أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض كامل - الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع- دراسة في رواية -علي- قصة رجل مستقيم-















المزيد.....



الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع- دراسة في رواية -علي- قصة رجل مستقيم-


رياض كامل

الحوار المتمدن-العدد: 5838 - 2018 / 4 / 7 - 13:14
المحور: الادب والفن
    


الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع،
دراسة في رواية "علي- قصة رجل مستقيم"
د. رياض كامل

مقدمة:
تهدف هذه المقالة إلى دراسة دور الراوي في رواية "علي، قصة رجل مستقيم" (2017) للكاتب حسين ياسين وقياس حيز الحرية المعطى له، ومدى تمكنه من تحريك الأحداث بصورة سليمة، ودراسة دور الوصف لتنتقل الرواية من إطارها التاريخي إلى إطارها التخييلي. وهي رواية تعتمد على قصة واقعية هي قصة "علي عبد الخالق" عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني ابن قرية "الجيب" قضاء القدس الذي ترك الوطن وانتقل إلى إسبانيا للمشاركة في الحرب ضد الفاشية بين سنوات 1936-1939 فسقط ودفن هناك. (الرواية، ص7، الشريف، موقع الجبهة)
عالم الرواية واسع ورحب، يشمل أحداثا عدة وشخصيات متنوعة، فضلا عن اتساع رقعة الأمكنة في الداخل الفلسطيني وفي الغربة، وامتداد مساحة الزمن من سن الطفولة فالشباب حتى الثلاثينات من عمر الشخصية المركزية. لذلك كان على الروائي أن يتزود بذخيرة معرفية شاسعة لتسعفه على خلق "واقع" خيالي قابل للتصديق، وعلى تصوير الأمكنة المتعددة بلغة غنية قادرة على التشخيص والإيحاء.
تحدثت النظريات عن مستويات التعاطي مع العمل الأدبي، وعن الوسائل التي يجب أن يوظفها الأديب المبدع كي يتمكن من تجنيد القارئ المتلقي حتى يقع "فريسة" للعبة "الإيهام بالواقع" مما يحفزه عل متابعة القراءة والاستزادة منها. فما هي هذه الوسائل التي جندها حسين ياسين في روايته "علي" كي تنتقل من حيز الواقع إلى حيز التخييل؟ وما مدى نجاحه في توظيفها؟

1- الراوي
- لمحة عامة
الراوي عنصر هام من عناصر الحبكة الروائية يخلقه الروائي كي ينوب عنه في نقل الأحداث للمتلقي بطرق مختلفة، وبالتالي فهو الذي يمثل محور الرواية ويحمل رسالتها. (بوطيب، ص68) "إذ لا يمكن لها أن تكون من غير راو ومن غير سامع (أو قارئ)". (بارت، ص70) فهو "المجمع لكل الخيوط: إنه يسرد ويوزع الكلام، يعلق ويحلل، يمزج الآراء ويجعلها متعارضة فيما بينها. قد ينوب عن الكاتب، ولكنه غالبا ما يكسر نواياه ويَحُول بين القارئ وبين التعرف على صوت الكاتب الحقيقي". (برادة، ص19) لذلك يجب عدم الخلط بينهما، فالسارد دور مخلوق ومتبنى من قبل الكاتب، إنه "شخصية من خيال مسخ فيها الكاتب"، وشأنه شأن بقية الشخصيات الروائية "كائن من ورق" يستغله الراوي عند تأسيس عالمه الروائي كي ينوب عنه في عملية السرد، وتمرير خطابه الأيديولوجي، وممارسة "لعبة الإيهام بالواقع"(Illusion of reality). (بوطيب، ص68-69) فالراوي "هو الذي يأخذ على عاتقه سرد الحوادث ووصف الأماكن وتقديم الشخصيات، ونقل كلامها والتعبير عن أفكارها ومشاعرها وأحاسيسها". (قاسم، ص158) وهو "الذي يمثل صوتُه محورَ الرواية، إذ يمكن ألا نسمع صوت المؤلف إطلاقا، ولا صوت الشخصيات، ولكن بدون سارد لا توجد رواية. إنه الشخصية الروائية التي بدونها سيبقى الخطاب السردي في حالة احتمال، ولن يتحول لحقيقة، ما دمنا لا نستطيع تصور حكاية بدون سارد". (بوطيب، ص68)
هناك علاقة جدلية هامة بين الراوي وزاوية الرؤية/ وجهة النظر (point of view)، إذ يرتبطان بعلاقة وثيقة جدا، وينسجمان معا ليكمل أحدهما الآخر. ميّز المنظرون بين أدوار الضمائر التي يضطلع بها كل منها في عملية السرد. فتحدثوا عن دور السارد بضمير الغائب وضمير المتكلم والمخاطَب وغيرها ووضعوا كلا منها ضمن إطار سرديّ متماثل مع وجهة نظر معينة، وربطوا هذه الضمائر بنوع روائي معين كالرواية التاريخية أو الواقعية والنفسية، ورواية السيرة الذاتية وما إلى ذلك. ثم كان هناك تعدد الضمائر، وتعدد الأصوات لتبتعد الرواية عن المباشرة والصوت الواحد الذي قد يجعل الروائي هو الصوت المسيطر. هذه أمور في غاية الأهمية، لكن الروائي اليوم قادر على أن يوظف تعدد الأصوات من خلال ضمير مسيطر واحد، وذلك يتطلب مهارة خاصة.
سنخوض في هذه القضية، غير متناسين ما قاله المنظرون أنفسهم من أمثال باختين وتودوروف: "الرواية ماتزال في صيرورة"، فبعض الكتّاب اليوم قادرون على تجاوز بعض هذه النظريات، وقادرون على تجاوز أنفسهم، من خلال التلاعب بالضمائر ووجهات النظر بحيث يخلقون حالة من الارتباك والبلبلة المقصودة لدى القارئ المتمرس خاصة، لأن الحياة باتت أكثر تعقيدا. وبالتالي فإن الرواية تستجيب لمتطلبات العصر والتجديدات في عالم السرديات التي باتت تدخل أكثر في عمق الشخصيات بعد أن كانت الرواية التقليدية تعتمد كثيرا على الشكل وعلى الصورة الخارجية. إن كل رواية هي خلق جديد، يقف خلفها روائي مبدع. فهل نجح الروائي حسين ياسين في خلق رواية قادرة على ترك أثر في المتلقي؟ وهل نجح الراوي في شد خيوط الحبكة إلى بعضها البعض بخيط متين دون ترهل أو تفكك؟ وإلى أي مدى نجحت رواية "علي" في الفصل بين الروائي والراوي؟

