أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتحي علي رشيد - السقوط الأخلاقي لما يسمى العالم الحر















المزيد.....


السقوط الأخلاقي لما يسمى العالم الحر


فتحي علي رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 5825 - 2018 / 3 / 24 - 18:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صباح يوم عيد الام والنيروز(الاضاءة ) الواقع يوم 21 آذار قامت طائرة روسية أثناء عودتها من جولة مراقبة بقصف قرية كفر البطيخ ( 1) وكالعادة عندما يخرج الطيران يختبئ بعض الناس تحت الأرض . أما طلاب ومعلمي المدرسة الابتدائية التابعة للقرية , فلقد لجؤا إلى مغارة قريبة من المدرسة . وعندها قام الطيار الروسي بإطلاق صاروخا باتجاه المغارة . وماذا كانت النتيجة ؟ استطاع رجال الدفاع المدني بعد ساعات إخراج حوالي ثلاثين ,ثمانية بين الحياة والموت , و 22منهم كانوا قد فارقوا الحياة من بينهم 16 طفلا ومعلمين وأربعة قرويين كانوا قريبين من المغارة . المفارقة المذهلة أن الرقم نفسه من الضحايا (22) والذين أدين الملازم الأمريكي "وليم كيلي " بقتلهم , مما حصل في مذبحة قرية "ماي لاي " الفيتنامية عام 1969 . مع فارق أن وقع تلك المجزرة التي قام بها الجيش الأمريكي اسقطت سمعة أمريكا ومرغتها في الوحل وكانت سببا في تحول الرأي العام العالمي ـ خاصة في أوروبا الغربية ضد الحرب الأمريكية على فيتنام .في حين لم يتناول الإعلام العالمي مجزرة كفر البطيخ وكغيرها من المجازر في سوريا فلا حياة لمن تنادي ولا محاسب !!! هل بات هذا لتعود الناس على مشاهد القتل اليومية لدرجة بات فيها كل موت هو عادي بالنسبة لهم !!! أم لأن هناك من يسعى ليجعل موت الابرياء وسيلة لتحقيق سيطرة نظم الاستبداد .
ترافق هذا كله مع نجاح ساحق لبوتين في الانتخابات الروسية !!!! ثمة من لا يرى أي علاقة وثيقة بين نجاح بوتين في الانتخابات وبين ما يجري في سوريا و خاصة الحدث الاخير وعلى المستوى الضيق جدا في كفر بطنا (الغوطة ) وكفر البطيخ , ولكن بالمقابل نحن نعتقد بوجود هذه العلاقة والتأثير المتبادل بين ما يجري في سوريا والانتخابات الرئاسية في روسيا وذلك بسبب تحديه الرئيس الأمريكي ترامب ووإبداء استعداده للرد على تهديداته بضرب مواقع للنظام في دمشق. فالتحدي الروسي لأمريكا والغرب , والاستمرار في سحق الغوطة بدم بارد اذا لا بد أن يكون قد انعكس بشكل ما في زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها بوتين( 77%.) وفي نجاحه الهائل .
ثمة علاقة جدلية بين مجريات الاحداث والوقائع التاريخية وأستذكر الربط العلمي فعلا الذي قام به الشاعر وعالم الفلك والفيلسوف النيسابوري ( أبو الفتوح ,عمر الخيام ) في قوله
إن تفصل القطرة من بحرها ـ ففي مداه منتهى أمرها " . " تقاربت يارب مابيننا ـ مسافة البعد على قدرها "
وربما هذا ما يبرر لنا الذهاب بعيدا للبحث في بداية تشكل حركة التنوير الأوروبية التي انتجت الثورة الفرنسية , وبين ماجرى ويجري في الوطن العربي وتحديدا في سوريا , وعلاقته بالتراجع الاخلاقي الحاصل في العالم ـ وبخاصة ـ إزاء ما يجري في الآونة الاخيرة حيث يتحقق أقصى ما يمكن أن يقوم به العقل الإجرامي في العالم من عمليات تدميروإبادة تفوق قدرة العقل البشري على الاحتمال ؟ فالفكر التنويري الذي توصل إليه كلا من فولتير ومونتسكيو وروسووغيرهم , يشكل استمرارا وتطويرا لما توصل إليه ابن رشد والفلاسفة العرب من قبل . وكان من الطبيعي أن تنتقل عملية التغيير التي جرت في أوربا بعد الثورة الفرنسية والمتمثلة بالعمل على إسقاط الأنظمة الاستبدادية القائمة على هيمنة تحالف رجال الكنيسة مع نبلاء المولد ( الملوك والأمراء) ولإقطاعيين إلى جميع مناطق العالم الأخرى بما فيها الوطن العربي وسوريا طبعا وأن تقضي على النظم الاستبدادية القائمة على هيمنة رجال الدين الاسلامي كما كانت متجسدة بالخلافة العثمانية .
