أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في المجتمع العراقي (الحلقة الثانية)















المزيد.....



الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في المجتمع العراقي (الحلقة الثانية)


كاظم حبيب
الحوار المتمدن-العدد: 5797 - 2018 / 2 / 24 - 22:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


خلال فترات زمنية مختلفة برزت مجموعات من الباحثين التي أكَّدت في دراساتها "أن الإنسان ورث من أسلافه الحيوانات التي تطورت عنها تلك الظواهر الغريزية، وهي التي تشكل جزءاً من طبيعة الإنسان والتي تبدأ بولادته وترافقه طيلة حياته"، أو إن "القسوة والهدم هما ميزتان من طبيعة كثرة من البشر والتي لا يمكن تغييرهما". فقد كتب الباحث وشبورن Washburn (1911 – 2000م) بهذا الصدد يقول: "يمتلك الإنسان نفسية أكلي اللحوم. وإذ يكون من السهل تعليم الإنسان على القتل، فأن من الصعب تطوير تلك العادات التي تتجنب القتل لديه. كثرة من البشر تجد لذة في رؤية إنسان يتعذب، أو أنها تفرح عند قتل الحيوانات. فالتأديب والتعذيب على رؤوس الأشهاد يمارس بشكل اعتيادي في الكثير من الثقافات" . ويرى وشبورن أن القتل والقسوة هما مظهران مرتبطان بنفسية، أو ناشئان عن نفسية الصياد. إذ أنه يكتب قائلاً: "يشعر الإنسان بالفرح عندما يصطاد حيوانات أخرى. وإذا لم تجر عملية تربية متأنية لتخليصه من هذه الغريزة الطبيعية عند الإنسان، سيجد الإنسان سعادة في الصيد والقتل. في مجتمعات بمثل هذه الثقافات يجعل المرء من التعذيب والمعاناة عرضاً عاماً للمتعة الشعبية" . ويرُجع هذا الأمر إلى ثلاثة عوامل هي: الصيد بمثابة رياضة عند الصياد (القتل بمثابة رياضة صيد)، وسرعة تعلم وممارسة الأطفال لألعاب الحرب، والموقف من الغريب عن هذه الجماعة البشرية أو تلك .
لا تصمد العوامل التي يعرضها وشبورن لتأكيد موضوعته عن السعادة في القتل عند الصياد في تلك الحقب التي كان الإنسان البدائي يعتمدها في التخلص من الحيوانات التي تؤذي مزروعاته أو للحصول على غذائه اليومي أمام النقاش العلمي. فالطفل مثلاً يمكن أن يتعلم كل شيء بسهولة كبيرة، ويجد لذة في التعلم وحب الاستطلاع، رغم احتمال بروز اختلافات بين رغبات هذا الطفل أو ذاك إزاء مختلف الألعاب. إذ أن تعليم ألعاب الحرب للأطفال، يمكن أن يقابلها تعليم مسائل أخرى ذات وجهة رياضية وسلمية وتكون محبوبة ومقبولة عند الأطفال أيضاً. ولم يكن موقف الإنسان البدائي بالضرورة عدوانياً إزاء الغريب من الناس، إذ أن جماعات بشرية عاشت جنباً إلى جنب وبسلام، رغم تباينهما من حيث المجموعة البشرية التي يعودون لها، وهو ما أمكن التدليل عليه عند الإنسان البدائي. ولكن هناك البعض الذي لا يرتاح للغريب، وهي إشكالية مرتبطة بتجربة الإنسان ذاته، على وفق الظروف والشروط الملموسة التي كان يعيش في ظلها. وقد بدأت هذه الظاهرة بالبروز مع بدء انتشار ظاهرة الـ "أنا" وألـ "آخر" وما تحمله من أحكام مسبقة عن الذات والآخر، والتي يطلق عليها في علم النفس الاجتماعي بالتفكير النمطي أو الـ "ستريو توب". ومثل هذه الحالة تنطبق لا على الأفراد فحسب، بل تنطبق أيضاً على رأي الشعوب بعضها إزاء البعض الآخر.
وتوجد في الوقت نفسه مجموعة من الآراء الأخرى التي ترى بأن تلك الظواهر ناتجة عن الشروط التي يعيش فيها الإنسان والظروف الملموسة التي يمر بها، وهي التي تساهم في تكوين سلوكه وعاداته وتقاليده أو مجمل شخصيته. وهي التي دلل عليها أريش فروم مستنداً في ذلك إلى عدد من البحوث والباحثين في القضايا الأنثربولوجية، مثل لوغلين Laughlin، W. S. ومومفورد Mumford، L.. فالدراسات الأنثربولوجية تؤكد موضوعة أساسية سجلها لنا أريك فروم Erich Fromm (1900 – 1980م) في كتابه المعروف عن "نظرية العدوان"، حين كتب يقول:
"لا يمكن شرح روح الهدم والقسوة عند الإنسان على أنها من مخلفات ميراثه الحيواني أو من غريزة الهدم، بل ينبغي إرجاعها إلى تلك العوامل التي يتميز بها الإنسان عن سلفه الحيوان" . ثم يواصل قوله "إن المشكلة تكمن في أن التحري يفترض أن يتجه نحو: إلى أي مدى وإلى أي درجة تكون مسؤولية الشروط الملموسة التي يعيش فيها الإنسان عن نوعية وشدة رغبة الإنسان واندفاعه إلى القتل والتعذيب" .
إن استخلاص هذه الموضوعة الأساسية جاءت بعد دراسات واسعة أجريت على عدد كبير من الجماعات البشرية (30 جماعة) التي دعيت بالبدائية والتي تشبه في أسلوب حياتها ومعيشتها وظروف نشاطها الإنساني حياة الإنسان الأول الذي كان يعيش على الصيد وجمع الثمار وفي مرحلة التحول النسبي صوب الزراعة والرعي. وخلص البحث إلى تلك الموضوعة التي أشرنا إليها في أعلاه.
ولكن فروم لاحظ أيضاً بأن تغيرات طرأت على سلوكية القبائل عندما بدأت تتحول من حياة الريف إلى حياة المدن ودخول عوامل جديدة على حياة وعلاقات الناس فيما بينهم. وكان هذا التحول بمثابة ثورة في المجتمع الإنساني، والذي يمكن للقارئ أن يتابع ذلك في العديد من المجتمعات، ومنها المجتمعات البابلية حيث اتخذت العلاقات بين الناس صيغاً جديدة ونظمت بقواعد وأعراف وشرائع وقوانين ملزمة تتضمن عقوبات رادعة. وقد اقترن ذلك بنشوء الملكية الفردية وتطور في تقسيم العمل الاجتماعي وزيادة في الإنتاج عن حاجات الفرد أو الجماعة، وبروز التداول السلعي البدائي، ومن ثم المتطور منه، الذي استوجب التشريع لحماية المصالح الخاصة. ولكن هذا التحول كان بدوره بطيئاً والتغير الذي حصل في القوانين ومدى قسوتها وشدتها يشير إلى ذلك بوضوح بالارتباط مع اكتشافات الإنسان الجديدة، ومنها بدء بروز إمكانية وممارسة استغلال الإنسان للإنسان اقتصادياً، أي من خلال استخدام الإنسان كأداة اقتصادية، حيث يمكن تحويل أسرى الحرب أو العبيد إلى مثل هذه الأدوات ، إضافة إلى التحولات التي حصلت في طبيعة أساليب الإنتاج وما اقترن بها من نتائج إيجابية وعواقب سلبية.
