أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل حبه - حزب العراقيين بكل أطيافهم















المزيد.....


حزب العراقيين بكل أطيافهم


عادل حبه
الحوار المتمدن-العدد: 5831 - 2018 / 3 / 30 - 16:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


84 عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي

حزب العراقيين بكل أطيافهم

عادل حبه

يحتفل الشيوعيون العراقيون وانصارهم في الحادي والثلاثين من آذار 2018 بالذكرى الرابعة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الحزب السياسي الاقدم من بين الاحزاب السياسية العاملة الآن في العراق. ويُعد الحزب الشيوعي أحد أعمدة العمل السياسي والتنويري في مجتمعنا، والذي كتبت عنه مجلدات ضخمة عراقية او اقليمية وعالمية تتراوح بين الانصاف والواقعية والاكاديمية وبين الشتائم والسباب والتحريض وتسويد صفحة هذه الحركة السياسية التي تعد واحدة من ابرز التراث السياسي للعراقيين بغض النظر عن موقفهم أزائه. لقد كان هناك من قام بدراسة أكاديمية لهذه الحركة السياسية، ولعل ابرزهم الباحث الكبير المرحوم حنا بطاطو البرفسور في الجامعة الامريكية في بيروت الذي عرض خصوصيات الحزب الشيوعي العراقي وميزاته وسلبياته ونجاحاته واخفاقاته. ولكن هناك بالطبع هناك "بحوث"، قل فصول من الشتائم والأكاذيب والاضاليل التي انطلت حتى على البعض من ذوي النية الحسنة، والتي تفتقر الى الحرفية والدقة العلمية والامانة الاكاديمية في البحث والتي لا تهدف الا الى امر وحيد هو كبح بصيص اي منطلق تنويري في المجتمع العراقي وتكفير الشيوعيين العراقيين والتمهيد لحملة سفك دمائهم وإستباحتهم وهذا ما حدث في مجازر معروفة منذ شباط عام 1949 ومروراً بشباط عام 1963 وما زال قائماً لحد الآن.

ولكن دعونا نلقي نظرة على التاريخ المثير للجدل لهذه الحركة السياسية ضمن رؤية راهنة تتعلق بما يعانيه العراق من كوارث ومخاطر في الوقت الراهن. وهنا أود التركيز بالدرجة الاولى على جوانب ايجابية ضرورية فحسب، دون تقديم دراسة عن السلبيات والاخطاء التي ارتكبها الحزب، وبالارتباط بما يعاني منه العراقيون من عنف خطير وتشظي في المجتمع وتناحر. فالحزب الشيوعي هو بحق حزب العراقيين، حيث لا نجد مثيلاً له في تركيبته واطيافه عبر كل التاريخ المعاصر لوادي الرافدين. فالحزب احتضن في صفوفه العربي والكوردي والفيلي والتركماني والآشوري والكلداني وكل الاقوام القاطنة في العراق. كما ان هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي ضم المسلم بكل طوائفه والمسيحي بكل مذاهبه واليهودي واليزيدي والمندائي والشبك. وغالباً ما احتظنت منظماته مواطنين عراقيين من كل هذه الاطياف مما ساعده على إتخاذ القرار المناسب دون التعدي على حقوق الآخرين بل المحافظة عليها. إن هذا التنوع في الحزب ساعد ويساعد، خاصة في هذه الفترة العصيبة التي نحن احوج به الى إحترام هذا التنوع، اقول ساعد على تعريف العراقيين ببعضهم وأضفى قدراً كبيراً من الغنى الثقافي والتسامح في العلاقات بينهم. لقد تسنى للقارئ العراقي على سبيل المثال التعرف على ما هو جديد في الخصوصيات الاثنية والمذهبية والطائفية للعراقيين حتى في صحف الحزب الشيوعي العراقي السرية ذات الصفحات الصغيرة المعدودة، وهي ظاهرة ينبغي أن نأخذ بها خاصة في ظل انتشار حمى الاحزاب الطائفية والمناطقية والقومية والعشائرية