ونحن لايمكن أن ننكرالدور الإيجابي الذي قام به المفكرين المتنورين أمثال الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي المتأثرين بالثورة البرجوازية وبالثورة الصناعية الحاصلة في أوروبا في تخليص العرب من الاستبداد العثماني .
يمكننا القول ان عمليات القتل والتدمير الجارية في عموم الأراضي السورية والوطن العربي , تشير إلى أن العكس هو الحاصل .فالقتل والتدمير يتم لكبح جماح ولسحق عظام الحركة العربية المعادية للإستبداد . بما يسمح لنا أن نقول بأن ماجرى فيها هو عودة إلى الوراء ،إلى ماقبل من مئة عام . وبأنه يشكل استمرار للثورة المضادة التي جرت في العالم بدءا من عام 1979 برعاية أمريكا للمجاهدين الأفغان , والتي استمرت في إيران عام 1982 من خلال عودة وهيمنة رجال الدين القادمين من قبل التاريخ على الحاضر . ثم انتقلت إلى روسيا والعراق عام 1991 .لتنام عشرين سنة ثم لتستفيق في سوريا عام 2011 ومن ثم إلى مصر عام 2015 وبعدها إلى ليبيا واليمن وفلسطين . من خلال العمل على سحق الثورات العربية بهدف " تثبيت النظم الاستبدادية التي فرضتها الأمبريالية في المرحلة السابقة . أومن خلال مجموعة الأفعال الهادفة إلى , أو التي أدت ـ بصورة رئيسية إلى منع عملية التحول الديمقراطي التي أخذت مجراها في أوروبا أكثر من غيرها من أن تأخذ مجراها الطبيعي في روسيا وإيران وبصورة خاصة في البلدان العربية المحيطة بإسرائيل .بما يفهم منه أن أمريكا وأوروبا في سعيها لاسقاط النظام شبه الاشتركي في روسيا وأوروبا الشرقية ومخلفاته في الوطن العربي , تركت المجال للاستبداد الشرقي المتجسد بيلتسين وخليفته "بوتين " لأن يعود ليحكم روسيا , أو فضلته على النمط السابق . ولهذا نستطيع أن نجزم بأنها غطت وجهها كي لاترى ماتقوم به روسيا وإيران في سوريا , أو اختبأت خلف ماتقوم به روسيا بغطاء من مجلس الأمن . حيث تخفت خلف استخدام روسيا لحق النقض الذي تتمتع به , كي تتهرب من عملية دعم عملية التحول الديمقراطي التي بدأت في الوطن مع نهاية عام 2010 .دون أن نتجاهل وجود خوف من أن يؤثر ذلك على موقع ومكانة إسرائيل في المنطقة .
العلاقة بين الثورة السورية والاستبداد على النطاق العالمي :
هناك من يرى أن ماجرى في سوريا من تدخلات خارجية عديدة كان نتيجة طبيعية لتداخل وترابط وثيق بين مايجري على المستوى المحلي وبين المستويين الإقليمي والدولي . وإذا سلمنا بأن هذه الثورة كانت تهدف وتنادي منذ عام 2005 (بيان بيروت دمشق ) إلى إجراء عملية تحول ديمقراطي في سوريا ( إصلاح سياسي بسيط يقوم فقط على وقف عمليات القمع التي تقوم بها المخابرات , وإلغاء قانون الأحكام العرفية القديم ) , فإن هذه التدخلات كان لابد أن تحصل لمنع هذه العملية خوفا مما كانت ستحدثه من آثارمباشرة على الوضع في العراق ولبنان وفلسطين المحتلة ,وعلى المنطقة عامة .
