أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - الهادي هبَّاني - في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتي والدروس المستفادة















المزيد.....



في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتي والدروس المستفادة


الهادي هبَّاني
الحوار المتمدن-العدد: 5683 - 2017 / 10 / 29 - 11:16
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة
أهم أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتي والدروس المستفادة
(1)
إذا كانت تجربة الإتحاد السوفيتي الاشتراكية أُريد لها أن تُصبح نواة للاشتراكية، ولتتسع وتعم العالم بأكمله، وتجعل منه عالماً جديداً خالياً من الإستغلال، وتُصبح مركز الإشعاع الذي يضئ الطريق للتجارب الاشتراكية الأخري في العالم. فإن إنهيارها أيضا يمثل إشعاعاً مضيئاً وتراثاً عظيما تُؤخذ منه الدروس والعِبَر لكل الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم، والشعوب التي تؤمن بالاشتراكية وتتوق لها.
لقد جاء انهيار الإتحاد السوفيتي أو بالمعني الأصح، فشل التجربة الاشتراكية السوفيتية نتيجة لتراكم العديد جدا من الأسباب يمكن تلخيص أهمها في خمسة محاور هي: أولا: الجمود وسيادة الطابع الستاليني للتجربة برمتها والذي تشتق منه المحاور الأربعة الأخري، ثانيا: الفشل في إدارة الصراع الفكري وحسمه داخل الحزب الشيوعي السوفيتي، ثالثا: التدهور الإقتصادي نتيجة التوسع في الإنفاق العسكري والتركيز علي الصناعات الثقيلة، رابعا: الفشل في معالجة مسألة القوميات، خامسا: غياب الديمقراطية.
صحيح أن انهيار حائط برلين وسقوط التجربة الاشتراكية في دول شرق أوروبا، والدور الإعلامي للإمبريالية العالمية كان لها دور في استكمال سقوط الإتحاد السوفيتي في مراحله الأخيرة. إلا أن جذور عملية السقوط تعود للأساس الذي قامت عليه التجربة وبدأ يتآكل شيئا فشيئا عبر مراحل عدة من الصراع الإجتماعي المعقد دون أن يدرك القائمين علي التجربة بأن هذا التآكل يقودهم بخُطًى ثابتة نحو الفشل. فالأحداث الأخيرة لسقوط الإتحاد السوفيتي هي مجرد عرض ومن المفيد محاولة تشخيص المرض.
أولا: الجمود وسيادة الطابع الستاليني
من السهولة القول أن فشل التجربة السوفيتية جاء نتيجة للتطبيق الخاطئ للنظرية الإشتراكية كما ادعت كثير من الأحزاب الشيوعية التي حار بها الدليل وقتها ولم تكن جاهزة لمواجهة الصدمة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، والتي كانت تري في تجربة الإتحاد السوفيتي النموذج الذي تنطلق منه كل التجارب الإشتراكية في العالم. لكن، مثل هذه الإجابة تعتبر تكريس للجمود نفسه، ومحاولة لإعادة إنتاجه في ثوب جديد. فلم تشتمل أفكار ماركس وأنجلز علي وصفة أو قالب معين للاشتراكية صالح لكل زمان ومكان. فماركس وأنجلز كما يقول الراحل نقد وتصدقه كل كتاباتهما وإسهاماتهما ورسائلهما المنشورة، لم يدعيا طوال حياتهما ونضالهما المشترك أنهما صاغا نظرية علمية شاملة مكتملة ونهائية للاشتراكية. لم يدعيا أنهما صاغا نظرية كونية الأبعاد سرمدية المدى. وأبرز دليل علي ذلك مقولة ماركس نفسه في رده علي مجموعة من الإشتراكيين الفرنسيين الذين كانوا يُحَرِّفُون أفكاره ويحوِّلون الماركسية والإشتراكية لقوالب ونصوص جامدة، "كل ما أعرفه أنني لست ماركسيا" (نقد، 2002).
وبالتالي لا يوجد نموذج أو تصميم معين للإشتراكية له معايير ومقاييس وأبعاد خاصة وكتالوج مرفق، حتي نستطيع أن نعاير تجربة الإتحاد السوفيتي به ونقول أن التجربة السوفيتية فشلت في تطبيقه أو أخطأت في تركيبه.
فكما كان يقول الراحل نقد دائما أن كل شعب سيكون له تجربته الاشتراكية الخاصة به وفقا لظروفه وواقعه الإجتماعي وموروثه. وبالتالي فإن نجاح الإشتراكية في هذا البلد أو ذاك يعتمد بالدرجة الأولي علي قدرة الحزب الشيوعي في فهم الواقع الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والثقافي للبلد الذي هو جزء منه ويناضل فيه، فهما عميقا يستطيع معه صياغة برنامج يتناسب مع واقع هذا البلد ويلقي قبولا وتفاعلا من قطاعات واسعة من الجماهير.
فهم ستالين الجامد للإشتراكية وعدم إدراكه لواقع الصراع الطبقي وتباين الأنماط الإقتصادية والاجتماعية المتخلفة السائدة في بلاده آنذاك، جعلته يحصر الفكر الإشتراكي ويختصره في مصطلح "الماركسية اللينينية" الذي صاحب التجربة حتي نهايتها. وأصبح مصطلح الماركسية اللينينية وفقا لذلك بمثابة إنجيل، وتحولت أفكار ماركس، أنجلز، لينين، ستالين إلي نصوص وتعاليم طوال عمر التجربة وحتي قُبَيل الإنهيار. لقد كانت الماركسية اللينينية كمصطلح يكرِّس الجمود، هي الغطاء الذي استخدمه ستالين لفرض سطوته وتسلطه. وقد أعطي لنفسه سلطات واسعة في دستور مايو 1924م بعد مرور أربعة أشهر فقط من وفاة لينين في 21 يناير 1924م تحت تأثير رصاصة مسمومة جعلته يلازم الفراش والعزلة حتي رحيله.
لينين أدرك مؤخرا بعد إنتصار الثورة أن الواقع الإجتماعي والطبقي لروسيا وغيرها من الجمهوريات التي شكلت الإتحاد السوفيتي واقعاً يختلف تماماً عن واقع دول أوروبا الغربية خاصة بريطانيا والمانيا اللتان خطت فيهما الرأسمالية خطوات متقدمة، وتنبأ ماركس من قبل باندلاع الثورة الاشتراكية في إحداهما. ولذلك توصل إلي أن الاشتراكية في ذلك الواقع المتخلف وريث الإمبراطورية الروسية الإقطاعية المنهارة، لا يمكن أن تنجح وتتحول إلي تجربة قابلة لتطوير نفسها بتصورات ونصوص جامدة وقرارات وسياسات فوقية تُفرَض قسراً علي إرادة شعوب الإتحاد السوفيتي. لذلك فقد طرح في خطابه الموجه للمؤتمر العاشر للحزب الشيوعي في مارس 1921م ما عُرِف تاريخيا ببرنامج لينين للتحولات الإشتراكية أو (السياسة الاقتصادية الجديدة) (NEP) أو (النيب) الذي اعتبرته التيارات اليسارية المتطرفة داخل الحزب البلشفي وخارجه، خروجا عن مبادئ الاشتراكية والنظرية الماركسية.
فقد استندت السياسة الاقتصادية الجديدة إلي واقع بلاده متعدد الأنماط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعرقية والقومية. وأنه واقع اجتماعي متخلف يتميز باتساع فئات الفلاحين، وضعف الطبقة العاملة والرأسمالية معا، وتدني مستوي القوى المنتجة، والتعليم، والثقافة، وتخلف علاقات الانتاج السائدة. وهو واقع لا يمكن إغفاله أوتجاهله، والقفز فوقه إلي خطوات اشتراكية متقدمة لا يتقبلها، كسياسة التأميم والمصادرة التي قامت بها الدولة مباشرة بعد انتصار ثورة 1917م. باعتبار أن الاشتراكية لا يمكن أن تُبني إلا في ظل مجتمع صناعي زراعي متقدم. وبالتالي فإن التحول للاشتراكية في نظره لا يتم إلا عبر مراحل وبالتدريج. وأن هذا الإنتقال التدريجي يتم بالضرورة عبر فترة طويلة من الزمن. لذلك فقد بَيَّن أن سياسة النيب تحتاج لفترة طويلة تستمر لعدة حِقَب.
وقد نادي في خطابه بضرورة التعاون مع المعطيات الرأسمالية الداخلية والخارجية لأنهم في مرحلة تحول، وثورتهم محاطة ببلدان رأسمالية لا يمكن الانعزال عنها. ولذلك فقد قدم تنازلات سياسية واقتصادية وعسكرية في معاهدة (برست) في مارس 1918م مع دول المركز التي اقتلعت مساحات كبيرة من الإمبراطورية الروسية، وتابع ذلك برفع شعار التعايش السلمي مع أوروبا الرأسمالية، وحذر في مؤلفاته الأخيرة وهو علي فراش الموت من اختيار ستالين أمينا عاما للحزب ومن مخاطر الصراع بينه وبين تروتسكي (نقد، 2012).
ولذلك فقد اعترف برنامج السياسة الاقتصادية الجديدة الذي طرحه في المؤتمر بدور القطاع الخاص الوطني، ودور الاستثمار الأجنبي. حيث أقرت سياسة النيب علاقات السوق والاقتصاد السلعي، وتعدد القطاعات الاقتصادية لتشتمل علي اقتصاد مختلط، قطاع دولة ، قطاع خاص، قطاع انتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، قطاع تعاوني، بجانب إقرار امتيازات وضمانات لرأس المال الأجنبي بهدف تشجيع الاستثمارات الأجنبية واستقطابها إلي داخل الإتحاد السوفيتي مما يساعد علي التنمية ويؤدي إلي توفير فرص عمل، وإلي إنفتاح البلاد علي العالم، واكتساب خبرات وتقنيات جديدة.