لقد عاشت المجتمعات البشرية حقباً طويلة كان الصراع فيها يدور بين الإنسان والطبيعة، في محاولة منه إلى تجنب المخاطر المرتبطة بعواقب فعل قوانين الطبيعة الموضوعية دون وعي منه بها من جهة، والاستفادة مما في الطبيعة من موارد لصالحه من جهة ثانية. وكان في هذا الصراع نوع من التناغم والانسجام بين الإنسان والطبيعة أيضاً، ولم يكن تخريب الطبيعة من قبل الإنسان كما هو عليه الآن. وكان هذا الصراع هو الدافع أيضاً لتطور حياة الإنسان. إلا أن هذا التطور كان بطيئاً وأستغرق عشرات آلاف السنين، وهي حالة مرتبطة بالقدرات الفكرية والعملية للإنسان حينذاك. وكان الصراع يدور أحياناً كثيرة بين الإنسان والحيوان لا بهدف القسوة والعنف، بل لحاجة الإنسان للغذاء أو لتجنب الموت على أيدي الحيوانات المفترسة، والعكس صحيح بقدر ما بالنسبة للحيوانات المفترسة إزاء افتراسها للإنسان أو للحيوانات الأخرى. هكذا كانت حياة الإنسان في فترة الصيد وجمع الثمار أو القوت. وعند الحديث عن المجتمعات البدائية وضعف أو غياب القسوة والعنف عنها، لا يعني هذا بالضرورة عدم وجود مشكلات معينة في تلك المجتمعات وفيما بين البشر، إذ بدون بروز تلك المشكلات والسعي لحلها يصعب تصور تطوير الحياة وإغنائها، فالحياة هي التي تدفع بالمشكلات إلى الظهور وتطالب الإنسان بحلها، بما فيها تلك المشكلات فيما بين الناس إزاء الطبيعة وسبل التعامل معها أو مع موارد ومنتجات الطبيعة، والإنسان أحدها طبعاً. فوحدة وصراع الأضداد يعتبر أحد القوانين الموضوعية الأساسية التي تساهم في دفع عملية التطور في المجتمع البشري إلى أمام. ولم يكن هذا القانون الموضوعي غائباً عن الفعل في المجتمعات البدائية، ولكن ليس بالضرورة كان معروفاً لتلك المجتمعات، إذ أنه يفعل دون وعي منها به، وبعيداً عن إرادة المجتمعات ورغباتها أيضاً، ولكنها تصطدم بنتائج أو عواقب فعلها. وهكذا يسري ذلك على بقية قوانين الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي الموضوعية التي تفعل في المجتمع، مثل قانون تحول التراكم الكمي إلى كيفية جديدة. أو قانون سلب السلب ...، إضافة إلى القوانين الاقتصادية الموضوعية الأساسية الفاعلة في كل المجتمعات وأن كانت بمستويات وتأثيرات ونتائج مختلفة، كما توجد قوانين خاصة بكل شكل من أشكال أساليب الإنتاج. ولكن الإنسان، وكذا المجتمعات، قادران على اكتشاف تلك القوانين وفعلها، وبالتالي يمكن تسخيرها لصالح الإنسان والمجتمعات البشرية، إذا ما أحسن التعامل معها والاستفادة منها، أو تجنب عواقب عدم القدرة على احتواء فعلها لصالح الإنسان أو تجنب المخاطر المحتملة.
أما عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي الوردي (1913 – 1995م)، فقد ربط في مقدمة مجموعة دراساته ومؤلفاته الاجتماعية القيمة والأصيلة حول المجتمع العراقي والفرد العراقي بين سلوك الفرد والمجتمع وبين العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع أو ذاك. فالسلوك والعادات والتقاليد، بما فيها القسوة والعنف أو ازدواج الشخصية، عند الإنسان هي حصيلة تفاعل الماضي بالحاضر. يقول على الوردي ما يلي:
"عند دراستي للمجتمع العراقي - وهو الموضوع الذي أولعت به زمناً غير قصير - أدركت أني لا أستطيع أن أفهم المجتمع في وضعه الراهن ما لم افهم الأحداث التي مرت به في عهوده الماضية، فكل حدث من تلك الأحداث لا بد أن يكون له شيء من التأثير قليلاً أو كثيراً في سلوك الناس حالياً وفي تفكيرهم" . ثم يواصل قوله: "من الممكن تشبيه المجتمع في هذا الشأن بشخصية الإنسان البالغ إذ هي في حاضرها تتأثر بما حدث لها في ماضيها، وهذا التأثير قد يكون لا شعورياً إنما هو موجود على أي حال وهو قد يظهر بمظهر العقدة النفسية التي تدفع الإنسان نحو بعض الأفعال "السخيفة" إذ هو يفعلها مرغماً بتأثير حافز لا إرادي يسيطر عليه. أكاد أعتقد أن المجتمع لا يختلف عن الفرد في هذا، فكثيراً ما تخلق الأحداث الماضية في المجتمع عقدة كالعقدة النفسية حيث نرى الناس يندفعون ببعض العادات والأفكار الموروثة اندفاعاً لا شعورياً، وقد يؤدي ذلك بهم إلى المهالك بينما هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً". وهو بذلك يتجنب احتمالات التأويل بشأن أصل السلوكيات المختلفة، ويؤكد علاقة الترابط بين المظاهر السلبية في سلوك الفرد بالواقع الاجتماعي القائم وبالموروث الاجتماعي المتراكم في المجتمع. وفي الوقت نفسه يؤكد على أن غياب الديمقراطية عن المجتمع واستمرار الحاكم في حكمه دون مراقبة أو مؤسسات ضابطة لسلوكه تقود إلى الاستبداد حيث كتب، في الفصل الرابع "عيب المدينة الفاضلة" من كتابه الموسوم "مهزلة العقل البشري" رأياً تعميمياً لا يقتصر على العراقيين بل يشمل جميع البشر، يقول فيه: " كل إنسان ميال إلى الاستبداد والظلم حين يُترك على دست الحكم منفرداً يحكم كما يشاء". ويستند في ذلك إلى قول للإمام علي بن أبي طالب حين قال: "من ملك استأثر" . وهو استنتاج واقعي لظاهرة غير صحية استند فيها إلى وقائع تاريخية مرت بها جميع الشعوب، وتوقع استمرارها. ومن تتبع الأحداث في العالم يمكن القول بحصول هذه الظاهرة السلبية خلال القرون والعقود المنصرمة، سواء أكان ذلك في البلدان الاشتراكية قبل انهيارها، أم في الدول الرأسمالية المتقدمة، وقبل ذاك في ألمانيا في فترة الحكم النازي، أو في إيطاليا في فترة الحكم الفاشي، وكذلك في غالبية البلدان النامية بشكل عام. ولكن السؤال المعقول في هذا الصدد هو: ألا يمكن للمجتمع البشري، حين ينهض على قيم ومعايير حضارية وإنسانية متقدمة، وحياة سياسية ينظمها دستور مدني ديمقراطي وقوانين ونظم عمل ملزمة في دولة علمانية، يلتزم الحاكم والمؤسسات الدستورية فيها بتلك القيم والمعايير، وحين ينتفي وجود الاستغلال البشع والتمييز حيث يعاني منهما الإنسان في ظل علاقات إنتاجية استغلالية، أن ينتفي في مثل هذا المجتمع وجود تلك العقلية الفردية الاستبدادية والرغبة في الهيمنة والتحكم والابتعاد عن الرؤية والممارسة الجماعية في حكم البلاد؟ اعتقد جازماً بأن هذا ممكن حين تتوفر المستلزمات المادية لممارسة مثل هذا السلوك الإنساني للفرد والمجتمع، وهو مرتبط أيضاً بطبيعة أسلوب الإنتاج والعلاقات الإنتاجية الناشئة عنه، وطبيعة الدولة والحكم السياسي ودور الدين وتأثيره على الفرد والمجتمع، أي الأمر يرتبط بمدى توفر المستلزمات ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يرتبط بوعي الإنسان والمجتمع أيضاً، باعتباره انعكاساً للواقع المادي الموضوعي، كما إنه يخضع للقاعدة التي تقول "الثقة جيدة، ولكن الرقابة الشعبية أجود".