الطاغية في المجتمع الآن والعزف على هذا النغم وجعله المطلق في علاقات العراقيين. اننا لنجد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، خلافاً لتشكيلة غالبية الاحزاب الأخرى، اعضاء ينحدرون من كل زوايا العراق، من عانة وراوة في أقصى الغرب الى مندلي وجصان في اقصى الشرق ومن زاخو وأربيل في اقصى الشمال مروراً بالموصل وتكريت حتى بغداد والنجف والبصرة في اقصى الجنوب. هذا المنحى كان له دور كبير في المساعي لتشكيل مقومات الهوية العراقية وروح المواطنة والوطنية العراقية حيث أخذ أعضاء الحزب وأنصاره ينظرون الى العراق وازدهاره وتقدمه نظرة واحدة بعيداً عن الانانية والتعصب المذهبي والقومي والمناطقي والعشائري وكل ما يؤدي الى تشظي المجتمع العراقي ويتجاهل جوهر التناقضات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي. فالتخلف والظلامية والاستبداد وكبح التنوير والتطور لا يتكرس الا في ظل مثل هذا التشظي المذهبي والقومي والعشائري. فالمبالغة في الاختلاف في هذا الجانب على حساب وحدة العراقيين هو ما نعاني منه الآن والذي يقود الى انفلات العنف والارهاب والمجازر البشعة.
وهناك جانب آخر في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي وله مغزى كبير في الظرف الراهن هو موقف الحزب من الايمان والمعتقدات المذهبية. هذا الموقف اتسم بالاحترام والدعوة للتسامح والتعايش بين المذاهب وعدم زج هذه المعتقدات الروحية والوجدانية في متاهات ومضاربات "سوق" النشاط السياسي كما هو حاصل الآن. أن أكبر إساءة توجه للدين هو إستغلاله كواجهة للعمل السياسي والصراعات السياسة الذي قد يؤدي الى تناحرات خطرة يصعب السيطرة عليها وهو ما شهدناه طوال تاريخ العراق الحديث وخاصة في السنوات الاخيرة. كما عمل الحزب بجدية ضد من يحاول تحويل المعتقد الديني الى مجموعة من الخرافات والجهل والممارسات العنفية التي تسئ الى تراثنا الديني ورموزه وملاحمه بهدف فرض قيم التجهيل والاستبداد والتكفير وثقافة قطع الاعناق وضرب الهامات بالقامات واللطم والبكائيات وتسويد الجباه التي لا علاقة لها بالايمان الديني. لقد حاولت التيارات الاستبدادية والظلامية التشكيك في دعوات الحزب لاحترام المعتقدات الدينية وبثوا الافتراءات تلو الافتراءات ضد الشيوعيين العراقيين في محاولة لتصوير الشيوعيين وكأنهم أعداء للايمان والمعتقدات الدينية متجاهلين كون العديد من رجال الدين الافاضل ساهموا الى جانب الحزب الشيوعي في نضاله الوطني والاجتماعي ومنهم الشيخ عبد الكريم الماشطة والطيب الذكر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد حسين الشبيبي وشيوخ افاضل آخرون. وهكذا جرى تزوير الحقائق خاصة بعد ثورة تموز عام 1958 وروجوا لاكذوبة حرق القرآن أو رمي "القضاة" في النهر على يد الشيوعيين وما شاكلها من هذه الخزعبلات. الا انهم لم يعثروا على اية بينة تسعف احلامهم الشريرة لاقامة المزيد من "مراسيم" سفك دماء الشيوعيين العراقيين وانصارهم والقوى الديمقراطية. وما زالت فلول هذه الزمر المتطرفة والتكفيرية وأذناب داعش وانصار حكم صدام المنهار لحد الآن تردد هذه الافتراءات لتروج مثل هذا الزيف وتغتال الشيوعيين وتحرق مقراتهم تماماً كما حدث بعد ثورة 14 تموز لاشاعة الفوضى والبلبلة في المجتمع وإزاحة تلك القوى المستنيرة التي تحترم بحق المعتقدات الدينية بإعتبارها حق ديمقراطي للفرد وليس اكراه اوفرض.