وقد اشتملت سياسة النيب أيضا علي مبدأ الانضمام الطوعي للفلاحين بالتعاونيات، والحافز المادي للعاملين لرفع الانتاجية. لكنه نادي أيضا، بإشاعة الديمقراطية، واستقلال نقابات العمال عن الحزب والدولة، مع حفظ حقها في الإضراب، وبحق تقرير المصير بالنسبة للقوميات المختلفة لحد الإنفصال.
إلا أن ستالين ضرب بسياسة النيب عرض الحائط وأوقف العمل بها عام 1927م بعد أقل من ثلاثة أعوام فقط من وفاة لينين، ودشن سياسة الجمود تحت مظلة مصطلح الجمود "الماركسية اللينينية"، وتعاليم ماركس، لينين، ستالين.
وعلي الرغم من تناوب ستة رؤساء بعد رحيل ستالين إلا أن الجمود ظل باقيا، بل وقد اتسع نطاقه داخل الحزب وداخل أجهزة الدولة حتي نهاية الإتحاد السوفيتي. وتحولت مؤسستي الحزب والدولة معا لمؤسسات بيروقراطية جامدة، وانعكس ذلك علي كل جوانب الحياة بما في ذلك الأدب نفسه. فقد جعل ستالين من الواقعية الاشتراكية المدرسة الأساسية للإبداع الفني والأدبي دون غيرها من المدراس الأدبية والفكرية، خاصة بعد تأسيس إتحاد الكتاب السوفيت في مؤتمره الأول المنعقد عام 1934م، مما انعكس سلبا علي معالجة مسألة القوميات علي نحو ما سنبينه لاحقا.
لقد أصبحت التجربة برمتها حتي قُبَيل إنهيارها، تحت شعار مصطلح الماركسية اللينينية في أذهان القائمين عليها بمثابة نهاية المطاف، واعتقدوا بأنها تجربة غير قابلة للكسر، وستسير دوما وحتما في خط مستقيم. وهي بذلك الفهم لا تختلف في شكلها (دون مضمونها) عن أفكار اللبراليون الجدد وأطروحة نهاية التاريخ لفوكياما.
(2)
ثانيا: الفشل في إدارة الصراع الفكري وحسمه داخل الحزب الشيوعي السوفيتي
الفشل في إدارة الصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي السوفيتي هو في الحقيقة أحد أهم مظاهر هيمنة تيار الجمود الفكري علي الحزب والدولة معا. وقد كان ستالين ومؤيديه يمثلون ذلك التيار إبان فترة صراع البلاشفة والمناشفة، وحتي قُبَيل الموتمر العاشر للحزب الشيوعي في مارس 1921م، واستمر كذلك بعد المؤتمر وخلال فترة ملازمة لينين لفراش المرض وهيمنة ستالين وتيار الجمود الفكري علي كل شئ.
ودون الخوض في تفاصيل وخلفيات صراع البلاشفة والمناشفة، وبين لينين وتروتسكي علي وجه الخصوص حول الخط التوفيقي الذي انتهجه تروتسكي. إلا أن التقارب بينهما (أي بين لينين وتروتسكي)، بالذات بعد خطاب تروتسكي الشهير في مؤتمر لندن عام 1907م، الذي دعي فيه إلي تشكيل كتلة لليسار ضد البرجوازية الليبرالية، بجانب الأفكار الديمقراطية التي طرحها لينين فيما بعد ضمن سياسة التحولات الإشتراكية في المؤتمر العاشر، كانت من أهم العوامل التي دفعت تيار الجمود الفكري للتعجل بالهيمنة علي مفاصل الحزب مستفيدا من السلطات غير المحدودة التي كان يتمتع بها ستالين وقتها، والتي سبق وأن حذَّر لينين منها، وواجه تأثير ستالين السياسي بموجب صلاحياته التي لا تتناسب مع منصب الأمين العام للحزب، وعمل مع تروتسكي لعزل ستالين من منصب الأمين العام للحزب الشيوعي. واقترح لينين كعلاج لذلك تقليل الصلاحيات الإدارية للمناصب الحزبية للحد من تضارب المصالح، واساءة استغلال السلطة، والتأثير البيروقراطي على سياسات الحزب.
وقد فشلت جهود تروتسكي بعد رحيل لينين في مواجهة تيار الجمود الفكري الذي كان قد تمدد وأصبح عصيَّا عن أي إصلاح أو مواجهة. فقد كَوَّن ستالين كُتَل حاكمة داخل الحزب من أنصاره، ظلت ترفض باستمرار المواجهة الفكرية داخل الحزب، وترفض حق خصوم ستالين في المعارضة داخل الحزب الذين كانوا ينادون بحرية التعبير داخل الحزب، وفتح قنوات الصراع الفكري. ومهد ذلك فيما بعد لملاحقة الخصوم ومحاكمتهم صوريا وتصفيتهم والزج بهم في المعتقلات، ونفيهم خارج البلاد.
فقد تعرض جميع أعضاء اللجنة المركزية في حقبة لينين الموجودين داخل الإتحاد السوفيتي للقتل خلال الفترة 1936 - 1939م بعد أن لُفِّقَت لهم تهم بارتكاب جرائم ضد الثورة، والعمالة لهتلر (وودز، قرانت، 2017). وعلي سبيل المثال لا الحصر فيما يلي قائمة بمصير بعض المخالفين في الرأي داخل الحزب (علي، 2006):
1- تم اعتقال 110 من أعضاء اللجنة المركزية المنتخبين في المؤتمر السابع عشر عام 1934م وذلك من مجموع أعضاء اللجنة البالغ عددهم 139 واعدام الكثيرين منهم رميا بالرصاص.
2- في عام 1939م تم اعتقال 1108 مندوب من مناديب المؤتمر المذكور من مجموع 1966 مندوب. ولم يبقى منهم سوى 59 شخصا ساهموا في المؤتمر الثامن عشر.
3- بعد مرور أشهر قليلة من إنعقاد مؤتمر الحزب في جورجيا (مسقط رأس ستالين) في مارس 1937م تم اعتقال 423 مندوبا من مناديب المؤتمر.
4- خلال نفس الفترة تم اعتقال جميع أعضاء المكتب السياسي في كازخستان، وتركمانستان ولم يعرف مصيرهم حتي الآن.
5- في 1938م تم اعدام الجنرال توخاجينسكي القائد الإستراتيجي للجيش الأحمر، وكذلك رئيس الأركان الجنرال ايندوروف الذي هزم اليابان، وذلك في أكتوبر 1938م.
لم يكتفي تيار الجمود الفكري بتصفية وملاحقة أعضاء الحزب المعارضين بالداخل، فقد امتدت سطوته لتلاحق الموجودين خارج الإتحاد السوفيتي أيضا. مقتل بن تروتسكي في باريس، ومقتل تروتسكي نفسه علي يد عميل سوفيتي في منزله بالعاصمة المكسيكية في 20 أغسطس 1940م يقف شاهدا علي ذلك.
غياب الصراع الفكري البنَّاء وإدارته داخل الحزب الشيوعي السوفيتي خلال الحِقبَة الستالينية وحسمه بالتصفية والاعتقال والنفي ظل له بصماته وتأثيره السلبي علي مجمل مسار الصراع الفكري داخل الحزب البلشفي خلال كل الحِقَب التي أعقبت حِقبَة ستالين.
حسم الصراع الفكري بالتصفية والإعتقال والنفي وغيرها من الجرائم التي ارتكبها ستالين في حق المخالفين في الرأي، كانت سبباً مباشراً في غياب مبدأ النقد والنقد الذاتي داخل الحزب كأحد أهم مظاهر الجمود. وذلك نتيجة لسيادة جو الحذر، والخوف، والترصد، وعدم الثقة، وضعف العلاقات الرفاقية داخل صفوف الحزب، وسيادة الطابع التجسسي والإستخباراتي في أجهزة الحزب والدولة معا. وقد كان لذلك دوره المحوري في ضعف الحزب وتحوله لمؤسسة بيروقراطية مما أدي إلي سقوط التجربة برمتها فيما بعد.
وعلي الرغم من أن نيكيتا خورتشوف قد كشف بعد تسلمه للسلطة الجرائم التي ارتكبها ستالين طوال سنوات حكمه وأقصي العديد من أنصاره ومنسوبيه، وأعاد الاعتبار للعديد من أعضاء الحزب والكتاب والأدباء، وأعلن فيما بعد أمام المؤتمر الثاني والعشرين الاستغناء عن دولة دكتاتورية البروليتاريا والاستعاضة عنها بما أطلق عليه (دولة الشعب كله). إلا أن مواقفه تلك لم تكن نابعة في الحقيقة من موقف فكري أصيل من الجمود، وإنما جاءت تعبيرا عن واقع تطور الصراع الطبقي الذي أفرز أحد أبرز فئات البرجوازية الصغيرة ممثلة في المؤسسة العسكرية بقيادة جنرالات الجيش كقوة مؤثرة جدا في صنع القرار السياسي والتي كان خورتشوف، برغم جذوره الطبقية العمالية، جزءا لا يتجزأ منها. فقد كان أحد جنرالات الجيش الأحمر البارزين في جبهات القتال الأمامية ابان فترة الحرب العالمية الثانية.
ولذلك فقد جاء خروتشوف مدعوما من جنرالات الجيش، الذين أصبحوا هم الذين يهيمنون حقيقة علي السلطة في الإتحاد السوفيتي بعد موت ستالين، مدفوعين بخروج الإتحاد السوفيتي منتصرا من الحرب العالمية الثانية، ومتباهين بنجاحهم في هزيمة المانيا وإنقاذ العالم من النازية. في حين أن العمال كان لهم الفضل الأكبر في ذلك النصر، وكانوا في الصفوف الأمامية لجبهات القتال في مواجهة الغزو النازي الذي خسر فيه الإتحاد السوفيتي 20% من عدد سكانه.
فعند بدء الحرب العالمية الثانية واحتلال المانيا النازية لمناطق غرب الإتحاد السوفيتي، تم ترحيل حوالي 2000 مصنع و11 مليون عامل إلى ما وراء الأورال في مواقع معدة سلفا. وفي زمن قياسي تم تنظيم عمل هذه المصانع بقيادة العمال أنفسهم، وتمكنت تلك المصانع من إنتاج 137 ألف طائرة، 104 ألف دبابة، و489 ألف مدفع خلال الفترة 1941-1945م (العلمي، 2017).
