أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبد المجيد السخيري - ثورة 1917 العظمى: المجموع والباقي(2)















المزيد.....

ثورة 1917 العظمى: المجموع والباقي(2)


عبد المجيد السخيري
الحوار المتمدن-العدد: 5714 - 2017 / 11 / 30 - 17:40
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


لم تكن الثورة الروسية كما توصف في كتب التاريخ، أو البلشفية نسبة إلى جماعة البلاشفة بقيادة لينين، ثورة كاملة بعدما خسرت الكثير من "هويتها" الاشتراكية والبروليتارية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، أي بعد وفاة لينين بسنوات قليلة، قبل أن تختفي بصورة نهائية مع نهاية الثمانينيات من نفس القرن، أي بعد أقل من ستين عاما على وصول ستالين وحلقته إلى مركز القيادة على رأس الحزب والدولة. إلا أن هذه الثورة ستظل مع ذلك من أعظم الثورات في تاريخ الانسانية جمعاء، ليس فقط بفضل لونها الإيديولوجي أو السياسي الذي جعلها وريثة لكفاح طويل خاضته طبقات وشعوب من أجل طرد الظلم والاضطهاد والقهر من العالم، وإنهاء علاقات الاستغلال بين البشر، ووضع أسس نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يقوم على العدالة والمساواة والتضامن والحرية، وإنما لأنها كذلك ثورة غيّرت العالم بصورة غير مسبوقة، وقلبت الموازين والمفاهيم في العلاقات بين الأمم والدول والأفراد بشكل لم يحدث مع أي ثورة أخرى. فما وقع في روسيا القيصرية قبل مائة عام هو بلا شك الحدث الأبرز في تاريخ الانسانية، بعد حدث الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، بل إنه الحدث الاستثنائي في القرن العشرين الذي لا يناظره أي حدث آخر في الأهمية وديمومة الأثر والنتائج والأصداء الدولية.
صحيح أن الثورة لم تكن اشتراكية تماما كما كان يحلم بذلك قادتها وجماهير العمال والفلاحين والشعوب والقوميات المختلفة في عموم روسيا الامبراطورية الآفلة، إلا أنها مع ذلك حققت الكثير من الإنجازات العظيمة في ميادين شتى، ونقلت شعوب الامبراطورية المهزومة من عهد التخلف والبؤس والفقر إلى مراتب الأمم المتحضرة والمتقدمة، بل وجعلت من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية دولة عظمى يُحسب لها ألف حساب في العلاقات الدولية وعلاقات القوة، بصرف النظر أيضا عن الانحرافات الخطيرة التي نجمت عن تصرف القيادة السياسية والعسكرية بموجب عقيدة الدولة العظمى، خاصة بعد نهاية الحرب "العالمية" الثانية، وبشكل خاص في علاقاتها مع الحلفاء من الدول والأحزاب والقوى الاشتراكية والثورية في جل بقاع العالم.
منجزات الثورة
بالنسبة للكثيرين اليوم لا تعدو الثورة البلشفية ذكرى من ماض ذهب بلا رجعة، بل وهي ذكرى تقترن عند خصومها التاريخيين بمواجع وذكريات أليمة، وعند مناوئيها الإيديولوجيين بصورة نمطية كرستها الهجمات المنسقة للدعاية الرأسمالية عن طبيعتها العنيفة والتوتاليتارية. وقد رأينا كيف عمدت وسائل الاعلام إلى استدعاء حفدة القيصر ورجال الكنيسة الأرتوذوكسية لإحياء تقاليد روسيا القيصرية نكاية في الثورة وفي الذين يحلمون بعودتها، أو على الأقل يأملون بإعادة الاعتبار لمنجزاتها بعد أن آلت أحوال شعوب الاتحاد السوفياتي السابق إلى تدهور شامل على مستوى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وأضحى الفقر والبؤس من مظاهر حياة عادية لم تكن مألوفة أيام الاتحاد على علات ما كانت عليه الأوضاع الاقتصادية بعد التخلي عن السياسة الاشتراكية، والانغماس في سباق التسلح المجنون منذ نهاية الحرب الثانية.
وقبل طرح أهم أطر تفسير منجزات ومكتسبات الثورة العظمى، وليس سرد المعطيات الجزئية الذي ليس بوسعنا القيام به في الحيز الضيق للورقة، ينبغي أن نسجل بداية أن أهم إنجاز حققته الثورة على المدى الاستراتيجي سيظل هو افتتاح عصر جديد كان يُعرف حتى عهد قريب بعصر "الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية"، بكل ما تحيل عليه مقولة العصر هنا من دلالات التحول الجذري في الرؤى والمنظوريات والمفاهيم المؤسسة لتصور مستقبل جديد للإنسانية في ضوء الصراع العالمي مع الرأسمالية في طورها الامبريالي.
1- هي أولا ثورة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي داستها كل الأنظمة الطبقية منذ ظهور وتكوُّن النظام العبودي، وبلغ انتهاكها في العصر الرأسمالي مستوى متقدما من التركيز، خاصة بالنسبة للطبقة العاملة وجماهير الفلاحين الفقراء والمعدمين وجيوش العاطلين عن العمل والمسحوقين من فئات مختلفة أخرى. فقد استطاعت الثورة أن تضع برنامجا طموحا لتحقيق العدالة الاجتماعية بمفهومها الاشتراكي العميق من خلال مكافحة فعلية للفقر والجوع وتوفير الخبز والسكن للجميع، رغم الظروف القاسية التي فرضتها الثورة المضادة، ونتائج الحرب الأولى وسياسات التخريب الاقتصادي التي نهجتها الطبقات الرجعية في آخر محاولاتها لاسترجاع نظامها المنهار واستنزاف طاقة الثورة وإنهاك قواها في الصراع والحروب. بل إن ما حققته الثورة في الميدان الاجتماعي كمحاربة الأمية، حقوق المرأة، تعميم التمدرس، ونشر الثقافة الراقية في صفوف الشعب، والتعليم والصحة