- السرد والمفارقات الزمنية
يبدأ الراوي عملية القص من الحاضر، من على ظهر السفينة وهو يغادر أرض الوطن مودعا حيفا في طريقه إلى إسبانيا، وكان في الثلاثين من عمره، من خلال ضمير المتكلم، ثم يعود إلى الماضي عبر شريط طويل من الذكريات ليتوقف عند محطات هامة في حياته: "شرد الخيال يستذكر أيامي الجميلة. يسترجع اللحظات الهنيّة والبدايات الحلوة. رجعت في ذاكرتي، في محاولة لجعلها نافعة بشكل ما، إلى بداية البدايات. لا بد من وجود نقطة عبور بين ما سبق وما لحق. لا بد لوجود أثر للماضي في هذا المكان، وعليّ البحث عن هذا الأثر". (الرواية، ص11) وردت هذه الفقرة في بداية الرواية، حيث يحاول الروائي، متخفيا بالراوي/علي أن يربط بين الماضي (ما سبق) والحاضر (شرد الخيال) والمستقبل (ما لحق) لنتعرف على ماضي الشخصية المركزية وجذورها، من خلال العودة إلى أحداث تسهم في رسمها وفي بنائها حتى لا تبدو مبتورة، من ناحية، وحتى نتفهم الأسباب التي دفعت "علي"، الشخصية المركزية التي تدور حولها الأحداث، إلى مغادرة الوطن إلى إسبانيا. نتعرف إلى يتمه "من أب ما عرفتُه قط وأم تركتْني أحبو [...] يتمي الرابض على صدري الآن، وأنا أتسلق عمر الثلاثين". (الرواية، ص12) ونتعرف على ثلاثة مواقع هامة؛ حيفا، يافا والقدس أهم المدن في فلسطين، وعلى مواقع أخرى من أهمها مسقط رأسه، قرية "باب الثنايا"، ويتوقف مطولا عند "عهد الولدنة"، (من ص19-46) والتمهيد لما سيحدث لاحقا، فتكتمل صورة الشخصية المركزية في ذهن القارئ؛ ولد شقي، كما يَرِد على لسان أمه، (الرواية، ص19) ومغامر جريء وجسور يحمل أفعى بعد إفراغ نابيها من السم ويدور بها في حواري القرية وخارجها لإفزاعهم، ويُجمع الكل: "عليٌّ جاهل، والجاهل عدو نفسه". (الرواية، ص29) ويتابع في استعراض بعض المغامرات التي تشي بحقيقة هذا الفتى وجسارته وشجاعته وميله إلى المغامرة حتى يقوم بخطف حصان ضابط عسكري بريطاني كان قد حل مع العسكر ضيفا على بيت المختار، فاعتقل وسجن ليلة واحدة تعرف خلالها على السجناء السياسيين، فكانت نقطة تحول هامة في مسيرته وتطور فكره واتساع رقعة نشاطه المعادي للمحتل البريطاني قاتل المناضل "يوسف أبو وردة" والد حبيبته "وردة" ابن بلدة "باب الثنايا".
وهكذا تمكن الروائي من أن ينقل صورة عن الشخصية المركزية في مرحلة الطفولة كتمهيد يشي بتطور الشخصية وما ينتظرها من خطوات مستقبلية، فضلا عن نقل صورة البلاد وبعض ما دار بها من أحداث في تلك الحقبة الزمنية، كما نتعرف على بعض الشخصيات التي تساهم في بلورة شخصية "علي". يسير السرد من الماضي الأبعد فالأقرب بشكل كرونولوجي، يقطع الراوي عملية السرد من خلال الحوارات أو من خلال تسليمه لراو آخر كما فعل مع صديقته اليهودية "الرفيقة" سمحا التي خصص لها صفحات طويلة من السرد. (الرواية، ص102-106)
يتوقّف السرد عند محطات هامة في حياة "علي"؛ مرحلة الطفولة، تفتح الوعي، علاقته بوردة ابنة بلدته "باب الثنايا"، حبه البريء، بداية تفتحه السياسي، علاقته بالرفيقة سمحا والعيش معها في حيفا، وثم السفر إلى موسكو للدراسة مدة ثلاث سنوات، لم تكتمل ليعود بسبب الأوضاع السيئة في الوطن، فيستقر فيه مدة ست سنوات قضاها في مقارعة المحتل الإنجليزي. يشارك في المظاهرات والمواجهات، ويدخل السجن عدة مرات حتى خُيّر بين البقاء في السجن أو السفر إلى إسبانيا. (ص236)
يدور كل ذلك الاسترجاع، مستغرقا حوالي عقدين ونصف من الزمن و"علي" ما زال على ظهر السفينة. ثم يتقدم السرد إلى الزمن الحاضر، فبدا هناك تمازج بين الحكاية والسرد وأحداثه الراهنة. يسرد الراوي عملية انتقاله من اللحظة الراهنة إلى مرسيليا فإسبانيا لتتزامن الحكاية مع السرد، فيروي أحداث وصوله وتعرفه على البلاد وعلى شخصيات شاركته في الحرب وفي أمور الحياة اليومية، وخوضه معارك ضارية حتى أصيب بجراح جعلت الأطباء ينصحونه بالتوقف عن القتال، فلم يرضخ للنصائح وعاد إلى أرض المعركة. يتابع في سرد أحداث هذه المعركة المصيرية الأخيرة بضمير المتكلم. وهنا وقع الروائي في معضلة متابعة السرد فنقله إلى سارد آخر: "يروي أحد المحاربين ما حدث بعد ذلك" (ص317) لتنتهي الرواية بعد صفحتين، فنعلم أنه أصيب "يوم السابع عشر من شهر آذار عام 1938" برصاصة قاتلة أثناء اشتباك مع العدو فيفارق الحياة بعد يومين. (ص318) كمقاتل بطل وقد دفن في المقبرة العسكرية في مدينة البسيط. (نهاية الرواية، ص319)

- الراوي المشارك ودوره
يسيطر ضمير المتكلم على السرد منذ الصفحة الأولى، فتبدو وكأنها سيرة ذاتية، ويتضح للقارئ، في المواجهة الأولى، أن "علي" يعبِّر عن مشاعره وأحاسيسه وهو يودع الوطن بألم وحرقة، مبررا سفره، في هذا الوقت العصيب الذي تتعرض فيه بلاده لمحاولات النهش والتشريد والقتل والظلم، بانتقاله إلى موقع آخر لا يقل أهمية، لأن النضال هناك هو نضال أممي ستنتقل عدوى النصر منه إلى كل بقعة من بقاع الأرض، فتبدو الأحداث منطقية وواقعية، ومترابطة وفق السبب والنتيجة، أو ما يسمى العلة والمعلول مدعوما ببعد إيديولوجي: "أتطوع للحرب الأممية في إسبانيا، فلا يظنّن أحد أنني أفعل ذلك هربا من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي الآن.
إسبانيا، اليوم، مكان ندق فيه أوتاد خيمتنا في بحثنا عن مستقبل أفضل، وهي ملتقى أحرار العالم. هنا تجمع خيرة أبناء الإنسانية المناضلة ضد الفاشية والنازية وموبقات الرأسمالية". (الرواية، ص9، الصفحة الأولى من الرواية)
يشعر القارئ بعد قراءة الافتتاحية أن "علي" إنسان من شحم ولحم، ومشاعر جيّاشة، يقف أمامك ماثلا بصورته الواقعية، فتكاد تجزم أن هذه مذكرات يكتبها "علي عبد الخالق" الحقيقي الذي قد تعرفنا عليه من قبل في "كلمة شكر"، (الرواية، ص7) وليس "علي" الشخصية الخيالية، وذلك بفضل التصوير الدقيق للطبيعة وللمحيط، من ناحية، وبفضل تصوير المشاعر والأحاسيس التي تعتريه أثناء مغادرة الوطن إلى المجهول، من ناحية أخرى، كما يتجلى من خلال التساؤلات المطروحة، والمونولوجات والمناجاة المطعمة بلغة تنضح عاطفة.
يطلع القارئ في المقدمة التي كتبها المؤلف حول دافع الكتابة في "كلمة شكر" التي تصدّرت الكتاب، على أن "علي عبد الخالق، فلسطيني تطوع، مع زميله فوزي صبري النابلسي، للدفاع عن الجمهورية الإسبانية، فسقط كلاهما في الجبهة ودفنا في الأرض الإسبانية"، (الرواية، ص7) فتختلط الأمور على القارئ معتقدا أن الفصل الأول، بعنوان "على عتبة النص"، مأخوذ من مذكرات "علي" المقاتل الحقيقي، لا مذكرات "علي" المتخيَّل. ولو استبدل الروائيُّ ضميرَ المتكلم بضمير الغائب لما نجحت الرواية في استدرار عواطف القارئ ومشاعره ليتابع القراءة ومعرفة متى مات البطل وكيف.
يُقبل المتلقي على القراءة ليتابع الأحداث، بعد أن انطلت عليه حيلة الإيهام بالواقع، خاصة أن هذا الفصل جاء تحت عنوان "على عتبة النص"، فبدا للمتلقي وكأن هذا الفصل ليس جزءا من الرواية بل شبه مقدمة، وليست جزءا من عملية التخييل. نقول جازمين إن اعتماد أي ضمير آخر، هنا، لا يخدم اللعبة الفنية كما يخدمها ضمير المتكلم في هذه الرواية، وفي هذه المقدمة، على وجه الخصوص، لما فيها من تشابه يصل حد التطابق مع "السيرة الذاتية" كما حددها فيليب لوجون: حكاية نثرية تروي قصة شخصية واقعية من خلال أسلوب الاسترجاع، يتطابق فيها المؤلف مع السارد والشخصية المركزية. (حوار مع لوجون أجراه كمال الرياحي) وهو ما ينطبق كليا على رواية "علي"، حيث السارد من نوع "الأنا المشارك"، حسب تعبير نورمان فريدمان، الذي يعتمد أسلوب الاسترجاع، فيبدو للقارئ وكأن المؤلف هو نفسه السارد والشخصية المركزية بفضل ضمير المتكلم.
من خلال متابعتنا للسرد الروائي فقد وجدنا أن زاوية الرؤية تتطابق كليا مع ما قاله تودوروف: "الرؤية مع" حيث تعرض الأحداث من منظور ذاتي لشخصية روائية بعينها. فالسارد هنا قد يعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات، إلا أنه لا يقدم لنا أي تفسير للأحداث قبل أن تصل الشخصيات ذاتها إليها. فالضمير المستعمل عادة في مثل هذه الحالات هو ضمير المتكلم، ولذلك تتطابق شخصية السارد بالشخصية الروائية دون أن يؤثر ذلك على العمل الروائي ودون أن يحوّله إلى أوتوبيوغرافيا، بل إن ذلك يساهم في الانتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب دون أن يفقد القارئ الانطباع بكون الراوي شخصية مشاركة في الرواية. من جهة أخرى يمكن للسارد أن يتعقب شخصية واحدة أو عدة شخصيات. (تودوروف، ص58-59)
لقد رأينا الراوي في رواية "علي" يعرض حياة جميع الشخصيات عالما مصيرها وطباعها كلها، ويكشف سرائرها فضلا عن شكلها الخارجي وميزاتها الخَلقية والخُلُقية، مما يعني أن الروائي قد منح الراوي المشارك الفرصة لأن يقتحم خصوصيات بعض الشخصيات. أما في مواقع أخرى فقد فَتح باب الحوار مع شخصيات عدة ومع ذاته من خلال المونولوج والمناجاة بالذات، مما يتيح للسرد أن يتنقل بين الأزمنة حاضرا، ماضيا ومستقبلا. وبالرغم من التشابه الوثيق بين أسلوب السرد الاستذكاري في رواية "علي" وبين أسلوب السيرة الذاتية، إلا أن الروائي تمكن أن ينقلنا كليا إلى عالم الرواية المتخيَّل من خلال الوسائل المشار إليها أعلاه.

