أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - مالك ابوعليا - كيف نشأت الحياة؟















المزيد.....



كيف نشأت الحياة؟


مالك ابوعليا

الحوار المتمدن-العدد: 5775 - 2018 / 2 / 2 - 15:45
المحور: الطب , والعلوم
    


من كتاب الفلسفة الماركسية والعلم الحديث Reason in Revolt, Marxist Philosophy And Modern Science
لـ الان وودز Alan Woods، و تيد غرانت Ted Grant
1995
ترجمة من صفحة 182-197

كيف نشأت الحياة
"ما لانعرفه اليوم، سوف نعرفه غداً) هذه المقولة الموجودة في استنتاجات الورقة العلمية (origin of life) التي كتبها البيوكيميائي السوفييتي الكسندر اوبارين سنة 1924. لقد كان هذا البحث، تقصياً حديثاً لهذا الموضوع لأول مرة، وفتح صفحةً جديدةً في فهم الحياة. لم يكن صدفةً ان يكون اوبارين المادي الدياليكتيكي هو الذي قاربالموضوع من وجهة نظر اصيلة. باتت هذه بدايةً جريئة في ايام صعود البيوكيمياء والبيولوجيا الجزيئية، تم دعمها بشكل مستقل سنة 1929 بمساهمة البيولوجي البريطاني هالدين-وهو مادي كذلك- لقد انتج هذا العمل فرضية اوبارين-هالدين التي يستند فهم اصول الحياة عليها. يكتب اسيموف: "لأول مرة تم التعامل بالتفاصيل مع مسائل اصل الحياة من مواقع مادية، وبما أن الوازع الديني لا يثبط الاتحاد السوفييتي كما يتم في الدول الغربية،فان هذا لن يكون مفاجئاً".6
كان اوبارين يعلن دائماً عن أن الفضل في اكتشافه يعود الى فريدريك انجلز، ولم يكتم توجهه الفلسفي. يكتب اوبارين: "ان هذه المشكلة (اصل الحياة) كانت دائماً، على كل حال، مركزاً للصراعات الفكرية بين المادية والمثالية"... "هناك افاق جديدة تنتفتح امامنا اذا قاربنا حل المسألة دياليكتيكياً بدلاً من الطريقة الميتافيزيقية، على اساس دراسة التغيرات المستمرة في المادة والتي تقود الى ظهور الحياة. لا تظل المادة ثابتة،بل تتغير وتتطور باستمرار، وتغير شكلها وحركتها خلال ذلك التطور الى شكل اكثر تعقيداً وانسجاماً مما كانت عليه من قبل. تظهر الحياة بالتالي كشكل محدد معقد من حركة المادة، ناهضةً كخاصية جديدة في مرحلة محددة من التطور العام للمادة. اشار انجلز في نهاية القرن التاسع عشر أن دراسة تاريخ تطور المادة هو أكثر طريقة مأمولة للوصول الى حل مشكلة اصل الحياة. ان افكار انجلز هذه، لم تكن على اية حال، تعكس مدىً كافياً للأفكار العلمية لعصره".
لقد كان فريدريك انجلز محقاً عندما وصف الحياة كنمط لحركة البروتينات، ويمكن اليوم أن نضيف أن الحياة هي وظيفة لردات الفعل المتبادلة للأحماض الأمينية والبروتينات. كما شرح اوبارين "استخدم انجلز في العادة، كما فعل بيولوجيي عصره، مفاهيم (البروتوبلازم)، (الأجسام الألبومينية)، (البروتينات)، وهذه، لا يجب أن نعرفها بأنها تلك المواد المحددة التي استطعنا تدريجياً عزلها عن الأشياء الحية، ولا بخلطات البروتين النقي المجهزة. كان انجلز متقدم عن افكار عصره حول البروتين بشكل ملحوظ، حيث أنه كان يشير الى الجانب الكيميائي للمادة، وأكد اهمية البروتينات في عملية الأيض، كشكل من الحركة يميز المادة. الان فقط، بدأنا نقدر قيمة ملحوظات انجلز العلمية. مكننا التقدم في كيمياء البروتين الذي بدأ حالياً من تمييز البروتينات كمركبات كيميائية فردية، كما ان البوليمرات من الأحماض الأمينية لها هياكل محددة للغاية 7. يقدم العالم البريطاني جون برنال بديلاً لتعريف انجلز للحياة بأنها شكل جزئي متفاعل وذاتي التحقيق- مستمر تقدمي متعدد ومشروط- لامكانيات وضعية الكترون الذرة8. على الرغم من ان فرضية اوبارين-هالدين قد وضعت الأساس لدراسة اصول نشوء الحياة كفرع علمي، فانه من الأصح ان ننسبها الى الثورة في علم الأحياء في منتصف القرن العشرين. النظريات المتعلقة بمنشأ الحياة تأملية الى حد كبير، لا يوجد هناك اثار في السجل الاحفوري، نحن هنا نتعامل مع ابسط اشكال الحياة بدائيةً يمكن ان نتخيله، اشكال انتقالية تختلف تماماً عن اشكال الحياة التي نعرفها اليوم، وهي مع ذلك تمثل قفزة حاسمة من المادة غير العضوية الى المادة العضوية. وربما، من الأصح أن نقول، كما يورد جون برنال، ليس اصل الحياة، بل اصل سيرورة الحياة. يوضح انجلز ان الثورة الداروينية-ادت الى تقليص الفجوة بين الطبيعة غير العضوية والعضوية الى ادنى حد، ولكنها ازالت واحدة من اهم الصعوبات التي كانت تقف في طريق نظرية اسلاف العضويات. كان المفهوم الجديد للطبيعة كاملاً في معالمه الرئيسية، تبدد الثبات فيه، وكل الخصوصية التي كانت تعتبر ابديةً اصبحت عابرة، ظهرت الطبيعة وكأنها تتحرك في تدفق ابدي وسياق دوري9. وقد ساعدت الاكتشافات العلمية على تقوية هذا المذهب الثوري. وخلص اوبارين الى ان الغلاف الجوي الأصلي للأرض يختلف اختلافاً جذرياً عن جو اليوم. واقترح ان طابع الغلاف الجوي كان يختزل ولا يتأكسد. اقترح اوبارين ان المواد العضوية التي تعتمد على الحياة تتشكل بطريقة عفوية في مثل هذا الجو تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية من الشمس، وقد تم التوصل الى استنتاجات مماثلة بشكل مستقل من قبل هالدين.
"ربما كانت الشمس اكثر سطوعاً من الان، وبما انه لم يكن هناك اكسجين في الغلاف الجوي، فلا يتم ايقاف الاشعة فوق البنفسجية النشطة كيميائياً من قبل الأوزون (شكل معدل من الاكسجين) في طبقات الجو العليا، ومن قبل الأكسجين نفسه في الطبقات الدنيا. تغلغلت هذه الأشعة الى سطح الأرض والبحر، او الى الغيوم على الأقل. الان، عندما تتفاعل الأشعة فوق البنفسجية مع مزيج من الماء واكسيد الكربون والأمونيا، يتكون تنوع واسع من المواد العضوية بما في ذلك السكريات وعلى ما يبدو بعض المواد التي يتكون البروتين منها" 10.
اشار فريدريك انجلز الى الاتجاه الصحيح في شكل اكثر عموميةً قبل 50 عام من ذلك: " اذا تعادلت درجة الحرارة بكميات معينة على السطح بحيث لا تتجاوز الحدود التي تسمح في اطارها للبروتين بأن يكون قادراً على الحياة، ثم اذا كانت الظروف الكيميائية الأخرى مواتية، يتشكل حينها بروتوبلازم حي". وأكمل قائلاً: "لقد مرت الاف السنين قبل ان تنشأ الظروف التي تتيح للتقدم اللاحق ان يحدث، وينشئ هذا البروتين عديم الشكل اول خلية النواة وغشاءها. ولكن هذه الخلية الأولى وفرت ايضاً الأساس للتطور المورفولوجي للعالم العضوي كله، انها اول ما نشأ كما يمكن الافتراض من سجل المستحاثات، حيث الكائنات التي لا تحصى من البدائيات الخلوية واللاخلوية".11 وكما تجاهل المجتمع العلمي أفكار انجلز في ذلك الوقت، فقط تم تجاهل افكار اوبارين وهالدين ايضاً. في الاونة الأخيرة فقط حصلت هذه النظريات على الاعتراف التي تستحقه. يكتب ريتشارد ديكرسون : "ظهرت افكار هالدين في الدوريات العقلانية سنة 1929، ولم تثر اي رد فعل تقريباً. وأحدثت افكار اوبارين المشابهة حول اصل الحياة التي نشرت في دراسة صغيرة قبل هالدين بخمسة سنوات تأثيراً ضئيلاً. كان علماء البيوكيمياء الأرثوذكسيين مقتنعين جداً بأن لويس باستور قد دحض فكرة التوالد التلقائي مرةً واحدةً والى الأبد. لقد فشلوا في تقدير أن هالدين وأوبارين يقترحان شيئاً خاصاً جداً: ليس أن الحياة تتطور من المادة غير الحية اليوم (النظرية الكلاسيكية للتواد التلقائي التي لم يكن يمكن الدفاع عنها بعد باستور)، بل أن الحياة تطورت من المادة غير الحية في ظل الظروف السائدة على الأرض وفي غياب المنافسة من الكائنات العضوية الأخرى." 12