كتب الأستاذ الدكتور علي الوردي، نافياً الادعاءات القائلة بوراثة جينات الجريمة أو القسوة والعنف عند البشر أو ما شاكل ذلك في مكان آخر، ما يلي: "وَجدَ بعض الباحثين إن المجرمين في بعض البلاد تكثر فيهم دمامة الوجه أو العاهة، فاستنتجوا من ذلك أن ألمعية الدميم يميل بطبعه إلى الإجرام لأنه، على زعمهم، يمثل نكسة بيولوجية نحو الطبيعة الحيوانية الأولى. أن هذا الاستنتاج مغلوط من أساسه. فليس هناك مجرم حدث فيه الميل إلى الإجرام طبيعة. الإجرام اكتسابي في أغلب الأحيان، وسببه اجتماعي. إن الدميم ليس مجرماً بالطبيعة كما يقول بعض المترفين، إنما هو قد وصفه المجتمع منذ طفولته بالإجرام من أجل دمامته المكروهة، فنشأ مجرماً، أي أن المجتمع كره هذا الطفل الدميم وحكم عليه بالسجن لأقل سبب وعامله بخشونة وظلمه وأذاه فأصبح مضطراً على الجريمة سائراً في سبيلها أراد ذلك أم كره" .
وفي مكان آخر من محاضرته التي ألقاها في عام 1951 يقول الدكتور علي الوردي فيها حول شخصية الفرد العراقي ما يلي: "لقد لاحظت بعد دراسة طويلة بأن شخصية الفرد العراقي فيها شيء من الازدواج وأني وأن كنت غير واثق، كما قلت آنفاً، من نتيجة هذه الدراسة ولكني أجد كثيراً من القرائن تؤيدني فيما أذهب إليه" . ويعزي هذه الظاهرة في النفس العراقية إلى ازدواجية القيم في المجتمع العراقي فيقول: "أعود فأقول إن هذه ظاهرة (أي ازدواج شخصية الفرد العراقي. ك. حبيب) موجودة في كل نفس بشرية، ولكنها في النفس العراقية أقوى وأوضح لأن قيم البداوة والزراعة قد ازدوجتا في العراق منذ أقدم العصور ولا تزال تصطرع في أنفسنا حتى اليوم" . ويرى الدكتور الوردي في نظامي القيم (البداوة والزراعة) ما يلي: "نظام يؤمن بالقوة والبسالة وتسود فيها قيم الإباء والشجاعة والكبرياء وما إلى ذلك من صفات المحارب الفاتح؛ وبجانبه نظام آخر يؤمن بالكدح والصبر ويمارس أداء الضريبة والخضوع والتباكي. إن هذا الصراع الحضاري، أو ما يسمى في علم الانثربولوجي: (Clash of Cultures)، قد أثر في شخصية الفرد العراقي تأثيراً بليغاً. فالفرد العراقي أصبح مضطراً أن يقتبس نوعين من القيم الاجتماعية، أو يقلد طبقتين من الناس: طبقة البدوي الغالب وطبقة الفلاح المغلوب، فهو تارة يؤمن بالغلبة ويتباهى بها أو يحاول أن يظهر قوته على غيره، وهو تارة أخرى يئن من سوء حظه ويشتكي من ظلم الناس له" . ويواصل قوله ويورد أمثلة من حياة العراقي اليومية ومن تصرفاته وأغانيه فيقول: "ففي بعض الأحيان تراه يفتل شاربيه ويرفع عقيرته قائلاً (أنا أبو جاسم، والمصطفى لأسقط سبع دول). وتراه في أحيان أخرى يغني مكتئباً: (شيفيد السعي لو نام البخت والحظ ... أنا من أقول آه واتذكر أيامي … ظلاّم ما عندكم رحم، ياللي ظلمتوني … وين المروة، گلبي تچوه…". وإذ أتفق مع الدكتور الوردي في وجود هه الظاهرة، اختلف معها في كونها في النفس العراقية أقوى وأوضح، فأن جميع المجتمعات التي انتقلت من البداوة إلى الزراعة وجدت هذه الظاهرة وبقوة أيضاً، ويمكن أن نتابعها في الدول العربية الأخرى أو في الدو النامية أو في إيران وتركيا..الخ.