وهناك من يرى أنه كان من الممكن تجنب ما حصل , أو أن ما حصل لم يكن حتميا , بل كان من الممكن تجنبه لو قدم النظام لشعبه تنازلات بسيطة , حيث كان بإمكان الأسد استيعاب الهبة الشعبية بحكمة وتلافي التدخلات الخارجية , وحمى بذلك سوريا وشعبها من الدمار.
لكن بما أن القوى الخارجية والاستعمارية ممثلة بأمريكا والقوى الاستبدادية الداخلية . كانت تعرف النتائج القريبة والبعيدة لمثل هذه التنازلات ( الاصلاحات البسيطة من تغييرات على ما أحدثته أمريكا وإيران في العراق ولبنان مباشرة من تغييرات ) فلقد وجدت تلك القوى في تمسك النظام المستبد بمكاسبه الخاصة والضيقة , وحرص رئيسه على البقاء في السلطة ما يجعلها تدعمه ليحول دون هذه التنازلات البسيطة مع أنها لو حصلت كانت سوف تقوي مواقعه ,لكنه خوفا من أن تصل إلى مبتغاها البعيد والأبعد كما هيئ له ( التغيير الديمقراطي في سوريا والمنطقة ) فخاف وانحاز إلى الجانب المضاد , وهنا تركت أمريكا (ومن خلفها إسرائيل , وربما دفعتا ) الأمور(سرا) لتجري في الاتجاه الذي تريده , بمعنى أنها فضلت أن يتم تدمير سوريا وشعبها من قبل حكامها , على عملية التغيير الديمقراطي فيها .
وهذا مايجعل الرأيين يصلان إلى ذات النتيجة التي انتهينا إليها والمتمثلة بتدمير سوريا وشعبها حتى لو اقتضى الأمر قتل مئات الالوف من الشعب بما فيهم الاطفال وممارسة سياسة التجويع والحصار والمنع بما يحول دون أن تتوسع عملية التغير الديمقرطي كي لاتطال البلدان العربية الأخرى .
التاريخ يكرر نفسه , لكن بصورة وطريقة مأساوية أكثر مما هي هزلية :
تشير كتب التاريخ إلى أن الأنظمة الاستبدادية ( الامبراطورية القديمة ) ممثلة بالامبراطوريات الثلاث العثمانية والنمساوية والروسية ,قد انتهت بعد انتصار من سموا أنفسهم بالحلفاء (الأعداء )في الحرب العالمية الأولى لتحل محلها الدول الاستعمارية القديمة ممثلة ببريطانيا وفرنسا , وبأن الدول الاستعمارية الجديدة ممثلة بأمريكا والاتحاد السوفييتي المنتصرة في الحرب العالمية الثانية .قد حافظت في العمق على البنية القديمة للإستبداد , بدليل مايظهر لنا اليوم على سطح الواقع وعلى المكشوف ـ حيث عادت منظومة الاستبداد ذاتها لتطل برأسها من جديد في أغلب الدول العربية والاسلامية وروسيا ودول البلقان ,وتركيا وإيران . مع اختلاف في الأسماء والأحداث والتواريخ .لكن بطريقة أشد مأساوية مما كانت عليه سابقا .
وما أشبه اليوم بالأمس من حيث قابلية البشرالخضوع للكذب والرياء والخداع لتبرير الخضوع للإستبداد .ففي عام 1919 عقد في باريس مؤتمراً للسلام حضره الملك فيصل ممثلا للدول العربية , وفي ذات العام عقدالمؤتمر السوري الأول في دمشق مهللا ومبشرا بظهور عالم جديد تقوده الدول المتمدنة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية . وعلى وقع وخلفية تصريحات الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون وإعلانه عن مبادئة الأربعة عشر لحقوق الإنسان .بعد أن خاطب ويلسون شعبه وشعوب العالم قائلا " لقد ألقى التاريخ على هذه الأمة العظيمة ( الجديدة ) مسؤولية ودورا جديدا في حماية الأمن والسلم العالميين ولحماية حقوق الإنسان في العالم ولحق الشعوب في تقرير مصيرها ". تفاءلت جميع شعوب العالم خاصة المستعمرة , بما فيها الشعوب العربية ـ خيرا . وعلى إثرذلك وعلى تلك الخلفية عقد المؤتمر السوري الأول في دمشق مطالبا أمريكا تقديم يد المساعدة , وفي الوقوف إلى جانبها لإزالة استعمار الدول الأوربية ورفع الانتداب عنها وعن شعوبها .كذلك عقدت اليوم مؤتمرات عربية وسورية كثيرة .متفائلة بما طرحته أوروبا وأمريكا من دعمها للشعوب الساعية للتحرر من الاستبداد . حيث راحت وظلت قياداتها حتى اليوم ـ تطالب أمريكا والدول الأوربية للوقوف إلى جانب الشعوب العربية الثائرة على أنظمة الاستبداد , لكن عبثا .فكما سكتت أمريكا على ماقامت به بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى فإنها تسكت اليوم عما تقوم به روسيا وإيران .