- ما بين المونولوجية والديالوجية
يسيطر صوت الراوي على معظم أحداث الرواية ووجهة نظرها، ويبدو للقارئ مدى تماهي الروائي مع الراوي. في مقابل ذلك تكثر الحوارات مما يسهم في إتاحة الدور لأصوات أخرى أن تُسمَع وأن تدلي بدلوها، كما يستلم السرد أحيانا راو آخر، في أكثر من موقع، مما أتاح للصوت الآخر أن يحاور القارئ، وأن تُسلط الأضواء على الأحداث وعلى الشخصيات من زاوية أخرى، ولنا على ذلك أمثلة عدة منها هذا الحوار الذي يدور بين والد علي وأمه في "عهد الولدنة":
قالت الأم: علي! يا أبو المعتز!
رد الأب: مالو! مالو اليوم، علي؟ دايما علي! علي! عندك خمسة غيره. اتقي الله بحق ها الولد يا حرمة.
- لا إله إلا الله. بس. بس علي مش مثل إخوته. الولد يخزي العين شقي أكثر من اللازم، الله يحميه بحمايته ويهديه بهدايته". (الرواية، ص19)
يساهم مثل هذا الحوار في التعرف على زاوية هامة من شخصية علي على لسان صوت آخر لا صوت الراوي، وبالتالي فإن هذا الصوت لا يختلف أبدا عن صوت الراوي بضمير المتكلم الذي حدَّثَنا، عبر سرد عدة أحداث، عن مواصفات الشخصية المغامرة الجريئة، فجاء الصوت الآخر داعما للسارد الرئيسي. ولنا على ذلك أمثلة مشابهة في مواقع أخرى وفي فترات زمنية مختلفة. فقد التقى السارد/علي في مدينة البسيط الإسبانية بالرفيق مليح الخروف الذي وصل متطوعا أيضا (الرواية، ص296)، يعرفه "علي" جيدا من خلال عمله في خلية حزبية في القدس: "شاب شديد الالتزام بالقضية. مناضل عنيد. ثائر متحمس وأممي مخلص وهو من عشاق الأدب" (الرواية، ص296). يدور بينهما حوار حول أمور البلد. يصرح مليح الخروف بما يلي: "نحن نمارس السياسة كي نعادي الغريب المحتل. إننا نمارسها كي لا نضيع في العبث ولا نغرق في جماليات الوهم. طبعا في القدس أغاني الرعاة ونشيد الأنبياء وحكمة القضاة. وفيها صبايا، حفيدات عبلة وليلى... كلهن ناهدات حيضهن شقائق النعمان وأنفاسهن هبال البابونج، خدودهن ملمس الميرامية وشهوتهن الزعتر البري الحراق. في القدس تتعانق الأرض مع السماء ويصلب التقي." (الرواية، ص297)
نلاحظ بوضوح تام تشابه الصوتين، ففيهما حنين إلى الوطن وعشق المغترب الذي لم ينفصل عنه روحا واشتياقا، وفيهما نفس التوجه الفكري، فجاء الصوت الثاني لدعم الصوت المركزي. ولكن هذه المحاولة لم تكتمل لأن القارئ يشعر بوضوح أن هذه هي لغة الروائي وهذا صوته أكثر مما هي لغة إحدى الشخصيات، أو صوتها، وبالذات أن اللغة ليست لغة "عاشق للأدب" بل هي لغة شاعرية، تحمل رؤية الكاتب المتمرس، فجاءت المحاولة منقوصة.
ذكرنا أعلاه مدى نجاح الرواية في تجنيد القارئ عبر وسائل فنية عدة تجعل عملية التخييل تبرز بقوة ووضوح، لينقاد القارئ في إثر السارد يقتفي خطاه بتشوق وتلهف، وتجعل القارئ ينظر إلى الأحداث من خلال عيني الراوي لا من خلال عيني الروائي، فأتيح المجال لأصوات أخرى وساردين آخرين، منهم من يحمل رؤية متناقضة، ومنهم من ينسجم مع رؤية الراوي، كي يبدو السرد ديالوجيا لا مونولوجيا، فنتعرف على جوانب مهمة من شخصية "علي" في فترة البلوغ والشباب: "قامته الفارعة، حديثه المتزن، خطواته المقدرة جيدا، ملامح وجهه الجميل المبتسم دائما، غناؤه اللذيذ الممتع. إصغاؤه لهموم رفاقه وطلباتهم. شخصيته القوية تشع على كل من حوله...". (الرواية، ص118)
لقد بذل الروائي حسين ياسين مجهودا كبيرا ليتخطى المطبات فكان ضمير المتكلم اختيارا موفقا ساهم مساهمة كبرى في عملية الإيهام بالواقع، فضلا عن الحوار والمونولوج والحلم وتسليم السرد لرواة آخرين، كما ذكرنا أعلاه، لكن السرد يتعثر في بعض المواقع فيغيب الراوي وتغيب الأصوات الأخرى ويدس الروائي برأسه ليسجل موقفا معينا فينأى النص السردي عن الحيادية التي يجب أن تتميز بها كل رواية ديالوجية كي تنجح أكثر ولنا على ذلك ثلاثة أمثلة هامة:
- يطل الروائي على القارئ بشكل مباشر ومفاجئ للحديث عن سنة 1948، بينما الراوي/البطل كان قد توفي من قبل، سنة 1938، بحجة نقل السرد من الراوي الرئيسي إلى راو آخر، وليس صدفة أن يضعها بين قوسين: "(ما دمنا قد أجرينا مقاربة بين السنديكليست والكيبوتس، يحق للرواية أن تتجاوز زمنها الروائي، قليلا لتروي أحداثا لاحقة، لها صلة وثيقة بالموضوع)". (الرواية، ص301) لم يمتد هذا الصوت أكثر من ثلاث صفحات فيها حكاية تكشف عن العنصرية الإسرائيلية، وعدم قبول غير اليهودي مهما كان مخلصا للدولة "اليهودية". لا نرى أية حاجة لحشر هذه الحكاية في هذا الموقع بالذات، فلا تضيف شيئا للحبكة الروائية، بل نرى إصرارا من الروائي ليوصل نظرته الإيديولوجية التي وصلت القارئ من قبل بطرق أكثر فنية.
- إن نقل سرد الأحداث من الراوي الرئيسي بضمير المتكلم إلى راو آخر أمر يفرضه المنطق بعد وفاة البطل (الراوي الرئيسي)، لكنه لم يكن انتقالا سلسا موفقا في نهاية الرواية، وكان على الروائي أن يلجأ إلى وسيلة أخرى أكثر إقناعا. بحثت للروائي عن مبرر لذلك، وحاولت ربط ما يقوله هذا الراوي مع العنوان، "علي– قصة رجل مستقيم" وبدا لي أن هذ العنوان لا يتناسب إلا مع راو آخر كشاهد محايد وصوت محايد، وقد جاء على لسانه: "كان بطلا حقيقيا، مستقيما دافع من خندقه عن شرف الإنسانية". (الرواية، ص318)
- يطل صوت الروائي بشكل مباشر، في زمن الكتابة، في عملية تقييم ما يحدث في إسبانيا سنة 1930، وكأن المتحدث هو الراوي. إذ لا يجوز "للراوي المشارك" أن يتحدث بلغة اليوم لتقييم ما حدث في تلك الأيام، وأن يربط بين ما يحدث في سنة 1930، بالذات، مع ما حدث فيما بعد، أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، أي بعد موت "علي": "أمر لا يصدق أنه في سنوات الثلاثين من القرن العشرين يمكن أن يعلو ويتصاعد من أعماق الشعوب سيل عارم من أخوة الشعوب وتضحيات بالنفس والنفيس [...] جاءت الحرب العالمية الثانية وأنهار الدم أغرقت الشوارع...". (ص271). يبدو جليا أن هذا الصوت هو صوت الروائي وليس أي صوت آخر.
هذه الهنات كان ممكنا تحاشيها فبدت كالشحم الزائد في جسد الرواية، وبدا هناك تفاوت في مستويات السرد ما بين الانفتاح على وجهات نظر متعددة وبين الانغلاق وبروز الصوت الواحد وبالأحرى صوت الروائي.
بالرغم من الهنات التي أشرنا إليها أعلاه، إلا أن الرواية تمكنت من جذب القارئ، من خلال ضمير المتكلم، كما ذكرنا، فاقترب السرد من أسلوب السيرة الذاتية الروائية، وبما أن الراوي هو الشخصية المركزية فقد بدا في عين المتلقي شاهدا على العصر يبث أخبارا شهد معظمها بأم عينه، وسمع عن بعضها الآخر من شخصيات أخرى. فاعتماد الحوار أسلوبا أتاح لأصوات أخرى أن تدلي بدلوها، فضلا عن تسليم السرد لرواة آخرين في أكثر من موقع. كما نجحت الرواية، برأينا، من خلال توظيف وسائل وتقنيات عدة من فتح باب الفجوات لتشويق القارئ ومعرفة ما سيأتي وكيف، فجاء السرد في معظمه متماسكا بعيدا عن الترهل. أما ما ذكرناه أعلاه من ملاحظات تمس بمصداقية السرد فقد جاء معظمها في نهاية الرواية، بالتحديد في الصفحات الأخيرة منها. لكن تصوير شخصية "علي"، من خلال أحداث متعددة، وفي أماكن وأزمنة متعددة وتطورها وانفتاحها فقد جعلت الشخصية محببة على القارئ قريبة من وجدانه، فكان موته الدرامي، كبطل مقاوم، حتى آخر رمق من حياته في سبيل مبادئه، شفيعا للروائي وللرواية التي اخترقت المألوف في أكثر من موقف وأكثر من موقع. ولعل من أهم نقاط نجاح الرواية هو عنصر الوصف المطعم بلغة شاعرية راقية، كما سنرى لاحقا.