وبغض النظر عن حالات من القصور او الخطا احياناً في التعامل مع تيار التنوير والثقافة والعلم العراقي، الا أن الشواهد التاريخية تشير الى ان الحزب الشيوعي دعم هذا التيار بشكل لم يستطع اي تيار سياسي عراقي القيام به. ان الظروف التي تمتع فيها الحزب بقدر من الثبات والاستقرار في نشاطه، سواء اكان هذا النشاط علنيا او سريا، فقد اقترنت بنهوض ملحوض في النشاط الثقافي والابداعي في عموم البلاد. اما فترات الردة والاستبداد وغياب الحزب لاسباب تتعلق بطغيان آلة القمع ضده، فقد رافقه ارتداد واضح في حركة التنوير وسيادة ثقافة رجعية عادت بالبلاد الى عهود مظلمة. ولعل ابرز مثل على ذلك ما شاب الثقافة والفنون من انحطاط وما لحق بالمثقفين والمبدعين من اضطهاد وتصفيات في ظل نظام البعث في عهديه ونشهد ذيوله من "المتاسلمين" الى الآن. ولذا وليس من باب الصدفة ان يرتبط بالحزب الشيوعي العراقي او يمر به او يكون على صلة قريبة منه اعلام الثقافة والفن والعلم في بلادنا خلال فترة تزيد على نصف قرن. فالشخصية الوطنية البارزة الحاج جعفر ابو التمن كان على صلة وثيقة مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)، كما ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وعبدالله كوران ومظفر النواب ويوسف الصائغ والروائي ذوالنون ايوب وغائب طعمة فرمان والفنان اللامع جواد سليم والفنان التشكيلي محمود صبري والمسرحي يوسف العاني و زينب وناهدة الرماح والعشرات من اعلام الفن والثقافة في بلادنا ممن كانوا على صلة قريبة بالحزب او اعضاء عاملين فيه. وبرزت كفاءات اعلامية بارزة في الصحافة العراقية والشيوعية ومنهم عبد الرحيم شريف وعامر عبدالله وعبد الجبار وهبي وعدنان البراك وعزيز الحاج وشمران الياسري والعشرات غيرهم. وكان للعلماء والمربين العراقيين دورهم ايضاً في دعم الحزب والمساهمة في الحركة التنويرية ويقف على رأسهم عالم العراق البارز البرفسورعبد الجبار عبدالله والدكتور ابراهيم كبة والعشرات والمئات من رسل العلم والتربية والبحث والتنوير في بلادنا. وساهم الفنانون الشيوعيون في تقديم نماذج رفيعة من الغناء والشعر الغنائي والاوبريت على يد مبدعين قمعوا من قبل اجهزة القمع الابداعي كالشاعر الغنائي عريان السيد خلف والفنان فؤاد سالم وجعفر حسن وحميد البصري وكوكب حمزة وسامي كمال وكمال السيد وآخرون من الذين ارسوا بحق مدرسة غنائية رفيعة لم يتسن لها الاستمرار بسبب الملاحقات، وحل محلهم رجال "الطقطوقات" المبتذلة وهز "الكتف" التي تحرك مشاعر رخيصة وتنمي ذوقاً متدنياً لدى الجمهور. ان مجرد اهتمام قادة الحزب كالشهيد حسين الشبيبي يالادب والشهيد سلام عادل بالفن التشكيلي والمسرحي والتشكيليين العراقيين وعلاقة الشهيد جمال الحيدري يالتراث الثقافي والابداعي للكورد يعبر عن نماذج متواضعة مما ارساه الحزب من تقاليد في الحفاظ على ما ابدعه العراقيون من فن وثقافة. ومن المهم الاشارة هنا ان توجه الحزب الى غرف الثقافة والرحوع الى التاريخ الثقافي الانساني قد اجتذب الضباط الشيوعيين العراقيين الذين انفردوا بين اقرانهم الضباط العراقيين بالمستوى الثقافي والمعرفي والمهني الرفيع والنزاهة كالشيد جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية والشهيد ماجد محمد امين والشهيد فاضل المهداوي ووصفي طاهر وخضر الدوري والعديد من الشهداء العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين في القوات المسلحة العراقية.