كيف نشأت الحياة؟
لا يوجد موضوع مروع مثل هذا، الذي يسأل كيف تنهض الكائنات التي تعيش، تشعر وتفكر من المادة غير الحية. لقد شغل هذا اللغز العقل البشري منذ وقت طويل، وقد تم الرد عليه بطرق مختلفة. يمكننا ان نحدد عموماً 3 اتجاهات:
النظرية الأولى: ، خلق الله كل الحياة بما في ذلك البشر.
النظرية الثانية: نشأت الحياة من المادة غير العضوية عن طريق التوالد العفوي، كما الديدان من اللحم المتحلل، او الخنفساء من كوم الروث (ارسطو).
النظرية الثالثة: جائت الحياة من الفضاء الخارجي في نيزك وسقطت على الأرض وتطورت.
هذا التحول من من غير العضوي الى العضوي هي رؤية حديثة نسبياً. في المقابل، فان نظرية التوالد العفوي-أن الحياة نشأت من لا شيء-لها تاريخ طويل، مصر القديمة، الصين، الهند وبابل، وهي موجودة في كتابات الاغريق القدماء، يقول اوبارين: "هنا تنشأ الديدان من الروث واللحوم المتعفنة، ويتشكل القمل بنفسه من عرق الانسان، وتولد اليراعات المضيئة من شرر محرقة الجنازة، وأخيراً تنشأ الضفادع والفئران من الندى ورطوبة الأرض" 13 وكان معظم هذا يتشابك مع الأساطير الدينية والخرافات. وعلى العكس من ذلك، كانت مقاربة الماديين اليونانيين مادية بطابعها. دمجت وجهة نظر افلاطون المثالية (التي عبر عنها ارسطو ايضاً) التوالد العفوي مع القوى خارقة الطبيعة وشكلت لاحقاً الثقافة القروسطية وهيمنت لقرون على عقول الناس. لا تحتوي المادة على الحياة، وانما الحياة مغروسة فيها. طورت الكنيسة في وقت مبكر تصورها الغامض عن اصل الحياة بمساندة المدارس الفلسفية اليونانية والرومانية. رأى القديس اوغسطينوس في التوالد العفوي مظهراً للارادة الالهية- الصورة المتحركة للمادة الخاملة-عن طريق الروح الخالقة. وكما يشير فلاديمير لينين فقد استحوذ السكولائيين ورجال الدين على على ما هو ميت في ارسطو وليس على ما هو حي. طور توما الاكويني وجهة النظر هذه وفقاً لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية. ويتبنى وجهة نظر مماثلة في الكنائس الشرقية. أوضح الأسقف ديمتري روستوف سنة 1708 أن نوح لم يأخذ في سفينته تلك الحيوانات القادرة على أن تتولد تلقائياً: "لقد لقت كل تلك الحيوانات حتفها في الفيضان، ونشأوا بعده من جديد". كان هذا هو الاعتقاد السائد في المجتمعات الغربية حتى منتصف القرن التاسع عشر. لقد بين توماس هكسلي في محاضرة ادنبره في عام 1868 أن للحياة اساس مادي مشترك واحد: البروتوبلازم، وأكد أن البروتوبلازم يعمل وظيفياً وشكلياً ومضمونياً في كل مجموعة الكائنات الحية. فوظيفياً تظهر كل العضويات الحركة والتطور والأيض والتكاثر، اما شكلياً فهي تتكون من خلايا نووية، ومن حيث الموضمون فهي تتكون كلها من البروتينات وهو مركب كيميائي من الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين، ويكشف هذا وحدة الحياة. فند العالم الفرنسي لويس باستور، والد علم الأحياء الدقيقة، في سلسلة من التجارب في النهاية مصداقية نظرية التوالد التلقائي "الحياة يمكن أن تأتي فقط من الحياة" كما يقول. لقد وجهت اكتشافات باستور ضربات ساحقة للمفهوم الأرثذوكسي للتوالد العفوي. ان الانتصار الاضافي لنظرية داروين للتطور أجبر الحيويين (Vitalists) على النظر الى الحياة بطريقة جديدة.
في بداية عام 1907، قدم الكيميائي السويدي سفينت ارهينيوس في كتاب يسمى (العوالم في النشوء)، نظرية بانسيرميا، التي خلصت الى انه اذا كانت الحياة لا يمكن ان تحدث بشكل عفوي على الأرض، فيجب ان تكون قد اتت من الكواكب الأخرى، ثم وصف الجراثيم التي تسافر عبر الفضاء كبذور للحياة تدخل غلافنا الجوي وتحترق كما يحدث مع النيازك. ولمواجهة هذه الانتقادات جادل ارهينيوس بأن الحياة أبدية وليس لها اصل، لكن الأدلة تتناقض مع نظريته. وقد تبين أن وجود الأشعة فوق البنفسجية في الفضاء من شأنه أن يدمر اي بكتيريا بسرعة. على سبيل المثال، تم اختيار عضويات دقيقة معروفة بقدرتها العالية على التحمل ووضعها على كبسولة الفضاء في رحلة جيميني -9 الأمريكية سنة 1966، وعرضت للاشعاع الفضائي، صمدت بذلك ستة ساعات. في الاونة الأخيرة، يعتقد فريد اويل أن الحياة أتت الى الأرض على ذيول المذنبات، وتم تجديد هذه الفكرة من قبل فرانسيس كريك وليزلي اورجيل الذين اقترحوا ان الأرض قد بذرت بالحياة الذكية من قبل الفضاء الخارجي! ولكن هذه النظرية لا تحل شيئاً. وحتى لو قبلنا أن الحياة قد وصلت الى الأرض من كوكب اخر، فان ذلك لا يجيب على السؤال المتعلق بكيفية نشوء الحياة، بل سندور في دائرة افتراضية اخرى يعيدنا الى الكوكب الأصلي المفترض.
ليس من الضروري أن نسافر الى الفضاء الخارجي لكي نحصل على تفسير عقلاني لأصل الحياة. يمكن العثور على اصول الحياة في العمليات الطبيعية على كوكبنا على مدى ثلاثة ونصف مليار سنة مضت في ظل ظروف خاصة جداً. ولم يعد من الممكن تكرار هذه العملية، لأن اي كائن سابق من هذا القبيل سيكون تحت رحمة اشكال الحياة القائمة التي من شأنها ان تجعل وجوده قصيراً. يمكن لهذه الكائنات أن تنشأ على كوكب حيث لا توجد حياة، وأيضاً عندما كان هناك القليل من الأكسجين بما أن الأكسجين سوف يتحد مع المواد الكيميائية اللازمة لتشكل الحياة. كان الغلاف الجوي للأرض انذاك يتكون اساساً من الميثان والأمونيا وبخار الماء، وقد اظهرت التجارب في المختبرات أن خليط من الماء والأمونيا والميثان والهيدروجين يخضع للاشعاع فوق البنفسجي ينتج اثنين من الأحماض الأمينية البسيطة ويتبعها ما هو اكثر تعقيداً. في أواخر الستينيات وجد ان الجزيئات المعقدة موجودة في الغيوم الغازية في الفضاء. ولذلك فمن الممكن حتى في مرحلة مبكرة جداً من تكون الأرض أن تكون عناصر نشوء الحياة، أو شبه الحياة موجودة بالفعل في شكل احماض امينية. وقد اثبتت التجارب الحديثة أكثر من اي شك في أن البروتينات والأحماض النووية التي هي اساس كل الحياة يمكن أن تنشأ عن التغيرات الكيميائية والفيزيائية الطبيعية التي تحدث في الحساء البدائي Primordial Soup.
وفقاً لبرنال، وحدة الحياة هي جزء من تاريها، وتشارك بالتالي في اصلها. وتولد جميع الظواهر البيولوجية وتتطور وتموت وفقاً للقوانين المادية. وقد اثبتت البيوكيماء أن كل الحياة على الأرض هي نفسها على المستوى الكيميائي. على الرغم من التبائن الهائل بين الأنواع فان الالية الأساسية للأنزيمات والأنزيمات المساعدة والأحماض النووية تظهر في كل الكائنات.

