أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - كمال طيرشي - قراءات فلسفية في الإستيطيقا المعاصرة















المزيد.....



قراءات فلسفية في الإستيطيقا المعاصرة


كمال طيرشي

الحوار المتمدن-العدد: 5889 - 2018 / 5 / 31 - 15:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قراءات فلسفية في الإستيطيقا المعاصرة
بقلم: كمال طيرشي
باحث مساعد بالمركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات

1-الاستطيقا عند الانطولوجي "مارتن هيدجر"
حقيق بنا الإعتراف أن الانطولوجي الألماني "مارتن هيدجر " لم يطرق باب " الإستطيقا " و المساءلة الفنية بشكل مباشر كونها لم تكن "دأبه و ديدنه " في أولى كتاباته الشبابية ، و مرد ذلك إلى ما كان يحوم في مخياله من إشكاليات أنطولوجية عميقة و غياهبية الطابع ، و التي على رأسها "إشكالية الكينونة و الزمان" ، فكان همه و انهمامه الأكبري مسلطان على الوجود العام ،من خلال أسئلة : ماهو الوجود؟ ، ما معنى الوجود ؟ ، و تربصته عديد احالات فلسفية حتمت عليه تعديل المطارحة الفلسفية و الاستعاضة عن سؤال " ما معنى الكينونة ؟" ، ب " ما حقيقة الكينونة ؟" ، ففيلسوف الغابة السوداء لم يبدأ معالجة مسألة الفن و الجمالية إلا بعد المنعرج أو الإنعطافة ، فلما فرغ من همّ حقيقة الكينونة ، نهج مسلكه تباعا بمنحى العملية الفنية كنمط من أنماط ادراك الكينونة أو بالأحرى كنمط من أنماط "الكشف عن الكينونة " المتوارية بالحجب ، المتدثرة ، المستورة ، المتخفية وتعتبر الإسهامة الأولى التي قدمها "فيلسوف الانطولوجيا مارتن هيدجر " كانت عن طريق محاضرة ألقاها سنة 1935 ، بعنوان " أصل العمل الفني " .لكن السؤال الذي يؤرق جمهور "الهيدجريين " و كبار شراح فلسفته هو : ما الذي جعل مارتن هيدجر يهتم بالفن سنة 1935 ؟
ففي الفقرة 42 من كتاب "الكينونة و الزمان "(1927م)، ذكر الفن ، ولكن لم يعن به كثير عناية ، لأنه كان في مرحلة البحث عن "اليثيا" (الحقيقة) ، اهتمام هيدجر الأكبر بسؤال الاستطيقا كان من وراء اعتقاده بأن الفن ليس انتاجا فقط ، بل هو يبحث الفن من حيث أصله ، و يعتبره بابا من أبواب "انكشاف الكينونة " "انفتاحتها " ، "تكشفها ، انبجاسيتها و تخارجيتها ، و همه الكبير هو أن يربط بين " الفن و الحقيقة " ، فعند فيلسوف" الكتاب الواحد " المسألة ليست بالجديدة ، لأن هناك عدد مهيب من الفلاسفة الذين سبقوه تعالقوا بالمطارحة الاستطيقية في فلسفاتهم و على رأسهم متفلسفة العصر الهيلينستي الاغريقي ، لكن الأدهى هو الطريقة الجديدة في تناوله للقضية .فما الذي يمكن أن يقدمه هيدجر بالنسبة للحقيقة ؟
يعتمد هذا الفيلسوف مصطلحا مركزيا هو Représentation ، فحسب اعتقاده أن الفن يعبر عن الحقيقة إذا كان Représentation ، و حينما نستكنه معناها في اللسان العربي من الناحية الابستيمية نجد اللفظ المقارب للمصطلج هو ((التصوير الفني ))، و يضرب لنا هيدجر مثلا على ماهوية التصوير الفني ب((فرانز مارك )) و هو من عمداء المدرسة التعبيرية ، و هي مدرسة فنية ، ظهرت في القرن العشرين بألمانيا ، و تقوم على فكرة أساسية مفادها "أن الإنسان يُعبر عن أحاسيسة و مشاعره و عواطفه و ابداعه بعيدا عن أي قيم سائدة " ، و اعتمد هيدجر على لوحه رسمها "فرانز مارك " و هي عبارة عن لوحة رسم عليها "صورة يحمور " (حيون) ، و نبأنا بلزومية التمييز بين المفهوم النظري و المفهوم التأويلي لهذه اللوحة الفنية . بالنسبة للمفهوم النظري متمثل في كون اليحمور نوع من أنواع الحيوانات ، و العلماء يدرسونه كموضوع علم الأحياء ، أما بالنسبة للمفهوم التأويلي ، فالحيوان هو كائن من كائنات الغابة ، ففي مخيال هيدجر فإن الرسام " فرانز مارك " يقدم لنا النموذجين ، لكن ما يهم مارتن هو النموذج الثاني التأويلي ، لأنه يصور لنا فنيا ((الحيوان)) ،((اليحمور)).
قراءتنا للفن وفق المنظور الهيدجري يحيلنا إلى اعتبار الصورة الفنية همُّها الأكبر في مبلغها و إحقاقها الانطولوجي ، فالفن في كنهه ليس تصويرا بل هو تحقق أو بلوغ الشيء ، و هنا يتعالق الفن بالأنطولوجيا و مباحثاتها الماهوية ، و حينما نتأمل كتاب هيدجر "مدخل إلى الميتافيزيقا" يؤكد لنا الفيلسوف قائلا إن العمل الفني ليس عملا فنيا ، إلا من حيث هو اِحقاق للكينونة في الكائن " .إن كل الفلسفات السباقة (الكلاسيكية ) لم تكن تبحث مسألة الكينونة ، و إنما كانت تسعى لتكنه الكائن ، إنها بايجاز "بحث في الكائن " و لنا في النظرة الأفلاطونية خير دليل على أكادة ذلك ، أما أرسطو فكان حديثه الفلسفي حول المحرك الذي لا يتحرك و الذي هو ""الكائن"" ، و ليس "الكينونة" ، و إذا عدنا إلى فريديريك نيتشه صاحب فلسفة "ارادة القوة " التي هي ارادة الكائن الاعلى و ليس الكينونة .
إذن ووفقا للطرح الهيدجري فان علة الإهتمام بالكينونة كامن في اعتبارها " المقولة الأعم " بل هي "مقولة المقولات " .لكن كيف نصل إلى الكينونة ؟
نقتدر بلوغ "الكينونة" عبر وسيط هو "الدا-زاين" (الإنسان) ، الذي من مؤهلاته المثلى المعينة له على هذا المبلغ الجلل ((اللغة)) ،و بحكم هاته الاخيرة يستطيع هذا الكائن أن يدرك الكينونة بخلاف غيره من الكائنات الأخرى ، و اذا ما رجعنا الى الفن ، فهو بحكم قدرته التأهيلية يمكنه أن يكون وسيطا و سبيلا هاديا للوصول إلى "الكينونة " . كيف له ذلك ؟، كيف يكون الفن أساسا و منطلقا لمعرفة حقيقة الكينونة ؟
أن ما يهم هيدجر في الفن و يبتغيه فيه هو "الأصل" ، و الاصل هو ""الماهية "" أو بالاحرى "الفن من حيث هو مـــــــــــاهية . لكن من له اليد الطولى ليكون أصلا في العمل الفني ؟
طبعا في الادبيات الفنية المعاصرة التي لطالما حذقنا معالمها و درسنا مكنوناتها نجد أن الأصل في الفن دوما هو "الفنان" ، لكن وفقا للرؤية الهيدجرية فإن الفنان ""علة "" ، و ليس "أصلا" ؟
إن ما يهم هيدجر و يثلج صدره ليس العمل الفني النابع من ذاتية الفنان ، و إنما المهم عنده هو تلك "الماهية " المتخفية ، المتحجبة والمتوارية في العمل الفني ، و هاته الرؤية تهدم الطروحات السالفة في فلسفة الأزمة الحديثة "مثل كانط و نيشته " . فكانط مثلا يحايث كل عمل فني بذات متلقية أو ذواقة للعمل الفني ، فالفن متعالق بالذات كفاعلة و منفعلة في الآن عينه ، اذ يقول كانط كما أن الذات تنتج معرفة و أخلاقا فهي كذلك تنتج الجمال و تتذوقه و كل هاته الوظائف متداخلة " .إن الاهم في العمل الفني هو ذاته و ليس الفنان ، و الكينونة تكشف عن نفسها من خلال "الفن" ، و الفن لا يسكن في الفنان بل في العمل الفني عينه . إن "أليثِّيا" (الحقيقة) ، تنحجب و تتوارى ثم تنتظر "الإنبجاسة أو الانفتاحة ، الإنارة ، الإضاءة ’ و الإنكشاف عن طريق "العمل الفني " .و أكثر انكشافات و انبجاسات الفن تكون عن طريق "الشعر" .
لكن لماذا الشعر بالذات ؟ أنه بتعبير موجز أطهر و أسمى و أرقى تمظهرات اللغة تكون في نظم الشعر و الترانيم ، و بحكم اللغة هي "بيت الكائن " ، و لا يكون هناك شيء اقدر و أجل في الكشف عن الحقيقة مثل "الشعر" ، و هنا يستحضر هيدجر أشعار هولدرلين بالخصوص .و ترانيمها الوجدية و أُنْطُولوجيتها الموحية و الأخاذة.إنه مجال مهيب لإنكشاف الحقيقة . و الحقيقة وفق مدلول هيدجر هي في منحى أصلها الماهوي الفينومينولوجي ،إنها تحيلنا إلى ذاتها ، فالفن ليس مظهرا للجميل ، إن الحقيقة ماهية .