يومها شكلت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (التي راح ضحيتها مايزيد عن خمس وعشرون مليون قتيل وجريح ) ماأطلق عليه مصطلح " عصبة الأمم المتحدة " بهدف تحمل مسؤولية عدم نشوء نزاعات مسلحة جديدة , بين الدول والشعوب المتجاورة .وإلى حل النزاعات التي يمكن أن تنشأ فيما بينها بالطرق السلمية .لكن ذلك لم يكن إلا كلاما وحبرا على ورق . فعندما وضعت عصبة الأمم , وغيرها من المؤسسات العالمية والحقوقية المدافعة عن حقوق الإنسان . مبادئ عامة كان يفترض أن تحتكم إليها الدول في حال نشوب نزاعات مسلحة أو حروب . وبخاصة الالتزام بما جاء في المادة 22 من ميثاقها " أن مسؤولية رفاهية وتقدم المستعمرات والبلاد والشعوب التي كانت تحكمها سابقا دولا استبدادية .يجب أن يعد وديعة مقدسة يقع في عمق المدنية ". يومها ظن أوتوهم البشر في العالم أجمع ,أن عالما جديدا قد نشأ أوأنه على وشك أن يتشكل .عالما سوف تتوقف فيه الحروب والتعديات التي كانت تقوم بها الدول والحكومات الكبرى خاصة الأوروبية على حقوق البشر في الدول المتستعمرة , أو الدول المتجاورة , أو التي تقوم بها الحكومات الاستبدادية ضد شعوبها . لكن مع ذلك لم تتوقف النزاعات المسلحة والحروب ولم تراعى حقوق الإنسان أثناء الحروب ولا حق الشعوب في تقرير مصيرها . حتى قامت الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها حوالي خمسين مليون إنسان .فتشكلت منظمة الأممم المتحدة لتأخذعلى عاتقها تلك المهمات , من خلال ميثاق تم فيه تجاوز الثغرات التي خلفها ميثاق عصبة الأممم .لكن تبين أن ذلك الميثاق لم يكن أيضا كسابقه ـ أكثر من حبر على ورق . حيث تبين أن الامم المتحدة وبخاصة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن . المكونة من الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية , لم تكن تختلف عن سابقتها إلا في كونها شكلت غطاء للإستعمار الجديد بدلا من الاستعمار القديم .فنشأ صراع جديد بين الدول الاستعمارية والدول التي اتسمت بالاشتراكية بعد أن تحالفت مع الدول الساعية إلى التحرر السياسي والاقتصادي .
ومع توقف التحول نحو الاشتراكية وتوقف حركات التحرر العالمية , بعد الحرب العالمية الثالثة (بعد هزيمة العراق عام 1991 وسقوط ما يسمى المعسكر الاشتراكي ) إلا أن الحروب والنزاعات بين الدول , وبخاصة التعديات على حقوق البشر باتت أكثر بشاعة مما كان يحدث في زمن الاستعمارين القديم و الجديد بسبب عودة النظم الاستبداية القديمة .مما بات يستدعي منا البحث عن مخرج مختلف , قد يكون من خلال التعرف على المحرك الخفي لجميع هذه النزاعات والحروب والتعديات .
