أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد السلام انويكًة - في إغناء الفكر الإنساني.. بين ابن خلدون ومكيافيلي.















المزيد.....

في إغناء الفكر الإنساني.. بين ابن خلدون ومكيافيلي.


عبد السلام انويكًة

الحوار المتمدن-العدد: 5707 - 2017 / 11 / 23 - 14:56
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


توافقت أفكار كل من ابن خلدون ومكيافيلي علماً أن العلمين عاشا في محيطين حضاريين متعارضين، بدون أي دليل في تأثير الأول على الثاني. ويتأسس رأي عبد الله العروي صاحب مؤلف "مفهوم التاريخ" حول هذا التوافق على ثلاث عوامل أساسية: تجربة في الحياة متشابهة، ظروف اجتماعية تاريخية متقاربة، ومواقف معرفية واحدة. فابن خلدون عاش في شمال افريقيا قبل أن يرحل إلى المشرق، ولم يتعرف على أروبا المسيحية إلا من خلال سفارة قصيرة المدة لدى ملك قشتالة في اشبيلية. كما أن مكيافيلي عاش طوال حياته في فلورنسا، ولم يخرج عن إيطاليا إلا لفترات قصيرة في سفارات لدى أمراء فرنسا وألمانيا. وابن خلدون عاش في ظل كيانات ضعيفة منحطة 1332- 1406، خلافاً لمكيافيلي الذي عاش في زمن نهضة وبداية تفوق أروبي.
وإذا كان هناك اختلاف في ظروف زمان ومكان الرجلان فهناك تشابه بينهما من حيث التجربة، عندما اقتنع مكيافيلي بأن دوره السياسي قد انتهى فتوجه إلى مكان بعيدا عن فلورنسا وتفرغ لدراسة تاريخ روما فألف كتاب "الأمير"، أما ابن خلدون فقد ودع السياسة في بداية عقده الخامس ليتفرغ إلى كتابة التاريخ. وعليه، فالرجلان يلتقيان في نسق واحد هو من السياسة إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى قوانين ثم إلى علوم جديدة تبحث في أعمال الإنسان. إن الخطوة التي ميزت كل من ابن خلدون ومكيافيلي داخل حضارتيهما وقربت بينهما وقادتهما إلى أحكام متشابهة، هي رفضهما المبدئي للطوباويات والإيمان بالواقع والوقائع. مع أن هناك خطوة ثانية تتعلق بالأدلة والبراهين لدراسة الحياة الواقعية، وأن ما يميز ابن خلدون ومكيافيلي هو دراستهما للواقع دراسة عقلية. وكلاهما اكتشفا معا قاعدة الاجتماع والسياسة، وفي هذا الاكتشاف يكمن سر التقارب وأحيانا التطابق في الأفكار والتحليل، ومن هنا قيمة الإشعاع الفكري العلمي والتنظيري عند ابن خلدون في حوض المتوسط وبالنسبة للفكر الإنساني ككل.
يقول ابن خلدون في المقدمة: فصل في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، "والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن، أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس، ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجات ...". إن هذا الطرح الخلدوني حول فصل العلماء عن السياسة، يدفعنا للتساؤل حول ماهية العلم المقصود في النص ومفهوم السياسة عند ابن خلدون، وأي علماء هل الواقعيين المنخرطين أم المنظرين المجردين المثاليين البعيدين عن الواقع وعن متطلباته. وقد بين ابن خلدون بوضوح في آخر هذا الفصل أن أهل العلم المقصودين بهذا الابتعاد عن السياسة، بقوله: "ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوسات". ولهذا يرى ابن خلدون أن التنظير هو ذلك الذي ينبني على كل ما هو ممارسة ومعايشة للأحداث، وهو نفسه كان من الممارسين للسياسة ولما انفصل عن الجو السياسي قارب السياسة برؤية واقعية لِما تقتضيه في الحكم. وقد كان ابن خلدون بهذه الطروحات العلمية في مجال فصل العلم عن السياسة، بأثر في مفكري زمانه وفي الفترات اللاحقة ومن هنا إشعاعه العلمي والنقدي والمنهجي.
