أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - آليس الدليلة في اكتشاف عجائب القراءة















المزيد.....

آليس الدليلة في اكتشاف عجائب القراءة


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 5678 - 2017 / 10 / 24 - 11:14
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


أفضل الكتب هي تلك التي تُلهمنا بأفكار جديدة. تمنحنا المعرفة والدهشة والجمال. تُقلقنا، تُربك عقولنا، وتجعلنا نعيد النظر بشيء ما. وفي النهاية تمنحنا الأمل. وقد تحرِّضنا على الفعل والحركة. غير أنها أبداً لن تعطينا الحل الأخير الذي نطمئن إليه.. نحن نعرف هذا، لكننا نستمر في البحث عن كتب أخرى.. فبعد كل فراغ من قراءة كتاب جيد غالباً ما نزداد شكّاً وحيرة، فنعود نستأنف نشاطنا القرائي.. إنها دورة الجوع والإشباع القاهرة والسعيدة. لعبة العقل والوجدان مع الكون، مع العالم، مع الحياة، مع الزمان، مع الآخر، ومع الذات.
القراءة دالة الحرية.. ومكافئ الكينونة في اشتباكها مع الوعي.
يختلف البشر فيما بينهم في الميول والرغبات والاستعدادات لأسباب بيولوجية، نفسية، اجتماعية. وتصدق هذه الحقيقة على الميل إلى القراءة، والرغبة فيها، والاستعداد لإنجازها.. وعند بعضهم يغدو ذلك الميل والرغبة والاستعداد جزءاً من طبيعتهم الشخصية.
غاية القراءة:
القراءة ليست وسيلة، وحسب، لبلوغ غايات (أولها التعلّم).. إنها غاية بحد ذاتها أيضاً.. أنا أقرأ لأنني أشعر بالحاجة الملحّة إلى القراءة.. القراءة لأشخاص معينين إدمان. لذا قد تكون كلمة (المتعة) مبتذلة، أحياناً، ونحن نتحدث عن غايات القراءة.. ذلك أمر يتجاوز المتعة إلى ما يشبه الغبطة الصوفية، أو فرح العشق. أو أنها المتعة التي يصعب تعريفها، كما يصعب تعريف الأنا المنغمسة فيها، وكذلك تعريف لحظة تلك المتعة مثلما ينبئنا ألبرتو مانغويل في كتاب (فن القراءة.. ترجمة عباس المفرجي.. دار المدى/ بيروت 2014).. وهل نقول أن الإيقاع الذي على وفقه تنبثق سعادة الممارسة الإيروتيكية ونشوتها يحاكيه إيقاع القراءة السارّة لكتاب آسر؟.
يضيف مانغويل: "أنا أعتقد أن تجربة القراءة شأنها شأن تجربة الإيروتيكا، يجب أن تكون في النهاية مجهولة. يجب أن نكون قادرين على الدخول إلى الكتاب أو إلى الفراش كما دخلت آليس إلى غابة المرآة، لا نعود نحمل معنا أحكاماً مسبقة عن ماضينا ومتخلين من أجل تلك اللحظة من الاتصال عن حيلنا الاجتماعية. قارئين أو ممارسين الحب، علينا أن نكون قادرين على فقد أنفسنا في الآخر، في ـ باستعارة صورة القديس يوحنا ـ ما تحوّلنا إليه: قارئ في كتاب في قارئ، عاشق في معشوق في عاشق. (Jouir de la lecture) (التمتع بالقراءة)، يقول الفرنسيون الذين عندهم بلوغ ذروة النشوة والمتعة معبر عنها بكلمة شائعة وحيدة"ص275.
وبمناورة بلاغية ـ منطقية بمستطاعنا تقليب دفتر التساؤل؛ ألستَ مع فعل القراءة، أحيانا، تشعر بالاكتفاء، من غير وجود الآخر، كوحيد الجنس، حيث تكون أنت المكتوب والمقروء والقارئ؟.
إذن، ما الإغواء الذي تمارسه القراءة؟. أي الكتب تخبئ بين صفحاتها وسطورها سايرانات تجذب سامعيها/ قرائها إلى الهلاك؟ الهلاك، ها هنا، ليس الموت الفيزياوي، بل أنك لن تعود كما كنت.. نفسك الماضية ستتلاشى، لتحل محلها نفس بديلة، في معظم الأحايين أفضل... الكتب تحوِّل.