كما ألغي تحالف جنرالات الجيش وخروتشوف الخطة الخمسية الخامسة 1951-1955م التي خصصها ستالين لمواصلة ما بدأته الخطة الخمسية الرابعة 1946-1950م لإعادة إعمار الإتحاد السوفيتي بعد الحرب، ولمعالجة أوجه الخلل التي يعاني منها الإقتصاد، وتحقيق زيادة في مستوي معيشة الشعب المادية والثقافية. وقاموا بتنحية مالنكوف من منصب الأمين العام للحزب عام 1953م بعد أن رفض إلغاء الخطة الخمسية باعتبارها مجازة من أعلي سلطة في الحزب ممثلة في مؤتمره العام وليس للجنة المركزية صلاحية إلغائها. وتم تنصيب خروتشوف مكانه. إلي أن تمت هيمنة المؤسسة العسكرية بالكامل علي المكتب السياسي في إنقلاب من تدبير وزير الدفاع جوكوف في يونيو 1957م والذي تم فيه طرد جميع البلاشفة من المكتب السياسي الذين سحبوا الثقة من خروشتشوف، وهو أعلى سلطة في الدولة، والإبقاء على خروتشوف نفسه كأمين عام، وميكويان الذي لم يصوت علي سحب الثقة من خروتشوف أصلا.
وفي عام 1964م انقلب العسكر أنفسهم علي خروتشوف عندما اُستُدعِي إلى مركز الحزب في موسكو وتم الضغط عليه من المؤسسة العسكرية حتي تقدم باستقالته. فقد تدهورت الأوضاع الإقتصادية عام 1963م وارتفعت أسعار اللحوم والمواد الغذائية لمستويات غير مسبوقة بسبب التوسع في الإنفاق العسكري.
(3)
ثالثا: التدهور الاقتصادي نتيجة التوسع في الإنفاق العسكري
علي الرغم من الجمود الذي ميَّز حقبة ستالين والجرائم البشعة التي ارتكبها، إلا أنه نجح في دفع مسيرة التنمية، ويرجع له الفضل في بناء دولة الإتحاد السوفيتي ونقلها من دولة زراعية متخلفة إلي دولة صناعية كبري خلال فترة وجيزة جدا. فقد أصبح الإتحاد السوفيتي وقتها الأول عالمياً في قطاع الطاقة بإنتاجه ما يعادل 20% من النفط العالمي، واحتل المرتبة الثالثة في إنتاج الفحم، وقفز نصيب الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلي ما يفوق 70%، وبلغت نسبة الصناعات الثقيلة حوالي 74% من إجمالي القطاع الصناعي.
لقد انتهج ستالين نظام التخطيط الاقتصادي المركزي. واعتمد سياسة الخطط الخمسية للتنمية التي يُقَرِرُها العمال دون أي تدخل من خارج وحداتهم الانتاجية، ثم يتم مناقشتها واعتمادها في المؤتمر العام للحزب الشيوعي. ومن ثم تلتزم الدولة باعتبارها السلطة التنفيذية، بتنفيذ الخطة ولا يسمح لها بتجاوزها. بهذا النظام الممركز تمكن ستالين من تنفيذ خمسة خطط خمسية ناجحة.
وبرغم نجاح تجربة التخطيط في حقبة ستالين إلا أن أهم سلبياتها تتلخص في أولا: أنها ركزت بشكل كبير علي الصناعات الثقيلة وأغفلت الصناعات الإستهلاكية المرتبطة بحياة الناس اليومية ورفاهيتهم علي نحو ما سنبين لاحقا في هذا الجزء من الورقة. وثانيا: في كون الإقتصاد المخطط يتطلب قدراً عالياً من الديمقراطية لضمان المشاركة والرقابة الشعبية والمحاسبة ومحاربة الفساد، والتي افتقدها الإتحاد السوفيتي خاصة في الحقبة الستالينية التي حَوَّلَت الدولة والحزب لأجهزة شمولية بوليسية وبيروقراطية فاسدة بلا رقيب أو حسيب.
ولعل ستالين قد لجأ إلي هذه القبضة الحديدية لأنه كان في سباق محموم، وتحدي غير معلن لإثبات امكانية نجاح ما كان يتمسك به تيار الجمود داخل الحزب قبل وبعد رحيل لينين القاضي بإمكانية التحول من دولة زراعية متخلفة إلي دولة صناعية زراعية متقدمة دون الحاجة للتحولات التدريجية، وذلك في مواجهة التيار الذي كان يتبناه تروتسكي الداعي إلي اشاعة الديمقراطية وكسر العزلة بين مؤسسة الحزب والدولة من ناحية، وبين الجماهير من ناحية أخري، وانتهاج خط التطور التدريجي لبناء الإشتراكية. وهو ما عبَّر عنه ليون تروتسكي في كتابه (الثورة المغدورة)، الذي لا يزال يعتبر أحد أرفع الكلاسيكيات الماركسية. والذي يعتبر أبرز دعوة من أحد قيادات الثورة البلشفية لمراجعة التجربة والعمل علي تصحيحها. فقد تحدث في كتابه عن ثورة سياسية جديدة لإعادة إحياء الإتحاد السوفيتي. فالبروقراطية الروسية التي كان يمثلها تيار الجمود في نظره، كأي طبقة مسيطرة تفرض علاقات إنتاج تخدم مصالحها في أي مرحلة من مراحل التاريخ، لن تتلاشي أو تختفي من تلقاء نفسها حتي لو كان وجودها يمثل عقبة أمام تطور القوى المنتجة (وودز، 1988).
وقد تم تعديل الخطة الخمسية الثالثة 1938-1942م بسبب إندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال المانيا النازية مناطق غرب الإتحاد السوفيتي، حيث تم تخصيص 50% من الموازنة العامة للحرب. أما الخطة الخمسية الخامسة 1951-1955م فقد تم إلغائها كما أسلفنا بضغط من جنرالات الجيش بالتعاون مع خروتشوف.
فقد صعد جنرالات الجيش في سلم الصراع الطبقي وأصبحوا طبقة متنفذة مهيمنة علي الحزب والدولة. وأن ايقافهم للخطة الخمسية الخامسة كان من أجل تحويل الموازنة المخصصة لتنفيذها للتوسع في الإنتاج العسكري وسباق التسلح مع أمريكا، الأمر الذي يُقَوِّي سطوتهم ويمنحهم امتيازات ومخصصات كبيرة.
ومنذ ذلك الوقت توقف التخطيط نهائيا حتي سقوط الإتحاد السوفيتي عام 1991م، وتحول إلى دولة عسكرية تضع الصرف علي تطوير آلتها العسكرية وسباق التسلح مع أمريكا، خاصة في مجال التسلح الصاروخي والنووي علي رأس أولوياتها.
وكما يقول علماء الإدارة والتخطيط الإستراتيجي (من لا يخطط إنما يخطط للفشل)، فقد بدأ الإتحاد السوفيتي مسيرة التخطيط للفشل بعد أن توقف عن الخطط الخمسية نهائيا حتي سقوطه. وفي تقدير الكاتب، لقد كان هذا هو أحد أهم الأسباب التي أدت إلي سقوط الإتحاد السوفيتي فيما بعد. فوقف التخطيط بدلا من إصلاح سلبياته، والتركيز علي الصرف العسكري علي حساب الصناعات الأخري أدي إلي اهمال الاصلاح الاقتصادي وإلي تدهور تلك الصناعات وعدم مقدرتها علي تطوير نفسها وتحسين تقنياتها وزيادة طاقاتها الإنتاجية.
فالعسكرة كما كان يقول ستالين نفسه تتعارض مع الاشتراكية، ولذلك (علي عكس فترة خروتشوف أو فترة صعود فئة جنرالات الجيش) وبرغم أن برنامج التسليح النووي بدأ في عهد ستالين عام 1939م، وتمكن خلاله من صناعة أول قنبلة نووية عام 1949م، إلا أنه لم يركز في كل الخطط الخمسية التي نفذها علي التوسع في الإنتاج العسكري إلا عندما بدأت الحرب العالمية الثانية، كظرف طارئ حتَّم عليه تعديل الخطة الخمسية الثالثة وتخصيص 50% من الموازنة التي كانت مخصصة لها، للإنتاج الحربي.
وبالتالي فإن الفترة حتي وفاة ستالين كانت تمثل نقيضا للفترة التي أعقبته، أي فترة هيمنة المؤسسة العسكرية علي الدولة والحزب والتي بدأت بعد موت ستالين وامتدت حتي نهاية الإتحاد السوفيتي عام 1991م، برغم محاولات الإصلاح التي ابتدرها أندروبوف ولكنها انتهت بموته بعد عامين فقط من توليه السلطة، للدرجة التي دفعت بالكثير من الكُتَّاب والمراقبين والمعادين للإشتراكية إلي التهكم بأن الإتحاد السوفيتي كان في حقيقة الأمر دولتين مختلفتين ومتضادتين، دولة العمال 1917–1953م بقيادة الحزب الشيوعي، ثم دولة البورجوازية العسكرية 1954–1991م بقيادة جنرالات الجيش (النمري، 2016).
جانب آخر مهم جدا ساعد كثيرا علي سقوط الإتحاد السوفيتي، هو أن السياسات الإقتصادية للإتحاد السوفيتي بعد أن نجحت في تأسيس بنيات تحتية قوية، ركزت علي الصناعات الثقيلة فقط وأهملت الصناعات الإستهلاكية المرتبطة برفاهية شعوب الإتحاد السوفيتي وترقية أنماطهم الاستهلاكية. ولذلك ظلت المنتجات الإستهلاكية المتعلقة برفاهية الإنسان متخلفة عن نظيرتها في بلدان الغرب.
