أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حازم الرفاعي - نزع المسيحية عن فرنسا















المزيد.....

نزع المسيحية عن فرنسا


حازم الرفاعي
الحوار المتمدن-العدد: 5886 - 2018 / 5 / 28 - 15:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



ترتبط فكره الصراع مع الدين في أذهان الناس بالثوره الأشتراكيه في روسيا عام 1917 فلقد اصطدمت الثوره الروسيه إصطداما عميقا وواسعا مع الكنيسه فطوردت الكنيسه ومنعت اي مظاهر دينيه في حياه الناس فصار الزواج ذاته مدنيا بالكامل وصار أي تدريس للدين مرتبطا فقط بما يسمي علم الألحاد الذي يتناول كل الاديان من البوذيه للمسيحيه كظواهر تاريخيه ونتاج للعقل الانساني ومنطقه وتشبثه بالأساطير. استمرت الدوله السوفيتيه في تبني هذا المنهج حتي عام 1990 اي ما يقارب من سبع عقود. ولكن انهيار الاتحاد السوفيتي صاحبه تراجع يصعب تقييم حجمه في الامر فعادت المظاهر الدينيه بعد 70 عاما لروسيا فقائد الجيش يرسم علام الصليب قبل استعراض القوات الروسيه في الساحه الحمراء، فلقد عاد التزلف الي الدين كقوه سياسيه. ولكن نزع الدين عن وجه المجتمع لم يبتدأ في روسيا فحقيقه الأمر انه ابتدأ في فرنسا إبان الثوره الفرنسيه فالثوره الروسيه عام 1917 هي في بعض جوانبها استمرار لصراع فكري وسياسي تم في باريس وفرنسا قبل الثوره الروسيه ذاتها بأكثر من قرن.

ففي أثناء الثوره الفرنسيه تصادمت كل قوي الثوره الفرنسيه مع الكنيسه الكاثوليكيه كلية وانقسمت تلك القوي حول إنكار فكره الإله وحول نوعيه وطبيعه العباده المدنيه او الدين غير السماوي الذي اقترحوه بديلا. أدركت قوي الثوره ايضا ان الانسان لا يستطيع التباعد عن العقيده الدينيه بسهوله فسعوا لاستبدال العقيده الدينيه بمسلسل قيم عقليه وأخلاقيه مختلف حاولوا اعطائها ردائا دينيا. أدركت قوي الثوره ايضا ان الانسان لا يستطيع التباعد عن العقيده الدينيه بسهوله فسعوا لاستبدال العقيده الدينيه بمسلسل قيم عقليه وأخلاقيه مختلف حاولوا اعطائها ردائا دينيا.
كان هناك متشددون وثوار بارزون كجوزيف فوشيه ممن تبنوا فكره أهميه تبني ( دينا مدنيا رسميا للدوله) يسعي لتطور الأنسان وتطويره. كان هذا المذهب هو ( عباده المنطق cult of reason ) الذي تصوره الثوار الفرنسيين بديلا عن المذهب الكاثوليكي المسيحي كما أسلفنا. وتعد كلمه عباده العربيه ترجمه ضعيفه لكلمه cult فربما كان الاقرب هو (ديانه المنطق ) . فمع اعلان الجمهوريه في سبتمبر 1792 تبنت الدوله سياسه رسميه ضد رجال الدين وصار نهج ( عباده المنطق ) هو سياسه رسميه تقترب من أن تكون دينا رسميا للجمهوريه الوليده. هذا النهج او العباده او الدين تباعد عن فكره أي إله من الالهه المعروفه الخارجه عن الأدراك الانساني الملموس ولكنه سعي لخلق دين الفضائل الانسانيه العليا مع التباعد عن الرموز الدينيه المسيحيه. ومع حاله العنف ضد الرموز الدينيه تم مثلا تحويل كنيسه نوتردام الي (معبد للمنطق) بل وأقيم أحتفال ب ( عيد المنطق) في نوفمبر 1793. لم تكن كل رموز الثوره الفرنسيه علي قلب رجل واحد في تصورهم لما هو الدين الجديد فلقد أختلف ماكسمليان روبسبير كما سيبدو لاحقا في تصوره عن الأمر.

