ،
لكنها، تزعمُ أنها نبطية
تعشق بقرَ الوحشِ في باديةِ الشامِ
تكتبُ على القرميدِ الأحمر، أشعاراً حزينةْ
تحصدُ شقائقَ النعمانْ، في أولِ كلِّ ربيع
ترقص في ملاهي واقْ الواقْ:
1- رقصة الثرثرة. 2- رقصة الفخر. 3- رقصة الهزيمة.
عينا جدّتي زرقاوان، كالبحر الأبيض الأحمر
لها ضفائرُ لولبيةٌ شقراء، كأفاعي الماءْ
وكفلٌ يتماوجُ خلفَها، كفقمةٍ في بحرِ الشمال.
لهذا تزعم أحياناً،
أنها تتقنُ الهيروغليفية،
تتقن الكنعانيةَ الفلسطينيةَ السينائية
تتقنُ الأمازيغية، والسريانية، والكردية ولغاتٍ أخرى،
لا تحصى، ولا تعد رغم أنها، لم تدخل مدرسةَ محوِ الأميةْ
جدتي تحوِّلُ الحجارة إلى سجونْ.
تذرذرُ الترابَ في وجهِ من يديرونَ الشمسْ
تسرق أخطرَ الوثائقِ من خزينةِ السلطان.
جدي كنعان أبيض، مرقط، مثل أمِّ بريصْ
يصطادُ الحمامَ، في أعالي جبلِ كنعانيا
قابلتْهُ الكاهنةُ ذاتُ الأنفِ الطويلِ،
الشعرُ المُنسدلُ على الكتفينْ
الساقُ الملساءُ، كالزبدة، والوجه الأحمرُ،
الحاجب الكثُّ، ضحكتْ لهُ، كاهنةُ البوداي
حتى استرختْ أعضاؤه
شربَ نبيذَ الديرِ الجبليّ،
رمت جسدَها البضَّ عليه، عندئذٍ... قال لها :
خذي... ما شئت... من التراب!!!" ( ).
تتأسس الرؤية الشعرية – في القصيدة – على دينامية السرد القصصي؛ الذي يُسرِّع الأحداث، واللقطات الشعرية الجزئية النثرية؛ وبداهة تركيبها، ووضوح معناها، دون إغراق في التخييل والتجريد الذهني؛ كما في قوله: (جدّي كنعانُ لا يقرأ، إلا الشعرَ الرصينْ / يلعبُ الشطرنجَ ، أحياناً، / يلاعبُ أحفادَهُ، يتشعلقونَ بفرسهِ البيضاءْ... ترى بقرَ الوحشِ في باديةِ الشامِ / تكتبُ على القرميدِ الأحمر، أشعاراً حزينةْ / تحصدُ شقائقَ النعمانْ، في أولِ كلِّ ربيع ترقص في ملاهي واقْ الواقْ). واللافت أن بنية السردتسهم_ في النص الشعري عند المناصرة – في بلورة الأحداث وتوصيفها بدقة على نحو تجعل المتلقي يتملى الحدث الأسطوري بكل تفاصيله ودقائقه الجزئية، على نحو ما تبدى في قوله: (جدي كنعان أبيض، مرقط، مثل أمِّ بريصْ / قابلتْهُ الكاهنةُ ذاتُ الأنفِ الطويلِ، / الشعرُ المُنسدلُ على الكتفينْ / الساقُ الملساءُ... رمت جسدَها البضَّ عليه، عندئذٍ... قال لها: خذي... ما شئت... من التراب!!!). ومن هنا يمكن القول: لقد لجأ الشاعر – في هذه القصيدة – إلى الأسلوب الحكائي التوصيفي في رصد الحدث الأسطوري بكل تفاصيله الجزئية، من توصيف للجد، والجدة، والكاهنة؛ معتمداً أسلوب السرد القصصي البسيط؛ وعلى هذا. "اتخذ السرد طريقة في بنية دائرية؛ إذ هو في الأساس سمة من سمات النثرية، بل يمثل ماهية النثر – بتعبير أدق – إلا أن آلياته تم استعارتها ونقل حق اشتغالها إلى الشعرية، وهو انتقال قديم أسسته (القصيدة القصة) كما يمكن تسميتها في الشعر العربي القديم، وكرست له شعرية الشعر الحر، وقصيدة النثر، اللتان استطاعتا توسيع بنية السرد من خلال عناصر الحدث، والزمن، والوصف وتعدد الخطاب، والتنظيم السردي... إلخ. هذه التقنيات السردية التي اعتمدتها الشعرية في تشكيلها للنص"( ).
وقد يعمّق (المناصرة) دلالة السرد الشعري في سياق تصويري يفاعل المشهد الشعري العام، ويزيد من دينامية الصورة وبينتها الإيحائية، كما في قوله:
"أيقظوها... طفلةٌ تهوى الهدوءْ
تحلمُ الآن بأعشابِ، ستنمو، وبروقٍ ورعودْ.
أيقظوها، كان وادينا، سيحمي ظلها المدود، من فوق الطريقْ.
أيقظوها، هي تمشي في الضبابْ
سكتوا... لم يطردوها...
نحن نحميها، إذا عزَّ الصديق.
أيقظوها، طفلة خضراءَ في حضنِ الجبل
حملوا كل المعدّات الثقيلةْ
راهنوا أن لا تصلْ.
أيقظوها، دمروها، أحرقوها...
بثياب العرسِ والحناءِ والزهوِ الجميل...
رغم هذا، قاومتْ حتى الأصيل"( ).