2-الإستطيقا عند الفينومينولوجي "موريس ميرلوبونتي "
أنه لمن باب الحصافة اعتبار الفيلسوف الفرنسي "موريس ميرلوبونتي " واحدا من أعمدة فلسفة الفن المعاصرة ، و هذا ما تبدى جليا من خلال مقارباته الإستيطيقية الجليلة ، و كذلك من خلال مقارباته الفينومينولوجية بالدرجة الأولى ، و لنا أن نشيد بذكر اهم اعماله الفلسفية = العين و العقل (كتاب في الجماليات خصصه لفن الرسم) ، المرئي و اللامرئي ، المعنى و اللامعنى ، تقريظ الفلسفة ، فينومينولوجيا الإدراك الحسي . و حقيق بنا كذلك أن نعتبر مقاربة "موريس ميرلوبونتي " في الرسم ، هي "مقاربة فينومينولوجية ،و انطولوجية ".بحكم أن الفيلسوف سيجعل من فن الرسم المنطلق الركيز و المحوري لولوج "حقيقة الوجود " ، و لنا أن نعترف بأنه قلما نجد مقاربات فينومينولوجية ترتبط بالرسم .
لكن ماهو منطلق هاته المقاربة ؟
نحذق معالم هذه المقاربة من خلال قراءتنا لكتاب " العين و العقل " إذ يبدا في هذا الكتاب بالذات بنقد العلم ، قائلا (( إن العلم لا يصل إلى الحقيقة ، فالعلم الحالي هو علم مرتبط بالتقنية )) ، بحكم ان العلم لا يدان له بحذق و تكنه الحقيقة ، كما أنه لا يقدر على نزع الحجاب أو الستار عنها لتنجلي و تنكشف ، إن العالم لا يفكر ، اذ يكتفي بإستخدام الأشياء و لكنه ((لا يسكن الأشياء )) .؟؟؟
فالعلم لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة لأنه مشغول بالاستخدام و بالاشياء .أما الفن فإنه يسعى إلى ((المعنى)) ، بخلاف العلم الذي لا يعنى ((بالمعنى)) ، و لا يسعى لحذقه و تكنهه.
فما يهم العلم طبعا هو "الاستخدام و النجاح " ،أما الفن فهو يهتم بالمعنى .
لكن معنى ماذا ؟ :((إنه معنى العـــــــــــــــــــــــــــالم)).
و في هذه الأطروحة بالذات نتجلى التأثير الهوسرلي "lebenswelt " ((معنى عالم الحياة)) ، خصوصا في كتابه المركزي " أزمة العلوم الأوروبية و الفينومينولوجيا الترانساندانتالية " .
لكن اليس في هذا تناقض صارخ ؟
كيف يعيش العلم في أوروبا أزمة ؟ ، و هو في أوج تطوره و سؤدده ؟
هوسرل يقر بوجود أزمة ، لكن أين هي ؟ إن مكمن مفهومية الأزمة هنا لا ترتبط بالمنحى المنهجي أو الابستمي ، بل إن أزمة العلم المعاصرة هي في (((أنها لا تهتم بالمعنى))). صحيح أنها نهجت مسلكها مهتمة بالفعالية و النجاح و النتائج الباهرة ، ووصولها إلى قوانين حياتية دقيقة تساهم جللا في عقلنة العالم لكنها في مقابل ذلك تغاضت و نأت بنفسها عن ولوج عالم المعنى أو البحث عن المعنى ؟؟؟
إنها لم تنحو سبيلها و لم تكترث لأمر "المعنى" = حيث معنى العالم ، معنى الوجود ، مصير البشرية ، معنى الكون ...الخ ، للأسف شهدت هاته العلوم "أفول المعنى" ، "ضياع المعنى " .
لهذا انبثقت الاستطيقا الهوسرلية منادية بصورة جزومية فائقة بضرورة "تكنه المعنى" ، منتهجا الفينومينولوجيا طريقة و من خلالها نصل إلى المعنى "معنى العالم أو معنى موندا " ، لأن علوم التقنية و الآلية لم تقتدر الولوج الى عالم المعنى و حذقه ، إذ وجد موريس متنفسه و مستقره و مستودعه في "فن الرسم" لان هذا الفن بالذات سيكون اليد الطولى للولوج إلى الحقيقة "أليثيا" ، إن الفن عند ميرلوبونتي و بدرجة أوفى الرسم ، يعبر بجلائية مهيبة و رائقة عن ((إنتمائنا إلى العالم)).
من خلال الفن و الجمالية نعبر بوضاحة عن انتمائنا للعالم ، لكن ماهي واسطة الفن و لبنته للتعبير عن انتمائنا نحن الكيانات البشرية للعالم ؟
إن الفن من حيث تعبير عن انتمائنا للعالم ، يعتمد على وسيط عتيق عريق هو ((الجسد)).
و هنا تتعالق و تتلاحم الفينومينولوجية الميرلوبونتية مع الاستيطيقا الجمالية ، بحكم أنها فينومينولوجيا اعتمدت الجسد مركزها و جوهرها ، و هذا ما نتجلاه بيانا في كتاب ميرلوبونتي المركزي فينومينولوجيا الادراك الحسي " .
لكن ماذا يقصد موريس ب((الجسد)) ؟.
إن من أدبيات النِّحلة الفينومينولوجية -القطائعية جملة و تفصيلا بكل ثنائية ممكنة- ، فكان لها أن تجاوزت كل فلسفة تشيد بالنزعة الثنائية (( نفس// بدن )) ،لأن بغيا الظاهراتية ما يتبدى و يتمظهر للعيان المشاهد ، و لا تكترث بتاتا بمن يقول أن هناك شيء مبطون ،كامن و نوميني خلف الظاهرة ، فما يتوارى خلف الظاهرة ((لا معنى له )).
و لهذا فنحن أمام "الجسد" الظاهر العياني المتبدي ، الذي يمكن أن نقول عنه كل شيء ’،و لا يدان بتخفي أي شيء عنه ، إنه الجسد بمفهومه الفينومينولوجي .و نظر موريس إلى الجسد و مفهوميته وفقا لنمطين أو تصورين هما =