رغم تعدد التفاصيل الآ ان اي دارس لتاريخ الثورة الفرنسية سيصطدم بتكرار تعبير (نزع المسيحيه أو التخلص من المسيحية De-christianization) في فرنسا. فلقد كانت الكنيسه أحد أركان الحياه وكانت كيانا مستقلا فوق أي تساؤلات ماليه او فكريه او أخلاقيه. وكانت ذات مناعه في قلوب الناس وذات ثروه ضخمه وريع هائل وأرستقراطيه لا تلمس. ولقد أعلن البابا تحفظه على إعلان حقوق الإنسان والدستور وكان هو ذاته يمت بصله قرابه أو نسب لملك فرنسا.
كانت الكنيسه رمز ديني كبير وعلى تواصل مع كل ملوك أوربا والنبلاء فلقد كان الدين والمسيح والمسيحيه أحد مصادر شرعيه (الملك-الإله) في عموم اوربا وأحد منابع الأدعاء بالنبل والأرستقراطيه فلقد كانت شرعيه هؤلاء تمتد من خدمات غامضه قدمها جدودهم لأساقفه ورجال الكنيسه يوما ما. كان الصراع مع سلطه الكنيسه لذلك قد ابتدأ قبل الثورة ذاتها ولهذا فلقد كان الجمهوريون منحازين من اليوم الاول لتقليص نفوذها. فلقد كان الفلاسفه الأوربيين قد بذروا فكره المساواه لقرن سابق للثورة الفرنسية ولهذا فلم يكن من الغريب ان تكون رموز ك (ميرابو وبارناف) مع تقليص دور الكنيسه.
ابتدأ الصراع مع الكنيسه عندما ضم مجلس الفئات 13 عضوا من البروتستانت للمره الأولي ( وهو عدد هزيل قلقد كان عدد أعضائه يتجاوز ال 900 بينما عدد البروتستانت في فرنسا وقتها يقترب من المليون ). هذا القرار كان في محتواه هو مبدأ (التسامح وتقبل الآخر). أنتهي آلأمر بإنتصار الفكره بشكل عملي في قرار يرسخ بوضوح الحقوق السياسيه والاجتماعيه والقانونيه لكنائس الاقليات. وهكذا فلقد تساوت الفروع المختلفه للديانه المسيحيه فما دام الولاء للدستور والقانون قائم فحتي الزنوج والاتراك والملحدين صاروا متساويين في الحقوق.
ظهرت القضيه اليهوديه على خجل في العام الاول للثورة وقبل إعلان الجمهوريه في 1792! فلقد ثار جدل عن حصولهم على حقوق المواطنه الكامله كالبروتستانت مثلا. فحتي مفكري عصر التنوير من السابقين للثورة ك(فولتير) كانوا رافضين للمساواه المطلقه مع اليهود والزنوج. انتجت الخلافات حول تلك القضايا تمييزات غريبه كتلك التي ظهرت بين اليهود الشرقيين( السفاردييم) والاشكيناز المتحدثين باليدش فلقد كان اليهود الأشكيناز من أدني الطبقات داخل المجتمع الفرنسي.
صوتت الجمعيه التأسيسيه بـ 568 صوتاً مقابل 346 لانهاء الاستقلال المالي للكنيسه في 2 نوفمبر 1789 مع امتناع 40 عضوا عن التصويت وكان هذا بدايه الحرب المعلنه بين الكنيسه وقوي التغيير في فرنسا.
لم يتناول الصراع رجال الدين فقط بل امتد ليصارع فكره الدين وفكره الحياه بعد الموت وهي قلب المفاهيم الدينيه الإبراهيمية فلقد استبعدت عباره (رقد في إنتظار القيامه) من التماثيل ورموز القبور. اتخذت الثورة أو الجمعيه الوطنيه سلسله من القرارات المتتابعه دعمتها تحركات جماهيريه لخلق ما عرف بأسم (القساوسه الدستوريين) اي الذين يقسمون بالانحياز للدستور في المراحل الأولى للثورة. وكان هؤلاء محل غضب وإستبعاد السلطه الكنسيه في فرنسا وخارجها. كان القرار محل خلاف كبير وسط رجال الدين والكنائس ففي عام 1791 كان عدد القساوسه ورجال الدين الرافضين لاداء القسم الدستوري يصل إلى 30000 من ضمن 60000 اي نصف عددهم.
حوصرت كنائس بعينها وتغيرت اسماء الشوارع التي تحمل أسم (القديس فلان) برفع اسم كلمه القديس من الشارع ثم تطورت الامور لقرار بمنع أرتداء رجال الدين لملابسهم في الشوارع وخارج الكنائس في احتفال عيد الفصح في 6 ابريل 1792. كان الصراع المكتوم مع الثورة يتصاعد وهكذا ففي اواخر ديسمبر 1792 في ليله الكريسماس منع احتفال منتصف الليل الديني الكاثوليكي المعتاد واعلن ان الكنائس ستكون مغلقه من السادسه مسائا للسادسه صباحا. كان هذا القرار تحديا للكنيسه ولعادات الناس في اطار الحمله ضد الشعوذه الدينيه هوجمت الكنائس والصلبان وحطمت رؤوس المسيح على التماثيل وصور امه مريم. توسعت الحمله ضد الشعوذه فتم التهجم على الصلبان وآستخدمت الايقونات الذهبيه لتمويل الميزانيه وبحلول عام 1794 تزوج 6000 قسيس استقال اكثر من 20000 قسيس. استمرت الحمله لتغيير اسماء الشوارع في المدن والاقاليم وتحولت التخلص من الرموز الدينيه من مسأله اختياريه لمساله اجبارية. وصلت الثورة لابعاد جديده فلقد ظهرت صور جديده للعذراء وهي العذراء السوداء كتحدي للمستقر في اذهان الناس عن الشكل الابيض للمسيح ولأمه.
كانت معاول المعركه مع المسيحيه والملكيه تأخذ أشكال متعدده ولربما أكثرها غرابه ودلاله كان تبني تقويما زمنيا جديدا يتباعد عن اي تعبيرات مسيحية. فلقد قرر ثوار فرنسا البدء بتقويم جديد للبشريه ليس له علاقه بميلاد السيد المسيح. وهكذا كان العام 1792 هو بدء التقويم الجديد وعد هذا العام العام الاول للبشرية. كانت الاجنده الجديده احتوت أسماء جديده للشهور والايام جديده لحذف اي اشاره مسيحيه أو ايمانيه مسيحيه أو وثنيه في حياه الناس. فصارت هناك شهور ك برومير وثرمودير الخ والغيت الايام بصفاتها واسمائها القديمه بل وظهر (الأسبوع) ذو العشره إيام مستبدلا ذاك ذو السبع أيام حتي ينسي الناس (يوم الأحد) الذي يربطهم بالكنيسة. استمر العمل بهذا التقويم لمده 5 سنوات وتوقف فقط عندما توج نابليون نفسه امبراطورا. صاحبت التغيرات في النتيجه تبني فرنسا ومن بعدها العالم للمقاييس المتريه فلقد كان الايمان بمنطقيه النظام العشري طاغيا. فلقد كان نظام القياس المعتمد على البوصه والقدم واليارده يعتمد مثلا على مقياس قدم (الملك) أو أصابعه الخ ولهذا فلقد كان للعالم الفرنسي مكتشف الأكسيجين (لافوازيه) دوره في خلق النظام العشري فمن الملليمتر للسنتيمتر للمتر للكيلومتر رغم ان لافوازيه ذاته واجه المقصله لاحقا. النظام العشري الديسمتري امتد للجرام والكيلوجرام. ولكن امتداد الامر لساعات الليل والنهار والدقائق لم ينجح.