وكما نرى فأن الرأي الذي يطرحه الدكتور الوردي يختلف من حيث المبدأ عن الرأي الذي يقدمه باقر ياسين، فإذا كان الأول يرى الأمر مرتبطاً بالمجتمع والعلاقات السائدة فيه، أي أنها حالة مكتسبة، يرى الثاني أنها من الطبيعة التي جبل عليها العراق، أو بتعبير أكثر صرامة، إنها جزء من الغرائز الموجودة في الإنسان العراقي التي لا يستطيع الإنسان التدخل فيها والتأثير عليها، فهي والحالة هذه حتمية، كما أنه يضيف إلى ذلك ويشير إلى وجود عادات وتقاليد أخرى مكتسبة. وإذا كان الأول مصيباً في رأيه فأن الثاني، وكما أرى مخطئاً فيما توصل إليه بشأن الطباع الموروثة، رغم أنه لا يطرح المسألة بهذه الصراحة التي حاولت إبرازها في ضوء مجمل الكتاب بهدف إزالة الالتباس إن وجد. وينبغي ألا يفوتنا القول بأن الدكتور الوردي استدرك في قوله مشيراً إلى غالبية حالات الجريمة مكتسبة من المجتمع الذي يعيش فيه الفرد. وسبب هذه الاستدراك هو وجود بعض الحالات المرضية النفسية أو الاختلالات العصبية التي تقود إلى ارتكاب هذه الجريمة أو تلك. وهو استدراك صحيح. ويبدو لي مفيداً تسجيل جملة من الحقائق التي ربما لم تغب عن بال الدكتور الوردي عندما كتب محاضرته أو أبحاثه اللاحقة بشأن الفرد والمجتمع العراقي، أو عن بال السيد باقر ياسين عندما كتب عن تاريخ العنف الدموي في العراق من جانب، وبعضها يرتبط باختلاف منهجية البحث والتفسير المادي والتاريخي للأحداث والظواهر من جهة أخرى، ومنها:
• أرى إن هذا الاستنتاج وحيد الجانب، إذ أن هناك جوانب أخرى أساسية، يشكل بعضها الأساس المادي لبروز التقاليد والعادات، أو الاستبداد والقسوة في المجتمع، وكان من الواجب إبرازها، ومنها مثلاً: 1) أسلوب الإنتاج السائد والعلاقات الإنتاجية المرتبطة به ومستوى تطور القوى المنتجة؛ 2) طبيعة الدولة ونظام الحكم السائد في البلاد؛ 3) طبيعة السياسات الداخلية التي تمارس، ومدى سيادة الحياة الدستورية والحرية والحياة الديمقراطية في البلاد؛ و4) ودور الدين في المجتمع وعلى صعيد الحكم، وموقف الدولة والمجتمع منه، إضافة إلى مستوى وعي الفرد والمجتمع.
• ليست ظاهرة العنف والقسوة حكراً على الفرد أو المجتمع العراقي، بل كانت هذه الظاهرة وما تزال موجودة في كل المجتمعات دون استثناء، مع وجود تمايز في شدتها، ولاسيما منذ أن برزت في هذه المجتمعات الملكية الخاصة وتقسيم العمل الاجتماعي ونمو الإنتاج وتطور فكر الإنسان وخلقه للدين واستخدامه، واستعمال عقله أكثر فأكثر في فهم ما يدور حوله وما يواجهه من أحداث وظواهر.
• ولم يتم انتقال الجماعات البشرية من موقع إلى أخر في العهود السالفة، إلا بسبب شحة الأمطار أو المياه في المنطقة التي هم فيها وصعوبة الحصول على المواد الغذائية التي هم بحاجة ماسة لها. وتبدو الحالة أكثر ملموسة عند هجرة هذه الجماعة أو تلك من موقع إلى أخر حيث يتوفر فيه الماء والكلأ، فتصطدم بالجماعات من أصل المكان أو النازحة إليه قبلها، وتحاول إزاحتها أو التقاسم معها، في حين تحاول الأخرى الدفاع عن مواقعها وعن الغذاء المتوفر فيها. وهنا يفترض أن ندرس هجرة سكان البادية في منطقة الشرق الأوسط إلى وادي الرافدين والصراعات التي نشبت حولها ودويلات المدن التي أقيمت فيها، ومن ثم الدول المركزية التي نشأت على أنقاضها وطبيعة علاقات الإنتاج التي سادت فيها، وما نتج عن ذلك من شرائع وقوانين وعادات وتقاليد.. الخ.. وبدأ الربط يحصل في تفكير وممارسة الحكام بين الحرب وإمكانية الحصول على الأسرى، وبالتالي إمكانية استغلالهم في النشاط الاقتصادي للحصول على محاصيل أكبر، أو الحصول على أرض جديدة ومواقع أفضل للزراعة والرعي وما إلى ذلك. ثم طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم، سواء أكان في تناغهما في استغلال الإنسان، أم في صراعهما حول مصالحهما الخاصة. ويقدم المجتمع المصري في العهد الفرعوني، وكذلك المجتمع البابلي، صوراً متنوعة عن هذه العلاقة، سواء أكان الملك هو الإله أيضاً، أم كان الملك نصف إنسان نصف إله، أم إنهما شخصان أم مؤسستان مختلفتان. أن هذه الشروط الجديدة هي التي بدأت تلعب دورها في تغيير تصرف الإنسان وفي إيجاد علاقات قسرية تفرض على الإنسان التصرف بشكل معين، وإلا فسيتعرض لعقوبة معينة. وفي هذا بدأت مظاهر القسوة والهدم والتخريب تظهر في ممارسات حكام وحضارة المدينة. لقد تنامي تفكير الإنسان وتطور استخدامه لعقله، وتطورت معه أساليب وأدوات القسر والسلطة ليتكون منها نظاما خاصا للتعامل بين السلطة والفرد في المجتمع، وهي التي لم تعرفها المجتمعات السابقة، كما لم تكن بحاجة لها، وكانت تعيش على ما هو متاح حيث توزع وتستخدم ما هو متوفر من قبل هذه الجماعة البشرية أو تلك. وهنا لعب الدين دوراً متميزاً في تنمية هذه الظاهرة، بما فيها ظاهرة السلطة وممارسة القسوة في تحقيق أهداف معينة للحكام أو الفئة الحاكمة، والتي برزت في تقليد الضحايا (القرابين) التي يراد تقديمها إلى الآلهة. ففي الوقت الذي كانت في البداية عبارة عن تقديم نباتات أو أشياء لا تؤذي أحداً، أصبحت في فترة لاحقة تقديم الحيوانات، ثم الأبناء والبنات أو النساء أيضاً. كتب السيد محمود القمني بهذا الصدد يقول:
"وقد اتخذ أغلب الباحثين من مسألة القربان أحد موقفين:
- موقف يرى أن القربان في بداية أمره اقتصر على ثمار النبات، ثم رأى الإنسان - زيادة في تملق آلهته - أن يذبح لها ماشيته، بحسبان أن اللحم أعلى من النبات رتبة، ولما لم يكن متيسراً له أن يحمل قربانه ليذبحه عند عروش الآلهة، فقد عمد إلى ذبحه ثم حرقه لتتصاعد مادته دخاناً، تشمه الآلهة فتهدأ نفوسها. وزيادة في المغالاة، وإثباتاً لخلوص ضميره لآلهته تحول نحو الدماء البشرية، فأسال بعض دمائه -بجروح مقصودة- على مذابح الآلهة، تقرباً وفداء لنفسه ولأولاده وممتلكاته، ثم تحول الأمر إلى ما يشبه النذور فكان يذبح واحداً من أبنائه لآلهته، إن هي استجابت لرجائه في أمر يرجوه، أو دفعاً لشر محتمل الحدوث.
- وموقف آخر يرى عكس ذلك تماماً، مسايرة لسنة تطور العقل البشري الارتقائية، إذ يذهب إلى أن البداية كانت بالضحايا البشرية، عندما كان الإنسان لا يزال يصارع بدائيته الوحشية، وبالتدريج الارتقائي في تطور العقل تحول نحو الحيوان يستبدله بالإنسان، ليقدمه مذبوحاً أو محروقاً فداء لنفسه أو للقبيلة أو الوطن، وأحياناً اكتفى بتقديم النبات في حال احتياجه للحيوان" .