فعلي سبيل المثال، لقد فشل الإتحاد السوفيتي في صناعة سيارات بنفس جودة وفخامة السيارات التي ينتجها الغرب برغم مقدرته علي ذلك وبتكاليف إنتاج أقل. صناعات الملابس كمثال آخر، أيضا ظلت صناعات متخلفة لم تتمكن من مواكبة الموضة وجودة وأناقة نظيرتها التي يتم تصنيعها في الغرب، للدرجة التي أصبح فيها تقديم سروال جينز أمريكي لأي مواطن سوفيتي ذلك الوقت كان يعتبر هدية قَيِّمَة جدا وحدثا مهما. صناعة المنازل السكنية كانت تُرَكِّز فقط علي توفير مساكن للناس، ولكنها لا تهتم بجوانب الرفاهية والفخامة التي تواكب تطور صناعة المنازل في العالم الغربي.
وبرغم أن الإتحاد السوفيتي قد سبق أمريكا في غزو الفضاء، إلا أنه لم يتمكن من الإستفادة بذلك في تطوير نظم المعلومات وتقنيتها وصناعة وسائط الإتصالات السلكية واللاسلكية كما فعلت أمريكا وغيرها من بلدان الغرب، ووبالتالي حُرِمت شعوب الإتحاد السوفيتي من وسائط كان الإتحاد السوفيتي قادرا علي صناعتها كالإنترنت وأجهزة الإتصالات الرقمية والأقراص والشرائح متناهية في الصغر. بل وقد أصبحت شعوب الإتحاد السوفيتي سابقا اليوم من أكبر المستهلكين لوسائط الإتصالات الحديثة وتقنية المعلومات المنتجة في أمريكا وغيرها من بلدان الغرب.
فشعوب الإتحاد السوفيتي برغم إكتفائها الذاتي من حيث السكن والغذاء والملبس وغيرها من الإحتياجات الضرورية، إلا أنها كانت شعوب محرومة ومعزولة عن التطور المتسارع في مجال الصناعات الإستهلاكية المستحدثة التي ترتقي بأنماط استهلاك البشر وترتقي تبعا لذلك درجة رفاهيتهم.
فقد كانت شعوب الإتحاد السوفيتي محبوسة داخل قطار عظيم يسير في خط مستقيم لا مجال للخروج منه، وهم لا يدركون إلي أين يقودهم هذا القطار، وبالكاد، وبفعل قوانين الفيزياء، يتطلعون إلي ابداعات وابتكارات غيرهم من شعوب العالم في مجال صناعة الرفاهية من نوافذ القطار وهي تسير بسرعة البرق عكس الإتجاه الذي يسير فيه القطار الذي يحملهم.
فالجمود الذي ساد الإتحاد السوفيتي والذي جعل من المعرفة الماركسية مجرد نصوص جامدة لم يترك مجالا للمراجعات والإنفتاح علي العالم، والسعي لتطوير المعرفة الماركسية، بالذات في علم الإقتصاد، لتواكب المتغيرات العالمية في هذا الحقل الهام والأكثر ارتباطا بحياة الناس.
فأبرز أوجه القصور في المعرفة الماركسية في علم الإقتصاد حسب تقدير الكاتب، وعلي رأسها مؤلف ماركس (رأس المال) الذي يعتبر أحد أهم وأرفع الكلاسيكيات في علم الإقتصاد، هو أنها لم تعالج قضايا الاستهلاك، والمنافسة، والسوق معالجة تساعد علي تطوير التجارب الاشتراكية وتجعلها أكثر التصاقا بحياة الناس وأذواقهم وتطلعاتهم الإستهلاكية التي لا تنتهي لأنهم بشر. والبشر أكثر الكائنات الحيَّة تطلعا لتطوير وتحسين أنماط استهلاكهم وبالتالي مستويات رفاهيتهم، والتي هي في الحقيقة، ومن وجهة نظر اقتصادية بحتة، متجددة دائما. فلا حدود لتطلعات البشر وبالتالي لا حدود لرفاهيتهم.
تحسن أنماط استهلاك الناس وزيادة تطلعاتهم إلي مستويات أرقي من أنماط الاستهلاك السائدة هو أحد أهم المحركات الإقتصادية التي تدفع مسيرة التنمية، وتؤدي إلي تطوير الإنتاج والإرتقاء بالتقنيات المستخدمة فيه لتلبي تطلعات الناس المتجددة (ابن خلدون، 2014، ص. 372). وهذا لا يتم إلا بوجود ديمقراطية إقتصادية ومنافسة في الإنتاج من حيث الجودة والابتكار والإبداع. وبالتالي تصبح قضية الإرتقاء بأنماط الشعوب الإستهلاكية وخلق آلية للمنافسة في ظل النظام الإشتراكي لضمان الجودة، وديمومة الإبتكار، والخلق والإبداع في تلبية إحتياجات الناس والارتقاء بمستويات رفاهيتهم هي قضايا تمثل مبحثاً واسعاً، وتحدياً كبيراً أمام الأحزاب الشيوعية وكافة التيارات والشعوب التي تؤمن بالإشتراكية وتناضل من أجلها.
تجربة الصين برغم التشوهات التي صاحبتها ولا زالت تُصَاحبها في كثير من جوانبها خاصة فيما يتعلق بقضية الديمقراطية، إلا أنها نجحت في هذا المجال نجاحاً كبيراً. فانفتحت علي العالم، وأصبحت اليوم من أكبر الدول التي حققت تقدما كبيرا في الصناعات الاستهلاكية وصناعة الرفاهية، وتغزو منتجاتها كل بلدان العالم علي رأسها أمريكا والدول الرأسمالية الكبري. وأصبحت اليوم تهيمن علي 17% من حجم التجارة الدولية. وتمكنت من استقطاب كل التقنيات الحديثة والابتكارات العالمية وعلي رأسها تقنيات الدول الرأسمالية الكبري نفسها.
لقد نجحت في ذلك لأنها أجادت استثمار واستخدام سوقها الداخلي كسلاح اقتصادي استراتيجي، باعتباره أكبر الأسواق العالمية وأكثرها استهدافا من دول الغرب. فقد بلغ سكان الصين اليوم حوالي 1.4 مليار نسمة يمثلون حوالي 18% من حجم سكان العالم. ولذلك فقد أقفلت الباب تماما أمام التوكيلات التجارية التي تُحَوِّل الشعوب والبلدان، خاصة البلدان النامية، لإقتصاديات تابعة ومستهلكة لمنتجات الدول الرأسمالية الكبري. وسمحت فقط بمنح التوكيلات الصناعية التي ساعدتها علي امتلاك التقنيات الحديثة في مختلف المجالات بما فيها تكنلوجيا الإتصالات ونظم المعلومات. ولذلك تجد علي سبيل المثال، أن كل ماركات السيارات الغربية يتم تصنيعها داخل الصين بموجب توكيلات صناعية وبمواصفات ومقاييس صينية وبتكاليف أقل، ويعاد تصديرها للعديد من الدول الأخري. حتي شركات الوجبات السريعة الأمريكية الكبري كماكدونالدز وكنتاكي تعمل في الصين بموجب توكيلات صناعية ويتم تصنيع منتجاتها بنكهة صينية تتناسب مع أزواق المستهلكين الصينيين.
فقد تمكنت الصين بموجب ذلك من امتلاك التكنلوجيا والمعرفة والعلامات الصناعية ونجحت في الاستفادة منها وتطويرها وتحقيق مستويات متقدمة جدا من الرفاهية لشعوبها.
فالتركيز علي الصناعات العسكرية والصناعات الثقيلة في الإتحاد السوفيتي خلق شعوباً تتوق لأنماط الاستهلاك والرفاهية الغربية، للدرجة التي جعلت الغالبية العظمي منهم تعتقد خاطئة بأن ذلك لا يتحقق إلا في إقتصاديات السوق الرأسمالية فقط.
في العاصمة الجورجية تبليسي اليوم علي سبيل المثال، لتشتري شطيرة بيرغر بالجبن من ماكدونالدز تحتاج لأكثر من ثلاثة ساعات إنتظار في الصفوف. مما يجعل المرء يتساءل، لماذا يتزاحم الجورجيون ليبتاعوا شطائر البيرغر بالجبن والصوص، برغم توافر الجبن الجورجي ذو المذاق الطبيعي الشهي، ولحم العجل الجورجي الذي يتربي ويتغذي علي مراعي وسهول جورجيا الطبيعية الشاسعة المخضرة، وهي أحلي طعماً ومزاقاً من شطائر ماكدونالدز، في حين يوجد شبه إجماع علمي وعالمي، بأن مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية وعلي رأسها ماكدونالدز وكينتاكي، تُقَدِّم وجبات غير صحية تسبب أمراض السمنة، والقلب، وتصلب الشرايين.
وعندما فتحت شركة ماكدونالدز أول مطاعمها عام 1990 مع نهاية فترة الحرب الباردة في موسكو عاصمة روسيا، وعاصمة الإتحاد السوفيتي سابقا، كان تزاحم الروس عليها يفوق التصور والخيال. وأصبح ماكدونالدز في موسكو من شدة الإنفصام والإنبهار بنمط الإستهلاك الغربي، مكاناً لإقامة حفلات الزفاف ومناسبات أعياد الميلاد وملتقي العشاق.
نفس الإزدحام يلاحظه المرء في المولات التي اُنشِأَت حديثا بعد تفكك الإتحاد السوفيتي في روسيا، وجورجيا وغيرها من جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقا. حيث يتسابق الناس علي أرقي محلات الموضة والأزياء. في حين أن الإتحاد السوفيتي كان قادرا بامكاناته وموارده المتنوعة الهائلة، ليس فقط علي الإرتقاء بالأنماط الإستهلاكية لشعوبه، بل علي أن يصبح أحد أكبر البلدان التي تُصَدِّر أجود المنتجات الإستهلاكية المبتكرة بما في ذلك الأزياء التي تناسب كل الأزواق، وكذلك أدق وأحدث تكنولوجيا نظم المعلومات ووسائط الإتصالات الرقمية المستحدثة بل يتفوق فيها علي الغرب، ويغزو بها كل أسواق العالم.
