أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - الحزب الشيوعي اللبناني - جورج حاوي شيوعي ناصع مجدد - ملأ لبنان وشغل دنيا العرب






















المزيد.....

جورج حاوي شيوعي ناصع مجدد - ملأ لبنان وشغل دنيا العرب



الحزب الشيوعي اللبناني
الحوار المتمدن-العدد: 1466 - 2006 / 2 / 19 - 09:44
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


جورج حاوي شيوعي ناصع مجدد ((ملأ لبنان وشغل دنيا العرب))
ابيضّ رأسه ولم يبيض عقله. امتلأ جسمه ووزنت حكمته. قامة مديدة ووجه بشوش لا تفارقه الابتسامة. امتاز بذكاء حاد، ودماثة خلق وحيوية دائمة وخفة ظل وسرعة خاطر. وقبل ذلك كان مشروع نضال وطني وأممي مستمر وكفاح على مختلف الجبهات، وقدرة مميزة على التطور والتكيف واستنباط دائم للافكار والحلول.
جورج حاوي، شخصية صاخبة > على مدى ثلاثة عقود. قائدا شيوعيا ورمزا لحراك من أجل >. من بتغرين الى وطى المصيطبة، ومن عكار الى عيترون وفي كل ساحات النضال ضد الظلم والقهر والتجويع والاحتلال وصولا الى إطلاق <<جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية>> ورفع راية النضال من أجل فلسطين. ثم الدعوات المتواصلة الى الحوار والمصالحة التي كان سباقا فيها، الى هاجس التغيير الديموقراطي في بلده.
قصة <<أبو أنيس>> تكاد تكون فريدة في تطورها وتدرجها، من بوتقة عائلة مسيحية من جبل لبنان الى الانخراط في الشيوعية ليصبح أحد أبرز القادة الشيوعيين على مدى العالم العربي. ولد حاوي عام 1938، في بلدة بتغرين المتنية، ونشأ في بيت اضطر والده أنيس لسلوك صنوف المهن والحرف بعد أن توفي والده وكان بعد في التاسعة من عمره، تاركا وراءه عائلة كبيرة في خضم الحرب العالمية الأولى ومنزلا مرهونا بثلاثين مجيدية (ليرة ذهبية). وعمل والد جورج في قطاع الاشجار والأخشاب، وفي صيانة الطرق، ثم استقر على <<كار>> والده عاملا في قطاع البناء ليتحول الى متعهد ناجح لفترة تعرض بعدها للافلاس.
ولكن جورج عاش أيضا في جو طغت عليه السياسة، فوالده كان أيضا مسيسا ومنتمياً الى <<الكتلة الدستورية>> الاستقلالية التي كان يتزعمها بشارة الخوري، ربما بسبب عامل القربى مع آل تقلا الدستوريين (فيليب تقلا ابن خالته). عشية الاستقلال كان أنيس حاوي بين الذين حملوا نعيم مغبغب على أكتافهم ليرفع العلم اللبناني على البرلمان، وأصبح في ما بعد مفتاحا انتخابيا في المنطقة.
بدأ جورج دروسه الابتدائية عند الراهبات الكاثوليك في بتغرين، حيث كان يحضر يومياً القداس ويشارك في الطقوس الدينية. ثم انتقل في المرحلة التكميلية الى مدرسة دير مار يوحنا، في الخنشارة، وأنهى المرحلة الثانوية فيها واستمر في الأجواء نفسها من حيث المشاركة في القداس والصلوات. إلا ان النقاشات في أمور الدين مع الرهبان دفعته الى طرح الأسئلة حول الله والوجود والحياة والآخرة والمصير. بدأ تمرده باكرا وذهب بعيدا في أسئلته ومساجلاته لدرجة ان أساتذته والرهبان اتهموه بالالحاد.
وفي موازاة ذلك، كان حاوي يقرأ لوالده الانجيل كل يوم. وذات يوم فاجأه والده طالباً منه أن يقرأ له صفحات من القرآن، ولكنه وجد صعوبة في لغة الاعجاز فنصحه أستاذه في اللغة العربية نايف نكد أن يقرأ كتب السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين. ووجد هكذا نفسه مدفوعاً الى <<الدين الآخر>> الذي أطل منه على الآخر (المسلم) الذي لم يكن يعرف عنه الكثير.