وكان اصحاب نهج (عباده المنطق ) متطرفين في حماسهم وفي ايمانهم بقدرتهم علي تحقيق الهدف الا ان ثوار آخرين كروبسبير مثلا رفض الفكره ورفض التطرف في ممارسات نزع المسيحيه وكان علي قناعه ان الانسان يحتاج الي إله يرشده لطريق الفضيله وإن الوصول الي الفضيله والفضائل هو هدف كل الاديان وان لم يكن حكرا علي القناعات الرومانيه واليونانيه في إشاره الي المسيحيه. وهكذا فإن الصراع بين التيارين أخذ ابعاد تعمقت ووصلت الي إعدام بعض متطرفي حمله نزع المسيحيه عن فرنسا وألي أطلاق إحتفال مهيب أطلق عليه الاحتفال ب( الكائن الأعلي…Supreme being) او الأسمي تجسيدا لفكره الفضيله والفضائل التي آمن بها روبسبير واقيم نصب تذكاري ضخم وسط باريس لهذا الاحتفال. كان الصراع مع الكنيسه الكاثولكيه مفهوما فهو في احد جوانبه صراع مع الملكيه ذاتها. اما الصراع مع الدين ذاته فلقد كان تطورا بالغ الخطوره ويعد إستمرار لتساؤلات عصر التنوير الذي سبق الثوره الفرنسيه ذاتها ولكنه كان تيارا وسط نخبه المثقفين فقط فتعامل معه الناس بريبه وحذر. بل وانه يعد أحد مقدمات سقوط روبسبير.
ولكن التمرد علي الاديان و (البحث عن دين جديد ) لم يتوقف فلقد ظهر السان سيمونين لاحقا يربطون (المسيحيه الجديده) بالمجتمع ثم ظهر أوجست كونت في إتجاه مشابه لمزج المنطق والفضائل بفكره الأله. ولقد مثلت ثوره أكتوبر وانتصار الشيوعيين الروس بعد قرن من الزمان امتدادا للجدل الذي دار اثناء الثوره الفرنسيه وانتصارا للتطورات الفكريه والعلميه والفلسفيه التي نتجت من تلك الثوره فلقد تبنت الثوره الروسيه (الفكر المادي ) والعلمانيه المطلقه.فلقد كانت الدوله السوفيتيه تتناول الاديان كلها باعتبارها إساطير وخزعبلات وكانت علوم دراسه الاديان تسمي ( علوم الإلحاد).
كانت حمم الثورة الفرنسية تسقط على مدن ومجتمعات اوروبا أفكارا كالبراكين فتغير كل ما يقابلها من تركيبات اجتماعيه وافكار. كانت التحركات الفكريه لتحرير الإنسان الاسود سابقه للثورة فلقد كان هناك (لجنه اصدقاء الإنسان الاسود) التي ترأسها ميرابو والتي تكونت عام 1789 بعد سقوط الباستيل.. وتطورت الفكره لوجود نائب اسود في الجمعيه التاسيسية.
أنجبت الثوره الصناعيه وليدا جديد إذن هو الراسماليه بما اتت به من تكنولوجيا تتحدي النسق الاقطاعي المستقر من سيطره لملاك الاراضي على عبيد الأرض وأقنانها. وكان القانون النابليوني مثلا (Napoleonic code) تعبيرا عن ذلك التغيير رغم أنه ظهر بعد هزيمه الثورة ذاتها. فلقد كان نابليون هو اول من كون حكومه مركزيه في فرنسا تستند إلى القانون الوضعي فلقد قسم (الكود النابليوني) القضايا تقسم إلى اربعه فروع اساسيه عن (البشر، الممتلكات، التجاره، النزاعات المدنيه والادارية).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,867,135,310
- نزع المسيحية عن فرنسا