العمومية وغيرها، ليعد من معجزاتها إن كان التعبير يصلح لوصف ما حققته الثورة في هذا الباب في ظرف وجيز جدا. وقبل كل شيء سنت الثورة قوانين جديدة جذرية لحقوق الجماعات الخاصة والقوميات والأقليات، رغم بعض الأخطاء المرتبكة في هذا الاتجاه كما سنعود إليها في القسم الثالث من هذه الورقة. كما أنه لا يمكن أن نتذكر الثورة البلشفية دون أن نذكر الاصلاحات الجذرية التي قامت بها في الميدان الفلاحي والزراعي، رغم حجم التحديات والمشاكل الخطيرة التي واجهتها في البداية بسبب تجذر الموروث الاقطاعي في البنية الاجتماعي الروسية. فقد كان الفلاحون في البوادي من أكبر المستفيدين من منجزات الثورة بفضل إعادة تنظيم الملكية وتحسين شروط الانتاج وتطوير وسائله وظروف عيش المزارعين والعمال وحمايتهم بالحقوق الاجتماعية غير المسبوقة، هذا دون أن نتحدث بالطبع عن العمال الذين أصبحوا القوة الرائدة للمجتمع الجديد في السنوات الأولى للثورة، بفضل مكتسباتهم النقابية وتنظيمهم المحكم ومشاركتهم القوية في الثورة، ودورهم في مجالس المصانع ومشاركتهم في التخطيط الاقتصادي، وهو أمر لم يكن عاديا في حينه.
2--ثورة سياسية واسعة وعميقة في مجال الديمقراطية رغم أن هذه الأخيرة هي ما شكل دوما كعب أخيل الثورة، والذي جعل الهجوم عليها أسهل، وأجج الدعاية المناهضة للثورة في أوساط المثقفين بالخصوص. صحيح أن الثورة لم تذهب بعيدا في هذا الاتجا بسبب الظروف القاسية للحرب الأهلية ما بين 1918 و1921، والحصار الذي ضربته القوى الامبريالية والرأسمالية على الدولة الجديدة، إلا أنها مع ذلك فتحت امكانات جديدة في التفكير في المسألة الديمقراطية، وأفسحت لشروط جديدة لممارستها من خلال كشف عيوب ونواقص الديمقراطية البرجوازية.
3--هي ثورة ثقافية وعلمية بالمعنى الحقيقي للكلمة بفضل منجزاتها الباهرة، قياسا لقصر المدة الزمينة التي تحققت فيها، في ميدان الصناعة والزراعة وتطوير التقنيات، وإطلاق برامج البحث العلمي وغزو الفضاء، وتكوين الكوادر العلمية في مختلف قطاعات العلوم التجريبية والإنسانية، ما أفسح المجال لازدهار ثقافة جديدة في عموم الجمهوريات الاشتراكية المتحدة.
4-هي ثورة من أجل السلام العالمي معادية للحرب، وهو ما تجلى في القرار الفوري الذي اتخذته الثورة المنتصرة بوقف مشاركة الدولة الجديدة في المجازر الامبريالية المقترفة إبان الحرب "العالمية" الأولى. بل إن الثورة ذهب بعيدا في فضح أسرار الامبراطورية القيصرية وحلفائها من الدول الامبريالية، ونشر الوثائق التي تعري مخططاتها في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين الدول المشاركة في الحرب، ما كان تأثير كبير في الرأي العام الدولي الذي سيكتشف لأول مرة كثيرا من أسرار القوى الاستعمارية والدول الامبريالية على سياسات النهب المنظم لخيرات ومقدرات الأمم والشعوب الضعيفة.
5-وهي بالتالي كذلك، ثورة تحررية مناهضة للامبريالية، ومناصرة لقضايا الشعوب المضطهدة والمستعمرة. أي ثورة تحرر وطني بما أقدمت عليه الحكومة الثورية من إجراءات فورية بعد استلام السلطة، مثل منح فينلندا ودول البلطيق استقلالها الوطني، كما قامت الثورة في السنوات الموالية بمتابعة برنامج طموح للتحرير الوطني على مستوى تراب الامبراطورية السابقة، بإعطاء الشعوب والقوميات حق تقرير مصيرها، وهو ما قاد في عام 1921 إلى تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.
6- وهي أخيرا وليس آخرا ثورة ملهمة وحاملة للوعد الكوني، وقد انتشرت في العالم كله ووصلت أخبارها إلى كل بيت، فألهمت شعوبا وأمما في القارات الخمس للعالم للقيام بثوراتها، وهو ما حدث بالفعل على امتداد سنوات من انتصار ثورة أكتوبر في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا وغيرها، حيث اتخذت الثورات المختلفة من الدولة الجديدة حليفا أساسيا لها، وتشكلت الأحزاب الشيوعية في أغلب بلدان العالم بشكل غير مسبوق في تاريخ الانسانية. إضافة إلى ذلك، ساعت الثورة المنتصرة طبقات مستغلة على تحسين ظروفه الاجتماعية وانتزاع مكاسب اقتصادية مهمة، بمثل ما دعمت كفاحات أمم مضطهدة من أجل تحررها واستقلالها.
(يتبع)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ثورة 1917 العظمى: المجموع والباقي(1)
- الإضراب عن الطعام في سجون المغرب(2)
- قناع المثقف
- قصائد مقاتلة(2): الحرية ل-بول إيلوار-
- الإضراب عن الطعام في سجون المغرب(1)
- في انتظار الملك!
- تهويدة البصل
- المهرجانات الفنية بالمغرب: تمسرح السلطة والسيطرة الناعمة
- لجنة الحراك الشعبي آيت يطفت/إقليم الحسيمة: الملف المطلبي
- النظام المغربي يسخر البلطجية وأعوان السلطة لنسف الحراك الشعب ...
- كاهن المملكة
- لجنة الحراك الشعبي بآيت يطفت/بلاغ إلى الرأي العام الشعبي
- يسار الملك
- والآن ماذا سنفعل بدون كرة القدم؟
- دورات تكوينية في التواصل السايسي والترافع وميزانية النوع
- راهنية ماركس*
- ماركس اليوم*
- عدد خاص لمجلة نوافذ حول: راهنية كارل ماركس
- بلاغ وبيان للجمعية المغربية لحقوق الانسان -فرع العرائش/شمال ...
- بلاغ وبيان للجمعية المغربية لحقوق الانسان -فرع العرائش/شمال ...