واذا كان هناك ما ينبغي التأكيد عليه من حسنات الحزب الشيوعي العراقي فهو موقفه من المرأة وحقوقها. وكان الحزب قد دعم بقوة دعوات رموز التنوير في بلادنا من امثال الشاعر ناظم الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري وآية الله النائيني والكثير من الشخصيات الديمقراطية العراقية التي ناصرت المرأة العراقية من أجل حقوقها وهي التي تشكل اكثر من نصف مجتمعنا. وليس من باب الصدفة ان "تقتحم" الشيوعيات العراقيات لاول مرة في تاريخ المرأة العراقية زنزانات السجون السياسية في العهد الملكي وأمتلأت زنزانات عهد 8 شباط الاسود بخيرة ممثلي النساء العراقيات ومنهن من تعرضن للموت او الاغتصاب المشين. "واحتكرت" السجينات الشيوعيات زنزانات عهود الطغيان لغاية عام 1970 عندما لحقن بهن سجينات من أحزاب التيار الديني ليقاسمهن المعاناة ثم يتعرضن مع سجينات التيار القومي الكردي الى بشاعات يندى لها الجبين وتصفيات لم تشهدها أنظمة الطغيان في العالم مما تشكل وصمة عار على جبين من مارسوا هذه الجرائم. وازاء ذلك تم اختيار الشيوعية الدكتورة نزيهة الدليمي كأول وزيرة في العراق والعالم العربي في عام 1959 كإعتراف بدور المرأة العراقية والمرأة الشيوعية في النضال من اجل سعادة شعبها. ان البعض من انصار الظلامية واعداء الديمقراطية يريدون الآن تصفية كل المكاسب التي حققتها المرأة العراقية بنفس ذرائع انقلابيي شباط 1963 وأحياء لتراثهم البغيض تحت ستار من التعاويذ الدينية المزيفة ويسعون الى تطويق المرأة، وهي التي تشكل أكثر من نصف المجتمع العراقي، وفرض الحجر والجهل والظلام عليها وبالنتيجة على ابنائها وبناتها بنفس الحجج.