2- الوصف
- لمحة عامة
يقسم النص (أو الحكي) إلى قسمين؛ يختص أحدهما بالسرد والآخر بالوصف. ويرى جيرار جينيت أن كل حكي يتضمن أصنافا من التشخيص لأعمال أو أحداث تُكوّن ما يوصف بالتحديد سردا(Narration). هذا من جهة، ويتضمن من جهة أخرى تشخيصا لأشياء أو لأشخاص، وهو ما ندعوه في يومنا هذا وصفا(De-script-ion). (لحمداني، ص78) ففي حين يختص السرد، بالأحداث وسريان الزمن، فإن الوصف يختص بتمثيل الأشياء الساكنة. يكمل أحدهما الآخر، فالوصف يختص في توصيف المكان في حدوده الزمانية، ويعطينا ملامح الشخصيات الشكلية والداخلية. (للتوسع: لحمداني، ص78-81) وهو يوقف الحركة الدرامية للأحداث، وقد يشلها، إذا لم يحسن الروائي توظيف الوصف الدال. (مرتاض، ص289)
هناك واقع الخطاب الروائي وهناك واقع خارج الخطاب الروائي وهو واقع إنساني خارج العمل الأدبيّ، ولذلك على المؤلف أن يرى ما لا يراه غيره (كما ترى نتالي ساروت)، فهو المبدع الذي يستغل الوصف على سبيل المثال لخلق مكان روائي ليس طبق الأصل عن صورته الواقعية. وبالتالي يصبح هذا التوصيف قابلا للتصديق يوهم بالواقع.
لا يقوم الكاتب بوصف المكان بصورة فوتوغرافية ولا يدخل في تفاصيل المكان كما هي على أرض الواقع، بل يأخذ زاوية معينة يراها ضرورية قابلة للانسجام مع مجمل العمل الأدبي التخييلي، كما الرسام الذي يقوم برسم نقطة أو بقعة محددة يراها هو في هذا المحيط الواسع فتصبح معبرة عن فكرة قابلة للانفلاش والتمدد. بل نرى عند الرسام الماهر أشكالا غير مكتملة يتركها للمشاهدين كي يكملوها هم وفق رصيدهم المعرفي والثقافي، وهكذا الوصف المجزوء قابل للشرح والتأويل وفق ثقافة المتلقي.
يرى جيرار جينيت أن للوصف دورين أساسيين، الأول ذو طابع تزييني ويشكل استراحة للقارئ وسط الأحداث السردية، ويكون له دور جمالي خالص مثل دور النحت في الصروح الكلاسيكية، أما الوظيفة الكبرى الثانية للوصف فهي ذات طبيعة تفسيرية ورمزية في نفس الوقت. (جيرار جينيت، ص76-77)
فهل تمكن الروائي حسين ياسين من تفعيل الوصف إلى جانب السرد كي يبدو النص الروائي معافى ومتكاملا؟