وتؤكد الغالبية العظمى من الباحثين إلى أن الحالة الأولى هي التي عرفتها المجتمعات بشكل عام، رغم أن الإنسان في المحصلة النهائية استقر على الحيوانات وأحياناً دفع النقود للفقراء أو مسائل عينية أو غذائية …الخ، ولكنها لم تعد تقدم الإنسان قرابين أو نذوراً للآلهة أو للإله الواحد. ومن يتابع العهد القديم أو الإنجيل أو القرآن سيجد فيه الكثير من الحكايات والأساطير حول الآباء الذين كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابين لآلهتهم أو لإلههم الواحد.
وفي الحضارة البابلية كان الدين يركز على الصلاة والابتهالات وتقديم القربان باعتبارهما التعبير عن الخوف من الآلهة من جهة، والحب للمعبود من جهة أخرى. وعبر عن ذلك في النص التالي:
قدم الخضوع كل يوم لألهك:
التضحيات والصلوات والبخور الواجب
ليكن قلبك نقياً أمام ربك!
إن هذا هو ما يرضي المعبود
إن أنت قدمت التوسل والدعاء والصلاة والسجود في كل صباح
فأنه يمنحك كل الكنوز
وسوف تزدهر أيامك بفضل إلهك
وعقلك راع اللوحة:
الخوف يولد الرفق أو العاطفة
والتضحية تطيل العمر
والصلاة تخلص من الإثم" .
وكانت الدعوة غالباً ما تكون بتقديم الحمل كقربان للمعبود، إذ ورد في نص بابلي ما يلي:
"الحمل فداء للبشر
لقد قدم حملاً بدلاً عن حياته
لقد قدم رأس الحمل بدلاً من رأس الإنسان
لقد قدم عنق الحمل بدلاً من عنق الإنسان
لقد قدم صدر الحمل بدلاً من صدر الإنسان".
وهذا النص يشير بشكل غير مباشر إلى الفترات التي سبقت ذلك إذ كانت هناك قرابين أخرى غير الحيوانات، أي الإنسان ذاته. ولم يكن الحَمل وحده هو القربان الذي يمكن تقديمه، بل كانت هناك حيوانات أخرى، ومنها الخنزير للتكفير عن أخطاء المريض مثلاً، كما كان النبيذ يقدم أو النعاج والأطعمة ومنها اللبن والخبز ….
• إن جميع هذه التغيرات التي ارتبطت بشكل واضح بتطور الملكية الخاصة وتقسيم العمل الاجتماعي وزيادة الإنتاج وحصول فائض فيه والتداول السلعي، ثم بروز التمايز فيما بين البشر، بين المالكين لوسائل الإنتاج وبين غير المالكين لها، تجد تعبيرها في الأدب والتراث الثقافي البابلي بشكل ممتع وهو الذي يعطي القارئ صورة حية عن هذا التطور والتحول عند الإنسان في التفكير والتشريع والممارسة.
• إن العنف والقسوة ينموان وتتسع قاعدتهما ويزداد عدد المشاركين في ممارستهما حيثما تتوفر في المجتمعات شروط أو مستلزمات ذلك. أي عند نشوء وتطور الملكية الفردية وتقسيم العمل الاجتماعي وزيادة الإنتاج وبروز إمكانية التبادل على أساس المنفعة لفائض متاح في الإنتاج، وعند استخدام الحرب كوسيلة اقتصادية للحصول على الأرض والأسرى والعبيد، حيث يتم استخدامهم في النشاط الاقتصادي لتنمية الثروة، برزت معها الحاجة إلى الزعامة وفرض السيطرة واستخدام السلطة التي ارتبطت بدورها تدريجاً بوجود المظالم والجور والاضطهاد ضد هذا المجتمع أو ذاك. وفي ظل مثل هذه المجتمعات تنمو أيضاً ظواهر ممارسات القسوة والرغبة في السيطرة والهدم أو التخريب التي عرفها المجتمع البابلي مع تكون دويلات المدن ومن ثم تنامي ذلك وتفاقم مع تكون الدولة المركزية. وأصبح القائد يفتخر ويعتز بكونه مارس القسوة والعنف والتخريب ضد المدن الأخرى ويتحدث عن الدماء التي سالت. ويمكن هنا العودة إلى كتابات الملوك الآشوريين أو حتى قبل ذاك بكثير.
• إن بروز القسوة والهدم، أي بروز ظاهرة السادية في سلوك الفرد الحاكم أو المجتمع، تقترن ببروز ظاهرة أخرى في المجتمع هي ازدواج الشخصية، باعتبارها أداة للتخلص من القسوة والتعذيب المحتملين. فاستخدام السلطة أو الحاكم لأساليب من هذا النوع تخيف المجتمع وتدفع به للتحري عن أساليب أخرى غير تلك التي مارسها قبل ذاك بسبب عدم حاجته إليها لحمايته من غضب الحاكم. فممارسات الاستبداد والقسوة والتخريب والسادية وفرض إجراءات محددة على المجتمع تخلق عند الفرد والمجتمع ظواهر أخرى مثل الخوف والخشية من العقاب، وبالتالي التحري عن أساليب لتفاديها، ومنها ظاهرة ازدواج شخصية الفرد، أي فرد، وبغض النظر عن مكان وزمان وجوده، فالرغبة في تحقيق شيء ما أو الوصول إليه من جهة، والخوف من الظلم والجور والاضطهاد من جهة أخرى، تدفع بالإنسان إلى التقية أو إبداء موقفين متباينين إزاء مسألة واحدة بهدف الحصول على الشيء بعيداً عن احتمال التعرض إلى العقوبة والاضطهاد المحتملين، ولكنها يمكن أن تخلق ظاهرة مواجهة العنف بالعنف والقسوة بالقسوة والهدم بالهدم أيضاً. وهو ما حصل في المجتمع البابلي العراقي القديم أو المجتمعات المشابهة والمماثلة لمرحلة التطور والمتوفرة فيها ذات الشروط تقريباً؛
• إن خوف الإنسان من ظاهرة معينة أو من فرد آخر أو جماعة معينة أو من استغلال واستعباد يمكن أن يتعرض له، يدفع به إلى محاولة القيام بعمل ما لاستباق الحدث أو مواجهته بدلاً من الخنوع أو الخضوع له. وهذا يعني في حالات معينة ممارسة القسوة خشية التعرض لها. كتب الشاعر المصري نجيب سرور في فترة الخمسينات قصيدة جاء فيها ما يلي:
"سأقتلك، سأقتلك، وقبل أن تقتلني سأقتلك ... وقبل أن تغوص في دمي أغوص في دمك".
إنها لوحة سادية تعبر عن محاولة قتل لتجنب القتل المحتمل. كانت القصيدة في معرض الحديث عن الاستعمار والاستعباد والاستغلال، إذ يريد بها مقاومة الاحتلال والاستعمار قبل أن يتعرض لهما. وهي تأكيد على القيام بفعل يجسد القسوة بعينها تجنباً للوقوع تحت وطأة القسوة.