- فالقصيدة رغم طابعها السردي البسيط تحفل بالصور الجديدة المبتكرة التي تشي بالعمق والانفلات من طابعها الومضي السريع، إلى التكثيف التصويري، والتفعيل المشهدي بصورة رومانسية، غاية في الرقة والحساسية الشعرية: [أيقظوها، طفلة خضراءَ في حضنِ الجبل أحرقوها... بثياب العرسِ والحناءِ والزهوِ الجميل... رغم هذا، قاومتْ حتى الأصيل]. والملاحظ أن آلية السرد تتخذ طابعاً شعرياً أكثر من طابعها النثري، من حيث اعتمادها على الإيحاء، وتكثيف الرؤية، وتعميق المغزى الدلالي لمشهد الفتاة، من توصيف، وتصوير، وتمركز مشهدي للقطات الرومانسية التي تختزل رؤى عديدة، كما في قوله: [أيقظوها... طفلةٌ تهوى الهدوءْ / تحلمُ الآن بأعشابِ، ستنمو، وبروقٍ ورعودْ]، وهكذا يمارس المناصرة السرد في قصائده، إما لتكثيف المشهد الأسطوري وتعميق مغزاه، وإما لتكثيف المشهد الشعري، وتوصيف صوره، وتحريكها دلالياً وايقاعياً، وهذا ما يحسب لقصائده التي تتخذ طابعاً سردياً من حيث تمفصلها على الجدلي، والمثير، والديالكتيكي؛ مما يجعلها ذات حراك داخلي على مستوى الدوال والمدلولات في المشهد الشعري، أو الصورة الكلية المؤطرة للمشهد العام.

3- تحولات الضمائر/ ولعبة المكاشفة:
ونقصد بـ[تحولات الضمائر]: اللعب الحر بالضمائر، حيث يقوم الشاعر بالانتقال من ضمير إلى آخر في النسق الشعري؛ مما يجعل (الدفقة الشعرية ذات بنية متحولة) تشتغل على أكثر من ضمير، الأمر الذي يمنحها حركة دائبة مستمرة لا تستقر على حال. وإن اللعب بالضمائر ليس من سمات اللغة الشعرية فحسب، وإنما من سمات السرد القصصي والروائي. وهذا ما أشار إليه الدكتور محمود الضبع بقوله: "إن إحدى السمات الفارقة للسرد هي التحولات الضمائرية. ففي الشعر تبرز الذات المتكلمة مقدمة للحدث المسرود، ولكنه في نص السرد الشعري يكون الحدث هو المركز، ولا يتخذ الراوي موقفاً محدداً على وجه الخصوص، بل يصبح ذاتاً متحولة، نتقل على امتداد النص المسرود، بين ضمير المتكلم والمخاطب مفرداً وجمعاً؛ وهنا تغدو الشعرية مرهونة لا بعوامل خارجة ومحددة سلفاً، وانما ترتهن بذات المبدع، وهنا أيضاً تظهر آليات اشتغال جديدة تحكم منطق النص، ويظهر التناص بتمفصلاته، ويتواتر على هيئته اشتغاله في السرد الشعري؛ ما بين استحضار أصوات، وجدالها، ومحاوراتها، أو حتى تجاورها في النص، وحينها يتسم الخطاب – الروائي الشعري – بالتعدد اللغوي، والتنوع الكلامي، واللعب الضمائر، والمراوغة في تحولاتها. إنها اللذة التي تمارسها الذات الكاتبة، نقلاً عن الواقع الحياتي لصورة الحياة المراوغة دوماً، وهو تصور شعري بالأساس، لا ينقل الواقع بحرفيته، ولا باحتمالاته، وإنما ينقله بمفهوم الممكن (غير المعقول)"( ).
ويلجأ (المناصرة) إلى (لعبة المكاشفة والمراوغة في التحول واللعب الفنتازي بالضمائر)، بغية تحريك ايقاع السرد الشعري من جهة، وتفعيل الأنساق اللغوية بمدلولات جديدة من جهة ثانية، على نحو تسهم في تحريض الدلالة؛ وكشف الأنساق اللغوية المتفاعلة، وتحريك المنتج الدلالي الذي يتحول بسيرورة الأنساق اللغوية من ضمير إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، لكسر الألفة المعتادة، ومن ثم الخروج بالأنساق أوالأرتال اللغوية من المعتاد إلى غير المعتاد، على نحو ما نلحظه في قوله:
"شجر البندقِ حيَّاني على دربِ الغيوم الراكضةْ
قهقهَ الرعدُ على هامِ السفوحِ الراجفةْ
قمتُ ناديتُ عليها،
حيث غطّاني الوشاحْ
حرقةً خضراء في جوفِ الليالي الخائفةْ
كانتِ الراحاتُ تصطفُّ على سطحِ البحيراتِ
صفوفاً كذؤاباتِ الذرةْ
وسقتني نجمةٌ مأسورةٌ من كأسها الملآنِ، راحْ
ثمَّ مرت غجرياتٌ يغازلنَ طبولَ الريحِ في الغابات،
كانَ السحرُ في حور القوامْ
شجرُ البندقُ عرَّشَ في قيعانِ روحي... يا سلامْ.
منزلاً من خشبِ الوردِ على قرميدهِ، غنَّى اليمامْ
فتذكرتُ أيا غائبتي رمانةً مزروعةً في بابِ شامْ،
يا صهيلاً غامقاً كالأرجوانْ
وحده النخلُ بعيداً كانَ في باديةِ الروحِ صليباً من رخامْ"( ).