1- الجسد الموضوع (corps-objet) : هذا النمط من الجسد "واقعي" أي أنه "جسد-موضوع" لأن يكون مجال للمعرفة العلمية ككتلة فيزيقية و كيماوية ، يختص بدرسها أهل التشريح و علماء الفيزيولوجيا .
2- الجسد الخاص ) corps-propre ( : في هذا النمط من الجسد لا نكون امام مجرد كتلة نصادفها غفلا في هذا العالم ، بل إنه كما يقول عنه موريس في كتابه "فينومينولوجيا الادراك الحسي " (( إن جسدي هو "محور" أو "قوَّام العالم" ، و هذا يعني أنّي أعي وجود العالم بوسيط "جســــــــــدي .)) ، و يقول في كتابه المثير "المرئي و اللامرئي" (( إن جســــدي المرئي ، و المتحرك يتشابك في نسيج العالم ، و تماسكه هو تماسك شيء ما ، و بما أنه يرى و يتحرك فهو يمسك الاشياء الدائرة من حوله ، و هي بذلك ملحقة به ، إنها مغروزة في لحمه ، و هي جزء من تعريفه الكامل الأتمي ، و العالم مصنوع من نفس نسيج جسدي )).، و نفهم من ذلك أن الجسد وسيط إحقاق وجود الإنسان في العالم ، إذ من خلاله تتبلور "الحضورية في العالم " حضوري أنا كجسد في العالم ، لكن هاته الانتمائية التي يكسبنا إياها جسدنا ، يعبر عنها فن الرسم بصورة رمزية أو بطريقة رمزية .
لكن لماذا كل هاته الاشادة و التبجيل و الإهابة بفن الرسم ؟
اهتم موريس بفن الرسم اهتماما كبيرا و محوريا ، و من بين اهم الرسامين الذين عشقهم هذا الفيلسوف نجد "الرسام السويسري بول كلي " ، "و الرسام الفرنسي سيزان " إذ كان يذكرهما كثيرا و يستشهد بهما في كتاباته الظاهراتية .
1-""بول كلي"" : ينتمي إلى المدرسة الإنطباعية ، التي جاءت كرد فعل ضد التيارات السائدة في عهدهم ، و الشيء الأميز عند هؤلاء الانطباعيون هو التركيز على "الانطباعات" ، أي أن الرسام لما ينهمك في الرسم فهو يعبر عن انطباعاته ، و من بين أهم لوحاته الفنية " الملاك الجديد " .
3-""سيزان"": (cezanne) الذي ينتمي هو الآخر إلى المدرسة الانطباعية الجديدة ، وهو من الرسامين الذين نادو بضرورة اضفاء الدقة و الضبطنة على رسوماتهم ، و ذلك باستعمال الخطوط و الدوائر ، و هي التي مهدت فيما عبد لظهور المدرسة التكعيبية .
إذ يقول "بول كلي" ((إن الفن لا ينتج المرئي ، و لكنه يجعل الأشياء مرئية )) .، فقديما في غوابر الفلسفات و منها الافلاطونية ساد اعتقاد جزومي مفاده "" التفسير وفقا لنظرية المحاكاة " ، فالفنان حينما ينتج عملا فنيا معينا فهو يحاكي الحسي الماثل في الطبيعة ، و كذلك الأمر عند أرسطو الذي أقر بالمحاكاة معتبرا إياها سبيلا للتعلم أي بالمحاكاة نتعلم .
أما في فلسفات الأزمنة الحديثة انبجست مسألة الذاتية ، و أصبح الفن يتأسس في كنهه على "الذاتية " ، فمثلا ايمانويل كانط حينما يتطرق إلى العبقرية التي تقتضي الموهبة ، يعتبر الفنان هنا ليس فقط شخصية محاكية و ماثلية و إنما كذلك "مبدعة" ، أما هيجل فالفن يكتسي عنده طابعا تاريخانيا وفقا لمنظور تطورية الروح عبر التاريخ .
إن الفن وفق الاعتقاد "البول كلي " ليس محاكاة ، غذ أنه ليس مجرد إعادة انتاج الواقع ، و في هذا دحض و تفنيد لنظرية المحاكاة ، لأن نظرية المحاكاة هي في حقانيتها عبارة عن عرض للأشياء الموجودة في العالم ، أو بالاحرى مرآة عاكسة لماهو موجود في العالم ، إن ذات الفنان سالفا كانت تكتفي بعرض العالم كما هوموجود ليس إلا ؟؟؟.
لكن هل الفن بجمالياته الاستيطيقية هو مجرد عرض لما يحدث في العالم فقط ؟
إن الفن ليس عبارة عن عرض لما يحدث في العالم ، و إنما بغياه المثلى هي "التأسيس للمعنى"" . أي تأسيس لمعنى و حقيقة العالم .
إن الفنان ينتج الحقيقة و يعمد إلى صياغة أليثيا ، و لا يكتفي بعرضها فقط . إذ يتحدث موريس عن الرسام "سيزان " واصفا إياه قائلا (( إن الفنان لا يُحاكي المظهر ، و لكن سيزان يبحث عن "العمق السحيق " المنحجب المتواري ، إنه صورة لإنفجار الكائن و تخارجيته))و نفهم من كلام موريس أن الفنان ينقِّبُ عن "اللاتحجب" ، التواري ، التستر ، التدثر ، ...إنه يسعى للكشف عن الحقيقة المحجوبة المتخفية .، لكن يجب أن لا نفهم بان الكينونة المقصودة هنا هي على الشاكلة الهيدجرية ؟؟. بل هي كينونة ذات مدرج جمالي –استطيقي .
علينا الاقرار في النهاية ان الفن هو انتاج و ادراك و حذق للحقيقة ، و لهذا يصبح الفن مشاركا للفلسفة و مجانبا لها ، و تصير وظيفته من وظيفة الفلسفة .