الولادة الثورية للحياة
قد اصبح واضحاً الان أن الأرض في مراحلها الأولى لم تعمل بنفس الطريقة التي تعمل بها اليوم. تطور تكوين الغلاف الجوي والمناخ والحياة نفسها من خلال عملية من التغييرات المتشنجة، انطوت على قفزات مفاجئة وجميع انواع التحولات، بما في ذلك التراجعات. ووبعيداً عن كونه خطاً مستقيماً، فان تطور الأرض والحياة نفسها مليء بالتناقضات. استمرت الفترة الأولى من تاريخ الأرض والمعروفة باسم (الدهر السحيق) Archaean Epoch استمرت حتى 1.8 مليار سنة مضت. في البداية كان الجو يتألف اساسصاً من ثاني اكسيد الكربون والأمونيا والماء والنيتروجين، ولكن لم يكن هناك اكسجين حر. كانت الأرض بلا حياة قبل تلك النقطة، فكيف نشأت الحياة؟ كما رأينا، اعتقد الجيولوجيين، حتى بداية القرن العشرين، ان للأرض تاريخاً محدوداً جداً، ولم يتضح ان الكوكب له تاريخ اقدم من ذلك بكثير الا تدريجياً، وعلاوةً على ذلك فقد اتسم هذا التاريخ بتغير مستمر، وكارثي احياناً. ونرى ظاهرة مماثلة فيما يتعلق بالعمر المفترض للنظام الشمسي الذي اتضح انه اقدم بكثير مما كان يعتقد سابقاً. ويكفي ان نقول أن التقدم التكنولوجي بعد الحرب العالمية الثانية وخاصةً اكتشاف الساعات النووية Nuclear Clocks التي امنت الأساس لقياسات ادق اعطت قفزةً عملاقة للأمام في فهمنا لتطور كوكبنا. واليوم يمكننا ان نقول أن الأرض اصبحت كوكباً صلباً منذ اكثر من 4.5 مليار سنة مضت. يبدو هذا بالنسبة للوعي اليومي فترةً طويلةً لا يمكن تصورها. ومع ذلك، عند التعامل مع الزمن الجيولوجي، ندخل في نظام مختلف تماماً من المقادير. اعتاد اليجولوجيين على التعامل مع الملايين ومليارات السنين مثلما نفكر نحن في الساعات والأيام والأسابيع. اصبح من الضروري خلق نظام زمني مختلف قادر على استيعاب هذه الفترات الزمنية. ان المرحلة (المبكرة) من تاريخ الأرض تمثل فترةً متوترة من 88% من اجمالي تاريخ الكوكب. وبالمقارنة مع ذلك، فان تاريخ البشرية بأكملها حتى الان ليس اكثر من لحظة عابرة. ولسوء الحظ، فان قلة الأدلة تمنعنا من الحصول على صورة اكثر تفصيلاً عن عملياتها.
من الضروري لفهم اصل الحياة معرفة تكوين البيئة المبكرة للأرض والغلاف الجوي. وبالنظر الى السيناريو المحتمل الذي يقول بأن الأرض تشكل من سحابة من الغبار، فان تكوينه سيكون من الهيدروجين والهيليوم الى حد كبير. تحتوي الأرض اليوم على كميات كبيرة من العناصر الأثقل مثل الأكسجين والحديد، في الواقع انه يحتوي على ما يقرب من 80% من النيتروجين وحوالي 20% من الأكسجين. والسبب في ذلك هو أن الهيدروجين والهيليوم هربا من الغلاف الجوي للأرض لأن قوة الجاذبية كانت غير كافية لتثبيتها. تحتفظ الكواكب الأكبر بجاذبيتها الأكبر مثل المشتري وزحل على اجواء كثيفة من الهيدروجين والهيليوم. وعلى النقيض من ذلك فقد القمر الأصغر بكثير بجاذبيته الضئيلة كل جوه.
لقد احتوت الغازات البركانية التي شكلت الجو البدائي على المياة، جنباً الى جنب مع الميثان والأمونيا. نحن نفترض أن هذه الغازات تط اطلاقها من داخل الأرض، ادى هذا الى تشبع الجو وانتاج المطر. بدأت البحيرات والبحار بالتشكل مع التبريد التدريجي لسطح الأرض. ويعتقد ان هذه البحار تمثل الحساء ما قبل البيولوجي (ما قبل الحياة) حيث تولفت العناصر الكيميائية الموجودة تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية من الشمس لانتاج المركبات العضوية النيتروجينية المعقدة، مثل الأحماض الأمينية. هذا التأثير من الأشعة فوق البنفسجية كان ممكناً بسبب غياب الأوزون في الغلاف الجوي. ويشكل هذا اساس فرضية اوبارين-هالدين.
تنتظم جميع الكائنات من الخلايا، باستثناء الفيروسات، وحتى ابسط خلية هي ظاهرة معقدة للغاية. تقول النظرية النموذجية أن الحرارة من الأرض نفسها كانت كافية لتشكيل مركبات معقدة من تلك الأبسط. كانت اشكال الحياة المبكرة قادرة على تخزين الطاقة المستمدة من الأشعة فوق البنفسجية من الشمس. ومع ذلك فان التغيرات في تكوين الغلاف الجوي قد قطعت امدادات الأشعة فوق البنفسجية. وكانت بعض المجاميع التي طورت المادة المعروفة باسم الكلوروفيل قادرة على الاستفادة من الضوء المرئي الذي اخترق طبقة الأوزون التي منعت الأشعة فوق البنفسجية من المرور. هذه الطحالب البدائية تستهلك ثاني اكسيد الكربون وتنتج الأكسجين مما يؤدي الى خلق الجوي الحالي. يمكننا ملاحظة الترابط الدياليكتيكي بين الغلاف الجوي والنشاط الحيوي طوال فترة الزمن الجيولوجي. من ناحية، فان معظم الأكسجين الحر في الغلاف الجوي نتج عن النشاط البيولوجي (من خلال عملية التمثيل الضوئي في النباتات). ومن ناحية اخرى، أدجت التغيرات في تكوين الغلاف الجوي، لا سيما في زيادة كمية الأكسجين الجزيئيب الموجود، الى ابتكارات بيولوجية رئيسية مكنت من ظهور اشكال جديدة من الحياة وتنوعها.
كيف نشأت الخلية الحية الأولى من الحساء البدائي والجزيئات البسيطة الأخرى قبل حوالي اربعة مليارات سنة؟
ان النظرية النموذجية كما عبر عنها الكيميائي هارولد اوري سنة 1953 الحائز على جائزة نوبل وطالبه ستانلي ميلر، تقول بأن الحياة نشأت بشكل عفوي في جو مبكر من الميثان والأمونيا والمواد الكيميائية الأخرى التي تم تنشيطها بواسطة البرق. ومن شأن تفاعلات كيميائية أخرى أن تسمح للمركبات البسيطة للحياة ان تتطور الى جزيئات متزايدة في التعقيد تنتج في نهاية المطاف اللولب المزدوج DNA الحمض النووي، أو الحمض الريبي الوحيد RNA وكلاهما يمتلكان فاعلية التكاثر Reproduction. الاحتمالات ضد هذه تحدث بالصدفة، وهذا مذهل حقاً كما يحب الخلقييون ان يشيروا دائماً. اذا كان اصل الحياة حدث عشوائي حقاً فان الخلقيين سيكون لديهم موقف قوي، سيكون حقاً معجزة!. تعتمد البنية الأساسية للحياة والنشاط بشكل عام على جزيئات معقدة للغاية ومتطورة-الحمض النووي والحمض النووي الريبي. من أجل تهيئة جزيء بروتين واحد سيكون من الضروري جمع عدة مئات من لبنات الأحماض الأمينية في ترتيب دقيق، هذه مهمة هائلة حتى في المختبر مع أحدث المعدات.
تم تناول هذا السؤال في الاونة الأخيرة من وجهة نظر التعقيد، وهي فرع من نظرية الفوضى. وقد اثار ستيوارت كوفمان في دراسته لعلم الوراثة والتعقيد امكانية نشوء نوع من الحياة نتيجةً للظهور التلقائي للنظام من الفوضى الجزيئية من خلال العمل الطبيعي لقوانين الفيزياء والكيمياء. اذا كان الحساء البدائي غني بالأحماض الأمينية بما فيه الكفاية سيكون حينها من الضروري انتظار التفاعلات العشوائية. يمكن لشبكة من تفاعلات متماسكة ومعززة ذاتياً ان تتشكل من المركبات في الحساء.
ومن خلال المحفزات يمكن للجزيئات المختلفة ان تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل ما يدعوه كوفمان- مجموعة التحفيز الذاتي Autocatalytic set. بهذه الطريقة فان النظام الناشئ عن الفوضى الجزيئية سيظهر نفسه كنظام ينمو. هذه ليست الحياة التي تعرفها اليوم، ليس لها DNA او شيفرة وراثية، ولا غشاء خلوي، ومع ذلك فانه ستظهر بعض الخصائص النابضة بالحياة، فيمكنها ان تنمو، ويمكنها ان تمتلك نوعاً من التمثيل الغذائي، اي تمتص امدادات ثابتة من جزيئات (الطعام) في شكل احماض امينية وغيرها من المركبات البسيطة مضيفةً اياها الى نفسها. بل سيكون لها نوع بدائي من التكاثر، فتنتشر على نطاق أوسع. هذه الفكرة، التي تمثل نقلةً نوعية او (انتقال مرحلي) في لغة التعقيد، تعني ان الحياة لم تنشأ كحدث عشوائي، ولكن نتيجةً للاتجاه المتأصل في الطبيعة نحو التنظيم.
لقد كانت العضويات الأولى كائنات قادرة على استيعاب الطاقة التي راكمتها الخلايا النباتية. ان الجو المتغير، واختفاء الأشعة فوق البنفسجية وعدم جود اشكال الحياة القائمة، يستبعد خلق حياة جديدة في الوقت الحاضر، ما لم يتحقق ذلك بوسائل اصطناعية في ظروف مختبرية. وفي غياب اي منافسين او مفترسات في المحيطات كان من الممكن ان تنتشر المركبات الأولى بسرعة. في مرحلة معينة، سيكون هناك نقلة نوعية مع تشكل جزيء الحمض النووي القادر على استنساخ نفسه: كائن حي. وبهذه الطريقة، تنشأ المادة العضوية من المادة غير العضوية. الحياة نفسها هي نتاج المواد غير العضوية المنظمة بطريقة معينة. تدريجياً، وعلى مدى فترة طويلة من ملايين السنين سوف تبدأ الطفرة Mutation (التغير في المعلومات الوراثية-المترجم) بالظهور، مما يؤدي الى نشوء اشكال جديدة من الحياة في نهاية المطاف.
واحدة من العقبات الرئيسية التي كانت تحول دون تطور الحياة كما نعرفها هو عدم وجود طبقة أوزون في طبقات الجو العليا في زمن الدهر السحيق Archaean، وقد سمح هذا للاشعاع الكوني بما في ذلك الأشعة فوق البنفسجية بالتغلغل في الطبقات السطحية للمحيطات، التي تعطل جزيء الحمض النووي الحامل للحياة. كانت الكائنات البدائية الأولى-الخلايا بدائية النواة-وحيدة الخلية، افتقرت الى النواة وكانت غير قادرة على الانقسام. ومع ذلك كانت مقاومة نسبياً للاشعاع فوق البنفسجي، او تعتمد عليه وفقاً لاحدى النظريات. كانت هذه الكائنات هي الشكل السائد للحياة على الأرض لفترة تبلغ نحو 2.4 مليار سنة. تكاثرت الكائنات احادية الخلية بدائية النواة لاجنسياً من خلال البرعمة والانشطار. وبصفة عامة، ينتج التكاثر اللاجنسي نسخاً متطابقة ما لم تتطور طفرات معينة، وهي نادرة جداً، وهذا ما يفسر بطئ التغير التطوري في هذا الوقت. ومع ذلك، فان ظهور الخلية النووية (حقيقيات النوى) ادى الى امكانية زيادة التعقيد. يبدو من المرجح أن تطور حقيقيات النوى بدأ من مستعمرة من بدائيات النوى. على سبيل المثال، يمكن لبعض بدائيات النوى الحديثة أن تغزو وتعتاش كمكونات داخل خلايا حقيقيات النوى. تمتلك بعض عضيات حقيقيات النوى حمضها النووي الخاص بها والتي من الممكن ان تكون بقايا لوجودها المستقل. تمتلك الحياة نفسها سمات رئيسية بما في ذلك عملية الأيض (مجموع التغيرات الكيميائية التي تحدث في الكائن الحي)، والتكاثر. واذا قبلنا مبدأ استمرارية الطبيعة، فان ابسط كائن حي موجود اليوم يجب أن يكون قد تطور من عمليات ابسط فأبسط. وعلاوةً على ذلك، فان القواعد المادية للحياة هي الأكثر شيوعاً من جميع عناصر الكون : الهيدروجين والكربون والأكسجين والنيتروجين.
ينشأ الاكسجين الجزيئي وهو ناتج ثانوي للحياة عن عملية البناء الضوئي (حيث يتحول الضوء الى طاقة). "تنقسم الحياة التي لدينا اليوم في الواقع الى فئتين كبيرتين يعترف بهما البشر منذ وقت طويل، كائنات تنفس الأكسجين، وكائنات التمثيل الضوئي اي النباتات" كما يقول برنال. "يمكن للحيوانات ان تعيش في الظام ولكنها تحتاج الى الهواء للتنفس، اما الهواء الحر او الأكسجين الذائب في الماء. لا تحتاج النباتات الى الأكسجين، في الواقع انها تنتجه في ضوء الشمس، لكنها لا يمكن ان تعيش وتنمو لوقت طويل في الظلام. اذاً ايها جاء اولاً؟ أم ان بعض اشكال الحياة الأخرى تسبقهما؟ يبدو هذا البديل الان شبه مؤكد. دراسات مفصلة من تاريخ الحياة، والتشريح الخلوي الداخلي والتمثيل الغذائي للنباتات والحيوانات على حد سواء تظهر انهما متخصصين متباينين فيما يتعلق باعتماداتهما الغذائية من كائنات (حيوانية نباتية) Zoo-phye. ويمكن لهذه ان تكون مثل بعض البكتيريا الحاضرة التي تحمل وظائف الحيوانات والنباتات في الوقت نفسه، الأكسدة Oxidizing والتمثيل الضوئي" 14.