تتمفصل بنية السرد – في القصيدة – على لعبة المكاشفة والتحول في حركة الضمائر من بنية الضمير [هو  أنا  أنا إلى أنت وأنا  هو – هي]؛ وهو تحول في بنية السرد الشعري بما يتناسب وحرارة المشهد الشعري من جهة، وطبيعة الصور وتجسيدها المشهدي التفصيلي الدقيق من جهة ثانية؛ وعلى هذا تتناوب الضمائر في حركة سردية دائبة مستمرة بالانتقال من الضمير أنا إلى الهو أو "الأنت"، في محاولة من الشاعر تعميق المشهد الشعري، وتحريك ايقاع السرد حركة مدلولية كاشفة تنتج عن تفاعل الأنساق والصور الشعرية بما يتلائم وطبيعة السرد الشعري ومنعرجاته الدلالية من حيث تراكم المشاهد والصور في اللقطة الواحدة أو المشهد الواحد ، كما في قوله: "قمت ناديتكِ فانزاحَ الوشاحْ / كانتِ الراحاتُ تصطفُ على سطح البحيراتِ كذؤاباتِ الذرةْ / وسبقتني نجمةٌ مأسورةٌ من كأسِها الملآنِ راحْ / ثمَّ مَّرت غجرياتٌ يغازلن طبولَ الريحِ". واللافت أن الشاعر – في قصائده – عندما يتحول من ضمير السارد (المتكلم) إلى ضمير الغائب؛ ومن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم يقيم حركة دالية (نوسة ايقاعية) في بنية السرد تتماوج مع طبيعة المشهد الشعري، مما يعمق رؤية القصيدة، ويوجه المدلولات صوب حركة الضمائر ولعبتها المثيرة، بالانتقال الى ضمير المتكلم (أنا) إلى ضمير المخاطب (أنتِ)، إلى الغائب (هو أو هي)؛ مما يؤدي إلى تكثيف الصور، وتراكم المشاهد والرؤى والدلالات بما يتناسب وتراكم الأحداث من جهة، وطبيعة المشهد الشعري، ورؤيته المكثفة لصور الواقع والحياة وتناقضاتها الجدلية كما هي على أرض الواقع بصخبها وتشتتها من جهة ثانية.
وقد يلجأ (المناصرة) إلى لعبة المكاشفة، والمراوغة، واللعب بالضمائر في المساقات الأسطورية؛ تلك المساقات التي تتطلب كماً هائلاً من الصور، والمشاهد، والأحداث، والشخصيات المتراكمة، والرؤى، واللقطات على نحو مكثف، كما في قوله:
"للحقل المترامي الأطرافْ
هرعوا يصطفون،
قطافُ سنابلِ قريتنا، حانْ
نحنُ الأرضُ، ونحنُ الماءُ الْ يروي، هذا الوادي المترامي الأطرافْ
عيني اليسرى رفَّتْ... إني من هذا اليومِ أخافْ
عاصفة الضوءِ الكشافْ
إني من هذا اليوم أخافْ.
قالوا: ذاك زمانُ الذبحِ، فلا تكترثي
عصفورٌ بين أصابعنا المشقوقة
يُطعمُ أطفالَ القريةِ... لا تهتمي
يا جفرا النبعْ، ويا جفرا القمحْ، ويا جفرا الطيُّونِ،
ويا جفرا الزيتونْ، السريسْ الصفصافْ
قالتْ: إني من هذا اليومِ أخافْ
البحرُ جميلٌ يا جفرا
حزنُكِ لهبٌ شفَّافْ...
قالتْ: إني من هذا اليوم أخاف...
الأسودُ حولَ حقولكِ طافَ وطافَ وطافْ
الأزرقُ غيطانكِ...
صمتُ البحرِ رموزٌ، والقتلُ قطافٌ،
وقطافُ الليمونِ قطافْ.
قالت جفرا : إني من هذا اليومِ أخاف"( ).
تتأطر الرؤية الشعرية للحدث الأسطوري من خلال المراوغة والمخاتلة في تحولات الضمائر، من ضمير إلى آخر، ضمن المساق الأسطوري؛ وقد لعب الشاعر بايقاع السرد من خلال بنية الحوار؛ مما عمق المدلول الشعري للصور السردية المتتابعة من جهة، كما في قوله: [قالوا: ذاك زمانُ الذبحِ، فلا تكترثي / عصفورٌ بين أصابعنا المشقوقة / يُطعمُ أطفالَ القريةِ...]، وعمَّق الحدث الأسطوري من خلال استحضار الرمز الأسطوري [جفرا]، ومدلولاته النصية المكثفة الدالة على الخصب، والعطاء، والخير، والحياة، والانبثاق؛ والميلاد الجديد، كما في قوله: [يا جفرا النبعْ، ويا جفرا القمحْ، ويا جفرا الطيُّونْ، ويا جفرا الزيتونْ، السريسْ الصفصافْ]، واللافت أن التحول من موقف الذات الساردة من ضمير إلى آخر، من ضمير [هم=نحن، إلى أنت = هو = هم] قد ولد حركة متماوجة كسرت سيمترية الإيقاع السردي الرتيب؛ بالتحول المفصلي في حركة الضمائر من جهة، والتحول بالأحداث الأسطورية وصورها المتتابعة من جهة ثانية؛ وهو تحول يشي بحالة من الانفلات من قوقعة التوصيف السردي البسيط الممطوط، إلى التشكيل الاستعاري والرمزي الدلالي المراوغ، في حركة الضمائر؛ على مستوى تراكم الصور والرموز الأسطورية التي تحولت بوساطة إيقاع الحوار من إطارها الواقعي المحكي البسيط، إلى إطارها الأسطوري المراوغ، عن طريق أسطرة الحوار عبر اللازمة التكرارية التي حركت بنية السرد [إني من هذا اليوم أخاف]؛ وكأن مدلول الصور والرموز الشعرية تتأطر على اللازمة التكرارية ومستلزماتها الدلالية؛ فـ"جفرا" التي هي رمز الخصوبة والميلاد الجديد؛ حملت في ثناياها السواد، لون القتل والدمار؛ إلى الأرض الفلسطينية، فبدلاً من أن تكون المنقذ أصبحت ضحية الموت والدمار الذي حل بالأرض الفلسطينية [والقتلُ قطافْ / حولَ حقولكِ طافَ وطافَ وطافْ]. وعلى هذا النحو؛ لعبت تقنية المراوغة الفنية للرموز الأسطورية دوراً مفصلياً في تعميق الحدث الأسطوري من جهة، وتعميق المدلولات النصية للرموز الأسطورية من جهة ثانية؛ مما عمق بنية السرد وكثف مدلولاته النصية بتضافر بنية الحوار على نحو مكثف، فاعل المشهد الشعري بشكل عام، وليس بشكل جزئي مقصور على الحدث الأسطوري وصوره الممطوطة في ثنايا النص.