ولا ينبغي ان يغيب عن بالنا تلك الحملات المضللة التي اطلقتها ابواق ادعياء القومية والتي نالت من سياسة الحزب على النطاق القومي حيث اتهم الحزب بالتنكر للاماني القومية للعرب او مناهضته لوحدتهم وتنكره لحق الشعب الفلسطيني وفي ظل اتهمات وتخريفات كالشعوبية واللاقومية. ان الشواهد التاريخية للحزب ترد بحسم على هذه الدعوات الرخيصة. فالحزب الشيوعي العراقي كان اول من دعى الى تشكيل كونفدرالية للشعوب العربية في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي تحت اسم "اتحاد الدول العربية" بإعتباره الحل الممكن لتوحيد العرب في كيان سياسي واحد. وعارض الحزب دعوات الوحدة الاندماجية بإعتبارها دعوات معادية للديمقراطية ولا تستند الى مقومات الديمومة والتي دشنت اول تجاربها في نحر الديمقراطية الوليدة في سوريا وتبعها اقامة انماط من الوحدة لأنظمة استبدادية راحت جميعها في مهب الريح وزرعت الفرقة والاحباط لدى الشعوب العربية. وتحول انصار هذه الوحدة الاندماجية الى اشد اعداء اي تقارب مهما كان بسيطاً بين العرب وابرز مثال على ذلك حزب البعث العراقي. اما موقف الحزب الشيوعي من قضايا اشقائه العرب فكان سجله الانصع بين الحركات السياسية في بلادنا. لقد بادر الشيوعيون العراقيون اليهود الى تشكيل منظمة "عصبة مكافحة الصهيونية" واصدرت جريدتها "العصبة" خمسة اعداد والتي اغلقتها الحكومة العراقية عام 1947. وكان هدف المنظمة مناصرة الشعب الفلسطيني وادانة طرد الفلسطينيين من وطنهم بذرائع وحجج دينية وعنصرية وصهيونية متطرفة ورفعت شعار"الصهيونية عدوة العرب واليهود". كما وقفت المنظمة ضد دعوات ترحيل اليهود العراقيين الى فلسطين والتي اطلقتها المنظمات الفاشية الصهيونية والحكومة العراقية والاحزاب القومية العراقية التي وقفت على مستو واحد لتغذي الاستيطان اليهودي في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني. كما فضحت المنظمة افعال المتطرفين والتكفيريين اليهود القادمين عبر الحدود والذين راحوا يزرعون العبوات الناسفة في المراكز اليهودية لحمل اليهود العراقيين على الهجرة وهم الذين رفضوها منذ البداية. ان تشكيل هذه المنظمة الفريدة والتي ليس لها مثيل في العالم ليدل على مدى التزام الشيوعيون العراقيون وبضمنهم العراقيون اليهود بحق الشعب الفلسطيني على ارضه. وتثبت الاحداث الراهنة ومعاناة الشعب الفلسطيني الحالية صحة ما طرحه الحزب من القبول بالتقسيم لوقف الزحف العارم للمتطرفين الصهاينة كخطوة لاعادة الحق للفلسطينيين على ارضه. كماتثبت الاحداث المريرة التي مرت على الفلسطينيين خطل دعوات التطرف غير الواقعية للتيار القومي حول الحصول على الكل وعدم القبول بما هو متيسر ضمن توازن القوى اقليميا وعالميا آنذاك. وفي الاضراب العام الذي شمل بغداد والمظاهرات التي عمت العاصمة بمناسبة التضامن مع الشعب الجزائري في صيف عام 1956 اثر اختطاف القادة الجزائريين من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي لم يخرج في المظاهرات الا الشيوعيون الذي تعرضوا للاعتقال والتعذيب، ومنهم كاتب السطور، في شارع الامين في بغداد بعد ان رفعوا الاعلام الجزائرية كتعبير عن التضامن مع الشعب الجزائري. ولم تزدحم السجون العراقية الا بالشيوعيين العراقيين في خريف عام 1956 عندما قاد الحزب التظاهرات والعصيان المدني في بعض المدن العراقية كتعبير عن التضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الفرنسي الانجليزي الاسرائيلي على مصر. في تلك الاحداث الكبيرة غصت السجون بالشيوعيين العراقيين فقط واعدم الشيوعيين العراقيين فقط في مدينة الحي، وهما عطا الدباس ومهدي الحمود، بسبب قيادتهما للعصيان الشعبي تضامناً مع الشعب المصري. ان ادعاء حزب البعث با الشهيد ناجي نعمة السماوي الذي استشهد في الاحداث هو ادعاء كاذب حيث كان الشهيد عضواً في اتحاد الطلبة العراقي العام الموالي للحزب وخرج في مظاهرات نظمها الحزب وليس له ادنى علاقة بالبعث.