اشكال الحياة المبكرة
من الحقائق المذهلة ان كروموسومات كل العضويات الحية، من البكتيريا وحتى البشر متشابهة في التكوين. تتكون كل الجينات من نفس نوع المواد الكيميائية-بروتينات نووية Nucleoproteins. وينطبق هذا على الفيروسات، وهي ابسط الكائنات الحية التي تقف على تخوم المادة العضوية والمادة غير الحية. يسمح التركيب الكيميائي للبروتينات النووية للكيان الجزيئي باعادة انتاج نفسه، التكاثر، وهي السمة الأساسية للحياة سواءاً في الجينات او الفيروسات.
ويشير انجلز الى انه لا يمكن فهم تطور الحياة بدون جميع انواع الأشكال الانتقالية: "خطوط سريعة لا تتفق مع نظرية التطور، حتى الحد الفاصل بين الفقاريات واللافقاريات لم يعد جامداً، كما هو الحال قليلاً بين الأسماك والبرمائيات، في حين انه يتضائل الفرق بين الزواحف والطيور اكثر فأكثر. هناك حلقات وسيطة قليلة تصل بين كوسموغناثيس Compsognathus (ديناصور من الجنس الصغير عاش قبل 144 مليون سنة-المترجم) واركيوبتركس Archaeopteryx (طائر يعتبره العلم انتقالياً بين الديناصورات والطيور انقرض قبل 150 مليون سنة- المترجم)، فالمناقير بالأسنان تظهر لدى كليهما بشكل غير متوقع.
لا يمكن لمفهوم الفرد ان ينطبق على الحيوانات قليلة التطور اطلاقاً. ليس فقط اذا ما كان حيوان معين يعيش فردياً او في مستعمرة، ولكن ايضاً حيثما يتوقف تطور فرد واحد يبدأ تطور الفرد الاخر.
"في مرحلة معينة من النظرة الى الطبيعة عندما يتم دمج الحلقات الوسيطة بين الاختلافات الواضحة، وتتبادل المتضادات ادوارها عبر الحلقات الوسيطة، سوف يصير التفكير الميتافيزيقي القديم عندها غير كافياً. ان المنهجية الوحيدة للتفكير المناسبة لأعلى درجات هذه المرحلة هي الدياليكتيك التي لا تعرف حدوداً نهائيةً وثابتة، ولا تصالحاً غير مشروط بين الاختلافات الميتافيزيقية وتنظم دور المتناقضات وتضعها في المكان الصحيح" 15
ان الحدود الفاصلة بين المادة الحية والمادة غير الحية، بين النباتات والحيوانات، الزواحف والثديات، ليست واضحة بشكل جلي كما قد يفترض المرء. فالفيروسات على سبيل المثال، تشكل فئة لا يمكن ان يقال انها حياة كما نفهمها عموماً، ومع ذلك فهي تمتلك بعض خصائص الحياة بوضوح. يقول رالف بوشبوم: "تعد الفيروسات من بين اكبر البروتينات المعروفة، وتم اعداد عدد منها في شكل بلوري نقي. لم يكن اي منها قادر على البقاء على قيد الحياة حتى بعد المعالجة بالبلورة المتكررة، تستأنف الفيروسات انشطتها وتتضاعف عندما تعود الى ظروف مواتية. في حين لم ينجح احد في تنميتها في غياب المادة الحياة، الا انه من الواضح ان الفيروسات تسد الفجوة التي كان يعتقد في السابق انها موجودة بين الأشياء الحية وغير الحية. لم يعد يمكن القول ان هناك تمييزاً حاداً وغامضاً بين غير الحي والحي، ولكن يبدو ان هناك انتقال تدريجي في التعقيد بدلاً من ذلك.
"اذا كنا نتصور ان المواد البدائية ذاتية الانتشار كانت شيئاً مثل الفيروسات، فانه ليس من الصعب أن نفترض أن تجمع الفيروسات البروتينية يمكن ان يؤدي الى تطور بكتيريا عضوية اكبر، مستقلة، تخلق طعامها من المواد الأبسط وتستخدم الطاقة من الشمس.
"يمكن مقارنة مستوى التنظيم هذا مع الأشكال الحالية للبكتيريا المستقلة، يجري البعض منها التمثيل الضوئي بدون الكلوروفيل، مستخدمةً الأصباغ الخضراء أو الارجوانية بدلاً منه. يستخدم البعض الاخر الطاقة المستمدة من أكسدة شرائح بسيطة من النيتروجين والكبريت او الحديد. على سبيل المثال، يمكن لهذه البكتيريا أن تؤكسد الأمونيا الى النيترات أو كبريتيد الهيدروجين الى الكبريتات، مع اطلاق الطاقة التي تستخدم في تشكيل الكربوهيدرات" 16.
الفترة القصيرة نسبياً التي تفصل بين تشكل الأرض وتبرد قشرة سطحها، تعني أن ظهور الحياة وقعت في فترة قصيرة من الزمن بشكل مثير للدهشة. ويوضح ستيفن جولد بأن " الحياة بكل تعقيدها قد نشأت بأسرع وقت ممكن" 17. ان الأحافير الدقيقة التي يبلغ عمرها 3.5 مليار سنة، كما هو متوقع، هي خلايا بدائية النواة (ميثانوجين، بكتيريا، الطحالب الخضراء المزرقة) وهي تعتبر ابسط اشكال الحياة على الأرض، كان هناك تنوع حتى في ذلك الوقت. وهو ما يعني أن اسلافنا المشتركة قد ظهرت بين 3.5-3.8 مليار سنة، جنباً الى جنب مع اشكال اخرى انقرضت. كان الأكسجين الجزيئي قليل في الجو، هذا حتى ان وجد، فالعضويات التي وجدت في ذلك الوقت لم تكن بحاجة للأكسجين، كان حتى سيقتلها في الحقيقة. لقد نمت تلك العضويات بأكسدة الهيدروجين واختزال ثاني اكسيد الكربون الى الميثان، واقترح ان هذه العضويات كانت مماثلة للخلايا البيضية Eocyte cells التي تعيش في بيئة ساخنة جداً من الفتحات البركانية في المحيط، وتحصل على طاقتها لا من الأكسجين ولكن من خلال تحويل الكبريت الى كبريتيد الهيدروجين.
يكتب ريتشارد ديكرسون "يمكن للمرء أن يتصور انه قبل ان تطورت الخلايا الحية، كان المحيط البدائي يعج بالقطيرات التي امتلكت كيميائيات خاصة نجت لفترة طويلة ثم اختفت مرةً اخرى" ويواصل "احتوت هذه القطيرات، بالصدفة المحضة على محفزات قادرة ان تستحث بلمرةً مفيدة لبقائها على قيد الحياة لفترة اطولمن غيرها، فان احتمالية البقاء على قيد الحياة سيكون مرتبطاً مباشرةً بتعقيد وفعالية (الأيض) الخاصة بها، وسيكون هناك اصطفاء كيميائي خلال الدهور، لأنواع القطيرات التي احتوت في داخلها على القدرة لأن تأخذ الجزيئات والطاقة من محيطها وتدمجها في المواد التي كان من شأنها ان تعزز ليس بقاء القطيرات الأم، بل والقطيرات التي تولدت منها والتي افترقت عن حاضناتها عندما صارت كبيرةً جداً" 18.
من الضروري دراسة تنظيم الخلايا الحديثة من أجل القاء الضوء على اصولها، نظراً لعدم وجود أدلة احفورية. ومن أجل ان يصير لأبسط اشكال الحياة امكانية لأن تعيد انتاج نفسها، يجب أن يكون الجهاز الوراثي الذي يحتوي على الأحماض النووية موجوداً. اذا كانت الخلايا هي الوحدة الأساسية للحياة، يمكننا ان نكون على يقين تقريباً من أن الكائنات الأصلية تحتوي على الأحماض النووية المرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً. البكتيريا، على سبيل المثال، تتكون من خلية واحدة، ومن المرجح ان تكون هي النموذج الأولي لجميع الخلايا الحية. ان البكتيريا الاشريكية القولونية (E. coli) صغيرة لدرجة أن مليار خلية منها يمكن ان توضع كلها في حجم 1سم مكعب. انها تحتوي على جدار للخلية، غشاء يحافظ على الجزيئات الأساسية مغلفةً، وتختار ويوجه الجزيئات المفيدة من الخارج، ويحافظ على التوازن بين الخلية وبيئتها. تجري عملية الأيض الرئيسية في الغشاء منتجاً مئات التفاعلات الكيميائية باستخدام العناصر الغذائية في البيئة من أجل النمو والتطور. تعيد البكتيريا القولونية انتاج نفسها كل عشرين دقيقة، ويتحقق هذا التحول الفريد داخل الخلية من خلال مجموعة من الجزيئات تسمى الأنزيمات، هذه هي المحفزات التي تسرع التفاعلات الكيميائية دون تغيير في هذه العملية، انها تعمل مراراً وتكراراً، وتحول المواد الغذائية الى منتجات بشكل مستمر.
ان التكاثر هو عنصر اساسي من عناصر الحياة. عند انقاسم الخلية، يتم انشاء مجموعة من الخلايا الأخرى المتطابقة. تكون الية التناسخ من أجل صنع جزيئات بروتينية جديدة بنفس تسلسل الخلية الأم مرمزةً في الحمض النووي، وهذه الأخ0يرة، فريدة في نوعها بحيث انها قادرة لوحدها، بمساعدة بعض الأنزيمات على انتاج نفسها مباشرةً. ان الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (Deoxyribonucleic Acid) DNA يحمل كل المعلومات المطلوبة ليوجه تركيب البروتينات الجديدة. ومع ذلك فان الحمض النووي لا يمكن ان يفعل هذا مباشرةً، انه يتصرف بمثابة نسخة اساسية من النسخ التي يتكون منها الحمض النووي الريبي RNA والذي يحمل معلومات تسلسل توليف النظام. يعرف هذا بالشفرة الوراثية. لا يمكن للأحماض النووية أن تتناسخ بدون الأنزيمات، ولا يمكن صنع الأنزيمات بدون حمض نووي، يجب ان تكون قد وضعت بالتوازي. من المرجح ان واحداً من عناصر (الحساء) الأصلي كانت جزيئات RNA التيكانت انزيمات كذلك وتطورت على اسس الاصطفاء الطبيعي، جاءت انزيمات RNA هذه معاً لتشكل الحلزون ، لتصبح اساس RNA ذاتي التناسخ (Self- Replicating RNA) غير ان النسخ الجيني لا يخلو من الأخطاء العرضية. يكون معدل تلك الأخطاء في البكتيريا القولونية 1 لكل 10 مليون نسخة اساسية. قد يكون لهذه الأخطاء-الطفرات، خلال ملايين الأجيال تأثير ضئيل، ولكن بدلاًمن ذلك قد تؤدي الى تغييرات عميقة في الكائن الحي مشكلةً انواعاً جديدة على اساس الاصطفاء الطبيعي.
كانت المرحلة التالية في التطور العضوي تطور البوليمرات الأخرى-مزيج من الجزيئات- مجمعةً معاً في اسر كاملة. كان هناك حاجة الى هيكل يغلف الجزيئات: غشاء الخلية شبه النافذ. الأغشية الخلوية هي هياكل معقدة، تنتقل بالكاد بين حالة صلبة وسائلة. تنتج التغيرات الصغيرة في تكوين الغشاء تغيراً نوعياً، كما يشرح كريس لانغتون ذلك: " يمكن ان تنتج تغييرات كبيرة جداً مفيدة بيولوجياً بتغير تكوين الكوليسترول قليلاً، وتغير تكون الأحماض الدهنية قليلاً، وبالسماح لجزيء بروتين واحد بأن يرتبط مع مستقبلات الغشاء" 19.