(4)
رابعا: الفشل في معالجة مسألة القوميات:
أحد أهم الأسباب التي أدت إلي انهيار الإتحاد السوفيتي هو الفشل في معالجة مسألة القوميات والتي بدأت تتفاقم تدريجيا بعد وفاة لينين. فقد أدت فترة الجمود الفكري ابان حقبة ستالين إلي الخروج عن أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الثورة البلشفية التي طرحها وأرساها لينين وقام علي أساسها الإتحاد السوفيتي عام 1922م، ألا وهو مبدأ الاعتراف بحق القوميات في تقرير المصير لحد الانفصال، وتشكيل اتحاد من الجمهوريات المتساوية في الحقوق، وحق كل جمهورية في الحكم الذاتي في إطار جمهوريات لها حق التمثيل في أعلي هرم السلطة السوفيتية.
إلا أن الإتحاد السوفيتي في حقبة ستالين تحول تدريجياً إلى دولة ديكتاتورية ذات سلطة مركزية وطابع شمولي لا يضع اعتبار للرأي الآخر، ولحقوق الأقليات والقوميات المتباينة في التعبير عن نفسها. وأصبح الحزب هو المتحكم بشكل مركزي علي كل شئ في كافة أنحاء البلاد دون الاعتبار لرأي الجمهوريات المختلفة. وأصبحت هيمنة القومية الروسية علي سائر القوميات الأخري واضحة، حيث كانت تمثل 50% من سكان الإتحاد السوفيتي آنذاك. ومنذ عام 1939م أصبح تعلم اللغة الروسية إجباري علي كافة القوميات.
وقد اُرغِمَت بعض الجمهوريات للانضمام قسراً إلى الاتحاد السوفيتي كجورجيا، وأوكرانيا. وإبان فترة الحرب العالمية الثانية، تم تهجير تتار القرم والشيشان والأنجوش من أراضيهم إلى منافي سيبيريا وكازاخستان. كما تم ضم جمهوريات البلطيق إلى الاتحاد السوفييتي بموجب اتفاق بين ستالين وهتلر. ولم تَسلم أيضا الجمهوريات والمناطق الإسلامية في القوقاز، وتركستان، وتترستان من الإضطهاد.
وقد أسهمت الرقابة التي فرضها ستالين علي الحركة الأدببية في الإتحاد السوفيتي متعدد القوميات والثقافات والمدارس الأدبية، دور كبير جدا في مفاقمة مشكلة القوميات. فقد تم وقف نشاط كل الجمعيات الأدبية في بداية الثلاثينات في عهد ستالين، وتأسيس إتحاد الكتاب السوفيت عام 1934م، وإجازة دستوره الذي أقر الواقعية الإشتراكية كمدرسة وحيدة للإبداع الفني والأدبي، وحُورِبَت كل المدارس الأخري، وتم ملاحقة كثير من الأدباء وزُج بهم في السجون، واُعدِمَ الكثيرين، وهاجر الكثيرون منهم. وأصبحت كثير من المؤلفات الأدبية المناوئة للسلطة يتم تداولها سرا. بل وقد طُبِعت كثير من مثل هذه الأعمال الأدبية خارج الإتحاد السوفيتي، كرواية دكتور زيفاجو للكاتب بوريس باسترناك. وهيمن الحزب علي الصحف وعلي المطابع وأصبحت هنالك رقابة صارمة علي النشر والإبداع الفني والأدبي مما أدي إلي اضعاف قدرة القوميات والثقافات المختلفة علي التعبير عن نفسها، الأمر الذي أفقدها القدرة علي الإنصهار والتلاقح في إطار الإتحاد السوفيتي الموحد.
ومع استمرار هذا الواقع فقد ظل التماسك القومي هشاً وضعيفاً يحمل في طياته بذور فنائه. ولذلك لم يكن مستغرباً، وخلال فترة قصيرة جدا من تصويت 77% من سكان الإتحاد السوفيتي لصالح بقاء الإتحاد موحداً في الاستفتاء الذي أجراه جورباتشوف في مارس 1991م قبل ثمانية أشهر فقط من الإنهيار في ديسمبر 1991م، أن يتحرك النزوع القومي في الجمهوريات السوفيتية بسرعة البرق ويكتمل استقلالها جميعا عن الإتحاد السوفيتي خلال مدة لم تتجاوز شهرين فقط، في حين أن بقائها موحدة قسرا تحت راية الإتحاد السوفيتي ظل لأكثر من سبعين عاما.
خامسا: غياب الديمقراطية
سيادة الجمود الفكري في تقدير الكاتب بعد رحيل لينين وإعلان موت برنامجه للإصلاحات الاشتراكية عام 1927م، هو الذي رسم تصورا خاطئا لدي الحزب الشيوعي السوفيتي وقتها لمعالجة قضية الديمقراطية والحريات، ومعالجة مسألة القوميات والتنوع العرقي والثقافي في بلد يعد من أكثر بلدان العالم من حيث التنوع العرقي، والقومي، والثقافي.
صحيح أن الرفاق في الحزب الشيوعي السوفيتي كانوا (بالضرورة) هم الأكثر التصاقا وفهما لظروف شعبهم ومجتمعهم. لكن تجربة الحزب الشيوعي السوداني الطويلة علمته بعد تجارب مريرة ونضال معقد أن نظام الحزب الواحد لا يصلح في ظل مجتمع متعدد القوميات والأعراق والثقافات، تتعدد وتتباين فيه الأنماط الإقتصادية وعلاقات الإنتاج المتباينة والمتخلفة.
وعندما أعلن الحزب الشيوعي السوداني في دورة اللجنة المركزية أغسطس 1977م (الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية جبهة عريضة للديمقراطية وإنقاذ الوطن)، ودورة اللجنة المركزية في ديسمبر 1978م، أن لا سبيل لمعالجة قضايا السودان والوصول للإشتراكية إلا عبر نظام ديمقراطي تعددي، قامت الدنيا وقعدت، وواجه الحزب نقدا لاذعا من الكثير من الأحزاب الشيوعية في المنطقة واعتبروا موقفه تخلياً عن المنهج الماركسي. وهي حملة مشابهة في جوهرها ومضمونها للحملة التي شنتها بعض الأحزاب الشيوعية جنبا إلي جنب مع تيار الجمود داخل الحزب البلشفي علي لينين عندما أعلن برنامج الإصلاحات الإشتراكية الذي يعترف بدور القطاع الخاص ورأس المال الأجنبي في التنمية كما أسلفنا، واعتبروه خروجا عن الإشتراكية والمنهج الماركسي.
فقد شكل ما توصلت إليه دورتي أغسطس 1977م، وديسمبر 1978م تحولا كبيرا في فكر الحزب الشيوعي وخطه السياسي. فقد جاء في رد كمال الجزولي علي محمد علي جادين بعنوان (عمُل النمل) ما نصَّه "بالنتيجة، ومن واقع مراكمة عمل النمل هذا، شكلت (دورة ديسمبر 1978م)، وقبلها (بيان أغسطس 1977م)، خطوة نوعيَّة متجاوزة بصورة حاسمة، في اتجاه توطين الليبراليَّة السياسيَّة فى نسيج (المنظومة الفكريَّة والعقديَّة) للحزب، كمنهج للحكم، ولتداول السلطة، ولإدارة النشاط السياسي عموماً. (5/5) سوى أنه ليست لدى الحزب أيَّة أوهام حول العلاقة بين مشروع التغيير الذى يبشر به، والقائم، أصلاً، فى قيم ومبادئ العدالة الاجتماعيَّة بأفقها الاشتراكي، وبين الليبراليَّة السياسيَّة القمينة بنشر مناخ الحريات والحقوق، فهي علاقة جدليَّة بطبيعتها، (الجزولي، 2009).
موقف الحزب الشيوعي السوداني من الديمقراطية التعددية هذا، يختلف في جوهره ومضمونه عن موقف ماركس من الديمقراطية اللبرالية أو الديمقراطية البرجوازية في غرب أوروبا، الذي اعتبرها أداة لا تلغى الاضطهاد الطبقي، ولكنها تساعد على كشفه، لا تخلص الكادحين من الاستغلال، ولكنها تعينهم على منازلته. أي أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازيَّة، لكنها في نفس الوقت تهيئ، أيضاً، المناخ السياسى الملائم الذى يمكن المستغَلين من منازلة مستغِليهم (الجزولي، ذكرته). أي أن موقف ماركس لم يكن نابعاً من إيمان حقيقي بالديمقراطية اللبرالية وقتها، وإنما من كونها تتيح قدرا من الحرية السياسية يساعد العمال والكادحين لمنازلة البرجوازية. بينما كان موقف الحزب الشيوعي في 1977-1987م وحتي تاريخ اليوم من الديمقراطية التعددية موقفا فكريا جدليا أصيلا في فكر الحزب وخطه السياسي يفرضه واقع السودان متعدد الأعراق والقوميات والطبقات والثقافات والأنماط الإقتصادية والاجتماعية.
لم يكتفي الحزب في موقفه من الديمقارطية اللبرالية عند هذا الحد، بل لقد جاء مستصحبا لمفهومي العدالة الاقتصادية والديمقراطية الشعبية، أو الديمقراطية المباشرة التي مارستها الجماهير بعد إنتصار ثورتي أكتوبر 1964م ومارس-أبريل 1985م. فقد جاء هذا الربط في موقف الحزب بين الديمقراطية اللبرالية والديمقراطية الشعبية المباشرة انطلاقا مما توصلت إليه من قبل وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية التي خرج بها المؤتمر الرابع في أكتوبر 1967م من أن ضعف الأساس الإجتماعي الذي تقف عليه الديمقراطية اللبرالية في السودان والمتمثل في كِبَر وزن القطاع التقليدي في الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية أفرز قوي طبقية وإجتماعية ممثلة داخل البرلمان تضيق بالديمقراطية وتقف ضد اتساعها (الجزولي، ذكرته). وهو ما عبَّر عنه الشهيد عبد الخالق محجوب فيما معناه، أن أول من يرفع رايات الديمقراطية هو اليمين وأول من يضيق بها هو اليمين.