معروف على أن العلوم الاجتماعية نشأت وتطورت داخل المؤسسات الجامعية ومدارس العلوم الإنسانية، خلافاً لِما حدث بالنسبة للخلدونية والماركسية. فالخلدونية جاءت كحصيلة شروط عيش مر بها ابن خلدون ضمن سياقات تاريخية وعوامل تشكل وتكون "العصبية"، التي ترتبت عنها مؤسسات سياسية (كيانات حاكمة). وبعبارة أخرى التجارب السياسية (دولة المغرب العربية الإسلامية) نشأت فعليا وموضوعيا خلال العصر الوسيط، ومن خلال الفلسفة العامة (المجتمع)، الدين الإسلامي، والتحالفات ذات الأبعاد الاقتصادية، الاجتماعية والحضارية والاديولوجية. كما أن الخلدونية نشأت من خلال الانتقال من العمران البدوي إلى العمران الحضري، أي في فترة ولادة وانحلال السلطة السياسية الحضارية. والخلدونية تجربة اجتماعية (مغربية) (المغرب الجزائر، تونس)، وهي نظرية تشكلت نتيجة فلسلفة عيش ومراقبة فعالة ومشاركة عملية، ونتيجة التزام موضوعي يقوم على شروط معارف علمية واديولوجية، وفي مجتمع هو الغرب الإسلامي خلال القرن الرابع عشر الميلادي. كما أن الخلدونية تؤكد وترى أن التكون الحضاري من خلال العمران البشري، يترتب عنه تشكيل أنظمة سياسة تقوم على العصبية بعيدا عن أي صراع للطبقات كما تتحدث عنه الماركسية، وأن العصبية هي وجدان موضوعي وذاتي يوجد عند الفرد والجماعة وأنها ضرورة وجود واستمرارية. وتختلف الخلدونية عن الماركسية اختلافا كبيرا خاصة فيما يتعلق بمصدر تكون السلطة (الدولة)، فابن خلدون وماركس يتفقان في أن الدولة ليست واقعا ولا كيانا منفصلا على الشروط والعلاقات الاجتماعية، لكنهما يختلفان في مصدر وعامل تكون السلطة (العصبية. الطبقة. النخبة). ويرى ابن خلدون أن السلطة هي أمر طبيعي يتحقق به إدماج الأفراد اجتماعيا واقتصاديا وحضاريا وإيديولوجيا، وأن الدولة هي اتحاد الأفراد ضمن عصبية.
طرح ابن خلدون في مقدمته الشهيرة كثيرا من المبادئ والأسس ذات العلاقة بالمعرفة وبالعلوم، لكن ما أورده في مجال الاقتصاد تجعله أحد رواد الفكر الاقتصادي السياسي قبل " أدم سميث" بقرون(380 سنة). وأفكار ابن خلدون لم تؤسس لعلم الاقتصاد من خلال حديثه عن الإنتاج والعرض والتكلفة فقط، بل أفكاره كانت رائدة حول مسألة الاستهلاك والمنفعة والطلب والتي تشكل قواعد نظريات علم الاقتصاد الحديث. وهو ما يتبين في فصول "المقدمة" الخاصة بمعنى التجارة ومذاهبها وأصنافها، ونقل التاجر للسلع والاحتكار. والصنائع تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها". فنظرية القيمة التي يرجعها معظم مفكري الغرب الاقتصاديين إلى "أدم سميت" وإلى "دافيد ريكاردو"، كان ابن خلدون سباقا إليها. فالعمل عند هذا الأخير هو مصدر القيمة وأساسها، ومن هنا فهو أول من حاول تفسير ظاهرة الفروقات المالية في الدخل، وربط هذه المسألة بالنوعية في المهارة وحجم السوق والمكان والحرفة والقدرة الشرائية، ويرى أنه كلما زاد الطلب على سلعة ما ارتفع دخل صانعها ففي