من المؤكد أن الاستبداد كان ومازال أمرا مقيتا وممجوجا من قبل جميع الأديان خاصة الإسلام ومن قبل أن تتبناه الفلسفات الحديثة , وبجميع أشكاله الأسري (بين الرجل والمرأة ) والقبلي والديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والإعلامي . وبما أن التحكم بالبشر (عن قرب في المجتمعات ما قبل الرأسمالية ) أو عن بعد ( في الرأسمالية وما بعدها ممثلة بالعولمة ) وبخاصة من خلال وسائل الإعلام الحديثة ,وبخاصة استغلال حاجة البشر المتزايدة إلى المعرفة والأمن والأمان والدواء والغذاء ( خاصة للأطفال والنساء ) .استمر حاضرا وبقوة من خلال الحكومات المستبدة التي فرضها الرأسماليين الكبار مستغلين النظامين الاستعمارين القديم والحديث .وبما أن الاستبداد المالي (و رأس المال المالي الحديث ) كان ومازال يشكل الركيزة المادية والخلفية والقاعدة الأساسية لكل أنواع الاستغلال والنهب والإفقار والموت حتى اليوم . لذلك بات يشكل أخطر وأكبر االتحديات التي تواجه البشر, و يشكل بديلا جديدا قديما ( شاملا ) عن جميع أشكال وطرق الاستعمار والاستعباد القديم والحديث .وحيث بات كما نرى يشكل غطاءً لممارسة أكثر وأشد التعديات على حقوق وكرامة الانسان وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بنعومة وصمت .لهذا بتنا نرى ونسمع من يسوغ ويبرير عمليات الاستبداد والحكم المطلق كما حصل في سوريا وروسيا ومصر واليمن والعراق وإيران ,إلخ بحجة الحفاظ على الاستقرار , حتى بات تقبل (الاستبداد ) الأمر القائم والواقع بمثابة القاعدة الذهبية التي تستند إليها الأقلية المتحكمة بالرأسمال في جميع بلدان العالم وبخاصة في النظم البائدة كما في إيران وأفغانستان , وكذلك للتغطية على جوهرهما القديم الكامن في عمليات الاستعباد والاستغلال والنهب والتحكم والتركيع . الأمر الذي كان لابد أن يولد النزاعات والحروب الداخلية والخارجية بأشكال أكثر دموية وأشد قمعا . حيث بات الالتفاف على حقوق الشعوب والدوس على رؤوسها وكرامتها يجري أمام أعيننا ( كما جرى في قرية البيضة في سوريا مثلا) من خلال الاستناد والعودة إلى نظم وعقائد ومفاهيم بالية تقوم على أساس الطائفة والدين والمذهب والعرق , كما كنا قبل أكثر من مئتي عام وقبل ظهور الحضارة والمدنية الحديثة .وهو ما جرى ويجري أمام أعيننا في جميع الدول العربية والإسلامية , وأمام أعين وسمع جميع الدول والشعوب التي تسمي نفسها دولا حرة وديمقراطية بأشكال مقيتة .
مما بات يتطلب من جميع نخب وشعوب العالم وبخاصة المتقدمة علميا وصناعيا والغنية , وحكوماتها التي تزعم أنها دولا حرة وديمقراطية أن تأخذ على عاتقها . مسؤولية منع الحروب أولا ثم منع التعديات على كرامة البشر من قبل أنظمتها , وفي حال نشوء نزاعات جديدة فمن واجبها أن تقوم بحلها من خلال التفاوض والمباحثات ومنع استخدام العنف مطلقا .ونؤكد هنا ثانية على أن الاستبداد بجميع أشكاله يشكل جوهرا جامعا لكل أشكال الاستعباد والاستعمار والاستغلال والنهب , وأخطر وأكبر تحد لحقوق بني البشر .
ونحن إذا أخذنا سوريا كمثال فاقع على تواطئ الدول الغربية على ماقامت وتقوم به الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي لابد أن نذكر بأن الدول الغربية كانت من أوائل الدول التي وقفت إلى جانب الشعب التونسي والمصري والليبي والسوري الذي هب مطالبا بالديمقراطية على الطريقة الأوربية . وكان يفترض ب تلك الدول ـ أن تقف إلى جانب جميع الشعوب الثائرة وبخاصة الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة . لكنها على أرض الواقع لم تفعل شيئا ولم تقدم شيئا سوى استقبال بعض اللاجئين اليها والكثير من الشجب و التنديد والوعيد .وعمليا نستطيع أن نقول (كونها وقفت وماتزال تقف متفرجة على عمليات القمع والتدمير الممنهج , ولأننا نعرف أن باستطاعتها القيام بأفعال جادة على الأرض , أو أكثر مما فعلت , تستطيع أن تحول ـ على الأقل ـ دون عمليات القتل والابادة والتهجير الجماعية الكارثية , التي تعرض ومازال يتعرض لها الشعب السوري على يد نظام قمعي دكتاتوري مستبد) نقول أنها متواطئة .