ولم يتردد الحزب في الدفاع عن حقوق الاقوام العراقية، فبادر لاول مرة في الثلاثينيات من القرن الماضي الى طرح شعار حق تقرير المصير للكورد. وكان السبّاق، بعد ان اندلعت الاشتباكات المسلحة بين الحكومة المركزية والحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1961، الى عرض دراسة علمية للمشكلة القومية ورفع لاول مرة شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان العراق"، والذي جرى تبنيه لاحقاً من قبل القيادة القومية الكوردية، دون ان تقدم اي من الاحزاب العراقية الاخرى اي مشروع بذلك سوى اكتفاء البعض بادانة مطاليب الكورد بتهم تتراوح بين العمالة للصهيونية او الاجانب. وطور الحزب شعاره حول القضية الكردية ليطرح قبل غيره في بداية التسعينيات من القرن الماضي شعار آخر هو "الفدرالية العراقية" كحل ينسجم مع التطورات التي طرأت على القضية القومية. هذا الشعار الذي تبنته غالبية القوى السياسية العراقية ودون في الدستور الدائم للعراق أخيراً.
لقد كان الحزب الشيوعي العراقي الاكثر شفافية من بين الاحزاب العراقية امام المواطن العراقي. فعلى الرغم من أن عمل في غالبية سنواته التي تجاوزت الثمانية عقود ونيف في ظروف السرية الشاقة، الا انه كان في غالب الاحيان حريصاً على مصارحة الشعب العراقي. وكان الحزب الشيوعي العراقي هو الحزب العراقي الوحيد الذي اقر نقداً ذاتياً لاخطاء او ممارسات ارتكبها خلافاً لقواعد العمل السياسي السليم. فقد نشر نقداً صريحاً في عام 1956 وعام 1959 وعام 1970 وعام 1985 حول سياسات وتقديرات اضرت بالعمل السياسي العراقي وجلبت عواقب على البلاد وعلى الحزب نفسه بالدرجة الاولى. اننا لم نشهد ممارسة مماثلة لاحزاب عراقية تحملت مسؤولية الكوارث، كحزب البعث، او مهدت للكوارث او تركت الساحة السياسية خالية ليعبث بها من هب ودب او صمتت على جرائم كبيرة ارتكبت او نفذت "فتاوى" تدعو للقتل والابادة خلافاً للقوانين المدنية. ولم تصدر هذه التيارات السياسية اية اشارة نقدية للذات. ان غالبية الاحزاب العراقية، بإستثاء قلة، لا تطبق القواعد الديمقراطية في حياتها الداخلية بحيث ان غالبية هذه الاحزاب لا تعرف المؤتمرات الحزبية ولا انتخاب الهيئات القيادية. وبعد إنهيار كابوس نظام القبور الجماعية، تحولت حتى بعض المؤسسات شبه الحكومية، مثل دائرة الاوقاف السنية والشيعية ومنظمات خيرية أخرى، الى احزاب سياسية تدخل معترك النشاط الانتخابي وترفع صور وبوسترات مديري هذه المؤسسات. والغريب في واقعنا العراقي ان بعض الاحزاب تحولت الى شركات تجارية واحزاب"عائلية" على شاكلة حزب صدام حسين، حيث لا يتربع على قيادتها الا افراد العائلة "النوابغ" وليس غيرهم من اعضاء الحزب. هذا في الوقت الذي نرى انه قد توالت على قيادة الحزب الشيوعي كل عناصر الطيف العراقي بعيداً عن صفة العائلة او القوم او المذهب او القدرة المالية او المهارة في استخدام السلاح والسيارات المفخخة والعنف وهو ما يجري الآن في عراقنا المنكوب. لقد أعلن الحزب الشيوعي العراقي صراحة بعد إنهيار الديكتاتورية تقيده بقرار الجمعية الوطنية بحل الميليشيات الحزبية المسلحة بعد ان رحل الطغيان الصدامي. ولكن كما يبدو فإنه اصبح الحزب الوحيد الذي طبق القرار احتراماً لقرار المؤسسات المنتخبة وللدولة التي عليها تقع مسؤولية حفظ الامن. فإلى جانب عصابات الاجرام من فلول النظام البائد والتكفريين العراقيين والاجانب فهناك سرايا وجيوش وفيالق وميليشيات في كل اصقاع العراق تقود بعضها احزاب مشاركة في العملية السياسية وفي الحكم بعيداً عن سيطرة الدولة المركزية، ولها الاكاديمات العسكرية والمعاهد ومصادر التسليح وترسل افرادها للتدريب خارج الحدود وبدعم من جهات خارجية. وقد زادت هذه المظاهر في ظل حكومتنا الانتقالية. وهكذا استشرت امراض النظام السابق لتنتقل الى بعض هذه الاحزاب المتنفذة. وهذا هو احد اسباب الفوضى وشيوع العنف والارهاب في البلاد.