3-الإستطيقا عند آرنيست كاسيرر
كانت لهذا الفيلسوف مكانة و حظوة جليلة في الفلسفة الألمانية المعاصرة ، إذ كان له السبق في اجراء حوار مع الأنطولوجي الكبير "مارتن هيدجر" في الثلاثينات من القرن العشرين ، وهو سليل أسرة يهودية ، و لما تملكت النازية زمام الحكم ، ارتحلوا إلى بلدان أخرى و على رأسها (و-م-أ)، و ينتمي هذا الفيلسوف إلى ما يطلق عليه "الكانطية الجديدة " (New Kantisme)، و كان من كبار شراح و حُذّاق الفلسفة الكانطية ، و لنا أن نذكر بأن هاته الكانطية الجديدة كان لها فرعان :
1-فرع مدرسة مـــــــــــــــــاربورغ .
2-فرع مدرسة هــــــــــــــــايد لبرغ .
و مدرسة "ماربورغ" كانت مصدر اشعاع فلسفي كبير ، اذ كان هيدجر من اعضاء المدرسة .
و كان للكانطية الجديدة حضور قوي في هذه الفترة . بالاضافة إلى فينومينولوجيا هوسرل ، و النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ، إذ كان هناك خلاف فلسفي كبير و نقاشات فلسفية حادة مع مدرسة فرانكفورت .
اهتم ارنست كاسيرر بالمسألة الفنية الجمالية ، و له مؤلفات كثيرة اهمها كتاب ظهر له عام 1923 ، بعنوان (( فلسفة الأشكال الرّمزيّة )) ، مكون من ثلاث اجزاء ، و لخصه في كتاب يحمل عنوان "Essai sur l’homme " .
يرتكز نمط كاسيرر في المطارحة الاستيطيقة على مفهومية ((Symbole)) أو "الرمزية" ((symbolisme)) ، و يعتقد ارنست كاسيرر بان كانط في جل مؤلفاته تطرق إلى مسائل مختلفة و لكن هذه المجالات تنصب في (( الرمزية )) ، لها تاريخ و بداية هي الميثولوجيا والاسطورة ، و يعتبر الفن شكل من أشكال الرمزية بالاضافة إلى الدين و الاسطورة و العلم ، و اللغة ، و الفن . و هاته الأشكال الرمزية بغيتها فهم العالم " ، و يكون فهمه بالأشكال الرمزية جميعها ((بالفن ، اللغة ، الدين ،’ الاسطورة ، العلم )).
فالفن وفقا للمنظور الارنستي هو ""رمزية "" ، اذ اقتنع كاسيرر بفكرة أن العالم "عبارة عن رموز " فحتى الرياضيات و العلوم هي عبارة عن رموز ، فالإنسان هو عبارة عن حيوان رمزي ، اذ تبدأ الرمزية باللغة و العلم و الدين و الفن .
لذلك ففعاليات الانسان هي عبارة عن نشاطات رمزية ، و هذا الكائن لا يتحدد في مقدراته الميتافيزيقية بل في بعده الرمزي ، معتبرا ان تعريف الانسان بأنه حيوان عاقل ، هو في الحقيقة تعريف ميتافيزيقي مرفوض رفضا مطلقا ، ليميل ميلا وضّاحا إلى تعريف الانسان بالحيوان الرمزي ، لأن سمة الرمزية تتضمن الفاعلية الإنسية .
و يقسم كاسيرر الفن إلى ثلاث مراحل هي =
1- الفن الأسطــــــــــــــــــــــــوري .
2- الفن التمـــــــــــاثـــــــــلــــــــي .
3- الفن الــــــــــــــرمـــــــــــــــزي .
* ساد الفن الاسطوري عندما كانت الاساطير تفهم العالم ، و هذا ما نجده عند اليونانيين ، و في هذه المرحلة لم يكن الفن مكتملا بذاته و إنما كان تابعا للأسطورة ، لأن الصورة الأسطورية سبقت الصورة الفنية ،إذ أنّ وظيفة الفن هو تمثيل الصورة الأسطورية .ثم جاءت مرحلة "الفن التماثلي " إذ لم يعد الفن تابعا للأسطورة و إنما قائم في لبه على محاكاة الطبيعة ، و إعادة انتاج ماهو قائم ، و هذا ما نتكنهه عند أفلاطون و أرسطو ، (الفنان يحاكي الطبيعة) ، ثم جاءت المرحلة الثالثة "الفن الرمزي" الذي يمثل اكتمالا للفن و بلوغه مرحلة يتجاوز فيها المحاكاة ، أو إعادة انتاج العالم الحسي ، و انما يستعمل الرموز في التعبير عن الصورة الفنية ، إنها مرحلة الترميز (Symbolisme)، و هنا يصل إلى معنى العالم ، و هذه الرمزية لا تنفصل عن الحرية ، و تبدأ هذه المرحلة مع ايمانويل كانط لأنه جاء بفكرة الذاتية .إذ ان الكانطية لها موقف من الجمالية و الفن ، و مكانة كانط مركزية . و قد تجلى كاسيرر هذا الجانب ، الفن كما كان سائدا في الرؤى القديمة ، و بعد مقدمات مع ديكارت و بومغارتن و حين نصل إلى كانط نعتبر المرحلة حاسمة بحكم النظرية القديمة كانت مرتبطة بالمحاكاة في الفن و هي التي نجدها عند أفلاطون و أرسطو اللذين يرتبطان بفضاء معرفي واحد هو الاغريقي .فالنظرة السائدة عند اليونان تروي هي تعبير عن الكون من حيث انسجامه بمعنى ان الكون متكامل ، و منسجم و ما على الكون إلا أن يعبر عن هذا الانسجام سواءا في كيانه المصغر أو المكبر ، كما انه في العهد الاغريقي لم تكن هناك أسماء ألمعية للفنانين لأنه لم يكن مرتبط بالذاتية بل بالنظرة الكليانية الشمولية ، و لم يكن يعبر عن عبقرية معينة و الفن كون صغير في مقابل كون كبير ، و الفنان يعبر عن هذا الانسجام و ليس المطلوب منه أن يبدع بل يحاكم ، فالفن لا يعبر عن ذاتوية معينة بل عن حقيقة متمظهرة في الكون ، اما عند المسيحية تصبح الحقيقة تعبير عن الحقيقة اللاهوتية ، و يصبح الفن محاكاة للحقيقة اللاهوتية الثيولوجية ، و عندما يظهر كانط يصبح الفن تعبير عن ذاتية ((عن ذوق و مشاعر عن أحاسيس ))، و يصبح محاكاة للأشياء الخارجية و هنا تبرز مكانة الذات باعتبارها تنتج الفن من ذاتيتها ، و الفنان لا يعبر عن جمال مرتبط بحقيقة كونبة أو إلهية بل بما يشعر به و ما يتذوقه ، إنه نوع من الإناسة الفنية (أنسنة الفن و جعله يأخذ بعدا ناسوتيا ).
اذن فالفن كان له طابع موضوعي سابقا ، ثم اخذ طابعا ذاتيا .
لهذا تصور ارنست كاسيرر نظريتين لتفسير الفن و الجمالية =
1- نظريات موضوعاتية ( تنتمي للنمط الافلاطوني و الأرسطي المحاكي للأشياء الخارجية)
2- نظريات ذاتوية (تمثل تحولا حاسما في تاريخ الجمالية ، و التي رفضت المنظور الاغريقي الموضوعاتي المحاكاتي ، و قالت بأن العمل الفني مرتبط بالذات و مخيالها ، اذ الفنان لا يحاكي العالم المحسوس بل يعبر عن ذاته و مشاعره .
--و لكن ما استرهب ارنست كاسيرر و توجس منه هو أن ينتقل الفن من محاكاة للعالم الخارجي البراني ، و يستبدل بالعالم الداخلي (الجواني)، برغم كونه من الكانطية الجديدة إلا أنه يتحفظ من المطارحة الكانطية الذاتوية في المسالة الفنية الجمالية .
صحيح أن هناك نقلة من محاكاة العالم الخارجي إلى العالم الداخلي ( اذ ان الذات كانت غائبة عند اليونان ) ، و على النقيض من ذلك عند ارباب النظرية الذاتوية ، فقديما إما أن يتماهى الفنان في الكوسموس أو يتماهى في اللاهوت ((الجداريات في الكنائس)) و لنا في "مايكل انجلو" خير دليل ، بخلاف ما ساد في الازمنة الحديثة أين اصبحنا نتحدث عن الفن من خلال الفنان ، فنحن نعرف اسم الفنان في اللوحة الفنية اذ اصبحنا
أمام الفنانين و لي أمام الفن ، و الفن ارتبط بأسماء ، و كاسيرر ينبهنا قالا "" النظريات الذاتوية التي تعبر عن العواطف و الأحاسيس قد تنتقل من محاكاة العالم الخارجي إلى محاكاة العالم الداخلي .
اذن ما الحل يا ارنست كاسيرر ؟؟
حتى لا نقع في مطبات المحاكاة بنوعيها (محاكاة العالم الخارجي ) ، و(محاكاة العالم الداخلي ) ، يقدم لنا كاسيرر حلا هو ((عالم الأشكال الرمزية)) ، فللتحرر من الأبعاد الداخلية و الخارجية للميتافيزيقا يرى كاسيرر أن الفن يرتبط بالأشكال الرمزية ، و هذه الأشكال ليست من ابداعه هو ، لأن لدينا فنانين معاصرين اقتدروا أن ينقلوا الفن إلى مجاله الرمزي ، و هذا ما جعل كاسيرر يتعلق شديد التعلق بالتجريديين لأنهم اقرب الى الاشكال الرمزية .