البناء الضوئي والتكاثر الجنسي
كما يتضح مما حدث بالفعل، فان تطور الخلية هو مرحلة متقدمة نسبياً من التىطور العضوي. وعندما استنفذت المكونات الوفيرة للحساء العضوي اصبح من الضروري تطوير مواد عضوية قابلة للذوبان في الماء من الغلاف الجوي. انتقالاً من التخمر، كشكل ابسط واقل كفاءةً من الأيض، يأتي البناء الضوئي كمرحلة مقبلة. سمح تطور جزيئات الكلوروفيل الخاصة للعضويات الحية بأن تلتقط الطاقة الشمسية لتوليف الجزيئات العضوية. لقد ازيلت عضويات البناء الضوئي الأولى من المنافسة على جزيئات الطاقة الطبيعية الغنية المتناقصة وصارت منتجات رئيسية. وبمجرد تحقق عملية البناء الضوئي تم ضمان مستقبل الحياة. وحينما تظهر وتنتج ما يكفي من الأكسجين، تصير عملية التنفس ممكنة. ووفقاً لقوانين الاصطفاء الطبيعي، فان بانيات الضوء تضع بصمتها على جميع الأشياء الحية اللاحقة عندما تبدأ عملياتها، وقد نجحت بدون شك بمحو اشكال الحياة في وقت سابق.
يمثل هذا التطور نقلةً نوعية. ترتسم عملية التطور اللاحق الى اشكال اكثر تعقيداً بشكل تدريجي مؤديةً الى فرع جديد من الحياة، الخلية النووية. يظهر في الجزء العلوي من شجرة حقيقيات النواة Eukaryotic فروعاً متعددة في وقت واحد مثل النباتات والحيوانات والفطريات. ووفقاً لعالم الأحياء الجزيئية الأمريكي ميتشل سوجن فقد اثرت كمية الأكسجين على وتيرة التطور. ويمكن ان نفترض كما يزهر من التركيب الكيميائي للصخورالقديمة ان الأكسجين الجوي تزايد بخطوات متميزة نسبياً مفصولة بفترات طويلة من الاستقرار. ويعتقد عدد من البيولوجيين ان انفجار الحياة كان ناجماً عن وصول الأكسجين الى مستوىً معين.
تكيفت الخلايا النووية-حقيقيات النواة تماماً مع الأكسجين وأزهرت تبايناً طفيفاً. وقد اتاح ظهور هذا النموذج الثوري الجديد للحياة وجود تكاثر جنسي متقدم، مما أدى بدوره الى تسريع وتيرة التطور. في حين احتوت قائمة الخلايا عديمة النواة Procaryotes على مجموعتين من العضويات، البكتيريا والطحالب الخضراء المزرقة (وهذا الأخير ينتج الأكسجين من خلال البناء الضوئي)، احتوت قائمة حقيقيات النوى على كل النباتات الخضراء والحيوانات والفطريات. صار التكاثر الجنسي قفزةً نوعية اخرى الى الأمام ، وهذا يتطلب ان تكون المادة الجينية موجودةً في النواة. يسمح التكاثر الجنسي بخلط جينات خليتين، وحينها تصير فرص الاختلاف الناتج أكبر بكثير. تندمج في التكاثر كروموسومات خلايا حقيقيات النواة لتنتج خلايا جديدة. ويعمل الاصطفاء الطبيعي على الحفاظ على المتغيرات الوراثية المواتية في الاندماج.
ان التكاثر هو احد السمات الأساسية للحياة. لدى جميع الخلايا الحيوانية والنباتية نفس الهياكل الداخلية الأساسية. يعمل التكاثرونقل خصائص الخلايا الأبوية (الوراثة) من خلال اتحاد الخلايا الجنسية، البويضة والحيوانات المنوية. ان الحمض النووي للمادة الوراثية DNA التي تنتقل من خلالها خصائص اشكال الحياة منت جيل الى اخر موجودة في نواة جميع الخلايا. تحتوي بنية الخلية التي تتكون من السيتوبلازم ايضاً على عدد من الأجهزة المصغرة التي تدعى عضيات، ويتطابق الهيكل الداخلي للعضايات في انواع مختلفة من البكتيريا، والتي يبدو انها تشير الى أن تكوين الخلايا الحيوانية والنباتية هو نتيجة لهذه الأجهزة المستقلة بحمضها النووي الخاص بها، تتجمع لتشكل كلاً متعاوناً. في السبعينيات تم اكتشاف الأنيبيبيات الدقيقة Microtubules. وهذه قضبان بروتينية تملأ كل خلية مثل السقالات الداخلية، يعطي هذا الهيكل الداخلي شكل الخلية ويبدو انه يلعب دوراً في تداول البروتين ومنتجات البلازما. لقد شكل ظهور الخلايا النووية ثورةً بيولوجية منذ حوالي 1500 مليون سنة مضت.
ظهر التكاثر الجنسي من التكاثر اللاجنسي وعملية الانشطار. وقد ادى هذا التقدم الى خلط المواد الوراثية لعضويتين، مما يؤدي الى اختلاف الذرية عن الاباء، وقد امن هذا، التباين، الذي يعمل الاصطفاء الطبيعي على قاعدته. تترتب الكروموسومات في كل خلية حيوانية ونباتية في ازواج داخل النواة، وتحمل هذه الكروموسومات الجينات التي تحدد الخصائص الفردية. ومع ذلك، فان النسل الجديد الذي يجمع بين خصائص والديه، يختلف عنهما بالرغم من ذلك. ويبدو ان اصل التكاثر الجنسي مرتبط بالكائنات البدائية التي تستوعب بعضها البعض. تندمج المادة الوراثية لعضويتين منتجةً عضويةً بمجموعتين من الكروموسومات. تنقسم العضوية الأكبر الى جزئين بالكمية الصحيحة من الكروموسومات. لقد وجدت الكروموسومات الفردية والكروموسومات المزدوجة، ولكن مع مرورو الوقت تصبح الحالة المزدوجة الاقترانية هي الوضع الطبيعي لوجود النباتات والحيوانات، وقد وضع هذا الأساس لتطور الكائنات متعددة الخلايا.
وبحلول ما قبل 700-680 مليون سنة ظهرت مملكة الحيوانات Metazoa، وكانت هذه عضويات معقدة متعددة الخلايا تطلبت الأكسجين لنموها، وزادت كمية الأكسجين خلال تلك الفترة بشكل مستمر حتى وصلت الى مستواها الحالي قبل 140 مليون سنة فقط. تمتلك عمليات التطور هذه طابعاً دياليكتيكياً ملحوظاً من فترات طويلة من التغيرات الكمية التدريجية تخللها انفجارات وانعطافات مفاجئة، حدث مثل هذا قبل حوالي 570 مليون سنة مضت.