- الوصف بين الجمالي والديناميكي المتحرك
يستهل الروائي حسين ياسين روايته موظفا ضمير المتكلم ليسرد لنا الراوي قصته وهو يصعد السفينة من ميناء حيفا إلى إسبانيا، مركزا حديثه حول مشاعره الجياشة وهو يترك الوطن إلى أرض غريبة وبلاد مجهولة، فقام بوصف بعض مشاهد مدينة حيفا وهو ينظر إليها من السفينة مغادرا الوطن للمشاركة في الثورة هناك. وجدنا رساما ماهرا ومصورا قادرا على الدخول في التفاصيل الدقيقة، حتى بدت حيفا واقعا ملموسا بالعين المجردة. فكان هذا الوصف ذا دور هام في تصوير مشاعر "علي" وأحاسيسه وآلامه وهو يودع حيفا الوطن، لا حيفا المدينة فحسب، لذلك وجدناه، من هناك، من قلب السفينة، يستطرد عائدا بذكرياته إلى أيام الطفولة في مواقع أخرى غير حيفا. فكان للوصف دور هام ومكمل لدور السرد إذ لا يجوز أن تكتمل الرواية بدون سرد ووصف وحوار.
إن وصف مدينة حيفا من الزاوية التي يتواجد فيها الراوي لم يوقف الحركة السردية، وهو ينسجم في ذلك انسجاما تاما مع السفينة وهي تتحرك من الميناء ببطء لتدخل عمق البحر مبتعدة عن الشاطئ/ الوطن: "أرنو إلى حيفا وبيوتها الجميلة تنزلق على سفح الجبل. تتدثر بين الشجر. بدت لي بيوت المدينة كأهرامات قاعدتها البحر." (الرواية، ص10) ويتابع الوصف: "من سطح السفينة أرى أشعة الشمس ترقص على زرقة ماء يتماوج. يتغضن
وجه البحر، كأنما بعثرت عليه برادة فضية". (الرواية، ص11)
هذا ليس مجرد وصف خارجي لمشهد يلوح عرضا في وجه الراوي، وهو فعلا وصف تزييني وأكثر إذ نرى الروائي يخصص حوالي ثلاث صفحات لتأثيث المدينة وبحرها ورسم معالمها، فتنتقل صورة حيفا الجميلة ببيوتها وأشجارها كلوحة تتغلغل في خيال المتلقي. إنها حرقة المهاجر قسرا والمبعد عن وطنه قهرا، حتى ولو كان السفر يلبي نداء الضمير للمشاركة في ثورة تُشارك فيها مجموعات مقاتلة من مناطق عدة. فحيفا جميلة وكبيرة وذات هيبة "كأهرامات قاعدتها البحر"، والبعد عنها ليس بهذه السهولة، إذ لها في النفس أثر، أي أثر. هذا الفراق مؤلم؛ "يتغضن وجه البحر"، ويعتصر الألم قلب المبعد عن الوطن. الوصف لم يشل حركة السرد لأن اللغة تحمل من الدلالة ما يجعل خيال القارئ يتشارك ويتمازج مع خيال الراوي، في الرؤية والإحساس، فأحسسنا بالسفينة تتحرك ببطء كتحرك الأحداث. فكان الوصف جماليا يرتبط ارتباطا وثيقا بالشخصية وما تمر به من حزن وأسى وحسرة، فبات الوصف الخارجي انعكاسا للداخل.
لقد لفت نظرنا توظيف الوصف بكثافة في بداية الرواية فكان له دور التمهيد لما سوف يحدث، وكان بالتحديد ينقل ما يعتمل في قلب الشخصية الرئيسية من ألم، فرأينا أن وصف الطبيعة في أكثر من موقع يرمي إلى رسم صورة لوطن كل ما فيه جميل وساحر يستحق أن نعيش فيه فكان أحيانا جماليا وكان أحيانا وصفا دلاليا. فهل يمكن أن نجد وصفا يحمل هاتين الميزتين في آن معا؟
للإجابة عن ذلك اخترنا الفقرة التالية من الفصل الأول "على عتبة النص": "هناك في الأفق البعيد الأبعد، في عمق المخيلة، في تلافيف الوجدان، القدس العبوسة، الضاحكة، الوقورة، الصابرة. في القدس شمم المجد وشموخه، أصالة التاريخ وعظمة الحكمة، أنبياء وقضاة.
أتخيل شارع الأنبياء، حيث سار الملوك والقضاة والأنبياء. واليوم يسير فيه الجنود والكولونياليون وصيارفة وزناة. بيوتها الجميلة غدت خرائب هدمها إعصار وحدّبتها الكراهية...". (الرواية، ص15)
ينعكس، برأينا، في النص أعلاه الوصف التزييني مع الوصف التفسيري الديناميكي، ونرى أن اجتماعهما بهذه الصورة، مندمجين معا، قد جعل النص غنيا وثريا وقادرا على جذب القارئ وإقناعه بمصداقية العالم الروائي المتخيل. فالأوصاف في الفقرة الأولى تعطي صورة للأشياء والأمكنة كما تبدو في عين الراوي: "العبوسة"، "الضاحكة"، "الوقورة" "الصابرة" "شمم" "شموخ" "أصالة" و"عظمة"، أما الأفعال في الفقرة الثانية فقد ساهمت في جعل الوصف ديناميكيا ومتحركا من خلال "أتخيل" "سار" "يسير" و"غدت". فهناك بعدان زمنيان؛ ما قبل وما بعد، لهما دلالتهما في عملية الوصف فاندمج الجمالي مع التفسيري، وتبدل الزمن من حقبة معينة إلى حقبة أخرى مغايرة. وبالتالي فإن الوصف لم يوقف عملية السرد فكان جماليا ومتحركا في آن معا، ومعبرا في نفس الوقت عن ألم الهجرة والبعاد، إذ لم يقتصر الأمر على حيفا بل تعداه هنا إلى مكان هام آخر هو القدس وما تمر به من هموم.
يتحدث المنظرون، كما ذكرنا، عن دور السرد والوصف في بناء الأحداث الروائية، وهم يؤكدون على أهمية هذين العنصرين، ويقومون بدراسة الفوارق بينهما. لعلنا نقول اليوم، بعد ما قاموا به من جهد، إن الروائي الذي لا يملك اللغة الثرية ولا يملك الحس الشاعري ولا يدرك دلالة الكلمة ومكانها في داخل النص سيكتب ما يبدو له أنه رواية أو قصة أو شعر. ونؤكد على ما يقوله كل من يدرك دور اللغة وجمالياتها، على أن الوصف الغني بدلالاته هو عامل هام في تحديد معالم الشخصيات، والأمكنة، وكل وصف زائد هو شحم زائد في جسد الرواية، وكل وصف يوقف حركة السرد أو يبطئها لا يقاس إلا من خلال ما يعنيه داخل النص ككل. لقد وصف الراوي حيفا والقدس بمعالمهما الضرورية لتحريك الأحداث لكن الصورة ستظل مشوهة وغير مكتملة إذا لم يقم الراوي بالحديث عن الأرض، لأن "علي" فلاح قبل أن يكون محاربا ورفيقا بالحزب الشيوعي، فالأرض جزء هام من بناء شخصيته لذلك نراه يعود من على ظهر السفينة إلى القرية وإلى الأرض، وإلى أيام الحقل يصفها وصفا دقيقا تكاد ترى الصورة ماثلة أمامك بشكلها وألوانها ورائحتها: "أتذكر أيامي في الحقل. أقبض على المحراث، خلف الفدان. تغوص السكة في جوف الأرض فتقلب سافلها عاليها. تهبط عصافير صغيرة تبحث عن ديدان ظهرت. تبعثر روث البقر، فلعل بذرة بقيت سليمة!؟ من جرح الثلم يفوح شذى طراوة فجّة يَسكر الفلاحُ من عبقه. يا أرض الخير! أعطيتك فاعطيني... أتراني أعود، كما تعود العصافير إلى أعشاشها؟" (ص13)
إن الوصف هنا، كما في مواقع عدة، يساهم مساهمة كبرى في بناء الشخصية وتحديد صورتها ومواصفاتها، فالشخصية عادة مركبة ولها عدة جوانب وعدة أبعاد، وهكذا شخصية "علي"، فيها العاطفي والجدي والساخر والمحارب والإيديولوجي والمناضل والفلاح الذي يحب الأرض ويحارب من أجلها. فإن كان ما جاء من وصف جمالي وتزييني، في المقطوعة يوقف حركة السرد إلا أنه ضروري للتعرف على الشخصية الرئيسية بكل ما تحمله من مميزات. في القطعة عودة إلى الوراء مما يساهم في خلق المفارقات الزمنية، وبالتالي فيها سرد وفيها وصف، وفيها مونولوج، وهكذا هو النص الغني مركب من عدة تقنيات أحدها، ومن أهمها، الوصف.