4-الإستطيقا عند جيورج لوكاش (1880-1971)
حقيقة لم يحض هذا الفيلسوف المّجَرِّي بكثير دراسة برغم الاهمية البالغة التي يكتسيها في الدراسات الجمالية المعاصرة ، و له تأثير كبير على الكثيرين خصوصا في وقتنا الحالي ، و من أبرز المتأثرين به لوسيان غولدمان ، لنا أن نقر بانه لا يمكن عزل لوكاش عن المجال الساساتي و السوسيولوجي الذي عاش فيه ، فهو فيلسوف ماركسي ، ووصل إلى الماركسية في مرحلة لاحقة، و المجر في تلك الفترة كانت لها صلة وثيقة بالألمان لهذا كانت الثقافة الالمانية و لغتها مسيطرة بصورة كبيرة، درس لوكاش في جامعات المانية ، و هناك ترنيمة خالدة في الذهنية الجرمانية في منحاها التاريخي و السايسي هي ترنيمة ثورة 1917، في الاتحاد السوفياتي ، و صارت براديغما يحتذى به من لدن جمهور المثقفين ، خصوصا الالمان منهم ، و التأثير كان أبلغ عند الفيلسوف
غيورج لوكاش ، بالاضافة الى جماعة مدرسة فرانكفورت ، اذا ما نحن تطارحنا المنحى الفلسفي نجد لوكاش متواجدا في جو "الكانطية الجديدة " ، الفينومينولوجيا ، الهيرمينوطيقا ، الماركسية ..الخ، بالاضافة الى تيارات فلسفية كثيرة سادت في تلك الفترة ، و غيورج لوكاش مرّ بمراحل =
-تأثر بالكانطية الجديدة خصوصا في مرحلة شبابه ، كاسيرر و كوهان ...و حضورهم كانا مدويا في الساحة الفلسفية ، ثم تأتي المرحلة التي تأثر فيها بالفيلسوف "دلتاي" ثم ينحو سالكا نهج الهيجلية ، ثم الماركسية كتتويج أخير ، و حينما نتحدث عن هذه المراحل نتجلى تداخلا ، زد على ذلك هناك انفتاح كبير مقارنة بالماركسيين الارثوذكسيين و بقي فكره متأصلا في الفكر المثالي الألماني ، و أهمية هيجل في كونه مهّد للدياليكتيك ، لكن سرعان ما صحح ماركس مسار الهيجلية الجدلية طبعا .
-لوكاش يقول بأن لهيجل "الجدل" فقط ،بل له أشياء اخرى لابد من الرجوع إليها "هيجل الشاب" ، لكنفكر لوكاش هيجلي-ماركسي ، و لنا أن نعتبر بأن لوكاش ألف الكثير في مجالات مختلفة سواءا في الفن ، السياسة ، الأدب ، و له كتاب مهم و مركزي بعنوان (( الروح و الأشكال )) ، (( نظرية الرواية )) ، ((التاريخ و الوعي الطبقي )) ، (( هيجل الشاب)) ، ((وجودية أو ماركسية *رد على سارتر))، ((معنى الواقعية الجديدة ))، (( بلزاك و الواقعية الفرنسية ))، ((تحطيم العقل)) ، ((الخصوصية كمقولة جمالية ))، لهذا يطلقون عليه ب(( ماركس الجمالية )).