4- شعرية اللغة/ ودهشة إسناداتها ومزاوجتها اللفظية:
ما من شك في أن بنية اللغة الشعرية تختلف بأنساقها ومستويات إسناداتها عن اللغة النثرية العادية، أو لغة الواقع المألوف؛ وهذا بديهي من منظورنا_إذ: "أن اللغة عبر الوظيفة الشعرية الاهتمام إلى ذاتها، بوصفها منطوقاً ينتظمه أسلوب معين، وهي على هذا الاساس ليست مجرد وسيلة للتعبير عن العواطف كما هو في النمط التعبيري، أو محاكاة الواقع كما هو في نمط المحاكاة. ويعد التركيب المتميز لأجزاء الكلام، والقافية والإيقاع، والمفردة الخاصة وغيرها من تقنيات الشعر، ووسائل تحقق اللغة من خلالها دفع نفسها إلى المقدمة بحسبانها مركز النص الشعري، وهو ما يجعل الأسلوب الأدبي المترتب على هذه النظرة ميالاً الى التجريب اللغوي / وكسر القاعدة المعيارية، بحثاً عن شرارة الشعر، التي لا تنبثق إلى بحصر الاهتمام في مستوى اللغة والتعامل تجريبياً معه"( ).
وبناءا على هذا، فالاسلوب الشعري هو الذي يمنح اللغة رونقها الجمالي؛ وبعدها التخييلي الإثاري، لأن اللغة – بالأساس – "بناء مفروض على الأديب من الخارج، والأسلوب مجموعة من الإمكانيات تحققها اللغة، ويستغل أكبر قدر منها الكاتب الناجح أو (صانع الجمال الماهر) الذي لا يهمه تأدية المعنى وحسب، بل يبغي إيصال المعنى بأوضح السبل، وأحسنها، وأجملها، وإذا لم يتحقق هذا الأمر فشل الكاتب، وانعدم معه الأسلوب"( ).
والشاعر الحاذق هو الذي يتفنن في تشكيل هذه اللغة بما يتلاءم ورؤيته الخاصة من جهة؛ ومقدرته الفنية على التلاعب بالعناصر اللغوية، لتحقيق الإثارة الشعرية من جهة ثانية، ومن هنا، يأتي تعريف (جان ما كاروفسكي) دقيقاً في تعريفة للغة الشعرية، إذ يقول: (اللغة الشعرية هي الخلفية التي ينعكس عليها الانتهاك المتعمد، بهدف خلق جماليات للعناصر اللغوية التي تكوِّن العمل؛ لأنه خروج متعمد على القواعد المعيارية للغة)( ).
- وقد عمد (المناصرة) إلى التفنن في اسناداته اللغوية من خلال الانحراف الدلالي، والانتهاك المتعمد للغة، وتفعيل المزاوجات اللفظية، وإسناداتها اللغوية، مما ينعكس إيجاباً على بنية النص؛ ولغته الشعرية التي تأخذ لبَّ المتلقي بسحرها وتمفصلاتها التشكيلية المثيرة كما في قوله:
"الدمعُ هنا بينَ الأدغالِ المرويةْ، بالمطرِ السحريِّ الأزهر،
يتراقصُ في الغاباتْ.
ودماءُ الزنجِ، هنا،
صارت مزرعةً عاشقةً،
حينَ انهمرَ المطرُ السحريُّ الأخضرْ
صار الجبلُ الصخريّ مزاراً للعشاق، منارات.
في بابِ الشامْ، وفي بابِ الطاقْ،
السياحُ الأفواج، جماعاتٌ كالطيرِ الراحلِ نحو مساقط غيماتْ
من بعد عجافٍ أكلتْ صخرَ الأرضِ وأثداءِ الرمان.
تذكرت ينابيعَ الزيتونِ،
رأيتُ حبيبي بين الشلالِ الهادرِ، والماءِ الصافي الفتانْ
فأنشدتُ، وأنشدتِ الغاباتُ معي.
مدنٌ كالعشقِ، تقاطيعُ الغزلانْ.
بحارٌ كالعفوِ – ربيع من عسلٍ... وبناتْ.
قابلتُ البنتَ البيضاء القلبِ، فما ابتسمتْ طيلة جلستِنا
شربتْ وشربتُ
امتزجَ الدمعُ بنارِ الكأسِ، فأشرقتِ الأيامْ
قتلوا والدها في الحرب العظمى السريةْ
وعلى مقعدنا الحجريِّ النمامْ
مرَّت أسراب النملِ الأسودِ، فوقَ الساقين المصقولينْ.