هذا الصدد يقول:" وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إليها النفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فتجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم، وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لا تنفق سوقها ولا يوجه قصد إلى تعلمها فاختصت بالترك وفقدت للإهمال". وإذا كان الاقتصاديون قد تحدثوا في أدبياتهم على أن الربح هو ثمن المخاطرة، فإن ابن خلدون كان قد سبق إلى قواعد نظرية الربح فقال: "اعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال، بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء... وذلك القدر النامي يسمى ربحا،. فالمحاول لذلك الربح إما أن يختزن السلعة ويتحين بها حوالة الأسواق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه". لقد كان ابن خلدون من أنصار الملكية الخاصة على أساس أنها من محفزات الفرد، وأن نزع الملكية أشبه بعملية انتحار ذاتي وجماعي وشكل من أشكال تخريب وخراب اقتصادي.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,715,523
- ابن خلدون.. بين هيبة جرأةٍ علميةٍ.. وتحْليلِ عَالِمٍ
- المغرب الدبلوماسي.. وأمريكا اللاتينية..
- تازة في جيولوجيا المغرب..الزمان..المكان..الموقع..والكونية (. ...
- تازة: النسيج الجمعوي والفعل الثقافي الشبابي الدولي
- تازة على عهد الحماية وملحمة ابن عبد الكريم الخطابي بالمغرب
- تازة...في ذاكرة حرب الريف بالمغرب ؟؟
- اذاعة فاس.. بين عبق مدينة وذاكرة وطن...
- تازة: الأطباء في موعد علمي ربيعي حول الخطأ الطبي.
- المشترك التاريخي الدبلوماسي بين المغرب وأمريكا الجنوبية
- المغربي التازي إدريس دلاس ورقم قياسي جديد في كتاب كًينز.
- في التأليف حول العلاقات المغربية الأمريكية...
- حول الكتابة في حقل تاريخ المغرب العسكري المعاصر
- حول تاريخ الصحافة المغربية المكتوبة.....
- المعهد الموسيقي بمدينة تازة المغربية....
- الطفولة والصورة وسينما الهواء بالمغرب
- الكهوف والمغارات بين الثقافي والطبيعي والانمائي
- فاس : الملتقى الجهوي الأول للمؤرخين الشباب المغاربة.
- تازة: المجتمع المدني المحلي والوطني والدولي يتدارس مسألة -ال ...
- تازة: عبد الرحمان بنعمرو...في لقاء تواصلي...اليسار لايزال وس ...
- عندما ينصت الفعل السينمائي للناشئة في عين المكان.


المزيد.....




- توب 5.. ملخص بأبرز قصص المنطقة والعالم في 7 يوليو
- تقرير أغنيس كالامار: قتل قاسم سليماني غير شرعي ويُمثل خرقا ل ...
- الكونغو برازافيل: فيديو يظهر فتى وُجِد في محرك طائرة يهز الم ...
- إسرائيل تعيّن أول سفير عربي يمثلها في الخارج
- نصر الله: التوجه شرقا لا يعني أن ندير ظهرنا للغرب ولا مانع ل ...
- اللوفر يفتح أبوابه
- سلاح البحرية الروسي يتسلم قريبا دفعة من الزوارق القتالية الس ...
- عبد الله الثاني: الأردن سيخرج من أزمة كورونا أقوى مما دخلها ...
- -قسد- تبحث مع القوات الروسية في سوريا الانتهاكات التركية
- الأمة السوداني يرفض تمديد الفترة الانتقالية


المزيد.....

- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد السلام انويكًة - في إغناء الفكر الإنساني.. بين ابن خلدون ومكيافيلي.