التصور الخاطئ للديمقراطية لدي الحزب البلشفي جاء بسبب أن الصراع حول الديمقراطية التعددية قد تم حسمه مبكرا، حتي قبل إندلاع الثورة البلشفية نفسها، وقبل أن يتحول الصراع بين المناشفة بقيادة مورتوف، والبلاشفة بقيادة لينين إلي صراع تناحري. أي قبل أن تبدأ التجربة الحقيقية للحزب في معالجة مسألة القوميات وبناء الإشتراكية. فالمناشفة كانوا ينادون بالتحالف مع الليبراليين لإسقاط الحكومة القيصرية نسبة لتخلف واقع روسيا ذو الطابع الفلاحي ومحدودية عدد العمال. بينما كان البلاشفة ينادون بإمكانية إسقاط الحكومة القيصرية بتحالف العمال وصغار الفلاحين.
وعلي الرغم من أن لينين قد اعترف بواقع روسيا المتخلف والذي لا يمكن أن تُبنَي فيه الإشتراكية إلا بالتدريج، وترجم ذلك في سياسة النيب، إلا أنه لم ينادي بنظام تعددي، أو بالتحالف مع الليبراليين. وإنما دعي لحرية النقابات واستغلالها التام عن الحزب والدولة، وحق القوميات في التعبير عن نفسها وحقها المتساوي في سلطة الإتحاد السوفيتي.
لقد شكل التناقض بين نظام الحزب الواحد والواقع الإجتماعي المتنوع للإتحاد السوفيتي أحد أهم عوامل الضعف التي أدت في نهاية الأمر إلي فشل التجربة، وعاشت الشعوب السوفيتية سلبياتها في مختلف أشكال القمع والتصفية ومصادرة الحريات والإضطهاد القومي والطابع المركزي الشمولي للحكم الذي لازم التجربة حتي إنهيارها.
(5)
مردود الثورة البلشفية على الأحوال اليوم في روسيا
أستَهِلُ هذا القسم بما نُشِر في الحوار المتمدن بتاريخ 28 يوليو 2017م بعنوان (نحو الذكري المئوية للثورة البلشفية – ملف الذكري المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الإشتراكية في روسيا) من شعارات عريضة باسم الحزب الشيوعي الروسي تُمَجِّد ثورة أكتوبر 2017م، وتؤكد التزام الشيوعيين الروس بواجب التفكير العميق المتوازن للإجابة علي الأسئلة الكثيرة التي يطرحها عليهم إنهيار تجربة الإتحاد السوفيتي:
 أحداث أكتوبر 1917م لم تهز العالم بحجمها الهائل وعظمتها فقط، بل أنها أيضاً وضعت أسس للتطور والتقدم المستمر للعالم على طريق تدمير الاستغلال تجاه الناس، وبناء الاشتراكية ومجتمع عادل.
 إجابتها على التحديات التي واجهتها في القرن الـ20، أثبتت ثورة أكتوبر العظيمة للعالم أن الاشتراكية لها الحق في الوجود.
 حوّلت ثورة أكتوبر الحرب الإمبريالية إلى كفاح ضد الاضطهاد، مما يرمز إلى بداية حركة ضخمة للاشتراكية في عدة بقاع من العالم.
 ثورة أكتوبر هزمت أكثر فكر رجعي…ألا وهو الفاشية.
 ثورة أكتوبر هزمت النظام الاستعماري العالمي مما فتح الطريق للتطور المتساوي بين الناس مهما كانت ألوانهم ومعتقداتهم.
 ثورة أكتوبر أشعلت طريق البشرية إلى الفضاء الخارجي ،،، وجعلت من تسخير الذرة واستعمالها في اشياء مفيده، أمر ممكن وليس مستحيل.
 ثورة اكتوبر فتحت للناس الطريق للأمام، للسلام والتقدم.
 ولكن في الوقت نفسه تراث الاشتراكية ذو عمر قرن، واجه الشيوعيين بأسئله كثيره مما يتطلب لإجابتها تفكير دقيق ومتوازن.
بالفعل، تبقي الثورة البلشفية من أعظم الثورات التي شهدها التاريخ البشري والتي قضت علي الاستغلال، وتَحَمَّل أبطالها وجماهيرها ببسالة مسئولية بناء أول تجربة اشتراكية في العالم علي أرض الواقع ولم تسبقها تجربة يهتدون بها ويأخذون منها الدروس والعِبَر.
سقط الإتحاد السوفيتي كدولة وفشلت تجربته الإشتراكية، ولكن الإشتراكية لم تسقط. وستظل الماركسية هي المرشد لنضال العمال والفلاحين وحلفائهم من شعوب العالم المضطهدة من أجل مجتمع عالمي إشتراكي خالي من الاستغلال.
فها هم الشيوعيون الروس يلقون علي عاتقهم واجب الإجابة علي الأسئلة الصعبة التي يطرحها عليهم فشل تجربتهم الإشتراكية التي استمرت 74 عاما، وهم مدركون أن الإجابة تتطلب تفكير دقيق ومتوازن. وها هي شعوب العالم تصارع الإمبرالية وتنازلها في مختلف ميادين النضال. وتتسع يوما بعد يوم الحركة الجماهيرية العالمية المناهضة للرأسمالية وتحاصر سنوياً اجتماعات دول العشرين. وها هي الأحزب الشيوعية في كل العالم، لم يُصيبها اليأس، ولم ترفع الراية وتعلن عن موتها، بل تتقدم بثبات وبتفكير عميق ومتوازن لإعادة صياغة نفسها وتطويرها لتواكب متغيرات العصر.
وإذا كان الجمود الذي صاحب تجربة الإتحاد السوفيتي وانعكس علي معظم الأحزاب الشيوعية في العالم التي اعتبرتها النموذج أو القالب الذي يجب السير علي هداه. فإن فشل تجربة الإتحاد السوفيتي يصبح هو العامل الملهم لتلك الأحزاب في تطوير معارفها الماركسية والإشتراكية بالإنفتاح علي كل المعارف الإنسانية. فالمردود الأساسي للثورة البلشفية، أنها أكدت للبشرية جمعاء أن هزيمة الاستغلال ممكنة وأن الاشتراكية لها الحق في الوجود. وأنها يمكن أن توجد لدي كل شعب وفقا لتجربته الخاصة النابعة من واقعه الإجتماعي وثقافته وتراثه ومقدرته للاستفادة من كل المعارف الإنسانية المحيطة به.
أما مردود الثورة البلشفية علي روسيا اليوم فيتمثل في البنيات التحتية والإقتصادية الزراعية والصناعية المتقدمة، والموروث الثقافي الذي خلَّفَته التجربة الاشتراكية السابقة. ولذلك لم يكن من الصعوبة بالنسبة لروسيا أن تخرج خلال زمن وجيز من الفوضي الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي حدثت ابان فترة جورباتشوف وبوريس يلتسن. وها هي روسيا اليوم تستعيد قوتها الإقتصادية والسياسية وتصبح من جديد أحد القوي العظمي من حيث الموقع الإقتصادي، وأيضا من حيث الموقع السياسي الدولي الذي لا يسهل تجاوزهما. وها هو الحزب الشيوعي الروسي يواصل نضاله منخرطا في العملية الديمقراطية وله ممثلين في البرلمان الروسي وهو لا يتحرج من فشل التجربة الاشتراكية السابقة، بل استطاع أن يطور برنامجه ليواكب متغيرات العصر وهو مدفوع بسيادة الروح القومية لدي الشعب الروسي بأهمية إحياء تراث ثورة أكتوبر العظيمة باعتبارها جزءاً أصيلا من تراثه وتاريخه. ولذلك تتعالي الأصوات في روسيا اليوم، ليس فقط من داخل الحزب الشيوعي الروسي بل من قِبَل العديد من أفراد الشعب ومن الأحزاب والمنظمات وحتي الأجهزة الرسمية بأهمية تمجيد قادة الثورة البلشفية ورموزها.
(6)
الدروس المستفادة بالنسبة للشيوعيين السودانيين
أولا: علي مستوي قضية الجمود الفكري
يختص الجمود هنا بالدروس المستفادة بالنسبة للحزب الشيوعي السوداني باعتباره أحد أبرز الأحزاب التي تسترشد بالفكر الماركسي وتناضل من أجل الإشتراكية في السودان. وأيضا يختص بالقوي الديمقراطية التي تتفق مع برنامج الحزب في عمومياته وتقف معه في صف واحد كحليف إستراتيجي لإنجاز برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.
لقد تأثر الحزب الشيوعي السوداني كغيره من معظم الأحزاب الشيوعية الأخري بالذات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بالجمود الذي صاحب تجربة الإتحاد السوفيتي، (تأثرنا بذلك الجمود، وأخذنا ببعض مسلماته. إسهامنا في انتقاده وتبديد غشاوته إسهام في التحرر من إساره – أو بالمصطلح الدارج: التحرر من إرث الستالينية. إذ أن ستالين هو الذي دشن ذلك الجمود بمصطلح الماركسية اللينينية، الذي اتخذه غطاء ايدولوجياً لتصوره الجامد للاشتراكية حتى غدا المصطلح نفسه أداة من أدوات الجمود والنصوصية والتأويل والتبرير) (نقد، 2002). وبرغم ذلك لم يشكل الجمود بهذا المعني، أي الأخذ ببعض مسلمات التجربة السوفيتية، سمة صاحبت تجربة الحزب الشيوعي منذ تأسيسه وحتي تاريخ اليوم. ويرجع ذلك للآتي:
1- ظلت عملية تجديد برنامج الحزب عملية مستمرة تستبعد ما تجاوزه التاريخ، وما استجد من تحولات سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وثقافية في المجتمع السوداني. فقد شهد تاريخ الحزب وثائق هامة عبَّرت عن التجديد بهذا المعني أولها: سبيل السودان نحو تعزيز الإستقلال والديمقراطية المجاز في المؤتمر الثالث للحزب عام 1956م، الماركسية وقضايا الثورة السودانية المجاز في المؤتمر الرابع للحزب عام 1967م، وثيقة حول البرنامج 1971م وهي وثيقة تجديد لبرنامج الحزب أنجزها الشهيد عبد الخالق محجوب داخل المعتقل، الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية جبهة عريضة للديمقراطية وإنقاذ الوطن التي خرجت بها دورة اللجنة المركزية للحزب أغسطس 1977م وأكملتها دورة اللجنة المركزية ديسمبر 1978م، برنامج الحزب المجاز في المؤتمر الخامس، برنامج الحزب المجاز في المؤتمر السادس.