- الوصف التفسيري الدال
إن الوصف لا يمكنه أن يحقق المطلوب ويصيب الهدف إلا إذا عرض بلغة تحمل إيحاءات ودلالات وأبعادا مادية ونفسية، وقد أشرنا أعلاه إلى أهمية اللغة ودور الوصف في تشخيص الأشياء والشخصيات لتبدو جزءا فاعلا ديناميكيا في سير الأحداث، كما ينعكس في الفقرة التالية: "الشمس في انحدار شديد نحو الغروب. رويدا، رويدا تسحب نورها الزاهي وعلى مهل تلملم أشعتها الذهبية وتصبغ الغيوم القليلة الشاردة نحو الشرق بلون رمادي. في الغروب معركة دامية بين النور والظلام. يتخضب الشفق والشمس مقتولة في كفن نحاسي تنحدر نحو الغرق". (الرواية، ص13-14)
هذا الوصف استمرار للوصف السابق، فما زال الراوي يصور حيفا من على ظهر السفينة، وقد بدأت تتحرك تحركا بطيئا، فيما ينشغل فكره فيما كان وفيما سيكون، فجاء الوصف، كما ذكرنا، جماليا وديناميكيا. لقد انفلت النص الوصفي من عقاله وغادرت المفردات معانيها المألوفة، وبات غارقا في إيحاءات أفقية وعمودية. يصف الراوي ما تراه العين أفقيا فيتواجه القارئ مع النص في بعده العمودي بعيدا عن المعاني المباشرة التي يتلقفها في المواجهة الأولى، ثم يغور بعيدا في عمق الوصف وإيحاءاته وتموجاته، فيصبح القارئ مشاركا في عملية الخلق متصورا هذا الصراع الدامي بين "النور والظلام". تتجاوب الطبيعة و"يتخضب الشفق" بلونه الأحمر الدامي تلميحا لحرب تسيل فيها الدماء، حيث تنقله السفينة إلى هناك ينتظره مستقبل مجهول. لقد هجرت المفردات" معانيها المعجمية، وبات الوصف مقنعا ومحاورا وهو يترنح بين الواقع والخيال؛ بين ما يراه البصر وما تراه البصيرة. لم يعد المشهد المرئي مجرد صورة فوتوغرافية لواقع مرئي أو واقع ملموس بل بات خيالا قابلا للتصديق. للوصف عدة وظائف، ومنها الوصف التوثيقي. فلو عدنا إلى النص أعلاه وإلى مواقع أخرى في الرواية لرأينا الروائي يلجأ إلى اللغة الدالة التي تجافي التوثيق لتقترب من "الإيهام بالواقع"، فالوصف يقترب من اللغة الشاعرية المكثفة بعيدا عن الترهل الذي يصيب كثيرا نصوص الروائيين، حتى ذوي التجربة منهم.
من شأن مثل هذا الوصف أن يساعد القارئ على التعرف أكثر على الشخصية وما يشغلها، وأن يتلقف المتلقي الأوصافَ مسلَّما بها، كما نسجها خيال الروائي/ الراوي. بعد استقبالنا الأولي للنص أعلاه وجدنا أن هناك حاجة للنظر إليه من جديد لأنه نص مفتوح على حد تعبير أومبرتو إيكو، فوجدنا أن هناك تكثيفا للألوان سواء كان ذلك مقصودا أم عفويا؛ "الشمس"، "الغروب"، "نورها الزاهي"، "الذهبية" "رمادي"، "دامية"، "النور" "الظلام"، "يتخضب"، "الشفق"، و"نحاسي". هذه الأوصاف تشير إلى التبدل الحاصل في صورة الطبيعة وهي عملية "إسقاط" (Projection) لما يحدث على أرض الواقع من تبدل الحال والأحوال.
لم يقتصر الوصف على الطبيعة وصفا مجردا، وهو أمر مألوف لدى الروائيين المتمرسين الذين يوظفون الطبيعة خدمة للتلميح لما يعتمل في صدور الشخصيات، بل تعدى الأمر إلى الوصف الخارجي للأمكنة بكل مركباتها من بشر وحجر وبيوت وشجر وألبسة وأطعمة، حتى يلبس المكان ثوبه الدال حاملا مواصفات بقعة معينة في موقع ما وفي زمن بعينه: "أسير في شوارع أعرفها جيدا، لكنها، اليوم تشربت بالبؤس، حتى الثمالة، وتلوثت بجلابيب سوداء طويلة وقبعات سوداء ذات أجنحة مستديرة، صغيرة وكبيرة. القدس يلتهمها السواد، هل القدس في حداد؟ فيها سوالف مجدولة، ولحى متهدّلة على الصدور، سوداء وشقراء وحمراء كلها غريبة". (الرواية، ص206)
هذا الوصف الدقيق لأناس يسيرون في شوارع القدس هو مشهد لم يألفه الراوي من قبل، ولم تألفه القدس من قبل هي أيضا، فبدت المدينة كأنها في حالة حداد. الوصف في غاية الدقة ينقل صورة لليهود المتدينين حديثي العهد، آنذاك، يسيرون في شوارع القدس، فشعر الراوي بألم وأسى يعتصران قلبه لأنها بدت له في هذه الأيام غريبة وحزينة تتشح بالسواد. يقرأ المتلقي النص فيلمس واقعيته ويشعر بألم الراوي وهو يرى شكل بلاده تتغير معالمها ويتبدل سكانها ولباسهم.
قلنا إن الوصف قد يوقف حركة الزمن ويعمل على قتله، لكننا نرى أن هذا الوقف الزمني (pause)، هنا، وفي معظم أجزاء الرواية، لم يوقف الأحداث. لقد تحولت صورة المدينة واتخذت شكلا مغايرا غير مألوف، وفي هذا، بالذات، يتحرك الزمن ولا يتوقف عند صورة واحدة لأن تغيير المعالم يتأتّى بفعل تحرك الزمن، حتى وإن كانت أهم وظائف الوصف هو التأمل.
ينجح الروائي في لعبة الإيهام بالواقع، وهذا الواقع ليس بجديد على دارس التاريخ الذي تحدث عن عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين وهجرة اليهود إلى فلسطين، لكنه في الرواية ليس مجرد عرض لوقائع تاريخية، فاللغة الوصفية بما تحمله من دلالات وإيحاءات تنجح في جعل هذه الصور التخييلية قابلة للتصديق. على الروائي أن يخلُق واقعا افتراضيا قابلا للتصديق، ولن يتسنى له ذلك إلا من خلال وسائل عدة أهمها الوصف الخارجي والداخلي.
يلعب الوصف دور الديكور، كانت القدس تلبس زيا آخر، وكانت شوارعها تبدو بصورة أخرى، فتغير "ديكورها" وتبدل. هذا المشهد الوصفي الديناميكي ليس بريئا، وكان من الممكن أن يقترب أكثر من "البراءة" لو لم يقل الراوي "تلوثت بجلابيب سوداء".
إن الوصف تقنية هامة من تقنيات بنية الرواية، إذ لا يستطيع الروائي أن ينجز أي عمل روائي ناجح إلا إذا كان النص مطعما بالوصف، وأن يؤدي هذا الوصف أكثر من دور؛ توثيقي، جمالي ودلالي. ولا يتأتى ذلك إلا إذا امتلك الكاتب لغة شاعرية غنية قادرة على تشخيص الأشياء والأماكن والفضاءات والشخوص ضمن حدودها الزمانية.