للكنعانيات ضفائرُ شقراءُ،
وفارعةٌ، كالحورةِ قربَ العينْ. الحناءُ الخمريُّ على الأوداجْ
اللوزُ الأخضرُ مزروعٌ في العينينْ
كانت أم الغيثِ الخضرا في الليلِ، سراجاً وهاجاً،
غائبةً كانت في طرقات المنفى،
في أدغالٍ، لا حدَّ لعينيها السوداوينْ"( ).
- يقوم المتخيل الشعري – في هذه القصيدة – على التفنن والتلاعب في الإسنادات اللغوية، بما يتناسب وسياق الأسطورة ومؤولاتها النصية من جهة، والحركة التصويرية وانزياحاتها التعبيرية: من مراوغة، ومخاتلة، ومزاوجة، وشرخ في الإسناد على مستوى انحراف الدال عن المدلول؛ باسناد صفات لا تلائم الموصوف، أو تقف منه موقف الند للند، أو الضد للضد، أو المترادف للمترادف، من جهة ثانية، كما في قوله: [المطر السحريُّ الأزهرُ= المطر السحريُ الأخضرُ] و[الشلالُ الهادرُ / الماء الصافي]، و[مقعدنا الحجري النمام / مدن كالعشق تقاطيع الغزلان]، من خلال إسناد لغوي توازي أو توائم بين الحسي والمجرد في سياق وصفي أو إضافي منحرف على مستوى الدوال اللغوية، واسناداتها المجازية العبثية التي تشي بجو ملحمي صراعي، يؤسِّس بجو الأسطورة، مشكلاً كينونتها في الزمان والمكان، مما يجعل الصورة الفنية انبثاقة مدلولية للفضاء الشعري المتخيل؛ ومثيراته التصويرية، من رؤى ومنافذ مدلولية تؤسطر الحدث والصور على نحو ديالكتيكي ازدواجي مكثف، يؤاخي بين "الواقعي / والفنتازي" (الأسطوري)، وبين "الحسي / والمجرد" ، كما في قوله: [للكنعانيات ضفائرٌ شقراءُ،/ وفارعةٌ، كالحورةِ قربَ العينْ... الحناءُ الخمريُّ على الأوداجْ]، ومتماشياً مع الرؤية الأسطورية ومثيراتها الدلالية القائمة على المخاتلة والمراوغة في الإسناد، يعتمد الشاعر أسلوب السرد القصصي في تفعيل حركة الصور وإكسابها بعداً متخيلاً تأخذ لب المتلقي بسحرها وتمفصلاتها التشكيلية الجدلية المثيرة، مما يجعل القصيدة غابة مكثفة من الرؤى والدلالت المتراكمة أو المتهالكة على عالم القصيدة ودوالها الشعرية كافة؛ الأمر الذي يكسبها غموضاً شفيفاً أحياناً، وتشظياً مدلولياً يحرك إيقاع القصيدة أحياناً أخرى، دلالة على حالة القلق والصراع النفسي، أو التشظي الداخلي المسكون في ذات الشاعر المأزومة أو المرتكسة بالمرارة والأحزان، وكأن الشاعر بهذا الأسلوب يبحث عن أسطورته الخالدة الساكنة في دمائه وفي دماء كل فلسطيني، ومنهم الشعراء. وقد يقوم الشاعر بشعرنة اللغة من خلال إيقاع الصور المرهفة الحساسة وتمفصلاتها الجدلية التي تترك حيزاً مدلولياً واسعاً بين الدال والمدلول على نحو تتسع الهوة أو مسافة التوتر بينهما، على نحو ما تبدى في قول (الشاعر المناصرة):
"احفروا لي هناكْ
قربَ دير الملاكْ
حُفرةً، واملؤوها نبيذاً، وتمراً، وقاتْ
تحت درِّاقةٍ، صوتها في العروقْ
وادفنوا جثَّتي، في طريق البنات
قبل شمسِ الشروقْ
ستمرُّ النساء اللواتي لبسن الحدادْ
حاملات دمي في زهور الصلاة.
احفروا لي هناكْ
حفرة في البقيعْ
ثم غطوا ضلوعي، لئلا أموت من البرد،
تحت الصقيعْ.
ثم لا ترفعوا ساعديْ!
ستحنُّ الجنادبُ يوماً عليّ
الزنابقُ مختالةً سوفَ ترفعُ ثوبَ الخضوعْ
الثعالبُ سوف تمرُّ هناكْ.
احفروا حفرةً للكلامْ
واغسلوها بسيل الدموعْ
فأنا إن صحوت أجوعْ
مدنٌ كالشوارعِ، لا تستطيعُ السكوتْ
رغم هذا وذاك، تموتْ.
مات فيَّ البكاءُ الأصيل المطيرْ
عندما يتساوى الرقادْ
في رماد النذور الوثير، مع النوم فوق السرير.
احفروا لي هناكْ
قرب دير الملاكْ
حفرةً... واملؤوها نبيذاً وتمراً وقاتْ
وادفنوا جثَّتي في طريقِ البناتْ"( ).