آليس تدخل المرآة:
يصدر مانغويل فصول كتابه بعبارات مقتبسة من كتابيّ (آليس في بلاد العجائب) و (عبر المرآة).. آليس التي تدخل في المرآة، فتألف العالم مكثّفاً مختزلاً مرمّزاً في صراعاته وتغيّراته، في خيره وشرّه، بجماله وقبحه.. لكأن آليس تصبح له الخارطة الموجِّهة للقراءة.. مرشدته في عوالم الكتب وممراتها، فهي التي تمنحه الضوء وإشارات الطرق، وربما الهدف أيضاً. وكما اكتشفت آليس فـ "كل القراءات الحقيقية هي هدّامة، ضد المزاج"ص25.. مسرّة الرؤية الأولى، رهبة ولوج الغابة المجهولة، الغموض الذي يستنفر الحواس، ويستفز الحدس، أن يأخذك العجب، وأن تسمّي ما لم يتخذ اسماً بعد، حين تلتقي الكتب، حتى وإن سبق لك قراءتها "مثل آدم محيياً زرافته الأولى"ص28. لإعادة التعرف على الأشياء.. لتجاوز بلادتنا المتراكمة بسبب التكرار، بعدما فقدنا الإحساس لا بجمال الوجود ومغزاه فقط، وإنما بتعاسات العالم وآلام البشر في كل مكان... ما يبتغيه مانغويل هو صور "لها عمق، تستلزم تفكيراً، حتى لو لم تعرض (أثناء سريانها) مفردات لتسمية ما موجود فيها"ص27.
وحكايات آليس التي قد يراها بعضهم نتاجَ خيالات صبيانية، إنما هي في الحقيقة وكما يستعين بكشّافاتها مانغويل وهو يترسم خطاه في دنيا الكتب والثقافة، صور تعكس لا طبيعة الحياة الإنسانية وتناقضاتها فقط، وإنما طريقة تفكيرنا أيضاً بالتواءاتها ومفاجآتها وجانبها اللامعقول، إذ تشق سبيلاً إلى الحقيقة.. الحقيقة المتوارية المخاتلة المقنّعة المتلوِّنة والهاربة.. "تجربة حقيقية وفن حقيقي (مهما أضحت الصفات غير مريحة) يشتركان في هذا: هما دائماً أعظم من فهمنا، حتى أعظم من قدرتنا على الفهم. حدّهما الخارجي هو لنا دوماً بعيد المنال.."ص27.
على آليس أن تعرف أولاً من هي/ ماهية أناها؛ (ذلك اللغز الأعظم) لتدرك العالم من حولها. أن تعرف إلى أين تمضي حتى يرشدها القط إلى الطريق. أن تؤمن بوحيد القرن، بعدما تراه، كي يؤمن هو بها. أن تكتب الأشياء لأجل أن تفهمها أكثر. أن تتأمل قول التوأم (همبتي دمبتي) حين تعتقد أن السؤال الأصل هو (إن كنت تستطيع أن تجعل الكلمات تعني أشياء مختلفة كثيرة) فيجيبانها (السؤال هو؛ أي كلمة ستكون هي الغالبة ـ هذا كل شيء). أن تفصح عن عجزها باستسلام لصانع القبعات في حزر اللغز. وتسأل: ما هو الحل؟. أن ترى ما تبدو عليه الحديقة. وأن تنال شيئاً من المرح.. فرحلة آليس هو رحلة الكائن في الوجود من أجل المغامرة والتجربة، ومن أجل المعرفة، ومن أجل التلاؤم والانسجام حتى مع أشد الأحداث غرابة وخطورة. وأخيراً من أجل الحرية.
والمتاهة التي تجد آليس نفسها بها يضعها مانغويل أمام مرآة القراءة فتتوضح له المسالك والدروب.. تماما كتلك الفكرة التي خطرت لآليس (لماذا، إنه كتاب مرآة بالطبع! لو وضعته أمام مرآة ستظهر كل الكلمات بشكلها الصحيح ثانية). فآليس هي دليل مانغويل، في هذا الكتاب لفك شفرات ما يحيطنا وما يباغتنا وما يغوينا وما ينفرنا، وذلك كله بوساطة القراءة. الاستمرار في القراءة.. القراءة، وإلى الأبد.