الانفجار الكامبري The Cambrian Explosion
يتطلب تصور الزواهر الحالية المعقدة من اشكال الحياة على الأرض جهداً كبيراً من الخيال. تخيل عالماً تتكون فيه الأرض من صخورقاحلة، حيث كانت حصائر الطحالب وبرك الزبد هي التي تشكل اكثر اشكال الحياة تعقيداً. وكان هذا هو الوضع بالنسبة للغالبية العظمى من تاريخ الأرض. كان تطور الحياة ثابت تقريباً، لالاف الملايين من السنين. ثم فجأةً، اندلعت في هذا العالم الراكد وأحدة من أكثر الانفجارات دراماتيكيةً في تاريخ الحياة. ويكشف السجل الاحفوري الان عن انتشار غير عادي لأشكال الحياة المختلفة. ان ظهور حيوانات بهياكل عظمية وقواقع قد حافظ على هذا التقدم في اقراص من الحجارة. كان انفجار اشكال جديدة من الحياة في المحيطات موازياً للانقراض الجماعي للستروماتوليتات الأقدم (Stromatolites التركيبات الرسوبية عضوية النشأة التي تراكمت على شكل تلال صغيرة-المترجم) التي كانت تشكل الحياة المهيمنة في فترة دهر الطلائع Proterozoic Period (وهي الجزء الأخير من الدهور الجيولوجية لما قبل الانفجار الكامبري المترجم). ان ظهور عدد كبير من الكائنات متعددة الخلية قد غير وجه الأرض.
يكتب فرانك رودس "ربما كانت بداية السجل الأحفوري، هو الشيء الأكثر وضوحاً، والأكثر حيرةً ايضاً" ويكمل "ظهرت الأحافير لأول مرة بأعداد كبيرة في صخور اوائل العصر الكامبري، ترسبت قبل حوالي 600 مليون سنة. ان صخور ما قبل الكامبري، الأقدم، لم تتحجر تماماً على التقريب، على الرغم من ان بعض اثار الكائنات الحية القديمة قد سجلت منها. ان الفرق عظيم لكل شحفة صخرية صغيرة، بين المجموعتين من الصخور كما يوحي ذلك: قد يبحث المؤرخ الأحفوري طيلة حياته على في طبقات ما قبل الكامبري ولن يجدوا شيئاً (فعل العديدون ذلك)، ولكن بمجردان يرتفع البحث الى طبقات الكامبري سيجد مجموعة متنوعة جداً من الأحافير المشتركة كصدمة لباحثي التطور، انها تظهر كانفجار جيولوجي بدلاً من ظهورها تدريجياً بشكل منظم وواضح ومتسلسل) 20
لم يكن داروين قادراً على ان يفسر الانفجار الكامبري على الرغم من عبقريته. افترض داروين ان هذه القفزة المفاجئة واضحة فقط، نظراً لتشبثه بمفهومه التدرجي حول التطور، وعدم اكتمال السجل الأحفوري. ادت الاكتشافات المذهلة في علم الحفريات في السنوات الأخيرة الى مراجعة كبيرة في تفسير التطور. ان الفكرة القديمة للتطور كعملية قاطعة للتغير التدريجي قد واجهت تحدياً على وجه الخصوص من قبل ستيفن جاي جولد، وقد احدثت تحقيقاته في السجل الأحفوري لـبرغيس شيل (موقع احفوري مهم في كولومبيا البريطانية) تحولاً في علم الحفريات.
لم تتطور الحياة في خط تطوري مستقيم دون انقطاع، بل من خلال عملية متوازنة تفصل الفترات المستقرة بوضوح فترات أخرى من التغير المفاجئ والكارثي تتميز بالانقراض الجماعي للأنواع، وصفها ستيفن جولد على نحو مناسب.
تتميز الخطوط الحدودية لـ500 مليون سنة من الدهور الجيولوجية بالاضطرابات المفاجئة التي يفسح فيها اختفاء بعض الأنواع، الطريق لانتشار انواع أخرى. هذا هو المعادل البيولوجي للعمليات الجيولوجية من تشكل الجبال والانجرافات القارية، وليس لهذا اي شيء مشترك مع التصويرالكاريكاتوري المبتذل عن التطور مفهوماً كعملية بسيطة من التطور التدريجي والتكيف.
وفقاً لنظرية داروين الكلاسيكية، فان ظهور اول اشكال معقدة متعددة الخلايا من الحياة يجب ان يسبقها فترة طويلة من التغير التدريجي البطيء، والتي بلغت ذروتها في الانفجار الكامبري قبل 500 مليون سنة. ومع ذلك، تظهر احدث الاكتشافات انه هذا ليس هو الحال. تبين التحقيقات التي أجرالاها جولد وغيره ان ثلثي تاريخ الحياة على الأرض-اي ما يقرب من2.5 مليار سنة- ظلت تقتصر على ادنى مستوىً من التقيد المسجل، وخلايا بدائيثة النواة، ولا شيء اخر.
" 700 مليون سنة اخرى من خلايا اكبر وأكثر تعقيداً لحقيقيات النواة، وليست هناك اي تجمع للحيوانات متعددة الخلايا. ومن ثم 100 مليون سنة من غمضة عين جيولوجية 3 مجموعات حيوانية مختلفتة بشكل متميز- ادياكرا Ediacara (واحدة من اوائل الكائنات متعددة الخلايا ذات شكل انبوبي وورقي-المترجم)، و توموتيان Tommotian(واحدة من اوائل الكائنات الصدفية متعددة الخلايا-مترجم)، وبورجيس Burgess (واحدة من اوائل الكائنات الدودية الطرية متعددة الخلية المترجم). اكثر من 500 مليون سنة من القصص الرائعة، الانتصارات والماسي، ولم يضف اي شعبة تصنيفية واحدة Phylum او تصميم تشريحي اساسي للبورجيس Burgess".
بعبارة أخرى، فان ظهور الكائنات المعقدة متعددة الخلايا، واساس كل الحياة كمانعرفها اليوم، لم ينشأ من تراكم بطيء وتدرجي-ثوري للتغيرات التكيفية التراكمية، ولكن في نقلة نوعية مفاجئة. كانت هذه ثورة بيولوجية حقيقية "ظهرت في لحظة جيولوجية في بداية الكامبري فيها، كل الأصناف للمرة الأولى جنباً الى جنب مع طائفة واسعة من التجارب التشريحية التي لم تعش فترة طويلةً بعد ذلك" خلال فترة الكمبري، ظهرت تسعة اصناف (أكبر وحدة متمايزة داخل المملكة الحيوانية) للافقاريات البحرية للمرة الأولى، بما في ذلك الأوليات Protozoa (الكائنات الدقيقة التي تزهر خصائص حيوانية محددة-المترجم)، والجوفمعويات Coelentera مثل (قنديل البحر وشقائق نعمان البحر)،والاسفنج Sponges، الرخويات Molluscs وثلاثيات الفصوصTrilobites. استغرقت طائفة كطاملة من اللافقاريات 120 مليون سنة لكي تتطور. ومن ناحية اخرى، زالت الستروماتوليتات Stromatolites (التركيبات الرسوبية عضوية النشأة التي تراكمت على شكل تلال صغيرة-المترجم) والتي كانت شكل الحياة المهيمن لمدة 2 مليار سنة.
"ظهرت أول الكائنات متعددة الخلايا كما يقول السجل الأحفوري، منذ 570 مليون سنة مضت، بطريق قفزة انفجارية كبيرة وليس بتصعيد مطول. هذا الانفجار الكامبري يمثل ظهور جميع الكائنات الرئيسية من الحيوانات الحديثة، في فترة صغيرة على المقياس الجيولوجي، بضعة ملايين من السنين" 21
يقول ستيفن جولد "نحن لا نجد تقدماً فاخراً، ولكن عالماً مؤكداً من فترات الانقراضات الجماعية والتنوع اللاحق"22. ومرة أخرى "ان تاريخ الحياة ليس سلسلةً متواصلة من التطور، ولكن تسجيلاً يتخلله احياناً فقرات وجيزة جيولوجياً من الانقراضات الجماعية والتنوعات اللاحقة. يسجل مقياس الزمن الجيولوجي هذا التاريخ، تزودنا الأحافير بمعاييرنا الأساسية تحديد النظام الزمني للصخور، ويوضع هذا التحديد تبعاً لتلك اللحظات الانفجارية بسبب أن الانقراضات والتنوعات السريعة تترك اثراً واضحاً في السجل الأحفوري"23