ان محك هام لشفافية الحزب وصدق تعامله وصراحته مع المواطن العراقي يتحدد في الملف المالي. اننا لو نظرنا الى ما نهبه قادة البعث من اموال الدولة العراقية والتي هربت الى دول الجوار او نقلت الى البنوك العالمية، ونرى الترف الذي يعيشه البعثيون المتنفذون في الخارج وقد "انهارت دولتهم"، لادركنا حجم الانحطاط السياسي والاخلاقي ونهب المال العام في بلادنا. هذا الانحطاط الذي انتقل الى غالبية الحركات السياسية المتنفذة بحيث اصبحت هي التي تتبرع بالاموال لمرافق الدولة وليس العكس وتوزع الهبات على الناخبيت في الحملات الانتخابية !!. ومما يروج لهذه المأساة هو عدم تطبيق نصوص قانون الاحزاب السياسية يراقب رصيدها المالي ومصادر تمويلها. ان جميع كوادر الحزب الشيوعي العراقي، والبعض منهم من كان له حال في دنيانا الفانية، لا يملكون دوراً خاصة بهم ولا رصيد مالي ولا قصور ولا شركات او توظيفات هنا وهناك. ان جميع قادة الحزب وكوادره مكشوفون امام المواطن العراقي ولا حاجة هناك لمن يؤكد نزاهتهم. ولعل اصدق تعبير عن ذلك هو ما جرى في يوم التاسع من نيسان عام 2003 عندما خرج صنفان من الناس الى الشارع، الحواسم والحرامية الذي نهبوا الدولة وما فيها وآخر يستبشر بالمنعطف الجديد ويعبر عن فرحته برحيل الطاغية كما هو حال الشيوعي ابو تحسين الذي ظهر على شاشات التلفزيون وهو يضرب بنعاله صورة الطاغية انتقاماً من شرور النظام. في حين ظهرت وفي نفس اللقطة التلفزيونية صور الحرامية وهم يسرقون المال العام. وعندما سأل مراسل احد القنوات الفضائية لاحقاً العزيز ابوتحسين حول السبب في عدم المشاركة في النهب والسطو؟ فأجاب ابو تحسين : انني اخاف ان اطرد واعاقب من قبل الحزب على هذه الفعلة النكراء فنحن لم نترب على هذه الاخلاقيات والافعال المشينة.