• وفي فترات تحول المجتمعات البشرية من أسلوب إنتاج إلى أخر، أي في أعقاب الثورات، أو في فترات الحروب والفوضى أو وقوع المجاعات، يزداد بروز تلك المظاهر السلبية عند الفرد أو الجماعة، ولكنها تختف في فترات الاستقرار والسلام والرفاهية. كانت الخشية من المجاعات التي تعرض لها الإنسان في فترات مختلفة قد حولت الفرد والمجتمع عموماً إلى سلوكية الخشية من الإفراط في الصرف أو السعي إلى التخزين والاكتناز خشية الوقوع بمحنة جديدة. وأصبحت بمرور الأيام تقليداً يعبر عن بخل لمواجهة شحة محتملة.
• وعلى امتداد تاريخ البشرية، وبالرغم من بعض الجوانب الإيجابية في خلق الإنسان للأديان ونشر الإيديولوجية الدينية لأسباب كثيرة سنأتي عليها، فأنها لعبت دوراً بارزاً في تنشيط مختلف الظواهر، إذ أنها كانت المعبر عن واقع معين من جهة، ومحفز على خوض غمار نشر تلك الأديان والإيديولوجية بين الجماعات التي ساهمت بدورها في تشديد الصراع بين الثقافات من جهة أخرى.
• وفيما بعد لعبت الإيديولوجية العنصرية المستندة إلى أرضية دينية "سماوية" أو تفسير ديني -وأقدمها العهد القديم- دورها البارز في تنشيط عمليات التمييز بين البشر وتشديد الصراع والعنف على ذلك الأساس. فكما هو معروف توجد نظريات غير قليلة تؤكد بأن الشعوب تنقسم إلى ثلاث جماعات عرقية أساسية تتمايز فيما بينها في الخصائص والسلوك والدور في المجتمع البشري، ونعني بها: الشعوب الحامية، أي شعوب القارة الأفريقية، والشعوب السامية، أي شعوب القارة الآسيوية، والشعوب الآرية، أي الغالبية العظمى من الشعوب الأوروبية مع بعض شعوب الشرق الأوسط باعتبارهم من أصل آري أو آري-هندي. وأن الشعوب الآرية تقف على رأس سلم التطور البشري وهي من صلب يافث بن نوح، تليها الشعوب السامية وهم من صلب سام بن نوح، ومن ثم الشعوب الحامية، وهم من صلب حام بن نوح، التي تقف في أسفل سلم التطور. وأن هذا الاختلاف ناجم عن التباين في الجينات التي لا يمكن تغييرها، وستبقى تميز تلك الشعوب التي ولدت عليها ولا خلاص لها منها. ومثل هذه النظريات في التقسيم العنصري ما تزال قائمة ويؤمن بها كثرة من الناس في أوروبا وأمريكا وفي غيرها من مناطق العالم، رغم كونها مبتذلة وجرى تفنيدها في القرنين الأخيرين. وهي التي نادى بها الحزب النازي وعلى رأسه هتلر وفلاسفته العنصريين في ألمانيا وساهمت في التسبب بنشوب الحرب العالمية الثانية. وهي التي تتحكم بتصرفات غير قليلة على مدى القرنين الأخيرين، وخاصة سلوك الجنس الأبيض في مقابل الأجناس الأخرى من البشرية الواحدة. وهي اليوم تتجلى بصيغة ما في ممارسة السياسة الأمريكية إزاء العالم. وكتاب صدام الحضارات للدكتور صاموئيل هنتنكتون يعرض هذه الذهنية الجديدة القديمة بشكل صارخ وفاضح ، يلتزم بها في السياسة الدولية الراهنة المحافظون واللبراليون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية والذين يتركز وجودهم بشكل خاص في الحزب الجمهوري وحول الرئيس جورج دبليو بوش، أي في الإدارة الأمريكية وفي وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي والمعاهد العلمية المرتبطة بهاتين المؤسستين، وهذا لا يعني غيابها عن أعضاء قياديين في الحزب الديمقراطي.
بعد مرور ما يزيد على أربعة عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن ألحقت نتائج الدراسات العلمية الهزيمة بالنظريات العنصرية والتمييز العنصري، نشر الأستاذ جورج هانسن في عام 1988 مقالة حول "مساهمة التربية في تجنب العداء للأجانب" يفضح فيها بعض جوانب النشر والمواقف العنصرية في ألمانيا حيث يورد مقطعا مهما من مقالة نشرتها جريدة Frankfurter Allgemeine Zeitung بتاريخ 6 شباط/فبراير 1988، وهي للكاتب الألماني كلاوس ناتورب جاء فيها ما يلي:
"إن أصحاب الجرائم في منطقة الروهر بألمانيا كانوا في الغالب أشخاصاً من فصيلة الدم B.
إن أغلبية البولونيين هم من مجموعة الدم B، أما الألمان فهم من فصيلة الدم A.
إن المهاجرين الناطقين باللغة البولونية في منطقة الروهر هم، كما يبدو بشكل واضح، لم يندمجوا حتى الآن بالمجتمع بشكل صحيح.
ومن هنا يأتي مستوى الجريمة العالي بين أطفالهم وأطفال أطفالهم" .
في هذا المقطع القصير يشخص القارئ مجموعة من الأفكار العنصرية المقيتة والمتشابكة التي تربط بين فصيلة الدم والجريمة، واعتبار فصيلة الدم التي يحملها البولونيون، أو "العِرق" الذي ينحدر منه البولونيون، هي التي تدفع بهم إلى ارتكاب الجرائم، وأن الجريمة لا تقتصر على الآباء، بل تشمل الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد لأنهم يحملون نفس فصيلة الدم، لأن هؤلاء الناس لم يختلطوا بالألمان، وبالتالي لم يتلقح دمهم بالدم الألماني "الأفضل والأنقى" ولم يتعلموا من الألمان من خلال اندماجهم بالمجتمع الألماني. إنهم بذلك يريدون الإشارة الواضحة إلى أن الجينات التي يحملها البولونيون والمتوارثة أباً عن جد هي المسؤولة عن ذلك وهي التي تنتج الجريمة المتأصلة في نفوس البولونيين والتي يستحيل تغييرها. وهذا يعني من جانب آخر، بأن على الألمان أن يتجنبوا تلويث دمهم بدماء البولونيين التي تحمل جنينياً جرثومة الجريمة من خلال التزاوج. إن مثل هذه الموضوعات ليست مجرد هذيان وإعادة إنتاج بعض الأفكار العتيقة والبالية لجماعة ضالة من السياسيين، بل إنها تعبر عن ذهنية عنصرية مريعة وعدوانية شرسة في آن واحد. والغرابة لا تبرز هنا في وجود "بشر" يفكرون بهذه الطريقة العنصرية الخرافية البالية، سواء كان ذلك في ألمانيا أم في بقية بلدان الاتحاد الأوروبي أو في بقية بقاع العالم، بل الغرابة كل الغرابة تبرز في امتلاك جريدة يومية سياسية عامة ومشهورة في ألمانيا، وهي جريدة سياسية معروفة بوجهتها اليمينية، أن تنشر هذراً وسماً من هذا النوع لا يسئ إلى الشعب البولوني فحسب، بل ويثير الحقد والبغضاء بين الشعوب، ولا تقدم للمحاسبة أو المحاكمة بسبب نشرها مثل هذه الدعاية العنصرية والمحرضة ضد الجاليات والشعوب الأخرى. كما لا يحاسب الكاتب على هذه الصياغات العنصرية التي تستهدف إثارة الألمان ضد وجود بولونيين في ألمانيا، كما إنها إثارة ضد كل الذين تجري في عروقهم دماء من المجموعة B.