المزيد.....




- الكرملين: لا يوجد بديل لمجلس الأمن الدولي
- بوتين وماكرون يتفقان على العمل لاستئناف المفاوضات السورية
- -داعش- يهدد باستهداف مراكز الاقتراع في العراق
- هامبورغر من اليرقات في ألمانيا
- الحرب الخفية.. والقاعدة الجوية الأمريكية -201- في النيجر!
- المعارضة السورية: واشنطن غير قادرة على تحمل عواقب انسحابها م ...
- لافروف يعلق على دعوة ماكرون: هذا موقف استعماري!
- ثلة من الجنود تنضم للاحتجاجات في أرمينيا ووزارة الدفاع تتوعد ...
- وزير إسرائيلي يهدد باغتيال الأسد
- المجلس الوطني الفلسطيني.. البرلمان المعطل منذ عقدين


المزيد.....

- اﻹنسانية مدينة، وستبقى، لثورة أكتوبر / نعيم الأشهب
-   الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف (1985-1987) - 1 ... / ماهر الشريف
- اوكتوبر وقضية المرأة / عبلة أبو علبة
- ثورة تشرين الأوَّل/أكتوبر وانهيار الاتّحاد السوفييتيّ / سعود قبيلات
- كيف نقيم ثورة أكتوبر؟ / هشام غصيب
- أثر ثورة اكتوبر على -المسألة النسائية- / ليلى نفاع
-  الاتحاد السوفييتي في عهد بريجنيف - الذكرى المئوية لثورة أكت ... / ماهر الشريف
- الجنس والثورة الروسية / بيتر دروكر
- في مناسبة مرور مائة عام على ثورة اكتوبر الاشتراكية / غازي الصوراني
- ثورة أكتوبر وتحرر النساء / رضا الظاهر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبد المجيد السخيري - ثورة 1917 العظمى: المجموع والباقي(2)