انني في هذه المقالة لم اقصد الدعاية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحتفل بعيده الرابع والثمانين، فالانتخابات المتتالية في العراق، رغم ايجابياتها، إلاّ أن الناخب العراقي أما امتنع عن المشاركة فيها بنسبة غير قليلة أو أنه اختار النواب غير القادرين على وضع الحلول لمشاكل البلاد بشكل عام، بل كانوا عاملاً في تعثر العملية السياسية وشيوع الفساد وتدهور تاوضعالاقتصادي والاجتماعي. ان كل همي وانا اراقب ما يجري على ارض السواد هو المقارنة بين نهجين لكي نصل الى قدر من الاستقرار والنزاهة في العمل السياسي. ولذا اود هنا الاشارة الى ان حزباً، وهو الوحيد في العراق، تعرض قادته مرتين الى حبال المشنقة وزنزانات التصفيات الجسدية في عام ، 1949 ، فهد ورفاقه، وعام 1963، سلام عادل والآلاف من رفاقه، لقادر ولديه الفرصة الآن و ان لا يتردد في اختيارها لصالح كل العراقيين ولكي يسهم في اضفاء قدر من السلامة والعقلنة والرشاد على العمل السياسي الديمقراطي العراقي. وكل ما نتمناه في عيد الحزب السير بخطوات ثابتة على طريق الاصلاح والتحديث الذي بدأه وبعيداً عن أدلجة السياسة والنصوص الدوغمائية لكي يعود الحزب الى موقع اكثر فاعلية ويستجمع قواه في ادارة العملية الديمقراطية الوليدة في بلاد الرافدين ويساهم في اعادة البسمة من جديد على وجوه اطفالنا واحبتنا العراقيين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,912,058,737
- الديمقراطية هي نتيجة لانتاج الثروة والتصنيع
- الحركات الاجتماعية الجديدة وإيران
- هل أضحت ايران حبلى بأحداث وتحولات مصيرية؟
- يجب وضع نهاية لتسلط الرأسمال التجاري على الاقتصاد الايراني
- ولادة اليسار الجديد في تركية
- وداعا وسلاما للعزيزة بشرى برتو
- مرور قرن كامل على ثورة اكتوبر في روسيا
- جمهورية رعب باسم داعش انطلقت من اروقة سجن بوكا وابو غريب
- لننسى الارهاب: ان السبب الحقيقي وراء أزمة قطر هو الغاز الطبي ...
- الخلود للرفيق عزيز محمد - رحيل رمز الثبات والتواصل والتجرد و ...
- ايران: عقدان من التحولات التدريجية
- نتائج الانتخابات الايرانية ودلالاتها
- قلق 141 خبير اقتصادي ايراني من الوعود الخيالية لبعض مرشحي ان ...
- آخر ما دوّنه كيانوري السكرتير الأول لحزب توده ايران قبل رحيل ...
- لماذا تعبوا من الدين؟
- التحالف ضد الجمهورية الاسلامية وانعكاساته الداخلية
- فهد بين عامي 1942 و 1946
- ماكنة مكافحة الأمية
- ترامب لا يحارب الإرهاب بل يغذيه
- التحديات التي تواجه الدبلوماسية العراقية في عهد ترامب


المزيد.....




- ترامب يعلن استراتيجية للدفاع البيولوجي
- تصريحات مثيرة للجدل تطيح برئيس الاستخبارات الداخلية في ألمان ...
- -أنصار الله- تستهدف الجيش بصاروخي -زلزال 1- و-كاتيوشا- في ال ...
- بدء سلسلة من المظاهرات تهدف لإسقاط الرئيس المجري أوربان
- ميسي يقهر إيندهوفن وإنتر ينجو من فخ توتنهام
- موغيريني تشدد على أهمية تنفيذ اتفاق تركيا وروسيا لتأمين منطق ...
- ماتيس ينفي عزمه مغادرة البنتاغون
- خبير روسي يكشف أسباب إسقاط الطائرة -إيل-20- الروسية
- آلاف الجزائريين يشيّعون أيقونة الأغنية الأمازيغية
- شرطي سويدي يضمن سلامة بعجة في شوارع ستوكهولم


المزيد.....

- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية
- مرة أخرى حول المجالس / منصور حكمت
- سجالات فكرية / بير رستم
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين العرب
- أمريكا: من الاستثنائية إلى العدمية – بانكاج ميشرا / سليمان الصوينع
- مختصر تاريخ اليونان القديم / عبدالجواد سيد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل حبه - حزب العراقيين بكل أطيافهم