ولكن هل يمكن لمثل هذا التحليل أن يصمد أمام الحقائق العلمية الحديثة في تحليل بنية وطبيعة الإنسان عموما، وفي تحليل أسباب العنف وممارسة التعذيب في البلدان المختلفة، ومنها العراق القديم والحديث؟ وهل يحق لنا قبول مثل هذا التبسيط للأمور، والموافقة على اتهام شعب بأكمله بالتطرف وبالاستعداد لممارسة العنف والتعذيب؟ إن ظواهر التطرف والعنف والتعذيب وقسوة المعاملة التي مارستها الدولة الأموية وكذلك الدولة العباسية، أو حتى في فترة الخلفاء الراشدين في صدر الإسلام، أو قبل ذاك في العراق القديم، لا يمكن فصلها عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية التي سادت في تلك البلدان في مختلف العهود، ولا بد عند دراستها من بذل جهود غير قليلة لاستيعاب وتحليل تلك الأوضاع وفهم علاقتها بالتراكمات الحاصلة في هذا الصدد منذ عشرات القرون في العراق القديم وصولا إلى الأوضاع الراهنة في العراق الحديث. من يتابع أحداث القرون الوسطى في أوروبا مثلا سيدرك حقيقة أن أوروبا عاشت وشهدت أبشع أشكال العنف وأساليب التعذيب الجسدي والنفسي في تاريخ البشرية كلها حينذاك. كما أن من يدرس تاريخ أمريكا الشمالية سيدرك شدة العنف والقسوة الطاغية والقتل الجماعي الواسع التي مارسها الأوروبيون النازحون والمستوطنون في تلك المنطقة للتخلص من سكان أصل البلاد، الهنود الحمر، والحلول مكانهم في القارة، وكثرة من الأفلام السينمائية الأمريكية الجادة تظهر هذه الحقيقة، في حين تحاول بعض الأفلام الأخرى أن تزين القضية للمشاهد وتضع الأمر وكأنه يعبر عن صراع بين الحضارة والتخلف.
وتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يدلل أيضاً على القسوة الجامحة التي مارسها الأوروبيون النازحون إلى هذه القارة الجديدة في حينها والأساليب التي مارسوها للهيمنة على القارة الجديدة والتخلص من الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين. وكان القتل والتشريد والتهجير القسري جزء من تلك الأساليب الهمجية التي مورست. وكانت الحرب الأهلية التي تفجرت بين الشمال والجنوب واحدة من أبرز قضايا تاريخ الولايات المتحدة حين تعرض الأفارقة السود الذين جلبوا من القارة الأفريقية إلى العبودية والاستغلال البشعين على أيدي العوائل وأصحاب رؤوس الأموال الأوروبيين. وكانت القسوة والعنف هما الطريق لتحقيق الأرباح وتعظيم رؤوس الأموال والسيطرة الكاملة على الحكم والمجتمع. ولم تكن الحرية إلا للأوروبيين الغزاة. وهذه السلوكية لدى الأوروبيين الأمريكان ما تزال هي المحددة للقوى الحاكمة هناك والتي تتجلى في الموقف من الحروب ومن الادعاء بأنهم يحملون لواء الحرية بيد والخير بيد الأخرى لمحاربة لواء العبودية والشر في العالم.
عند دراسة تاريخ النازية في ألمانيا يتعرف الإنسان بشكل دقيق على أسس ممارسة العنف والتعذيب إزاء بنات وأبناء الشعب الألماني ذاته وإزاء الشعوب الأخرى في فترة الحرب العالمية الثانية لأسباب عنصرية وتعصبية وفكرية واستعمارية متنوعة لم يعرف تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل. وفي الوقت الذي تعرض اليهود في ألمانيا الهتلرية إلى صنوف التعذيب والقتل في غرف الغاز وأفران الحرق وسلخ الجلود على امتداد فترة الاعتقال في معسكرات الفاشية في ألمانيا وفي غيرها من الدول الأوروبية المحتلة حينذاك حتى وصل عدد ضحايا اليهود وحدهم إلى ستة ملايين إنسان، بسبب موجات العداء للسامية، أو لليهود الساميين على نحو خاص، فأن حكومات إسرائيل المتعاقبة تمارس شتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والقتل المتعمد في السجون وفي الشوارع ضد المواطنين الفلسطينيين العرب من مسلمين ومسيحيين، إضافة إلى العقوبات الجماعية مثل تهديم البيوت على رؤوس ساكنيها ورميها بالصواريخ والقنابل وما إلى ذلك من أسلحة محرمة دولية. ولا شك في أن العمليات الانتحارية التي يقوم بها الشباب الفلسطيني بتنظيم ودفع ودعم من منظمات وأحزاب الإسلام السياسي المتطرفة التي تؤدي إلى قتل وجرح عدد كبير من اليهود، إضافة إلى الشباب المنتحرين. وتؤدي بدورها إلى سلسلة من العمليات الانتقامية على طريقة العين بالعين والسن بالسن.
وقدمت جمهورية جنوب أفريقيا نموذجاً مماثلاً في القسوة والإرهاب والقمع ضد سكان البلاد الأصليين من جانب السكان الأوروبيين البيض النازحين إلى أفريقيا. فكانت أساليب الاعتقال والتعذيب والقتل والقمع الذائب هي الأساليب المميزة لفرض التمييز العنصري في الجمهورية وضمان استمرار الاستغلال وتحقيق أقصى الأرباح.
ويمكن أن نتعرف على ما يماثل ذلك في عدد كبير جدا من بلدان العالم. فالعمليات الإرهابية الأخيرة التي قامت بها مجموعة إرهابية "عربية مسلمة" ضالة ضد بنايات المركز التجاري الدولي في نيويورك وضد البنتاغون في واشنطن يؤكد على أن الحقد والكراهية وما ينجم عنهما غير محصور ببلد وشعب بعينه بل يمكن أن نجده في بلدان وبين أوساط كثيرة.
وإزاء هذا الواقع يدرك الإنسان بشكل منطقي وعلمي بأن العنف وأساليب التعذيب أو القسوة وارتكاب الجريمة وعدوانية التصرف لا ترتبط بجينات الفرد وليست هي وراثية، كما يحاول التحليل المبسط و "العلمي المبتذل"، أن يؤكده لنا، بل هي عادات وسلوكيات مكتسبة في المجتمع ومن المجتمع ذاته وعبر أجيال متتابعة ومرتبطة بطبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة. وليس من شك في أن أمراضاً يمكن أن تصيب الإنسان تقوده إلى ممارسة القسوة، ومنها السادية وجنون العظمة والنرجسية التي أن اجتمعت عند إنسان معين، كما كانت لدى هتلر وموسوليني وستالين وصدام حسين وأسامة بن لادن والبغدادي والمالكي وغيرهم تحولهم إلى مجرمين من طراز خاص وعتاة لا يمكن للبشرية أن تتحملهم.