**فهم الجمالية اللوكاشية:
لا يدان لنا بحذق الجمالية اللوكاشية بمنأى عن الماركسية ، لأن كثير من مطارحاته تبدأ من ((كارل ماركس)) ، و حتى لا نتيه في غياهب الكتابات اللوكاشية الكثيرة و المتشعبة فحقيق بنا من باب النباهة أن نعرج لإشكال مركزي عند كارل ماركس والذي حاول لوكاش حلّهُ ، حينما نعود إلى كتاب ماركس "نقد الاقتصاد السياسي" نجده يعرج عن المسألة الجمالية الفنية إذ يقول (( إن نمط انتاج الحياة المادية هو الذي يحدد لنا الحياة الاجتماعية و السياسية و الفكرية عموما ، فليس وعي البشر هو الذي يحدد لهم وجودهم ، بل العكس من ذلك ، أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم ))، و من ثمة فالفن يتحقق بالواقع المادي ، البنية الفوقية تعني "جملة النشاطات الفكرية و الفنية و القانونية و الاخلاقية و الايديولوجية و الدينية " ، و باعتبار الفن جزء من البنية الفوقية ، يتأسس بالمجال المادي الواقعي الاقتصادي .اذن فكل فن عبر تطوره يرتبط لزوما بسياق اقتصادي ، مادي معيّن، و كل فن يرتبط بمرحلة اقتصادية معينة (فن اقطاعي ، راسمالي ، اشتراكي ...) .
-لكن كارل ماركس انتبه إلى إشكالية مهمة ؟
-هناك فن ينال تقدير البشرية جمعاء . و لكأن هذا الفن لا يتطور بتطور الإقتصاد الاشتراكي فقط ، و الاغريق قديما خلّدوا فنونا رائعة ، التراجيديا ، و نحن إلى اليوم لا زلنا معجبين بالترجيديا اليونانية ، إنها مرتبطة بالتاريخ ، و لكأن هذا الابداع الفني الاغريقي قد تجاوز اطاره و زمانه و انتقل الى الكونية و العالمية .
-عند ماركس كيف نفسر خلود هذا الفن الاغريقي على ممر التاريخ ؟
كان من الاجدر أن لا يخرج الفن الاغريقي عن الاطار الاجتماعي اليوناني ((العمل حيث كان خاصا بالعبيد )) ، البنية اليونانية غير عادلة ، فكيف نفسر فن هذا المجتمع و اكتسائه طابعا فنيا عالميا ؟
كيف له ّأن يتجاوز سياقه التاريخي و قيمته الأبدية ؟و هذه لا نجدها إلا في الفن .
لوكاش يسعى لإيجاد حل ، كيف يمكن للفن أن يكتسب صفة الخلود و الابدية و صارت مخزنة و محفوظة داخل المتاحف .
-من الاصطلاحات التي تطارحها لوكاش في جانب الاستطيقا خاصته "مصطلح الكلية"(التوتاليتي)’la totalité’، و هو مصطلح مركزي عند الفيلسوف ...لكن لماذا ؟
طبعا ...الكلي في مقابل الجزئي ، لكن لماذا هذا المصطلح بالذات ؟ .
لأن هذا المصطلح له تجذرية سباقة في الإرث الفلسفي الألماني المثالي ، فلوكاش لم ينطلق من فراغ ، فقبل ماركس كانت هناك مطارحات مثالية ألمانية ، قبل هذا المنعطف بمنحى الماركسية كانت هناك احالات لمثالية هيجل و فيخته و شلنج...الخ
-مصطلح ((الكلية )) كان له دلالة عند هيجل ، و تعني أنه حينما تتحقق الوحدة بين الذاتي و الموضوعي يزول التناقض ، تتحقق الوحدة ، تتحقق المصالحة في العالم و من ثمة تتحقق " الفكرة في التاريخ"، فالكلية هي وحدة الذاتي و الموضوعي ،.
إن "الكلية" تحققت عند الاغريق "اليونان اقتدرو أن يحققوا الكلية " لكن ماهي الكلية عند الاغريق ؟
إن "الكوسموس" عند الاغريق هو نظام و انسجام الاجزاء ضمن الكلي و الحق و الخير و الجمال يتحقق بهذا الانسجام الكلي ، ومن هنا تنطلق كل عناصر الكون منسجمة مع بعضها البعض في الكل ، ووظيفة الفرد هي أن ينسجم مع الكلي ، و لكن بعد ذلك حصل الانشطار و التمزق ، و نهاية الكلية المنتظمة و المنسجمة .
لكن لماذا فقدت الوحدة الكلية و حصل التشذر ؟
مرد ذلك = إلى الحداثة الغربية الأوروبية ، هاته الاخيرة التي ساهمت في الانشطار ، فعند الاغريق كانت الذات منسجمة مع الكون ، لكن مع الحداثة صارت هي المتحكمة و ليست توافقية ، و صارت الذات تتسلط على الطبيعة ، و ديكارت يعتبر الذات مالكة للطبيعة ، و صارت متجهة بمنحى المنفعة و المصلحة المادية بالدرجة الاولى ، لكن مع الحداثة تشرذمت الكلية و انشطرت .
لنا ان نضرب مثلا بالجسم الاغريقي فهو يعبر عن الانسجامية أما عصرنا فأصبح صورة عن الانقسام و الشتات ، و عبّر لوكاش عن الكلية بالانموذج الاغريقي و أراد أن يعبر عن العلاقة بين الناسوت و اللاهوت .
هناك نوع من النوستالجيا عند لوكاش للبراديغم الاغريقي حيث كانت الذاتية منسجمة و متوافقة و مؤتلفة مع الكلية .، لابد لنا ان نستحضر الكلية الاغريقية لنتجاوز دهمائية التشيؤ ، وبحكم أن لوكاش سيعمد للتعبير عن الشرخ الذي اصاب الازمنة الحديثة ب""الاغتراب"" ، فكان المصطلح الانسب هو ((التشيؤ)) ، و خاصة في جانبها الرأسمالي حيث عُرّضت الانسانية للاختلالات و التصدعات و هذا ما عبر عنه ب"التشيؤ" ، و هاته الكلية ستكون محاولة رائقة جدا لتجاوز التشيؤ و استعادة الكلية الضائعة و بالتالي يتحقق الانسجام بين الانسان و العالم أو بين الذات و الموضوع .