الحيوانات والنباتات
كان هناك صعود مذهل للجرابتوليتات Graptolites وثلاثيات الفصوص Trilobites ونمو كبير في الأنواع البحرية، متضمنةً ظهور اول الأسماك، خلال الفترة الكامبرية والأردوفيسية Ordovician 570-440 مليون سنة مضت. وكان هذا نتيجةً للانتشار الهائل لقاع البحر وخصوصاً محيط ايابيتوس Iapetus Ocean (المحيط الذي وجد في اخر حقبة الطلائع الحديثةEra Neoproterozoicوأول الحقبة الأولية Paleozoic Era على المقياس الجيولوجي – المترجم(.
أدى انصهار صفائح الجليد في العصر السيلوري Silurian Period (440-400 مليون سنة مضت) الى ارتفاع هام في مستوى سطح البحر، ولم تكن البحار الضحلة التي غطت الكثير من اسيا وأوروبا أمريكا الشمالية عائقاً كبيراً امام هجرة الأنواع، وليس بالصدفة أن شهدت وصول التجاوز البحري اعلى مستوىً له.
في هذا الوقت كان هناك توزيع غريب الى حد ما للقارات. تجمعت القارات الجنوبية معاً بشكل فضفاض لتشكل ما يطلق عليه ارض غوندوانا Gondwanaland (افريقيا، امريكاالجنوبية، انتاركتيكا وأوستراليا والهند) ولكن امريكا الشمالية أوروبا واسيا كانت منفصلة. كان ايابيتوس موجوداً بين اوروبا وامريكا الشمالي، والقطب الجنوبي موجود في مكان ما في شمال غرب افريقيا. وفي وقت لاحق انحرفت القارات معاً لتشكل قارةً عظيمة بانغايا Pangaea. بدأت هذه العملية قبل 380 مليون سنة عندما اختفى محيط ايابيتوس مشكلاً الحزام الجبلي الكاليدوني Caledonian Mountain belt، نشأت هذه العملية هي الأخرى من اصطدام البلطيق مع كندا وتوحيد اوروبا مع امريكاالشمالية. وبحلول ذلك الوقت، ادى التقارب المستمر للزاوية الشمالية الغربية لقارة غوندوانا لأمريكا الشمالية لتشكيل الكتلة شبه الأرضية المستمرة حيث اتحدت كل القارات.
لقد ادت هذه الزيادة الهائلة في مساحة الأرض بدورها الى قفزة ثورية في تطور الحياة نفسها ولأول مرة، حاول شكل من اشكال الحياة الانتقال من البحر الى الأرض على هوامشها الساحلية.ظهرت أول البرمائيات والنباتات البرية، وكانت هذه نقطة البداية لنمو متفجر للحياة الحيوانية والنباتية. وقد تميزت تلك الفترة بالقضاء على بيئة البحار الضحلة، ونتيجةً لذلكالانقراض أو الانحدار الحاد للعديد من الأنواع البحرية. ومن الواضح ان البئة المتغيرة أجبرت بعض الأنواع على الانتقال من المناطق الساحلية الى الأرض أو الموت، نجح بعضها في ذلك، وبعضها الاخر لم ينجح. وقد انقرضت الغالبية العظمى من الكائنات البحرية التي تكيفت مع الحياة في الشعاب المرجانية الضحلة. ادت البرمائيات في نهاية المطاف الى الزواحف. تعرضت النباتات البرية الأولى لنمو متفجر قاد الى غابات ضخمة وكثيفة، ووصلت الى ارتفاعات بلغت 30 متراً، ويعود اصل كثير من رواسب الفحم التي يجري استغلالها اليوم الى تلك الفترة البعيدة، كمنتجات الحطام المتراكمة لملايين السنين، للغابات التي تناوبت في ظهورها ما قبل التاريخ.
يبحث المنطق الشكلي العالم الطبيعي بصيغة اما-أو، اما ان يكون الشيء حياً أو ميتاً، والكائن الحي هو اما نباتاً أو حيواناً، وهلم جرا. في الواقع الأمور ليست بهذه البساطة. يكتب فريدريك انجلز في كتابه (ضد دوهرينغ): "نعن نعلم انه يمكن أن نقول، للأغراض اليومية، على سبيل المثال، ما اذا كان الحيوان على قيد الحياة أملا، ولكن عند اجراء تحقيق أوثق نجد ان هذه مسألة معقدة في كثير من الأحيان كما يعرف المختصين ذلك جيداً. لقد اتعبوا عقولهم عبثاً لاكتشاف حد عقلاني لما اذا كان يعد قتل الطفل في رحم امه جريمة. من المستحيل تحديد لحظة الموت، لأن علم وظائف الأعضاء يثبت أن الموت ليس ظاهرة لحظية مفاجئة، بل عملية مطولة جداً" 24
لقد اشرنا بالفعل الى صعوبة تصنيف الكائنات البدائية جداً، مثل الفيروسات التي تقف على خط الحدود بين المادة العضوية وغيرالعضوية. وتنشأ الصعوبة نفسها في التمييز بين النباتات والحيوانات. وتقع النباتات في ثلاثة شعب رئيسية. الأولى المشريات Thallophya تتضمن الأشكال الأكثر بدائيةً، وهي كائنات ذات خلية واحدة، او مجموعة منظمة بشكل فضفاض من الخلايا. هل هذه نباتات ام حيوانات؟ يمكن ان يجادل بأنها نباتات لأنها تحتوي على الكلوروفيل-انها تعيش مثل النباتات.
لدى رودز ما يقوله حول هذا الموضوع: "ولكن هذا الجواب البسيط لا يحل مشكلتنا في الاعتراف بالنبات، انه يجعل الأمر اكثر ارباكاً بدلاً من توفير خط واضح يقسم النباتات والحيوانات، انه يشير لنا الى منطقة تداخل ضبابية بين المملكتين. ومثلما حملتنا الفيروسات الى عتبة الحياة، تحملنا تلك المشريات الى العتبة غير المحددة التي تفصل عالم النبات عن الحيوان.
"كما رأينا بوضوح فان العديد من الأوليات Protozoans هي حيوانات، انها تتحرك، تنموتتمثل الغذاء وتفرغ الفضلات الى حد كبير كما تفعل الحيوانات بلا شك. ولكن هناك بعض الاستثنائات المحيرة. دعونا نبحث عن لحظة لكائن وحيد الخلية، اليوغلينا Euglena، وهو ساكن معروف للبرك والمستنقعات. ان لديه خيئةً بيضاويةً بهذا القدر أو ذاك تتحرك خلال المياه عبر السوط Flagellum: يمكن لهذا الكائن ان يزحف ويؤدي حركات دودية، بكلمات اخرى، انه قادر على على الحركات الحيوانية، ولكنه يحتوي على الكلوروفيل ويتمثل الغذاء ضوئياً!.
تتضارب اليوغلينا مع كثير من افكارنا حول الفروق بين الحيوانات والنباتات، ولا ينشأ التناقض لأننا لا نستطيع ان نقرر الى اي منهما ينتمي، ولكن لأنه يبدو انه ينتمي الى كلا المملكتين. هناك اشكال اخرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باليوغلينا تفتقر الى الكلوروفيل وتتصرف مثل اي حيوان اخر، مستخدمةً خيطاً طويلاً يشبه السوط، تهضم الطعام وما الى ذلك. ان ما يترتب على ذلك واضح. ان قائمتي (النباتات) و(الحيوانات( هي قوائم مجردة من صنعنا مدركة ومصاغة بشكل بحت لفهمنا بشكل ملائم. وبسبب هذا، فانه لا يعني بحال من الأحوال ان جميع الكائنات الحية يجب أن تتناسب مع هذه القائمة أو تلك. ولعل الأوغلينا هي بقايا حية من مجموعات قديمة وبدائية من الكائنات المائية الدقيقة التي كانت اسلافاً لكل من الحيوانات والنباتات. ولكن، هل يمكننا حل الصراع من خلال اعتبار الكلوروفيل عنصراً يميز التفريق؟ هل يمكننا أن نفترض أن الكلوروفيل، اي النبات يعطينا اساساً يعتد به؟ للأسف فهذا ايضاً لا ينفع، لأن بعض المشريات (الفطر) يمتلك خصائص كثيرة تميز النبات ولكنه لا يمتلك الكلوروفيل. في الواقع، يمثل الفطر عائلةً اشكالية، حيث تنهار معظم الخصائص المميزة للنبات (الحاجة لضوء الشمس، غياب الحركة وما الى ذلك) في اعضاء متنوعة لتلك العائلة، ومع ذلك، يبدو اعضائها مثل النباتات على نحو متساو"25
يمثل تنوع الحياة متعددة الخلايا نقلةً نوعيةً اخرى في تطور الحياة. ويمثل التحول من الكائن غض الجسم الى الكائنات ذات الأجزاء الصلبة المعدنية Mineralized، كما هو مسجل في صفائح بورجيس Burgess Shale (مستودع احفوري اكتشف في جبال روكي الكندية-المترجم)، تطوراً للكائنات العليا. تتخلل بعض المواد مثل الملح والكالسيوم بنية خلية وانسجة الكائنات البحرية والتي تحتاج لافرازها. تتعامل بعض العضيات داخل الخلية مع التمثيل الغذائي او الطاقة في داخل الخلية، تمتص الميتوكندريا الكالسيوم والفوسفات وتخرج فوسفات الكالسيوم ناتجاً. يمكن ان تودع هذه المعادن داخل الخلايا أو يمكن استخدامها بناء هيكل عظمي داخلي أو خارجي.
يأخذ تطور الهيكل العظمي مكانه عبر بذر البلورات المعدنية على البروتينات الليفية ما يدعى الكولاجين. وهذا الأخير يشكل حوالي ثلث كل البروتين في الفقاريات، لا يمكن ان يتشكل الا عند وجود الأكسجين الحر. ويبدو أن البيكايا Pikaia (حيوان حبلي الرأس Cephalochordateمنقرض ينتمي للعصور الكامبرية الوسطى-المترجم) التي اكتشفت في صفائح بورجيس، وهو حيوان يشبه الأسماك، كان خطوةً اولى نحو الفقاريات. ويبدو أن الكيسيات The Sea Squirts هي حلقة تطورية تصل بين الحيوانات التي ثبتت في قاع البحر وحصلت على غذاءها من تصفية المغذيات وبين الأسماك التي تسبح بشكل حر. تغطت هذه الأسماك Ostracoderms (قوقعيات الأدمة مجموعات الأسماك البدائية، انقرضت وتعود للعصر الأردوفيسي والديفوني ووجدت أحافيرها في صفائح بورجيس وأوروبا-المترجم) بقوقعة مثل القشور وكانت عديمة الفك. انتجت هذه القفزة الثورية الفقاريات الأولى في الفترة السيلورية.
تطور الفكين من الخياشيم الأمامية في هذه الفترة (قبل 410 مليون سنة)، مما سمح لعملية افتراس الحيوانات الأخرى بدلاً من امتصاص الغذاء من قاع البحر. يقول جولد: "لم يكن يوجد فكين للأسماك البدائية، كيف كان يمكن لهذا الجهاز المعقد الذي يتكون من عدة عظام متشابكة أن يتطور في اي وقت مضى من الصفر؟ من هذا (الصفر) الى الرنجة الحمراء. كانت العظام موجودة في أجدادها، ولكنها كانت تفعل شيئاً اخر-كانت تدعم قوس الخياشيم الذي يقع خلف الفم مباشرةً، كانت مصممة بشكل جيد لدورها التنفسي، تم اختيارها لهذا وحده، ولم (تعرف) شيئاً عن وظيفتها المستقبلية (الفكين-المترجم). في وقت لاحق، تمت اعادة تكيف تلك العظام بشكل رائع لتصبح فكين، وقد تم تجمع الجهاز المعقد بالفعل، ولكن كان يستخدم للتنفس، وليس للأكل". وبلغة الماركسية، عناصر الجديد داخل القديم، هكذا كان الأمر. اثارت اسماك القرش الشوكية Acanthodians (طائفة من الأسماك الفكية المنقرضة، التي تعود أحافيرها الأولى إلى العصر الأردوفيسي-المترجم) ظهور انواع كثيرة من الأسماك العظمية، وتطورت أول الفقاريات على الأرض والبرمائيات من هذه الأسماك.
يكمل جولد: "على نحو مماثل، كيف كان يمكن للزعانفالسمكية ان تصبح أطرافاً برية؟ تتكون معظم الزعانف السمكية من خطوط متوازية نحيلة لم تكن قادرة ان تدعم وزن الحيوان على الأرض. ولكن مجموعة محددة واحدة من اسماك القاع في المياه العذبة -اسلافنا- طورت زعانف محورية قوية، وعدد قليل من الخطوط المسقطة، وقد تحضرت مسبقاً بشكل رائع لتصبح ساقاً ارضية، ولكنها تطورت لأغراض بحتة خاصة للمياه- يفترض ان تكون خنقت على طول القاع عن طريق دوران حاد للمحور المركزي ضد الركيزة. باختصار فان مبدأ اعادة التكيفالمسبق يؤكد أن البنية يمكن أن تغير وظيفتها بدون ان تغير شكلها بقدر كبير. يمكننااننجسر طي النسيان المراحل الوسيطة، بحجة استعادة الوظائف القديمة بينما تتطور الوظائف الجديدة" 26
كان الأوستنوبتيرون (هو جنس من لحميات الزعانف Sarcopterygian، تظهر الصورة المبكرة انه ظهر على الأرض، ولكن علماء الأركيولوجيا يتفقون على انه حيوان مائي-المترجم)، يملك زعانف عضلية ورئتين وخياشيم. غامرت هذه الأسماك، خلال الفترات الجافة بأن تخرج من البرك لحافة اليابسة للتنفس من رئتيها. قضى العديد من البرمائيات الكربونية Carboniferous Amphibians كثيراً من وقتهم على اليابسة، ورجعت الى الماء من اجل ان تضع بيوضها. منهنا، كانت قفزةً تطورية باتجاه الزواحف التي امضت كل وقتها على اليابسة، ووضعت عدداً أقل من البيض المغلف بصفيحة كربونات الكالسيوم. وتعليقاً على قفزات التطور هذه، يقول فريدريك انجلز: "تصير مفاهيمنا متوافقةً مع الواقع بشكل تقريبي فقط، ابتداءاً من اللحظة التي نقبل فيها بنظرية التطور، والا لن يكون هناك اي تغيير. في ذلك الوقت الذي ينتهي فيه تزامن مفاهيمنا والواقع في العالم العضوي. يشمل مفهوم السمك الحياة في الماء والتنفس عبر الخياشيم: كيف يمكننا ان ننتقل من الأسماك الى البرمائيات بدون ان نخترق هذا المفهوم؟ وتم اختراقه، لأننا نعرف سلسلة كاملة من الأسماك التي اكياس الهواء ابعد من ذلك، الرئتين، ويمكنها بذلك أن تتنفس الهواء. كيف يمكن لنا أن أن ننتقل من الزاحف الذي يضع البيض الى الثديات التي تلد الصغار حيةً، بدون أن نجلب احداوكلا المفهومين الى الصراع مع الواقع؟ - لقد رأيت سنة 1843 بيض خلد الماء Duckbill في مانشستر، وسخرت بغطرسة متعنتة العقل من مثل هذا الغباء-كما لو ان الثديات يمكنها ان تضع البيوض- وهذا تم اثباته الان!"27