المزيد.....




- مبادرة جديدة.. عودة مرسي مؤقتا ومراجعة فكر الإخوان
- سلفيون ينسحبون من مواقع في تعز.. وانفصاليون يهاجمون حفلا في ...
- بالصور: استعدادات العيد في دول عربية وإسلامية
- 5 سنوات سجن لزعيم حركة "عرفان" بتهمة إهانة المقدسا ...
- 5 سنوات سجن لزعيم حركة "عرفان" بتهمة إهانة المقدسا ...
- الصين ترفض تحكم قوى خارجية في شؤون البلاد الدينية
- هيئة سويدية تنصف فتاة مسلمة رفضت المصافحة
- بريس أجينسي: القضاء على الإرهاب بمنطقة الساحل و الصحراء رهين ...
- مصدر : إيران أبلغت القيادات الشيعية بوجود -فيتو- على ولاية ا ...
- «أوقاف القدس»: صلاة الفجر ستؤدى داخل المسجد الأقصى


المزيد.....

- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري
- الإعجاز العلمي تحت المجهر / حمزة رستناوي
- العلاقة العضوية بين الرأسمالية والأصولية الدينية / طلعت رضوان
- أضاحي منطق الجوهر / حمزة رستناوي
- تهافت الاعجاز العددي في القرآن الكريم / حمزة رستناوي
- إشكالية التخلف في المجتمع العربي(2من4) / سعيد مضيه
- عصر علماني – تشارلز تايلر / نوفل الحاج لطيف
- كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- ( العذاب والتعذيب : رؤية قرآنية )، الكتاب كاملا. / أحمد صبحى منصور
- التجربة الدينية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / إسلام سعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حازم الرفاعي - نزع المسيحية عن فرنسا