نستمر في القراءة لأننا مهووسون بالتساؤلات المقلقة، مدمنو حيرة، هيامنا الغموض.. ليس الوصول إلى الحقيقة هو دافعنا على الدوام، ولا حتى الوضوح، بل المتاهة.. مغامرة الدخول في المتاهة.. وكان بورخس يقول: "إن المتاهة هي الثيمة المركزية للأديب الكبير".. فنحن لا نريد أن نكتفي، لا نريد أن نتوقف.. نسعى لتلك اللذة المجنونة التي تمنحها المحاولة وتكرارها.. أن نعلق في الممرات المتداخلة، ونمضي قدماً من غير أن نرجو الخروج.. حريتنا هناك.. ومن يدخل متاهة كتاب جيد، لن يخرج منها على الإطلاق.. فمن حسن حظنا أنه ليست هناك الحقيقة الناصعة الكلية النهائية الثابتة والصلبة، وإلاّ ماذا بعدها غير العطالة والملل وتوقف التفكير، والبلادة؟!.
نشتري كتباً جديدة ولا نمتلك توقعات كبيرة بأننا سنعرف بعد قراءتها كل شيء.. ما نرومه هو تحسس ظلال معانٍ رجراجة، تذوّق حلاوة اللغة وقد صيغت ببراعةٍ وفنٍ عالٍ. وعدُ معانقة جنّية الجمال المراوغة والمتمنِّعة والغاوية، والتي لا تبعث على الراحة، ولا تمنح الأمان.
بورخس العاشق:
تتنبه آليس لصياح اليسروع وراءها؛ (ارجعي، لديّ شيء مهم أقوله!)، وهكذا نخطو معها فنطلع على درس الأستاذ؛ نلتقي بورخس العاشق وبورخس الكاتب وبورخس القارئ.. من تراه يقودنا في هذه الرحلة العجائبية؛ أهي آليس، أم هو مانغويل، أم الكاتب الخفي بين طيات الكتاب؟ مانغويل من القلة النادرة التي حظيت بالصداقة مع ذلك الكائن المهيب الذي يبدو وكأنه انسلّ خلسةً من بين طيات مخطوطة قديمة، باسمه ذي الرنين اللاهوتي؛ بورخس.
يرى مانغويل أن ما يقرر جوهر كتابات بورخس ليس المتاهة "بل فكرة أن شيئاً، أو مكاناً أو شخصاً أو لحظة هي كل الأشياء، الأمكنة، الأشخاص، واللحظات"ص93. وهو نوع من إيمان معقّد بالعود الأبدي والخلود، فكل ذات عائدة إلى الحياة.. هنا تصبح الكتابة الأدبية نوعاً من التعزيم لطرد فكرة الموت والفناء. وعلى الرغم من هذا لم يحلم بورخس بأن يُتذكَّر. يخشى ذاكرة التاريخ النزوية بتعبير مانغويل. ولم يشغله هاجس الشهرة "كان يتوق إلى نسيان شخصي؛ من أجل أن تكون إلى الأبد، لا من أجل أنك كنت"ص106.
كره بورخس السياسة ووصفها بالنشاط الأكثر خسّة من كل الأنشطة البشرية. وكان محافظاً في تفكيره، نخبوياً ارستقراطياً.. صورته توحي بجدية مفرطة، لكنه كان ساخراً أيضاً، وحتى هازلاً في أحايين كثيرة. آمن بالخيال الذي يتيح لنا صياغة القصص وروايتها. وأعلن أن "التأليف هو شيء عرضي"ص116، وأن "القارئ هو الذي يحدد طبيعة النص"ص117.
لعل في واقعة محاضرته عن (لغز شكسبير) في الاجتماع العالمي الثاني للباحثين الشكسبيريين في واشنطن نيسان 1976 دلالات لا تحصى عن شخصية بورخس، حضوره الكاريزمي، وكيفية تعاطيه مع الأشياء.. يقتبس مانغويل صفحة من كتاب (جوهر المسرح) ليان كوت الذي كان حاضراً ذلك الاجتماع.