- اللغة التصويرية
يرى الباحث عبد الملك مرتاض، اعتمادا على أبي الفرج قدامة ابن جعفر، أن الوصف "غايته أن يعكس الصورة الخارجية لحال من الأحوال، أو لهيئة من الهيئات، فيحولها من صورتها المادية القابعة في العالم الخارجي، إلى صورة أدبية قوامها نسج اللغة، وجمالها تشكيل الأسلوب". (مرتاض، ص285) ونحن نتعامل هنا مع التصوير كنوع من الوصف، ولكنا نضيف أن للوصف دورا داخليا أيضا يخترق الشخوص كما يخترق الأشياء.
لا يمكن للوصف أن يكون غنيا ذا دلالات إلا إذا تزود الروائي بلغة غنية ودقيقة على اختلاف مستوياتها. اللغة هي أداة التوصيل وهي الآلة التي يعمل بها الكاتب، إذ كلما كانت أكثر غنى وأكثر ثراء كانت أكثر قدرة على التشخيص والتصوير وخلق عالم روائي واسع ومتنوع، وذلك منوط بقدرة الروائي على توظيف لغة تتناغم مع الأمكنة والأزمنة والشخصيات على اختلاف مستوياتها، وإلا فقدت الرواية مصداقيتها وبدت للمتلقي متصنعة مجافية للواقع والمنطق على حد سواء.
لقد وظف حسين ياسين لغة سردية ووصفية قادرة على التصوير الزمكاني، فتمكنت من تشخيص الواقع التاريخي، فضلا عن تصوير مشاعر الشخصيات في بعديها الزمكاني والإيديولوجي. قمنا بمعاينة مستويات اللغة فعثرنا على مزيج منها لا يقتصر على الفصحى والعامية، بل يتعدى ذلك إلى اللهجات المتنوعة التي تستوجب قراءة منفردة تختص بذلك.
وجدنا تنوعا كبيرا من المستويات اللغوية التي كانت في معظمها لغة إيحائية ذات دلالات وتشظيات عدة، ولنا على ذلك أمثلة عدة منها: "يافا كل الكل! مدينة باسمها، بجسدها المنحوت من عظام كنعان. أسطح البيوت، شارع "الحلوة". حناطير تتسابق وقرقرة دواليبها على رصف حجارة أزقتها العتيقة [...]. قباب كنيسة التراسانطة ومآذن المسجد الكبير ومسجد حسن بيك، منارة الميناء والقلعة. كلها شامخة صبورة تجثو على صخرة التاريخ. بيوت واطئة حنونة رقيقة على أسطحها ينشدّ حبل الغسيل. أكاد أشم رائحة الطعام تفوح من مواقد البيوت. بيوت متجعدة من الطين تتشبث على التلال، وأخرى كبيرة جميلة تتدرج ميادة متفاخرة تنزلق على السفح". (الرواية، ص14)
النص أعلاه ليس مجرد وصف للمرئي الملموس والمحسوس، بل إنه يتعدى ذلك إلى اختراق الداخل ليعبّر عن موقف الشخصية والإيديولوجيا التي تؤمن بها. هذه لغة تصويرية إيحائية دالة فيها إسقاط الماضي على الحاضر وفتح باب للحوار مع معتقداتنا وما ينخر فيها، حسرة وألم يخترقان روح الراوي/الشخصية المركزية، وفي نفس الآن يخترقان القارئ. هذا النص الوصفي المكثف يعكس المشهد ضمن زمن محدد؛ شكل البيوت على اختلافها الذي يعكس البِنية الاجتماعية، بعضها "متجعدة"، وبعضها "ميادة" "متفاخرة"، مساجد وكنائس تتجاور كما يتجاور الناس، روائح الأطعمة واشتياق المغترب لرائحتها حين تجتمع العائلة، آثار تشهد على العراقة تفوح منها رائحة التاريخ. هذا المكان، كما يبدو للمتلقي، أثير على القلب، قريب من الروح، فِراقه ليس سهلا، والدفاع عنه واجب نظرا لهذا الارتباط بين المكان وبين الإنسان. وتتوثق العلاقة أكثر إذا تعرض المكان لمحاولة السرقة أو التغريب.
لقد لفت نظرنا، منذ الصفحات الأولى للرواية، تمكن الكاتب من اللغة ومن أسرارها وأصولها فبدت طيعة بين يديه، قادرة على تصوير الخارج والداخل، فكانت إيحائية حين يقتضي الأمر ذلك، وبدت شاعرية في مواقع أخرى. ولنا على ذلك أمثلة عدة: "أستذكر حيفا، كما رأيتها في تلك الأيام. لؤلؤة قذفها البحر على شاطئ مشمشي. مسترخية تستلقي في حضن الكرمل الأشم، تتستر، حياء من عشقها بين غابات السنديان الكثيفة وانحناءات الجبل". (ص95)
لغة تصويرية شاعرية وإيحائية، فحيفا عاشقة ومعشوقة، تختبئ خجولة كفتاة عربية تنكسف من "افتضاح" مشاعرها. وهي لؤلؤة ثمينة وغالية، على من يحبها أن يحفظها وأن يصونها. وحيفا هذه ليست مجرد موقع جغرافي عند شاطئ جميل، بل هي الوطن الأغلى الذي نحتمي به ويحتمي بنا، مما يذكرنا بأقوال المنظرين وتعريفهم للمكان الحميم الذي نؤثّر فيه ويؤثّر فينا فيكون بمثابة "البيت الدافئ".
لقد لاحظنا أن الروائي قد وظف الوصف حتى في الحوار بالفصحى والعامية وقد رأينا نموذجا لافتا للنظر أثناء عودة "علي" من بيروت إذ يحط الرحال عند "عربان العفولة" فيستمع منهم إلى قصة تهجيرهم عن أرضهم (سنة 1924). تُعرض قصة الترحيل بلهجة بدوية تصويرية وصفية غاية في الدقة: "شي صبح. أول فجة النور. العجين بعدو ما خمر والحلال في الصيرة، بعدو ما انحلب. سمعنا هدر ماتورات، كأنها رعود "المستقرظات". دحجنا زين. قشعنا تراكتورات بأرض الزرع، تقلب الزرع". (الرواية، ص177)
لم يلتزم الراوي بسرد الحدث ووصفه بلهجة بدوية فحسب، بل التزم بواقع البدوي في تلك الفترة الزمنية، فتمكنت اللغة من الاقتراب أكثر من الواقع، فالتشبيهات والصور والكنايات والمفردات مأخوذة من واقع البدوي الفلسطيني الذي يعتمد في معيشته على رعاية المواشي في الأراضي المحيطة بخيامه، وهي لغة شاعرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لقد جند الروائي لغة قادرة على تشخيص الأماكن وما عليها من بشر على اختلاف تنوعهم وانتماءاتهم الاجتماعية والفكرية. ولعلنا نضيف أن الوصف بمثل هذه اللغة الشعرية بما تحمله من ترميز ودلالة لهو عامل تكثيف لا عامل تشتيت، بل إن الروائي يجمعنا كقراء حول فكرة يريدها أن تخترقنا ليحقق بعض أهدافه في مرمى القارئ. مثل هذه اللغة، إذا أحسن الكاتب توظيفها فهي الكفيلة بنجاح كتابته الروائية لأنها أبعد ما تكون عن التقريرية المملة الممجوجة.
ومع هذا النجاح في اللغة الشاعرية إلا أن القلب ليحزن إزاء الأخطاء المطبعية والقواعدية التي نأمل أن يتحاشاها كاتبنا وكتابنا في إنتاجهم الأدبي.