الانقراض الجماعي
تمثل الفترة بين الحقبة الأولية Palaeozoic Period-الحقبة الوسطى Mesozoic (قبل 250 مليون سنة) أعزم فترة للانقراض في السجل الاحفوري بأكمله. تأثرت الفقاريات البحرية بشكل خاص. وانقرضت جماعات كاملة، بما في ذلك ثلاثيات الفصوص التي هيمنت على المحيطات لملايين السنين. ولم تتأثر الحياة النباتية تأثراً خطيراً، لكن 75% من البرمائيات وأكثر من 80% من عائلات الزواحف اختفت. ويقدر حالياً أن اربع او 5 عائلات تختفي كل مليون سنة. ولكناختفت 75-90% من كل الأنواع في نهاية العصر الأولي. غير ان عملية الانقراض الجماعي الكارثي هذه لم تكن خطوةً الى الوراء في تطور الحياة، بل على العكسمن ذلك، اعدت هذه اىلفترة بالتحديد خطوةً عطيمةً الى الأمام في تطور الحياة على الأرض. ان الثغرات التي بقيت في البيئة بسبب اختفاء بعض الأنواع أعطت فرصةً لارتقاء انواع اخرى لتسيطر على الأرض. وتتنوع العوامل والفرص التي تؤثر على توزيع اشكال الحياة وتنوعها وانقراضها الى ما لانهاية، وهي علاوةً على ذلك، مترابطة جدلياً. يسبب الانجراف القاري نفسه تغيراً في خطوط العرض، ويؤثر بالتالي في الظروف المناخية. وستؤدي الاختلافات في المناخ الى خلق بيئات تكون ملائمة أكثر أواقل للكائنات الحية المختلفة، ويشكل استقرار التقلبات في درجات الحرارة والظروف المناخية عوامل رئيسيةً في هذه العملية مما يؤدي الى التنوع، ونرى أن التنوع يزداد عادةً عندما نقترب من خط الاستواء.
ان تفكك القارات وانفصالها وتصادمها، كل هذه العوامل تغير الظروف التي تتطور فيها الأنواع، فتنفصل مجموعة عن الأخرى. وتنتج العزلة المكانية اختلافات تكيفية جديدة تعكس التغيرات في البيئة، وبالتالي، فان التجزؤ القاري يميل الى زيادة تنوع اشكال الحياة. نجا الكنغر، فقط، لأن استراليا كانت معزولةً عن القارات الأخرى في وقت مبكر جداً، قبل الانفجار النشوئي للثديات الذي تسبب في اختفاء الجرابيات الكبيرة في جميع القارات الأخرى. وبالمثل، فان اختفاء المحيطات يؤدي الى انقراض جماعي للأنواع البحرية، ولكنه يهيء في الوقت نفسه الظروف اللازمة لتطوير نباتات وحيوانات برية جديدة، كما كان الحال في الكتلة البرية في قارة بانغيان، وبالتالي فان النشوء والدمار، الحياة والموت مرتبطان ارتباطاً وثيقاً في السلسلة التطورية، حيث الانقراض الجماعي لنوعواحد هو الشرط المسبق لظهور امكانيات جديدة، ومجهزة تجهيزاً افضل للتعامل مع الظروف المتغيرة.ولا يمكن اعتبار تطور هذا النوع أو ذاك، حقيقةً معزولةً بذاتها، ولكن يجب أن ينظهر اليه على انه نتيجة تفاعل مستمر ومعقد بين عناصر مختلفة- ليس فقط أعداد كبيرة من الطفرات الجينية داخل الكائنات الحية، ولكن تغيرات مستمرة في البيئة كذلك: التقلبات في مستوى سطح البحر،ملوحة المياه، تبادل التيارات المحيطية، توفر المغذيات، بل وحتى ربما عوامل مثل عكس المجالالمغناطيسي للأرض، اوتأثيرالنيازك الكبيرةعلى سطح الأرض. ان التفاعل الدياليكتيكي بين كل تلك النزعات هو ما هيأ شروط عملية الاصطفاء الطبيعي الذي أنتج اشكال حياة أكثر غنىً وتنوعاً وروعةً، من ارقى ابتكارات الشعر.

(6) Asimov, op. cit., p. 592. (7) A. I. Oparin, The Origin of Life on Earth, pp. xii and 230-1. (8) J. D. Bernal, The Origin of Life, p. xv. (9) Engels, Dialectics of Nature, p. 13. (10) J. B. S. Haldane, The Rationalist Annual, 1929. (11) Engels, The Dialectics of Nature, p. 16. (12) Scientific American, 239 [1978].(13) Oparin, op. cit., p. 2. (14) Bernal, op. cit., p. 26. (15) Engels, Dialectics of Nature, p. 282. (16) R. Buchsbaum, Animals Without Backbones, Vol. 1, p. 12. (17) S. J. Gould, The Panda‘s Thumb, p. 181. (18) Scientific American, 239, [1978]. (19) Quoted in R. Lewin, Complexity, Life at the Edge of Chaos, p. 51.(20) F. H. T. Rhodes, The Evolution of Life, pp. 77-8. (21) S. J. Gould, Wonderful Life, pp. 60, 64 and 23-4.(22) S. J. Gould, Ever Since Darwin, p. 14. (23) S. J. Gould, Wonderful Life, p. 54. (24) Engels, Anti-Dühring, pp. 26-7. (25) Rhodes, op. cit., pp. 138-9. (26) Gould, Ever Since Darwin, pp. 107-8. (27) MESC, Engels to Schmidt, 12 March 1895.

يتبع...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,163,866,247
- الاتحاد السوفييتي: محاولة لتفنيد بعض جوانب التشويه السياسي ا ...
- الكذب المتعلق بتاريخ الاتحاد السوفييتي
- تعريف حول الكسندر اوبارين، والانتقال من المادة اللاحية الى ا ...
- الفلسفة، العلم والوعي اليومي
- الأيديولوجيا والوهم
- حول مؤتمر التطوير التربوي، والعملية التربوية التعليمية ما بي ...
- ابواق الدعاية الدينية المحافظة فيديو (قانون الأرزاق)


المزيد.....




- مايكروسوفت ستوقف دعم -ويندوز- الهواتف
- بالسخرية والخيال.. كاتب فرنسي يقتحم الفضاء قبل قرون
- الرئيس الإيراني ينتقد الرقابة على الإنترنت في بلاده
- بعد غوغل.. روسيا تستهدف تويتر وفيسبوك
- روسيا: الآلاف في المياه المجلدة بمناسبة عيد الغطاس
- الكشف عن الملاريا غير المنجلية في عظام مصرية قديمة
- أخيرا.. العلم يؤكد طول اليوم على زحل
- شيء آخر غير -الكوكب التاسع- يتلاعب بنظامنا الشمسي
- مفاجأة... اعتزالك مواقع التواصل الاجتماعي لا يحمي خصوصيتك
- الاتحاد الأوروبي يؤكد عدم وجود مشاكل في توريد الغاز الطبيعي ...


المزيد.....

- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة
- تفكيك الجينوم وبنية الإنسان التحتيّة / بهجت عباس
- كتاب ” المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” / نبيل حاجي نائف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - مالك ابوعليا - كيف نشأت الحياة؟