"وقف كل من في القاعة، واستمر الترحيب الحماسي عدة دقائق. بورخس لم يتحرك. أخيراً توقف التصفيق. بدأ بورخس بتحريك شفتيه. صوت همهمة غير واضحة كان مسموعاً من مكبِّرات الصوت. من هذه الهمهمة الرتيبة يمكن للمرء بأعظم الآلام فقط تمييز كلمة وحيدة واصلت التردد كصراخ مكرر من سفينة بعيدة، محجوب صوتها بصوت البحر: (شكسبير، شكسبير، شكسبير..). كان المايكروفون منصوباً عالياً جداً، لكن لا أحد في القاعة تجرأ وتقدّم لتوطئته أمام الكاتب العجوز. تحدّث بورخس لمدة ساعة من الزمن، ولمدة ساعة فحسب كانت هذه الكلمة المكررة ـ شكسبير ـ تصل إلى آذان المستمعين. خلال هذه الساعة لا أحد نهض وغادر القاعة. بعد أن انتهى بورخس، نهض الجميع وبدا أن هذا الترحيب الحماسي النهائي لن ينتهي أبداً"ص121.
صورة (شيْ) ميّتاً:
ثمة ميتات تغدو استعارات وجودية كبرى، تأخذ بعداً ميتافيزيقياً، كما لو أنها إشارات أو نُذر من عوالم غير مرئية تتحكم بالأرواح ومصائرها. كذلك كان موت شيْ غيفارا. شي الذي بات أكثر حضوراً بغيابه. تذكاراً أبدياً للضمائر اليقظة. رمزا لشيء يعسر القبض عليه، لكنه يحوز الواقع العياني نفسه ويتفوق عليه.. إنه الموت الذي يحلم به سُعاة المجد. يتمناه أي أحد من أولئك الذين لا يطيقون الاختباء في بيوتهم.
يقرأ مانغويل موت شيْ غيفارا من منظور جيله، وأيضاً بصحبة آليس الداخلة في المرآة، مقتبساً تصديره لفصل (المذكّرة):
"(رعب تلك اللحظة) واصل الملك قائلاً (لن أنساه أبداً، أبداً).
(ستنسى مع ذلك) قالت الملكة (إلا إذا صنعت منه مذكّرة)"
يرسم مانغويل: "صورة شي ميتاً، بصداها الذي يرجِّع على نحوٍ لا سبيل إلى اجتنابه صورة المسيح الميت (الجسد النصف عاري والوجه الملتحي المتألم)، أمست واحدة من الإيقونات الأساسية لجيلنا"ص127. مستحضراً المناخ الستيني؛ التمردات، ثورات الطلاب، الولع بالكفاح المسلح، موسيقى الروك أند رول، أدبيات اليسار الرائجة، حركات الحريات المدنية، أغاني التانغو، الخ.. كان موت تشي يؤسس أسطورته، ويصنع حدثاً كونياً من نوع رفيع.. فشي كان رجل فعل ضد ما اعتقده خاطئاً وظالماً، على الرغم مما قيل "عن نهجه السياسي أنه كان ملتبساً، فلسفته السياسية سطحية، أخلاقيته لا ترحم، نجاحه النهائي مستحيل، بدا (وربما ما زال يبدو) أقل أهمية من واقع أنه أخذ على عاتقه قتال ما كان يؤمن أنه خطأ حتى لو لم يكن على يقين تام أن ما سيأتي بدلاً منه هو الصواب"ص130.
كان موت شي متوقعاً، وصادماً في الوقت نفسه. وبدا أن العالم كان بحاجة إلى شي الميت أكثر من حاجته لشي الحي.. لماذا؟ لأنه: "بعد ذلك الموت تغيّر شيء ما. شي، المتوهج إنما المثقف التقليدي، أمسى على نحوٍ متعذّر تغييره رجل فعل، وهذا ربما كان قدره المكتوب له دائماً، حتى لو كان يبدو كل كيانه يقاومه. مجهداً بالربو الذي كان يجعله يتلعثم أثناء الأحاديث الطويلة، واعياً بمفارقة أن يكون مولوداً في طبقة استفادت من نظام غير عادل كان يتمنى كفاحه، متنقلاً بغتة إلى الفعل بدلاً من التفكير مليّاً بالأهداف الدقيقة لفعله، تولى شي، بعزم لا يلين، القيام بدور البطل الرومانسي المقاتل وصار الرمز الذي احتاجه جيلنا من أجل راحة ضمائرنا"ص134.