وتشير الوقائع إلى وجود مؤامرة حقيقية , تجري على المكشوف ,وليست خفية, و تمارس علنا أمام سمع وبصر العالم أجمع , متجسدة بصمت أوروبي أو بتهديدات أمريكية داعية للتدخل (زعبرة إعلامية بما يتيح للنظام وروسيا تنفيذ مخططهما في الغوطة كما جرى في حلب ) وتهديدات أوروبية فارغة لامتصاص النقمة على عملية البطش والتدمير اللتي تقوم بها روسيا بدعم من مليشيات مسعورة وللتغطية عليها .
و طالما أن الحفاظ على حياة البشر هو أعلى القيم التي توصلت إليها الانسانية والتي تبنتها الدول الرأسمالية , وبغض النظر عن الأداة المستخدة . فلماذا قيل منذ بداية الأزمة في سوريا : أن استخدام الكيماوي ـ فقط ـ هو خط أحمر لايجوز للنظام تجاوزه ؟ ألم يكن ذلك بمثابة إعطاء ضوءً أخضرا للنظام ولروسيا وإيران لاستخدام أبشع أنواع الأسلحة القاتلة للبشر والمدمرة للحجر ؟ مثل النابالم الحارق وعشرات آلاف البراميال المتفجرة وكل أنواع الصواريخ بعيدة وقريبة المدى الفراغية والارتجاجية و, و,إلخ مايزيد عن مئتي نوع من الأسلحة والقذائف الفتاكة والقاتلة والمدمرة , إضافة لعمليات الحصار الطويل والتجويع ؟
والملفت للنظر هو أنه بعد أن ثبت استخدام السلاح الكيماوي من قبل النظام في الغوطة ( كونه سلم كمية كبيرة من سلاح الجريمة , فهذا لايعني أنه لم يستخدمه ولم يحتفظ بقسم كبير منه , بل على العكس يؤكده ) وفي خان شيخون وفي أكثر من سبعين موقعا لايرقى إليها الشك بعد ذلك. لم نر ردا لامن أمريكا ولامن فرنسا الحرة.
ونحن إذا قارنا المواقف العملية التي اتخذتها الدول الغربية وأمريكا والأمم المتحدة لمعاقبة المجرمين الذين ثبت استخدامهم للأسلحة الكيمائية في سبعين موقعا والتي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف إنسان جلهم من الأطفال . وبين ما اتخذته إزاء استخدام روسيا لقارورة صغيرة للقضاء على العميل البريطاني " سيرغي غريبال وابنته ". سنجد كم هي حياة البشر في سوريا والوطن العربي رخيصة بالنسبة لهم .
ولا يفهم من كلامنا أننا نقبل التدخل أو ضرب أية مواقع للنظام لا ... نؤكد هذا و لكننا نسلط الضوء على امكانية أمريكا والدول الأوربية ومن سموا أنفسهم أصدقاء للشعب السوري تقديم الدعم المناسب للمعارضة بما تمكنه على الاقل من منع الطائرات من إلقاءحممها الفتاكة عليه ؟ فمثلا كم مرة قال فيها الرئيس الأمريكي وغيره أنه في حال استخدام روسيا لحق النقض سوف يتدخلون من خارجه لكنهم لم يفعلوا شيئا حتى لإنقاذ الشعب السوري من الحصار والتجويع والتهجير والتركيع ؟
ونحن هنا لانتجنى على أحد عندما نقول أنهم يخدعون المعارضة التي يدعون الوقوف الى جانبها كما في الماضي .بدليل أنه منذ أن أُدْخِلتْ داعش على خط الصراع تهرب الرئيس الأمريكي أوباما ووزير خاجيته ومن بعدهما ترامب علنا من تلك المسؤولية ,( وحيث تبعتهما دول أوربية كثيرة بما فيهم ماكرون ) بالقول :أن تغيير النظام ( الاستبدادي ) في سوريا لم يعد أولوية بالنسبة لهم . بل محاربة الإرهاب .ممثلا بداعش . وهنا من حقنا أن نسألهم : ها هي القوة الأساسية لداعش قد انتهت في كلا من سوريا والعراق فلماذا لاتلتفتوا إلى دعم المعارضة لتوقف على الأقل ـ جرائم النظام القاتل والاستبدادي ؟
قال ماكرون إن فرنسا سوف تتدخل عسكريا إذا ثبت أن النظام استخدم الأسلحة الكيميائية ثانية . لكن ماذا فعل بعد أن ثبت له ذلك ثانية وثالثة ؟ ماذا فعل هو وترامب وزعماء الاتحاد الأوروبي ؟ وضعوا أسماء أربعة شخصيات سورية ( ثبت تورطهم ) على قائمة المطلوبين للتحقيق في استخدامهم للأسلحة الكيمائية ؟ . صدق من قال "تمخض الجمل فولد فأرا " .