2- في كل الوثائق أعلاه كان الحزب متمسكا بالديمقراطية في برنامجه:

 فوثيقة سبيل السودان نحو تعزيز الإستقلال والديمقراطية، كما يتضح من عنوانها أن المرحلة القادمة هي مرحلة تعزيز الإستقلال والمحافظة علي الديمقراطية بعد الإستقلال أي الديمقراطية البرلمانية التي خاضها الحزب الشيوعي في تجاربها الثلاثة وكان له ممثلين منتخبين من الشعب. بجانب أن الوثيقة نفسها في العديد من أطروحاتها وفقراتها دعت لطريق ديمقراطي جماهيري برلماني وهو ما عبَّرت عنه الوثيقة بمصطلح الإنتقال السلمي للإشتراكية (نقد، 2004، ص. 6).
 عالجت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية النظام البرلماني من حيث إيجابياته وأوجه قصوره وإمكانيات تطويره لا إلغائه مشيرة للطابع المزدوج لتجربة السودان البرلمانية حيث ترفع أحزاب اليمين راية الديمقراطية البرلمانية لفرض سلطتها وتضيق بها مع اتساع وصعود الحركة الجماهيرية (نقد، 2004، ص. 11).
 جاء في وثيقة حول البرنامج ما يلي: (تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعنى نفياً كاملاً لما أحرزته الشعوب من حقوق قانونية إبان الثورة الديموقراطية البرجوازية .. (بل يعنى) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعلية .. إنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية للانتقال للاشتراكية لا يتم إلا عبر الديموقراطية فى الحقوق السياسية للجماهير، (أى) الديموقراطية فى النظام السياسى، (أى) تغيير المجتمع بالديموقراطية الشاملة" (محجوب، 1971).
 وثيقة الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية جبهة عريضة للديمقراطية وإنقاذ الوطن المنبثقة من دورة اللجنة المركزية أغسطس 1977م، ودورة ديسمبر 1978م بلورتا ما جاء في الوثائق السابقة من تأكيد علي الديمقراطية وانتهاج الطريق السلمي نحو الإشتراكية باعتماد النظام البرلماني التعددي مصحوبا بالديمقراطية المباشرة.
 برنامجي الحزب المجازين في المؤتمر الخامس والسادس ترجما ذلك وتمت صياغته في برنامج الحزب بل وأسقطا أهم مظاهر الجمود التي صاحبت التجربة السوفيتية كشعار الماركسية اللينينية. واعتمدتا النظرية الماركسية كمرشد للنضال باعتبارها أحد مصادر المعرفة مع التأكيد علي الإنفتاح علي كل المعارف الانسانية.
يلاحظ أن مصطلح ديكتاتورية البوليتاريا لم يرد في أي برنامج أو وثيقة من الوثائق المذكورة التي بلورت تطور قراءة الحزب لواقع المجتمع السوداني في كل مراحل تطوره السابقة والحالية.
من المهم أيضا الإشارة إلي تجربة الصراع الفكري حول متغيرات العصر الذي فتحته اللجنة المركزية قُبَيل سقوط الإتحاد السوفيتي لعضوية الحزب واستمر لمدة عشرة سنوات قدم العديد من الرفاق، وحلفائهم الإستراتيجيين، وأصدقاء الحزب خلاله مساهمات عميقة فَتَّحَت آفاق الحزب ووحدته فيما بعد علي البرنامجين المجازين في المؤتمرين الخامس والسادس.
وبالتالي فإن الانفتاح نحو تجربة السودان الديمقراطية بعيون غير مغلقة صاحب مسيرة تجديد الحزب الشيوعي منذ نشأته. وأن جمود التجربة السوفيتية تأثر به الحزب في بعض المسلمات كما قال الراحل نقد، و لكن هذا التأثير لم يمنع مسيرة التجديد والإنفتاح داخل الحزب، وفي برنامجه المطروح للجماهير. وقد يكون ذلك نابعا من نشأة الحزب المستقلة عن الحركة الشيوعية العالمية وأن اتصاله بالحزب الشيوعي السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية جاء بعد عدة سنوات من تأسيسه. وما يدعم هذه الاستقلالية في النشأة وفي المواقف هو أن المؤتمر الثالث 1956م الذي خرج ببرنامج سبيل السودان لتعزيز الإستقلال والديمقراطية والذي اعتمد فيه الحزب طريق ديمقراطي سلمي نحو الإشتراكية أو ما عُرِف بعد ذلك في أدبيات الحركة الشيوعية العالمية (بالطريق السلمي للإنتقال للإشتراكية) بعد إنعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، هو أن إنعقاده قد سبق إنعقاد المؤتمر العشرين للحزب السوفيتي. وبالتالي فإن الحزب الشيوعي السوداني قد توصل لضرورة الإنتقال للإشتراكية عن طريق الديمقراطية قبل الحزب الشيوعي السوفيتي، وقبل الكثير من الأحزاب الشيوعية الأخري (نقد، 2004، ص. 7).
بيد أن ذلك لا يعتبر نهاية المطاف، ولا تقف عملية التجديد بالنسبة لبرنامج الحزب الشيوعي عند هذا الحد. فهنالك العديد من الدروس والعِبَر من سقوط التجربة السوفيتية التي يستفيد منها الحزب، من أبرزها:
1- تطوير وتعميق علاقة الحزب بالجماهير في كافة مستويات تنظيمهم، في مكان العمل، والسكن، ودور العلم، والأندية الرياضية والإجتماعية، والثقافة، والأدب، والفن، وفي نقاباتهم واتحاداتهم، وتنظيماتهم السياسية، وروابطهم الاقليمية، ومنظماتهم المدنية وغيرها، مع المحافظة علي استقلالية وديمقراطية هذه المنظمات. فأحد أهم العوامل التي ساعدت علي سقوط التجربة السوفيتية هي العزلة التي كان يعيشها الحزب والتي حولته لمؤسسة بيروقراطية كبري.
فالإرتباط اليومي بالجماهير في كافة المواقع والميادين تجعلهم شركاء في عملية التغيير وجزء منها دون إملاءات أو وصايا من أي قوي سياسية، وبالتالي تجعلهم قادرين بمحض إرادتهم علي حماية التغيير والدفاع عنه في كل المنعطفات التي يمر بها. فعندما واجهة ليون تروتسكي وأنصاره ستالين بعد رحيل لينين، لم يجد من يقف معه من الجماهير لأن الحزب برمته كان في عزلة عن الجماهير وغارقا في الصراعات الداخلية، برغم أن تروتسكي كان يتبني أفكار لينين ويدعو إلي الإصلاح والديمقراطية واشراك الشعب في التغيير.
2- تحسين التكوين الشيوعي للحزب وأعضائه معا بتشجيع التثقيف الذاتي، وخاصة في الثقافة السودانية وجذورها، والإرتقاء بمبدأ النقد والنقد الذاتي، والسمو بعمل الحزب وسط الجماهير باحترام عادات وتقاليد وثقافات المجتمع السوداني. فالحزب يناضل في ظل مجتمع لا يفرق بين الداعية والدعوة التي يُبَشِّر بها.
3- الإهتمام بالتدريب المهني وتكثيف ورش العمل والسمنارات في مجالات الإدارة، الزراعة، الصناعة، الصحة، التعليم، الإقتصاد، وتكنلوجيا المعلومات، وغيرها من المجالات المرتبطة بعملية بناء الوطن لضمان إنخراط أعضاء الحزب جنبا إلي جنب مع الجماهير في مسيرة التنمية عند إنتصار الثورة.
4- فتح الصراع الفكري عبر قنوات الحزب الرسمية خاصة في القضايا المفصلية وإشراك الجماهير فيه من خلال صحافة الحزب ومنابره الإعلامية، وتفعيل دور المؤتمرات التداولية وطواف قيادة الحزب علي المناطق والفروع خاصة في مناطق القطاع التقليدي والمناطق المهمشة وفروع الخارج.
ثانيا: علي مستوي مسألة القوميات
مثلما كانت مسألة القوميات مسألة معقدة فشلت التجربة السوفيتية في معالجتها، وأن هذا الفشل كان أحد أهم الأسباب التي أدت لسقوط الإتحاد السوفيتي. فإن الفشل في معالجة قضية القوميات منذ الإستقلال وحتي تاريخ اليوم سواءاً في فترات الديكتاتورية العسكرية، أو في فترات الديمقراطية القصيرة المتقطعة. فهي قضية مفصلية وبدون علاجها لا يمكن أن تعالج قضايا السودان الأخري. وبالتالي يستفيد الحزب الشيوعي السوداني خاصة، والسودانيين عموما من فشل تجربة الاتحاد السوفيتي في حل مشكلة القوميات بالآتي:
1- أول قضية في معالجة القوميات هي تحديد الهوية السودانية. ولا يتم ذلك إلا من خلال قيام مؤتمر دستوري تشارك فيه كل القوميات السودانية والقوي السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية والحركات المسلحة والروابط الإقليمية. يتم التحضير له وإنعقاده في ظل نظام ديمقراطي حر للإتفاق علي هوية السودان وعلي وضع دستور دائم للبلاد. فقضية القوميات لن تحل إلا في ظل نظام ديمقراطي وبمشاركة الجميع دون استثناء.
2- الدستور الدائم لابد وأن يعترف بحق القوميات في التعبير عن نفسها وعن ثقافاتها وموروثها ولهجاتها ولغاتها. ويضمن حقها في الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد.