القارئ المثالي:
أن نلحق الفن بنشاط القراءة كما عند مانغويل، إذن لابد من أن نتحرى عن القارئ المثالي، هويته، وطبيعته الذهنية والسيكولوجية، وموقعه بين الآخرين.. ونسأل فيما إذا كان هناك كثر من الناس هم قراء مثاليون؟ وهل الكاتب بحاجة إلى عدد وفير من هؤلاء أم عليه الاكتفاء بقراء جيدين يجدون في قراءة كتبه السلوى والمنفعة والمتعة؟.. يشمل المفهوم جمهوراً عريضاً متنافراً، لا يجتمع على قاعدة واحدة.. فهو مانغويل الخائض بالكتابة في عوالم الكتب وفن قراءتها لا يمكن إلا أن يكون قارئاً مثالياً، كما أن "بينوشيت (ديكتاتور تشيلي السابق) الذي حظر (دون كيخوته) لأنه اعتقد أنها تحرِّض على العصيان المدني، كان هو القارئ المثالي لذاك الكتاب"ص232.
يرى مانغويل القارئ المثالي بلا جنسية محددة، متلوناً بلا حياء، وقد يستغرقه الوهم إلى الحد الذي يقع فيه في غرام شخصية متخيلة.. يقرأ جزءاً من أي كتاب كسيرة ذاتية، ويعرف ما يعرفه الكاتب وحده بالحدس.. قادراً على تشريح النص، لكنه ليس محنط حيوانات.. إنه مترجم على وفق طريقته الخاصة.. هذا مما يقوله، ويقتبس من إيمرسون: "على المرء أن يكون مخترعاً كي يقرأ جيداً"ص229. وينتهي بتأكيد أن "الكتّاب ليسوا أبداً قراء كتبهم المثاليين"ص234.
يصبح كل حدث، كل واقعة، موضوعة للقراءة.. نحن نقرأ العالم في كل لحظة.. وجودنا على الأرض بدأ بقراءة خاطئة.. يقول مانغويل: "الطرد من الجنة يمكن أن يُفسّر كعقاب على قراءة غير صحيحة على نحوٍ مقصود"ص250.. نحن وجود في ذلك الصدع بين قراءة العالم (صحيحة كانت أو غير صحيحة) وحقيقته التي لا تُمسك.
نعود للقارئ المثالي الذي يمنحه مانغويل تعريفاً آخر: "القارئ المثالي منتهك عديم الشفقة للقواعد والضوابط التي يضعها كل كتاب لنفسه"ص232. ويشير في مكان آخر إلى القراءة الفوضوية التي لابد لكل معلم أن يلقِّنها ويزرعها في روح تلامذته، ومؤداها "الشك بالقواعد والقوانين، البحث عن تفسيرات في العقائد، مواجهة الأشياء المفروضة دون الخضوع للأحكام المسبقة، المطالبة بالحق من أصحاب السلطة، إيجاد مكان يمكنهم التعبير عن أفكارهم الخاصة بهم، حتى لو أدى ذلك إلى معارضة المعلّم نفسه، وفي النهاية التخلص منه"ص245.
حلم المكتبة:
لا الفردوس كما في حلم بورخس، بل العالم كله، ماذا لو انتهى في تصميم مكتبة هائلة؛ رفوف لولبية، تلتف حول الكرة الأرضية، لا حدّ لها، من الكتب؟ مكتبة تتعطل فيها لعنة بابل كما أرادها مانغويل.. والمواطن العالمي، بهويته الجديدة، المنكِّلة بالإثنيات والطوائف، هو المواطن القارئ المختار.. مؤتلف مع أي مواطن آخر في مقصد الحرية والسعادة، ومختلف عنه في؛ ماذا يقرأ، وكيف يتمثل ويتذوق ويقوِّم، والطريقة التي بها، ومعها، تغيّره كل قراءة، وتشذّب بعده الإنساني وتجمِّل روحه؟
وكما عرّف مانغويل القارئ المثالي، عرّف كذلك المكتبة المثالية التي تصوَّرها معدّة لقارئ بعينه يشعر أنه القارئ المختار. وبقي هاجس اللانهائية يسكنه وهو يكيّف مخيلته ليحيل مكتبته المثالية إلى عالم منسجم، حيث "توحي بنص واحد مستمر بلا بداية قابلة للرؤية ولا نهاية قابلة للتنبؤ"ص397.. ويستدرك:
"في المكتبة المثالية لا توجد كتب ممنوعة ولا كتب مزكّاة.