- تتأسس الرؤية الشعرية – في هذه القصيدة – على شعرنة اللغة وجدلياتها المتفصلة على التدبر، والتأمل والاستغراق في التغريب، والانتقاء الفني، والتجريد، كما في قوله: [ستمرُّ النساءُ لبسن الحدادْ / حاملاتٍ دمي في زهورِ الصلاة]؛ وعلى هذا، تعد اللغة الشعرية – في قصائد المناصرة – من المثيرات الجمالية التي تغذي دفقاته الشعرية بتراكيب مبتكرة جدلية متمفصلة على الغريب والشاعري والمثير، كما في هذه التراكيب الشاعرية المرهفة: [ماتَ فيَّ البكاءُ الأصيلُ المطيرْ... الزنابقُ مختالةً سوفَ ترفعُ ثوبَ الخضوعْ]؛ فاسناد صفة الأصيل والمطير إلى البكاء إسناد مجازي؛ يولد الشاعر منه ما هو جدلي، مؤسس على الفانتازي (غير المألوف) أو مجاوز للمعتاد على صعيد الإسناد؛ إذ فيه من الشاعرية والانزياح البلاغي ما يجعل العبارة مقتنصة بفنية عالية، حيث ينقلنا الشاعر في هذه العبارة من الوئام، والمصالحة التركيبية، إلى المخاتلة والمراوغة الإسنادية، مما يكسب النص الشعري بعداً جمالياً ودلالياً، تلعب اللغة فيه دور المفصل الفني القادر على إثارة التحول والانزلاق التعبيري في مسار الدوال والمدلولات، حيث يتولد من اللفظة الواحدة عدة دلالات ومعانٍ جديدة متفاعلة على صعيد التمظهرات اللغوية وإسناداتها الجدلية كما في قوله [مدنٌ كالشوارع، لا تستطيع السكوتْ / رغم هذا وذاك، تموتْ]؛ فاسناد صفة الموت الى المدن إسناد مجازي فيه من المباغتة المشهدية ما يجعل الحركة الشعرية تتمفصل على التحول والإنزلاق في المسارات التعبيرية من حيز التوقع والمحتمل، إلى حيز المباغتة والانتهاك، والمراوغة، واللامحتمل، وهنا تحاول الدوال اللغوية المختلفة في هذه القصيدة أن تثير مدلولات جديدة، فيها من المباغتة والمفاجأة أكثر مما فيها من الملائمة والمشابهة على نحو تجعل تراكيبه الشعرية في حراك دلالي مستمر على صعيد التمظهرات اللغوية واسناداتها المجازية التي تجعل المتلقي دائما في توجس وترقب وتوقع لما هو جديد وفانتازي ومثير على صعيد التركيب والإسناد؛ ومن هنا، "تعد اللغة عنصراً فنياً ومكوناً بانياً في الشعر، لأن الشعر هو اشتغال باللغة وعليها"( )؛ ولا يمكن لأية قصيدة أن تحقق بذرة شعريتها إلا بمتظهراتها اللغوية الجدلية، ومثيراتها التركيبية، وانزياحاتها التشكيلية على مستوى الإسناد أو المتمفصل التركيبي الشاعري المثير.

5- شعرية الحوار/ ودينامية المواقف والأحداث:
ما من شك في أن تراسل الفنون وتداخلها مع بعضها بعضاً أدى إلى تمفصلها وتفاعلها في التقنيات، والخصائص والوظائف؛ فالحوار الذي هو عنصر بنائي جوهري في القصة والمسرحية والرواية لم ينل هذا الدور في لغة الشعر العربي القديم، ولا في لغة الشعر العربي الكلاسيكي الحديث؛ أما في لغة الحداثة الشعرية – عموماً – فقد غدا الحوار عنصراً مهما من عناصر شعريتها، شريطة أن ينتج عن رؤية متكاملة وبعد تخييلي شاعري عميق يعتمد ديالكتيك التهكم، والسخرية، والاستقصاء، والتعرية، والمكاشفة، والتحريض، والمناورة، والمجادلة؛ وهذا ما أشار إليه الناقد محمود الضبع بقوله: "إن شعرية الحوار ملمح شعري مهم كان يمكن دمجه مع شعرية الخطاب / اللغة الشعرية، بوصفه ممارسة لغوية تتم عبر النص الروائي، كان أيضاً يمكن دمجه مع شعرية الشخصيات، بوصفه الممارسة اللغوية الناتجة عن تحاور عدة شخصيات، ولكنه – في حقيقة الأمر – وإن كان يشترك معهما إلا انه تضمه قرينة خاصة به، فشعرية الحوار تُنتَج تبعاً لمشهد سردي قد يكون مغايراً للرؤية الشعرية، وتتجلى تكويناته في حوار الشخصيات ، فيما بينهما، والحوار الداخلي (المونولوج) في نفس السارد، أو المسرود عنه، والحوار الهامشي الذي يمكن أن ينتج عن تعدد التأويل أي الشعرية الحوارية التي تعتمل في نفس المتلقي في آن قراءته للنص"( ).
ويحدد الأنماط اللغوية التي يتخذها الحوار في لغة الشعر والرواية قائلاً: "وتتخذ هذه الحوارية أنماطاً لغوية تتنوع بين: الجدل، والمساءلة، والسخرية، والتهكم، والتحريض، والهجاء، وكل نمط من هذه الأنماط يمارس تشكله عبر حوار الشخصيات، والحوار الداخلي، ولكنه يتخذ اتجاهاً مضاداً على الدوام، أي يكون ناتجاً هذه المرة من المتلقي، وفي اتجاه النص"( ).
وتعد تقنية الحوار في – لغة الحداثة الشعرية – بمثابة المحفز الدلالي في الكشف عن المسكوت عنه أو العالم النفسي الداخلي الذي يتغور أعماقه ويكشف عنه من خلال بنية الحوار؛ بغية تعرية الواقع وكشف سلبياته من جهة، والنفاذ من خلالة إلى رؤاه وتطلعاته وأهدافه، وأيديولجيته الفكرية من جهة ثانية.