بعد عام 1919 فقد الغرب وأمريكا مصداقيتهما السياسية والفكرية , وبعد دعمهم للصهيونية في حروبها عامي 1948 و1967 و2007 فلقد فقدا سمعتهما السياسية ,أما بعد وقوفهما إلى جانب الأنظمة الاستبداية , فتكون قد سقطت فكريا وأخلاقيا .ما يعني أنها باتت آيلة للسقوط كما حصل مع الامبراطوريات القديمة .
فتحي رشيد
23 / 3/ 2018
(1) وهي قرية صغيرة لايزيد عدد سكانها عن الألفي نسمة , قرية منسية لاتكاد ترى على خارطة الكرة الأرضية كونها تقع على أحد تلال جبل شعشبوالشمالية جنوب إدلب .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,203,126
- قراءة جديدة في القضية الفلسطينية (4) الفلسطينيون مابين الحكم ...
- ثقافة القتل و الهمجية
- قراءة جديدة في القضية الفلسطينية (3) المصالحة الفلسطينية -ال ...
- نداء مستعجل ....ياأحرار وشرفاء العالم أنقذوا الغوطة
- قراءة جديدة في القضية الفلسطينية(2) دعوة لإعادة و (إحياء ) ا ...
- قراءة جديدة للقضية الفلسطينية (*) في ضوء تساؤلات البدائل الم ...
- سقوط الاقنعه (10) والاوراق المتساقطة ورقة الحكم الذاتي المحد ...
- سقوط الأقنعة(9) ورقة النخب والأحزاب والقيادات العربية(1)
- معالجة العرب بالاستسلام (3) -مَرْحَلة - الإستسلام على مراحل ...
- علاج العرب بالشعارات (2) من التحرير إلى السلام ومن السلام إ ...
- علاج العرب بالصدمات ( 1 ) صدمة -ترامب - وردود الفعل عليها
- سقوط الأقنعة(8 ) العداء بين إيران وكلا من إسرائيل والولايات ...
- سقوط الأقنعة(8 ) العداء بين إيران وكلا من إسرائيل والولايات ...
- سقوط الأقنعة ( 7)ورقة إسلام إيران
- سقوط الأقنعة(6) ورقة حزب الله
- سقوط الأقنعة ( 5 ) الورقة الروسية
- سقوط الأقنعة (4) ورقة - لعبة الأمم -
- سقوط الأقنعة ( 3) الورقة المذهبية والإسلام السياسي
- سقوط الأقنعة (2 ) ورقة المنظات الإرهابية
- سقوط الأقنعة (1 ) مهزلة فجر الجرود


المزيد.....




- محاميه يكشف.. هكذا رد كريس براون على الاتهامات الموجهة بـ-ال ...
- تقرير: رئيس الاستخبارات الروسية الخارجية يلتقي محمد بن سلمان ...
- واشنطن لم تتجاوب مع دعوة موسكو للقاء ببكين حول معاهدة الصوار ...
- سيارات قديمة يصعب التخلي عنها
- موسكو: الموقف في منطقة خفض التصعيد في إدلب السورية يتدهور سر ...
- الصليب الأحمر يعلن الاستعداد لتبادل السجناء بين الأطراف المت ...
- سبعة أطفال من عائلة واحدة يلقون حتفهم في حريق مبنى بدمشق
- السعودية تخطط لإصدار سندات مقومة باليورو بدل الدولار
- شاهد: احتجاجات في أوكسفورد ضد دعوة سياسية يمينية للتحدث في ا ...
- الفتاتان السعوديتان، روتانا وتالا الفارع، اللتان عثر على جثت ...


المزيد.....

- إ.م.فوستر وسياسة الإمبريالية / محمد شاهين
- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتحي علي رشيد - السقوط الأخلاقي لما يسمى العالم الحر