المكتبة المثالية هي قريبة لكل من القدّيس جيروم ونعوم تشومسكي.
في المكتبة المثالية ما من قارئ شعر أنه غير مرغوب به.
كل صفحة في المكتبة المثالية هي الصفحة الأولى. ولا أي منها هي الصفحة الأخيرة"ص397، 398.
لا شيء يحرِّض على الحياة كالمكتبات.. لا شيء يسحر مثلها، ويفتن ويروِّض الألم، ويعيننا على الإحساس والالتذاذ بمباهج العيش وتحمّل رعبه.. المكتبة ذاكرة ومنزل وحلم.. عمارة وتشكيل وموسيقى.. المكتبة سردية كلية لوجودنا في العالم.
لكل مكتبة مهما كانت صغيرة، حلم مكتبة كونية.. حلم الإنسان والآلهة والطبيعة.. حلم اللغات بالكمال المستحيل.. خبل الحلم كما تجلّى عند بابل والإسكندرية.. يقول مانغويل:
"لأنه خلف كل كابوس غامر لكون هو تقريباً لا نهائي يكمن حلم بابل المجنون، في الوصول إلى حدوده بعيدة البلوغ، وحلم الإسكندرية المجنون، في اقتناء كل ما يمكن معرفته عن طبيعته الغامضة وجمعها تحت سقف واحد. كل مكتبة، مهما كانت صغيرة، هي مزيج من بابل والإسكندرية، ومن ثم هي مكتبة كونية واسعة النفوذ، بما أن كل كتاب هو شاهد على قرابته لكل الكتب الأخرى، وكل رف لابد من أن يعترف بعجزه عن احتوائها"ص404.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,723,052,074
- قصتي: مارلين مونرو
- (بوابة الذكريات) لآسيا جبّار: لغة مهموسة وقليل من الحياء الش ...
- إدوارد سعيد: القاهرة ونجيب محفوظ وتحية كاريوكا
- حكايتي مع فن الرواية، وتقنية ما وراء الرواية -شهادةُ روائيٍّ ...
- الترحال عبر الثقافات
- المكان الذي يعيد خلقنا روائياً: كتابي الأول غسق الكراكي
- الاحتفاء بالرواية وازدهارها في كتاب (تطوّر الرواية الحديثة)
- اللغة والسرد
- بطل الرواية الحديثة
- -حلم غاية ما- الوجود رؤىً وولعاً وجمالاً
- هذا البهاءُ المرُّ (نصوص)
- كافكا وفوكو وبوتزاتي في المستشفى
- سوزان سونتاج في يومياتها: كما يسخَّر الوعي للجسد
- هل من ضرورة لوجود المثقف في المجتمع والعالم؟
- ما الذي يعيق قيام الدولة المدنية في العراق؟
- المثقف.. المجال السياسي.. الدنيوية
- الحرية.. هذه الكلمة الغامضة
- العراقي سعد محمد رحيم: نحن بحاجة إلى إعادة قراءة فكرنا وإغنا ...
- الرأسمالية وصناعة الإرهاب المعولم
- الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواي ...


المزيد.....




- نائب وزير العدل الياباني يتوجه إلى لبنان هذا السبت لبحث قضية ...
- شاهد: أبرز أحداث الأسبوع في العالم
- فيروس كورونا: البيت الأبيض يقول إن وسائل الإعلام تثير مخاوف ...
- نائب وزير العدل الياباني يتوجه إلى لبنان هذا السبت لبحث قضية ...
- الحوثي يعلق على إعلان السعودية تعليق دخول مواطني الخليج إلى ...
- صور لمقبرة -المعلا- في مكة حيث قبور بني هاشم
- ترشيح ساندرز قد يشطر الحزب الديمقراطي
- العراق.. مقتل عسكريين وإصابة ثالث بهجومين لـ-داعش- في كركوك ...
- وسائل إعلام: اليونان تعطّل بيانا للناتو يدعم تركيا
- -الجيش الوطني الليبي- يعلن إسقاط 6 طائرات مسيرة تركية


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - آليس الدليلة في اكتشاف عجائب القراءة