وقد لجأ (المناصرة) إلى شعرنة الحوار من خلال تبئير الرؤية حول مثيرات الحوار وأشكاله التعبيرية الجدلية في الكشف عن دينامية المواقف، والأحداث، وصراع الشخصيات؛ بمعنى أن المناصرة عمد إلى تكثيف رؤيته في بنية الحوار؛ لتنطق بما يريد أن يقوله هو بالذات؛ لكشف المسكوت عنه، أو الصوت الداخلي الذي يتأجج في ذاته بما يحتويه من مكاشفة واحتجاج، وتهكم، ونقد لاذع للواقع ومتناقضاته الكثيرة.
والجدير بالذكر أن أغلب مساقاته الحوارية التي يفجرها (المناصرة) – في نصوصه – تأتي في سياق أسطورية مكثفة غالباً ما تأتي دلالة على حالة التشظي، والتوتر، والصخب النفسي "الهذيان"، الدال على حدة الصراع، والتأزم، والانكسار، على نحو ما نلحظه في قوله:
"قلت أشمُ عظامَ الأجدادِ المحترقة،
في هذا الليلِ المكدودْ؛
قلتُ: إذنْ مرَّ الكنعانيون هنا أيضاً بالتأكيد
الولدُ الأندلسيُّ على بابِ الفندقِ أهداني موعظةً، تبقى كقصيدي المنقوشِ
على سطح القمر النمَّامْ
طنجة عاصفةٌ في الصيفْ
ورقادٌ شتويٌ في باقي العامْ
طنجةُ أبنيةٌ من لحمٍ مسروقْ
اللحظةُ سيدةٌ... في السوقْ
طنجةُ عرسٌ دمويٌ مجبولٌ بالدمع وبالحناءْ
وانظر صدغيها: ورمٌ
اللذةُ ذابلةٌ في الحاءِ وفي الباءْ.
عشاقكِ – طنجةٌ – صيفيون،
وعاشقك الأبدي ينظف ساحاتكِ من ذهب الغثيانْ.
ظلّت نرجسية تتبعني حتى أقطفها،
لكن هاجَمني النسيانْ
عندَ السورِ الورديّ الفتانْ
بعتُ الموعظةَ بصوتين
وتوشيةٍ من رملِ المايةِ، وغصونِ الرمانْ
الإيقاع يعذِّبني، الإيقاع يدَّمرني،
الايقاعُ يلاحقني إيقاعُ الرخوياتْ يلاحقني،
صدقني حتى الآن"( ).
- يأتي المقطع الشعري كاملاً مبنياً على الانكسارات، أو الصدمات اللغوية (التصويرية) المراوغة التي تدل على حالة التشظي والصخب النفسي "الهذيان"، التي تفجرها سلسلة الصور المتتالي في القصيدة؛ وهي صور تكاد تكون كابوسية مغرقة في التشظي، والانهيار، والعبث الاسنادي الدالي والمدلولي في آن، ليس فقط على صعيد بنية السرد، وإنما كذلك على صعيد ديالكتيك الحوار، إذ يأتي الحوار بوحاً ذاتياً أو مونولوجياً داخلياً، مرده الذات، ومستقره الذات في صراعها، وقلقها، وتوترها، وصخبها، وإحساسها بالتلاشي؛ الذي يضعها بين المتناقض من الوجود والعدم، وكأنها صور كابوسية تستفرغ الذات؛ في إحساسها بالتناقض والتلاشي والإحساس بالعدم؛ حتى لتبدو جميع الأشياء من حوله أشباح تؤذن بالدمار والخراب على نحو ما تبدى في قوله: [الإيقاع يعذِّبني، الإيقاع يدَّمرني، الايقاعُ يلاحقني يقاعُ الرخويانْ يلاحقني، صدقني حتى الآن].
واللافت أن المناصرة في مساقات الحوارية يكثف المواقف والرؤى والاحداث، ويراكم الحالات والمشاهد؛ حتى لتبدو متشظية يصعب تحديد الرؤية النصية العامة الجامعة لخيوطها، مما يجعل المشهد عبثياً أكثر من كونه مشهداً شعرياً مترابطاً فنياً؛ على نحو ما نلحظه في قوله:
"المنفى خشبٌ ومساميرْ
المنفى يا جفرا قبرٌ مفتوحْ،
المنفى كلبٌ مسعورْ
ينغل في فكيه الدودْ
المنفى توقيفٌ وحدودْ
المنفى خوفٌ، أو جوعْ
المنفى جذرٌ مخلوعٌ.
المنفى يا جفرا....
لضفائر جفرا... ليس لجفرا أشواقٌ مسترسلةٌ،
فالايقاعُ استلبَ شغافي،
ولهذا أتشعبط ليلاً بصهيل قوافلك المحشوة بالأشواق.
ولهذا أجري خلفَ كرومكِ في الأسواقْ.
الايقاع يولع نار الغيرة في قلبي
أتمزق أقساماً وفصولاً في الدمع المهراقْ:
واحدة لضفائرِ جفرا
الأخرى لكرومكِ، ناشفة العيدانْ
والثالثةُ، لثورتكِ المخدوعةِ،
من رمل البحر، إلى بحر الرمل التابوتْ"( ).