الهوامش والمصادر

Washburn، S. L. & Avis، V., Evolution in Human Behavior and Evolution, In: From, Erich،Aggressionstheorie, Dritte Teil, Die verschiedenen Arten der Aggression und Destruktivitaet und ihre jeweiligen Voraussetyungen, Band VII, Deutsche Taschenbuch Verlag, Muenchen. 1. Auflage, 1989, S. 116.
المصدر السابق نفسه. ص 116.
المصدر السابق نفسه. ص 116.
Fromm، Erich,Gesamtausgabe, Aggressionstheorie , Dritte Teil, Die verschiedenen Arten der Aggression und Destruktivitaet und ihre jeweiligen Voraussetyungen, Band VII, Deutsche Taschenbuch Verlag, Muenchen. 1. Auflage, 1989, S. 166.
المصدر السابق نفسه، ص 166.
المصدر السابق نفسه، ص 145.
علي الوردي، د.، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد-1974، الجزء الأول، ص 3.
المصدر السابق نفسه.
علي الوردي، د. مهزلة العقل البشري، الطبعة الثانية، دار كوفان، لندن 1994، ص 71.
المصدر السابق نفسه، ص 71، نقلاً عن: عباس محمود العقاد، عبقرية الإمام علي، ص 191.
علي الوردي، د.، شخصية الفرد العراقي. منشورات دار ليلى - لندن. 2001. ص 34/35.
علي الوردي، د.، مصدر سابق، ص 46.
المصدر السابق نفسه، ص 52.
المصدر السابق نفسه، ص 50/51..
المصدر السابق نفسه، ص 51.
سيد محمود القمني، الأسطورة والتراث، سينا للنشر، القاهرة، ط 2، 1993، ص 77.
ملاحظة: من المهم والممتع حقاً الاطلاع على البحث العلمي الذي صدر في كتاب الدكتور فالح مهدي الموسوم "البحث عن جذور الإله الواحد" في نقد الإيديولوجية الدينية"، وما يضمه بين دفتيه من معلومات وتحليل علمي لظاهرة الدين والآلهة والإله الواحد، وما اقترن بذلك من ظاهر الطاعة والإيمان وغيرها لدى الفرد والمجتمع. والكتاب صادر عن دار العودة ببيروت في العام 2017. ك. حبيب
ل. ديلا بورت، بلاد ما بين النهرين، ترجمة محرم كمال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الألف كتاب الثاني، 283، ط 2، القاهرة 1997،
ص 163.
المصدر السابق نفسه، ص 164.
المصدر السابق نفسه. ص 164.
راجع: الكتاب المقدس - العهد القديم، سفر التكوين، الفصل / الإصحاح العاشر. تشير بعض الدراسات الأوروبية إلى ما يلي:
يتحدر الأوروبيون البيض، وهم من الجنس الآري من يافيت (Japhet) في حين يتحدر العرب واليهود وبقية الآسيويين من سام (Sem)، الذين يشكلون معا الجنس السامي؛ أما الأفارقة فيتحدرون من حام ((Ham. وإن أبناء وأحفاد سام وحام يعتبرون من المغضوب عليهم الذين حكم عليهم بخدمة أبناء وأحفاد يافيت حتى الأزل، باعتبارهم سادة وبسبب نقاوة دمهم وكونهم لم يرتكبوا خطايا أو ذنوب، في حين اعتبرت دماء أبناء سام وحام ملوثة وغير نقية، علما بأن هؤلاء الأخوة، إضافة إلى الأخ الرابع جانيثون (Ganithon) هم جميعا، وفق تلك الأساطير، من أبناء آب واحد هو نوح ((Noah المنحدر من آدم وحواء. وكان الحكم على أبناء وأحفاد كنعان بالعبودية الأبدية، وأن يكونوا عبيدا للعبيد، كما جاء في ميثولوجيا الديانة اليهودية والمسيحية. راجع في هذا الصدد:
Poliakow, Leom, Der arische Mythos. 1. Auflage. Junius Verlag. Hamburg. 1993. S. 22.
هنتنكتون، صموئيل. صدام الحضارات. إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعت الشايب. الكتاب صدر في عام 1996 وترجم في عام 1998 سطور. القاهرة. 1998.

Natrop، Klaus. Frankfurter Allgemeine Zeitung (FAZ)، vom 6.2.1988. Zitiert aus dem Buch “Extremismus und Fremdenfeindlichkeit”. Herausgeber: Bundesminister des Innern. Bonn. 1992. Bd. 1.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,046,919,657
- الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في ا ...
- أينما تمتد الأصابع الإيرانية تشتعل نيران الكراهية ويرتفع دخا ...
- المأساة والمهزلة في عراق اليوم! [العراق بين جحيمي الهيمنة ال ...
- عن أي وحدة يتحدث رئيس الوزراء العراقي؟
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- للكاتب يح ...
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- للكاتب يح ...
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- للكاتب يح ...
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- (3-5) مطا ...
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- للكاتب يح ...
- قراءة حزينة وممتعة في كتاب -مطارد بين ... والحدود- للكاتب وا ...
- إلى أين يسير النظام السياسي الطائفي الفاشل والكارثي؟
- رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره (4 - ...
- رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره (3 - ...
- سكان عفرين السورية ضحايا ارهاب الدولة التركية والصراع الإقلي ...
- رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره (2 - ...
- رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره (1 - ...
- نقاش هادئ وشفاف مع الزميل البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح
- لماذا ولمصلحة من يراد تكريس النظام السياسي الطائفي عبر الانت ...
- العالم يسخر من مهازل ترامپ، وترامپ يسخر من مهازل الحكام العر ...
- مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق ( 4 - ...


المزيد.....




- وزير خارجية تركيا يتحدث أمام البرلمان عن -سياسات- السعودية و ...
- ماي تعلن تأييد بريطانيا مسودة اتفاق بريكسيت
- أفيخاي أدرعي ينشر فيديو لعادل إمام: -أصدق رسائله لشعب غزة-
- وزير خارجية تركيا يتحدث عن -سياسات- السعودية والإمارات في ال ...
- وكالة: محكمة تركية تسجن ألمانية أكثر من 6 سنوات بتهم الإرهاب ...
- آلاف يهربون بعد هجوم طالبان على منطقتين في أفغانستان
- حكومة ماي تدعم مسودة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي
- بروكسل: الموافقة على مسودة الانسحاب خطوة حاسمة لتحقيق " ...
- الحكومة البريطانية تدعم مشروع اتفاق الخروج من الاتحاد الأورو ...
- وكالة: محكمة تركية تسجن ألمانية أكثر من 6 سنوات بتهم الإرهاب ...


المزيد.....

- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - الأسس المادية لظواهر لاستبداد والقسوة والتعذيب والتمييز في المجتمع العراقي (الحلقة الثانية)