الخلاصة
تسعى رواية "علي" إلى إثبات رؤية فكرية ترى أن للفلسطيني حقا تاريخيا في هذه البقعة من الأرض، ولكنها لم تلتزم بأصول الرواية الواقعية في إحالتها إلى مرجع مكاني مطابق، بل مالت إلى الواقع المتخيل الذي يخلقه الروائي. هذا النوع من القص يعترف بالواقع ويغرف منه لكن لا يصوره كما هو في الحقيقة والواقع، لأن مرجعه الأهم هو خيال الروائي، فصور حيفا ويافا والقدس على سبيل المثال ليست صورا فوتوغرافية طبق الأصل كما كانت في الثلث الأول من القرن العشرين، بل هناك عيّنات محتملة خلقتها اللغة. و"علي" ليس صورة طبق الأصل عن "علي" ابن قرية الجيب، بل هو حامل صورة متخيلة لما كان عليه، لأن الرواية ليست وثيقة تاريخية، وإن كانت عمدة الرواية ومرجعها وثيقة تاريخية عبارة عن بضع أوراق متناثرة هي أشبه بنواة الرواية.
لا نأتي بجديد حين نقول إن قارئ رواية "علي" لا يتابع الأحداث التاريخية بقدر ما يتابع دراما الأحداث، لأن التخييل هو الغالب، وذلك من خلال الوسائل الفنية المتعددة كأسلوب الاسترجاع والمونولوج والحوار والوصف والخرافات والأحلام والمناجاة والرموز لتصبح قصة "علي" كما سماها الروائي "قصة رجل مستقيم" بطلها شخص عاش في مرحلة تاريخية محددة، ويتحول (علي) من مجرد اسم ورد ذكره في بضع صفحات في أحد الأرشيفات إلى رواية من مئات الصفحات تعالج قضية إنسانية لها أبعادها لا في الماضي فحسب بل في الحاضر والمستقبل. ولم يتأت له ذلك كله إلا لأن الروائي قد وظّف لغة إيحائية أدبية لا لغة سردية مباشرة، وبذلك تغلّب التخييل على الواقع.
إن توظيف التاريخ ليكون إطارا للأحداث الروائية ليس بجديد على الرواية العربية، وقد عمد روائيو الستينيات من القرن العشرين إلى التاريخ يستمدون منه عصب رواياتهم، ثم تناول بعض الروائيين مرحلة النكبة وما تلاها، فضلا عن هزيمة حزيران وما تلاها هي الأخرى. أما الروائي حسين ياسين فقد عاد إلى فترة لم تشغل الرواية العربية، بالقدر الكافي، وهي الثلث الأول من القرن العشرين الذي شهد مواجهات سياسية وعسكرية بين الفلسطينيين والمستعمر الإنجليزي. والغريب اللافت أنه مزج بين ما يحدث في فلسطين وثورتها وبين أحداث الحرب الأهلية الإسبانية التي أشغلت الناس، كما أشغلت المؤرخين، فباتت رواية متفرّدة في موضوعها.
رواية "عليّ" فيها عوالم واسعة من الشرق والغرب، وفيها مزيج من حضارات مختلفة، وتلون ثقافي حديث وكلاسيكي يشهد على ثقافة صاحبها الواسعة التي ساهمت في خلق عالم روائي نابض بالحياة. نقع على حكايات من أماكن عدة ومن ثقافات عدة، ونطّلع على معلومات جمة في مواضيع مختلفة؛ أحداث تاريخية فلسطينية وحيثياتها، مظاهرات في قرى ومدن فلسطينية عدة، تجنيد أسماء لأشخاص ومواقع لها علاقة بالواقع، ثقافة في التاريخ العربي القديم منه والحديث واطلاع على الفلسفات العربية القديمة كالمعتزلة والصوفية. والأهم الاطلاع على ثقافات شعوب أخرى وفلسفاتها، مثل الفلسفة اللينينية الماركسية، والتزود بمعلومات هامة حول الحرب الأهلية في إسبانيا التي أشغلت العالم بأسره.
لقد اعتاد القارئ والباحث في آن معا أن ينظرا إلى الرواية التقليدية بعيون متشابهة، لأن الروائي كان يفرض ذاته على الرواية وعلى الشخصية، لأن حريتها كانت محدودة ومكبلة بتوجيهات الروائي الذي يقسم شخصيات رواياته إلى إيجابية وسلبية، وخلق حالة من الصراع بين الخير والشر، بينما الشخصية على أرض الواقع ليست بمثل هذا الوضوح لأنها مركبة، وقابلة للتأثُّر والتأثير بفعل العوامل المحيطة بها، وبفعل المستجدات. وفي "علي" هناك هذا التقسيم الواضح، بين "حزب" علي ومن يحمل إيديولوجيته وفكره وبين من يعارض هذه الرؤية. ولكي تخرج الرواية من إطار الرواية أحادية الصوت إلى الرواية المتعددة الأصوات وُظّفت تقنيّات عدة وتسلم السرد بعض الرواة في أكثر من موقع فترنحت الرواية بين المونولوجية والديالوجية.
ولعل من أهم نقاط نجاح الرواية هو توظيف الوصف على مختلف أدواره التزيينية الجمالية والديناميكية، فضلا عن الحوارات وتعدد اللهجات لينفتح النص الروائي على عوالم واسعة وأصوات متعددة. فجاءت اللغة الشاعرية لتسعف الكاتب على خلق عالم روائي غني. فكانت اللغة في السرد والحوار قادرة على خلق عالم روائي من نسج خيال الروائي وليس صورة لواقع تاريخي جاف.

المصادر
إيكو، أومبرطو. الأثر المفتوح. ط2، ترجمة، عبد الرحمن بوعلي. دار الحوار للنشر والتوزيع: اللاذقية، 2001.
بارت، رولان. مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص. ترجمة منذر عياشي. مركز الإنماء الحضاري: حلب، 1993.
برادة، محمد. "الرواية أفقا للشكل والخطاب المتعددين"، فصول. 4:11 (شتاء 1993). ص10-26.
تودوروف، تزيفيتان. "مقولات السرد الأدبي"، ترجمة الحسين سحبان، فؤاد صفا، من كتاب طرائق تحليل السرد الأدبي. منشورات اتحاد كتاب المغرب: الرباط، 1992.
جينيت، جيرار. "حدود السرد"، ترجمة بنعيسي بوحمالة، في كتاب طرائق تحليل السرد الأدبي. منشورات اتحاد كتاب المغرب: الرباط، 1992.
سوميخ، ساسون. "الظاهر والباطن في لغة الحوار الروائي في الأدب العربي المعاصر"، المجلة. ع3، 2012. ص83-100.
الشريف، ماهر. "الشيوعيون العرب والنضال ضد الفاشية والنازية"، موقع الجبهة 26.5.2012 http://www.aljabha.org/index-asp?i=68266
بوطيب، عبد العالي. "مفهوم الرؤية السردية في الخطاب الروائي بين الائتلاف والاختلاف"، فصول. مجلد 11 عدد4، 1993. ص68-76.
قاسم، سيزا. بناء الرواية. الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة، 1984.
لحمداني، حميد. بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي. المركز الثقافي العربي: بيروت، 1991.
لوجون، فيليب. "الناقد والمنظر فيليب لوجون"، حوار أجراه كمال الرياحي، ترجمة صلاح الدين بوجاه، مجلة "نزوى" الالكترونية، 1.10.2008.
مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد. عالم المعرفة: الكويت، 1998.

د. رياض كامل





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,770,408
- -حبر على قلق- قصائد حب وغضب وأرق
- الأثر المفتوح- قراءة في ثلاثية فريد غانم
- جولة قصيرة في نصوص سعيد نفاع
- وقفة على حافة السيرة الذاتية في نوم الغزلان
- خصوصية المكان ودلالاته في شعر جهشان
- نشأة المسرح العربي الحديث
- -أنا هو الشاهد- وعلاقة العنوان بالنص
- الخطاب الفلاحي في شعر سعود الأسدي
- قراءة تمهيدية في شعر سميح القاسم
- بقايا فرح في ديوان -هذا العالم ليس بريئا- للشاعر حسين مهنا
- -نجمة النمر الأبيض- بين العاطفة والخيال
- الرواية الفلسطينية بين التوثيق والخيال
- -فاطمة- هوية اللغة ولغة الهوية
- اللغة في الخطاب الروائي- يحيى يخلف نموذجا


المزيد.....




- الحياة تدب في مكتبات موسكو ومتاحفها في -ليلة المكتبة-
- خمسة أحداث تاريخية ألهمت صناع مسلسل لعبة العروش
- فيلم -تورنر- يلتقط سيرة وصدمة -رسام انطباعي- أمام دقة الكامي ...
- الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..
- رسالة السوّاح
- حوار -سبوتنيك- مع الممثل الخاص لجامعة الدول العربية إلى ليبي ...
- هذه تعليمات أمير المؤمنين لوزير الداخلية بخصوص انتخابات هيئ ...
- فنانة تطلب من بوتين على الهواء منحها الجنسية الروسية (فيديو) ...
- في تدوينة له ..محمد البرادعي يعلق على قرار إتخذه زوج الممثلة ...
- مندوبية السجون: إضرابات معتقلي الحسيمة تحركها جهات تريد الرك ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض كامل - الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع- دراسة في رواية -علي- قصة رجل مستقيم-