-لكن هل استرجاع هاته الكلية يكون عن طريق الملحمة كالتي نهجتها اليونان ؟.
جواب "لوكاش" كان وضاحا بيّنا =هذه الرؤية غير واردة بتاتا و زمنها قد ولى ؟؟؟
إن استعادة الكلية من الناحية الفنية الجمالية يكون عن طريق "الرواية" فهي الشكل الأمثل الذي من خلاله تستعيد البشرية الكلية، لكن لوكاش يعرج في كتابه " التاريخ و الوعي الطبقي " بأن الكلية لا تتم فقط في الرواية و إنما أيضا في "السياسة" و ذلك عن طريق وعي الطبقة العاملة (( إذ تتحقق الكلية عن طريق البراكسيس الثوري )).
لكن لماذا الرواية بالذات ؟
لوكاش يعتبر بان الملحمة كانت تعبيرا عن الانسجام و الوئام بين الفرد و المجتمع ، بين البشر و الآلهة ، على اعتبار أنه لم تكن هناك هوة بين الفرد و المجتمع ، و بين البشر و الآلهة ، فالكل يشكل وحدة متلاحمة ، لكن في زماننا هذا و خاصة منذ الحداثة أصبح العالم يعرف انشقاقات و شروخات بين الانسان و المجتمع ، بين الانسان و الطبيعة ، فرار اللاهوتيات كالتي عند الاغريق . إن الشكل الروائي هو الاصلح من ناحية كونه انعكاسا لعالم متصدع ، متقطع ، مفتت و مشروخ .
إن الرواية هي تعبير عن تمزق الكلية و في هذا ظهر كتاب "نظرية الرواية " اذ يتحدث فيه عن انماط عديدة من الرواية لكونها مرتبطة بالنقاد الادبيين ، فهناك رواية ذات طابع تجريدي ..الخ ، حقيقة فالشكل الروائي هو الاقدر على التعبير و البوح بأسرار هذا العالم الممزق في وقت أصبح فيه الإنسان عبارة عن ((شيء)) ، فالرواية هي الأقدر فنيا من حيث شكلها الفني على التعبير عن هذا التمزق ، اصبحت اكثر تعبيرا عن مختلف اشكال التراجيديا الممكنة ، فالملحمة فيها عناصر عديدة (الهة ، ابطال ، سحرة ...الخ )، لكن الرواية دائما فيها ((البطل الإشكالي))؟؟؟؟؟؟.
و لس البطل الملحمي ، لأن البطل في الملحمة إنما هو طرف و ليس ملحمي ، لكن في الرواية البطل ""اشكالي"" ؟ ، يصبح هو المركز ، لأنه قادر على التعبير عن القيم التي تتجاوز العالم المشيأ ، فحتى و ان كان ماركس مفتتنا بالملحمة الاغريقية فلوكاش عاشق لها كذلك .
درس لوكاش نماذج عديدة من الروائيين نشيد بالذكر منهم "دوستويفسكي ، دولتسوي ، غوته ، ..الخ.، ثم يطورها حينما سيعرف الانعطافة بمنحى ماركس .ففي وقت كانت فيه البشرية بأمس الحاجة إلى التغيير ، و الدعوة إلى الوحدة و الوئام و الاتفاقية و التلاحم ، كان ينظر حينها للماركسية على أنها مجرد أداة و كان يؤمل أن تكون البديل التغييري ، فلوكاش حذق هاته الانعطافة باعتبار الماركسية هي الصورة المثلى لاحقاق هذه الكلية ، لأنها كلية تحقق الانسجام بين الكل ، و الماركسية كانت تمثل حالة من الكلية ، و النقلة الى الماركسية و كتاب "الوعي الطبقي" مكّنه من تعميق مدلول الكلية ، لأن هذا المفهوم و مصطلح التشيؤ يمكن ان يعبر عن مختلف أشكال و مظاهر الضياع و التشتت و الشرخ الذي اصبحت تعانيه البشرية في ظل المجتمع الرأسمالي و في ظل الحداثة الرأسمالية المتوحشة ، و مدلولاتها المتأزمة ، و حينما يحذق الانعطافة يكتب "التاريخ و الوعي الطبقي" و يبيّن من خلاله امكانية تحقيق "الكلية الاجتماعية" ، لكن لا يمكن تحقيقها على المنحى التكاملي و التصالحي إلا عن طريق ((الذات التاريخية)) التي هي البروليتاريا ، و يتجاوز بذلك هذا الانشطار القائم و يجب ان تساهم الرواية و تلعب هي الاخرى دورها الفاعل ، ثم نثب مع لوكاش بمنحى ((الفن الملتزم)) ، ففي المرحلة السالفة لم يتحدث لوكاش بعد عن الرواية الملتزمة ، بل نظر للرواية على أنها الفن المعبر عن هذا الشرخ ، و لكن في هذه المرحلة لم يعد يعبر بل اصبح يتجاوز هذا الشرخ فكيف تأتى له ذلك ؟
إن الفن لن يستطيع أن يلعب أي دور إلا اذا كان ملتزما . و في هاته المرحلة وجد نفسه بحكم كونه فيلسوفا متخصصا في الجماليات و الرواية نوعا من الاشكال بخصوص الفن الملتزم ؟؟، فالماركسية تحدثت عن الفن الملتزم ، و من منظور الماركسية السوفياتية كانت ترى أن الفنان يسهم في تحقيق هذا التجاوز عن طريق الفنان الذي يعكس في فنه الواقع ، ثم يعبر عن المنحى أو البعد الثوري في فنه .، ((مثلا قيم الاشتراكية المتبلورة في العمل و الانتاج يعمد الفنان إلى تبنيها فنيا )) ، اذ الفن انعكاس لقيم ساساتية و اقتصادية و سوسيولوجية يعبر من خلالها عن فنه و المنهج المطبق هو "الواقعية الاشتراكية " فتكون الماركسية الارثوذكسية سائرة على هذا المنحى .
كما نجد كذلك جانبا متعلقا بالرواية التاريخية و فيه ركز على الرواية ، و لكن ضمن سياقها التاريخي و هذا بغية الاندراج ضمن السياق الماركسي ، اذن لوكاش بقي متشبثا بآرائه السابقة و لكن رغم ذلك إذا ما قارنّا بينه و آدورنو في مسألة الفنية نجد هناك تشابها و تقاربا كبيرين و مع ذلك يختلفان خصوصا فيما يتعلق بالكلية .اذ ان ادورنو يتحدث عن الجزء باعتباره الاهم و ليس الكل .










رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,277,136,959
- هل الحرية سالبة أم موجبة؟: تأملات فلسفية حول مفهوم الحرية عن ...
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ...
- مراجعة نقدية لفيلم : - أم Mother !-
- مفاهيم متشابكة حول المثقف عند المفكر عزمي بشارة
- فلسفة الإيمان عند عزمي بشارة
- قراءة في كتاب :أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي – هبرماس أنم ...
- مفاهيم حول الدين و علاقته بالأخلاق عند عزمي بشارة (الجزء الأ ...
- في مفهوم الأسطورة و الأرموزة عند عزمي بشارة
- عزمي بشارة الفيلسوف الثائر (الحلقة الأولى)
- الفضية الفلسطينية فوق كل حاقد و ضد شبيحة الأسد و شرذمة بقايا ...
- قراءة في كتاب : النظام المعرفي عند مشال فوكو


المزيد.....




- خفر السواحل: فقدان 30 مهاجرا على الأقل بعد غرق قاربهم قبالة ...
- خفر السواحل: فقدان 30 مهاجرا على الأقل بعد غرق قاربهم قبالة ...
- بيان الحركة المدنية الديمقراطية حول الحوار المجتمعي علي التع ...
- البنتاغون: مقاتلة سوخوي-27 الروسية لم تعترض طائرة الاستطلاع ...
- توسك: الاتحاد الأوروبي يوافق بالإجماع على طلبات المملكة المت ...
- إيطاليا بصدد منح جنسيتها لصبي مصري تقديرا لـ -بطولته-
- العراق.. مصرع العشرات إثر انقلاب عبارة في نهر دجلة
- المجلس الأعلى للإعلام في مصر يحجب صحيفة بسبب أخبار ملفقة
- البنتاغون: بوتين لا يخطط حاليا لمهاجمة دول الناتو
- استطلاع: زعيم حزب -خادم الشعب- يتصدر قائمة المرشحين لرئاسة أ ...


المزيد.....

- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - كمال طيرشي - قراءات فلسفية في الإستيطيقا المعاصرة