يتشظى المشهد الشعري كاملاً، إذ تأتي كل جملة منفصلة عن الأخرى؛ وكأن الشاعر يهذي من خلال التلاعب بالصياغة والعبث الفانتازي بالجمل؛ بالمباغتة والمراوغة بالإسناد من جهة والانحراف بالتراكيب من خلال إشاعة جو من التنافر والتشظي والتباعد بين الدوال من جهة ثانية؛ مما يجعل القصيدة مغرقة في التجريد والتغريب، والتلاعب الذهني بين المتجاورات: [الصفة = الموصوف]، و[المضاف = المضاف إليه]؛ و[المبتدأ = الخبر]؛ كما في سلسة المتجاورات التالية: [المنفى خشبٌ ومساميرُ / المنفر قبرٌ مفتوحْ، / المنفى كلبٌ مسعورْ / المنفى خوفٌ، أو جوعْ / المنفى جذرٌ مخلوعْ].
والجدير بالذكر أن الشاعر يبعثر الصور تبعاً لتشظي المشهد الأسطوري الذي يفجره بتكثيف الصور المتنافرة وتراكمها، مما يجعل المشهد في النهاية يكتسب سمة العمق والانفلات دون أن يقف المؤول على دلالة واضحة بعينها يستطيع من خلالها أن يستهدي إلى باقي الدلالات؛ وعلى هذا، يغدو المتخيل الشعري – في الديوان – منفتحاً على العبثي، والفانتازي، والجدلي، والأسطوري، أكثر من انفتاحه على التواصلي، أو التركيب الحميمي بين المتشابهات وهكذا، تفرز شعرية الأسطرة – في الديوان – نصاً شعرياً متمفصلاً على جدليات وصدمات تصويرية مباغتة تجعل المتلقي دائماً في حراك تأويلي مستمر مع كل نص يطالعه، يكتسب رؤية جديدة وموقف شعري ورؤيوي جديد يكسبه إدراكاً لسيرورة المنجز الشعري التراثي ومؤثراته الأسطورية في تفعيل النص الشعري المعاصر وتفجير طاقاته الدلالية على المستويات كافة.


نتائج واستدلالات:
• النص الشعري – عند المناصرة – يضع المتلقي في متاهات التأويل، نظراً إلى إغراقه في المساقات الأسطورية والمثيولوجية الإغريقية القديمة؛ وعلى هذا يمكن أن نعد قصائده شكلاً جديداً للمتخيل الشعري ينبثق عنه الجدلي، والفانتازي، والديالكتيكي، والمباغت، والمثير.
• النص الشعري – عند المناصرة – لا يقوم على المؤالفة والمطابقة بين عناصر الصورة؛ بل بقوم على المنافرة، والمفارقة، والاختلاف؛ مما يجعل قصائده في حراك دلالي مستمر، وانفتاح مدلولي ما ورائي بعيد، وعلى هذا، تأتي مضامين قصائده مكثفة الرؤى لا تتضح معالمها مهما حاول المؤوِّل الإمعان في مدلولاتها وفاتحاتها النصية؛ والمساس بقدسيتها ولملمة شظاياها الرؤياوية الفلوتة في كل اتجاه.
• إن ما تفجره نصوص (المناصرة) من مؤثرات شعرية ليس مرده القص الشعري، أو الحوار، والمنتجة الفنية لقصائده فحسب؛ وإنما مرده إلى تراكم الصور بكثافة عالية؛ وتشعب الرؤى والدلالات على نحو يجعل المتلقي يضاعف من جهده في التقاط جزئيات هذه الرؤى، ولملمة رؤاها من الاندثار ومعناها من الضياع.
• إن نصوص (المناصرة) تشتغل على الذات أكثر من انشغالها على الآخر؛ فالذات – في قصائده – تمثل مركز الرؤية؛ وإن كانت متلبسة بالآخر بـ[الهو – الهي – الأنت - الهم]؛ بمعنى أدق: إن الذات المناصرية ذات مركزية محورية [حتى وإن صبت مغزاها في هموم الجماعة] تبقى هي قطب الرحى التي تدور حولها الرؤى والمساقات الأسطورية كلها؛ لأن (ذاته هي البطلة الكنعانية [جفرا] الخالدة) التي شكلت رؤيته كلها في دواوينه المتأخرة.
• إن نصوص (المناصرة) تشكل مشهدها الشعري لا على الواقعة الحالية (الرؤية المباشرة)؛ وإنما على واقعة متخيلة، موهماً قارئه أن نصوصه تشتغل على واقع ماضوي مؤسطر؛ لكنها – بشكل أو بآخر – تعري الواقع من خلال رؤية ماضوية تجعل الأبطال ينطقون بلسان حال الواقع... بلسان نابلس والجليل وكنعان.... وجفرا.... الأسطورة الفلسطينية الخالدة.




الهوامش





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,098,050,883





- بشار الأسد يخطئ مجددا بحق العروبة.. هكذا تحدث عن تاريخ اللغة ...
- نادي قضاة المغرب: نرفض كل ضغط على القضاء
- مجلس النواب يناقش تقرير لجنة مراقبة المالية العامة حول صندوق ...
- ما السبب وراء ظهور الممثل السوري حسين مرعي عاريا في تونس؟
- فيلم -غودزيلا- الأسطوري قادم بنسخة جديدة (فيديو)
- هذه أبرز مضامين التقرير الجيواستراتيجي لمركز السياسات من أجل ...
- ماجدة الرومي تحتفل بعيد ميلادها الـ 62
- رئيس الحكومة يؤكد على أهمية الانطلاقة الفعلية لعمل مجلس المن ...
- بالصور .. هؤلاء أبرز القادة السياسيين الذين حضروا افتتاح ملت ...
- العثماني يدعو الوزراء لمزيد من التفاعل الإيجابي مع البرلمان ...


المزيد.....

- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام شرتح - (تقنيات جمالية) في شعر عزالدين المناصرة