3- العمل علي تطوير الثقافات المختلفة والعمل علي تلاقحها، باعتبار أن التنوع الثقافي في السودان يعتبر من أهم مظاهر القوة التي يجب أن نعتز ونفخر بها جميعا. وأن الثقافة السودانية الواحدة هي التنوع في الثقافات.
4- ضمان حرية المعتقدات الدينية وفصل الدين عن الدولة والسياسة، وبناء دولة مدنية تقوم علي أساس المساواة في الحقوق والواجبات بين كل القوميات والأجناس في السودان.
ثالثا: علي مستوي الإقتصاد
1- أول الدروس المستفادة من تجربة الإتحاد السوفيتي في هذا الصدد، هو أن التنمية الإقتصادية وإدارتها لا يمكن أن تتم من قبل تنظيم سياسي واحد، ولا يمكن أن تتم وفقا لقوالب جامدة تُفرَض علي الشعب قسرا وفقا لنظام مركزي شمولي يعتمد علي خطط زمنية ممركزة لا يشارك في وضعها ورقابتها الشعب. فالتنمية الإقتصادية هي مسئولية كل القوي السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وأجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية. لا شك أن التخطيط من أفضل أساليب إدارة الإقتصاد. وأن الخطط الزمنية ليست وصفة شمولية في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون أكثر فعالية في ظل أنظمة ديمقراطية ذات برلمانات منتخبة من الشعب إنتخاباً عادلاً. ويتم إعداد الخطط بمشاركة النقابات المهنية وإتحادات المزارعين وغيرها من إتحادات مهنية، وتناقش علي المستويات القاعدية قبل عرضها علي البرلمان لإجازتها. لا ينتهي الحد عند هذه الخطوة بل لا بد من وجود أجهزة رقابية مستقلة تراقب تنفيذ تلك الخطط، وأن يلعب الإعلام الحر المستقل المملوك لكل الشعب كسلطة رقابية فعالة بجانب النقابات والإتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من جماعات الضغط. وفي نهاية الخطة تتم عملية المراجعة والتقييم للمحاسبة وتحديد الإيجابيات لتطويرها، والسلبيات لمعالجتها في الخطة التي تليها.
2- غياب التنمية المتوازنة يعد أحد أهم جوانب الضعف التي صاحبت التجربة السوفيتية، وكذلك تجارب الحكومات والأنظمة المتعاقبة علي السودان. والتنمية المتوازنة لا تعني فقط تخصيص الموارد بشكل متوازن وعادل علي مناطق السودان وقطاعاته الإقتصادية والخدمية المختلفة. بل تعني أيضا الإهتمام بالقطاع العام لأنه مملوك لكل الشعب وتطويره ورفع كفاءته ليلبي إحتياجات الشعب، وفي نفس الوقت إشراك القطاع الخاص ورأس المال الأجنبي في عملية التنمية ولكن في حدود أسقف متفق عليها وبما يتفق مع خطط التنمية للإستفادة من مقدرات القطاع الخاص ورأس المال الأجنبي في توفير فرص العمل وفي اكتساب تقنيات وخبرات جديدة وخلق منافسة بهدف الإرتقاء بنمط حياة الناس. هذا بجانب الاهتمام بالقطاع المختلط، وقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
3- نستفيد من إيجابيات تجربة الإتحاد السوفيتي في التخطيط المتمثلة في أن أول خطة خمسية كانت مخصصة لتطوير وتمتين البنيات التحتية ككهربة السودان، وبناء الخزانات، شبكات الصرف الصحي وحماية البيئة، وشبكات النقل والمواصلات، وبناء المؤسسات الصحية والتعليمية، ومراكز البحث العلمي والتدريب المهني، وغيرها من البنيات الأساسية. وبما أن البنيات الأساسية في السودان ضعيفة تصبح عملية تطويرها وتمتينها أحد أهم الأولويات.
رابعا: الديمقراطية
أول الدروس التي نتعلمها من سقوط تجربة الإتحاد السوفيتي فيما يتعلق بقضية الديمقراطية هي أن نظام الحزب الواحد في بلد متعدد الثقافات والقوميات محكوم عليه بالفشل، ليس فقط في الإتحاد السوفيتي. بل لقد فشلت أيضا في مصر، تنزانيا، وغيرها من دول العالم الثالث. والسودان جرَّب نظام الحزب الواحد سواء في تجربة الإتحاد الإشتراكي في عهد نميري، أو في تجربة المؤتمر الوطني القائمة والمغلفة بتحالف أحزاب مستأنسة ليس لها دور حقيقي في الحكم.
فالديمقراطية التعددية المرتبطة بديمقراطية مباشرة، المجربة في السودان هي التي تضمن إنتقال السودان إلي مصاف الدول المتقدمة في المستقبل. فالشعب السوداني قاوم نظام عبود الديكتاتوري العسكري وناضل من أجل استعادة الديمقراطية اللبرالية في اكتوبر 1964م، وناضل أيضا ضد دكتاتورية نميري لاستعادة الديمقراطية البرلمانية في مارس-أبريل 1985م وهو يناضل بثبات اليوم من أجل الإطاحة بنظام الإنقاذ لاستعادة الديمقراطية البرلمانية مرة أخري. وبالتالي فإن الديمقراطية البرلمانية تمثل نظام الحكم الذي تتوق له جماهير الشعب السوداني.
وقد صاحبت تجربتي الشعب السوداني في استعادة الديمقراطية البرلمانية ظاهرة الديمقراطية المباشرة المتمثلة في اختيار جبهة الهيئات لمجلس الوزراء في أكتوبر، وفي مشاركة النقابات أيضا في التجمع الوطني في مارس-أبريل، (نقد، 2004، ص.11، 12).
الديمقراطية أيضا تشتمل علي حق التظاهر، حق التعبير، حق النشر، وحق التظلم في الصحف وأجهزة الإعلام وكل الحريات التي تكفلها مواثيق حقوق الإنسان. تعني الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. تعني المساواة في الحقوق والواجبات. لا حدود للديمقراطية أمام إرادة الشعب. ولن تتطور الديمقراطية وتترسخ في السودان إلا بمزيد من الديمقراطية.


المراجع:
1- (إبن خلدون، 2014)، عبد الرحمن بن محمد إبن خلدون، مقدمة إبن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، 2014م.
2- (العلمي، 2017)، عبد المطلب العلمي، الخطط الخمسية في الإتحاد السوفيتي، الحوار المتمدن، 2 يناير 2017م.
3- (النمري، 2016)، فؤاد النمري، الأسباب الحقيقية وراء انهيار الإتحاد السوفيتي، إيلاف، العدد 5975، 9 أغسطس 2016م.
4- (وودز، غرانت، 2017)، ألان وودز وتيد غرانت، لينين وتروتسكي، ما هي مواقفهما الحقيقية، الفصل الثالث: من تاريخ البلشفية، الجزء الثاني، ترجمة جريدة الشيوعي، بدون تاريخ، متوافر علي http://www.marxy.com/books/LeninAndTrotsky/chapter03.htm، تم الدخول بتاريخ الجمعة 6 أكتوبر 2017م.
5- (وودز، 1988)، ألان وودز، ليون تروتسكي حياة وكفاح مناضل ثوري، 1988م، متوفر علي http://www.marxy.com/trotsky/Trotsky-vie-et-luttes-d-un-revolutionnaire241010.htm#top
6- (كمال، 2009)، كمال الجزولي، عَمَلُ النَّمْل، الحوار المتمدن - العدد: 2548 – 5 فبراير 2009م -
المحور: اليسار الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان.
7- (محجوب، 1971)، عبد الخالق محجوب، حول البرنامج، 1971م.
8- (نقد، 2002)، محمد ابراهيم نقد، كيف حاصر الجمود أطروحات ماركس وأنجلز عن الاشتراكية؟، الحوار المتمدن، العدد 233، 29/08/2002م.
9- (نقد، 2004)، محمد إبراهيم نقد، مبادئ وموجهات لتجديد البرنامج، دار عزة للنشر والتوزيع، 2004م.
10- (نقد، 2012)، محمد إبراهيم نقد، قضايا الديمقراطية في السودان المتغبرات والتحديات، الشركة العالمية للطباعة والنشر، 2012م.
11- (علي، 2006)، على عثمان محمدعلى، الديقراطية الاشتراكية بين النظرية والتطبيق فى الاتحاد السوفيتى، الحوار المتمدن، 9 مارس 2006م.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ...


المزيد.....




- بينهم لاعبان في المنتخب السوري للجودو.. مقتل 8 أشخاص في دمشق ...
- طوكيو لا تستبعد -استفزازات جديدة- من قبل بيونغ يانغ بعد عقوب ...
- حليمة.. من داعش إلى داغستان.. سذاجة أم تورط؟
- هل تنجح قوارب شراعية ذاتية القيادة في عبور الأطلسي؟
- وزير خارجية قطر: دول الحصار تقامر بحياة الشعوب
- الصين تتعهد بتقديم مزيد من المعلومات كي يفهمها العالم
- بنك -بريكس- يقرض روسيا 68.8 مليون دولار
- واشنطن ترفض إدانة قصف السفارة الروسية في دمشق
- بعد لقائه مع آل ثاني .. تيلرسون يبحث مع محمد بن سلمان أمن ال ...
- تشييع ضحايا التدافع في المغرب


المزيد.....

- ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست / قحطان المعموري
- الاشتراكية والذكرى المئوية للثورة الروسية: 1917-2017 / دافيد نورث
- الاتحاد السوفييتي في عهد -خروتشوف- الذكرى المئوية لثورة أكتو ... / ماهر الشريف
- ثلاث رسائل لمئوية ثورة أكتوبر / حارث رسمي الهيتي
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ... / الهادي هبَّاني
- هل كانت ثورة أكتوبر مفارقة واستثناء !؟ الجزء الأول / حميد خنجي
- الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى / سمير أمين
- جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير / صديق الزيلعي
- مائة عام على الثورة البلشفية: صدى من المستقبل / أشرف عمر
- عرض كتاب: -الثورة غير المنتهية- / نايف سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - الهادي هبَّاني - في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتي والدروس المستفادة