وذات يوم، وكان جورج في سن السادسة عشرة، حصل شجار بينه وبين أحد أفراد القرية فطعنه بسكين صغير واضطر الى ترك المدرسة ومغادرة البلدة، ولجأ مختبئاً قرابة عشرة أشهر عند أحد أقاربه في بيروت الى أن حلت المشكلة. حادث <<الطيش الصبياني>> شكل فرصة لعملية تحول جذري في تفكيره وحياته. في ذلك البيت وجد مكتبة غنية راح جورج ينهل من كتبها، لا سيما ما يتعلق بالفكر الماركسي. فقرأ ماركس ولينين وستالين واطلع على مبادئ الشيوعية والفلسفة الألمانية وغيرها من كتب فكرية وثقافية. وهكذا أضاف بعداً جديداً الى مكونات شخصيته الناشئة وهو لم يكن يدرك بعد أن هناك حزباً شيوعياً.
بعد أن حلت المشكلة التحق بمدرسة <<الثلاثة أقمار>> في الأشرفية، وبدأ يعيش أجواء الحركات الطلابية وينخرط في النضال الطالبي، إلا ان احتكاكه الحزبي الفعلي لم يكن في اطار الحركة الطالبية بقدر ما كان في اطار التنظيم السري للشيوعيين في بتغرين نفسها، والذي كان يضم عمالا وليس بينهم مثقفون. فراح يناقشهم ويتصدى على حجج <<القوميين>> في القرية والتي كانت الخلافات محتدمة معهم. يومها اعتبروه عضواً منهم وعينوه مباشرة مسؤول فرقة بتغرين. ويروى عنه أنه عندما اشتغل لفترة مع والده في بعض التعهدات كان يقوم بتحريض العمال للمطالبة بحقوقهم، وذات يوم جال والده على الورشة فوجدهم جميعهم معلنين الاضراب مكتوفي الأيدي...
تحول جورج الى <<قائد شيوعي>> صغير لم يرق لوالده الذي كان يعتبر نفسه <<رأسماليا>> رغم إفلاسه في مجال التعهدات. على أثرها ترك جورج المنزل وراح يتدبر أمره، فعمل في كاراج صغير لصيانة البوسطات لمدة تسعة أشهر وتابع تعليمه في دروس مسائية. ولم يتصالح مع والده إلا في انتخابات 1957 التي دعم خلالها الحزب الشيوعي مرشحي المعارضة ومن بينهم فيليب تقلا. أي ان لقاءهما كان <<سياسيا>>، وترافق ذلك مع نجاحه في امتحانات شهادة البكالوريا فجاء رضى الوالد مزدوجاً واقتنع أن بإمكان المرء أن ينشط في السياسة ويدرس في آن، وان حزب الذي ينتمي اليه ابنه هو حزب جيد... <<لأنه يدعم فليب تقلا>>.
وانطلق جورج، وهو في التاسعة عشرة، في <<حلمه الأحمر>> مجنداً وراءه إخوته وبعض العائلة. ووجد نفسه خلال فترة بسيطة في خضم الأحداث المتسارعة نحو ما عرف يومها ب<<ثورة 1958>> ضد عهد كميل شمعون، الطامح نحو التجديد والجانح نحو <<حلف بغداد>> (ايران العراق تركيا) بعد أن لقب في بداية عهده ب<<فتى العروبة الأغر>>. وبرزت بسرعة المواصفات والميزات القيادية لدى هذا الشاب الذي نزل على الأرض، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام صائب سلام وكمال جنبلاط. وبدأ بلعب دوره في تلك <<الثورة>> على محور المتن بيروت الشوف، متنقلا على دراجة نارية مع <<رفيقه>> كاهن رعية بتغرين نقولا المر الذي كان منتمياً الى الحزب، ويتخطيان حواجز <<الكتائب>> الى بعبدات للتواصل مع شخصية مهمة طمس دورها مثل اميل خوري.
كان هم جورج يومها العمل على نفي الصبغة الطائفية عن <<الثورة>>، فنجح في تجنيد ألف شاب من منطقة المتن. عندها أوفد خوري حاوي والمر الى سلام ليضعاه في الصورة كونه كان يرأس <<جبهة الاتحاد الوطني>> التي كانت تقود الشارع ضد شمعون. دخل جورج الى منزل سلام الذي كان يرأس اجتماعا للجبهة بحضور جنبلاط ومعروف سعد وآخرين، فوضع المجتمعين في صورة توجههم وتحمس الزعيم الاشتراكي للفكرة، ولكن سلام اختلى به جانباً وقال له انه سيدرس الاقتراح ويرد الجواب الى خوري. إلا ان الجواب لم يصل. وفي ما بعد استبدل جنبلاط الاقتراح بآخر يقوم على إرسال سرية مسيحية الى الشوف. انتظرت السرية إشارة الانطلاق التي لم تأت، لكن مجموعة من الشباب الشيوعيين المسيحيين في المتن أصرت على التوجه الى الشوف.
انغماس جورج في العمل الوطني والنضالي أبعده لفترة عن متابعة دروسه، ولكنه قرر دراسة الحقوق والتحق عام 1960 بكلية الحقوق في الجامعة اليسوعية. وبات توفيقه بين اندفاعته السياسية ورغبته في متابعة تحصيله الجامعي شبه مستحيل. فما ان انتهى العام الجامعي الأول حتى طار الى تشيلي موفداً من قبل الاتحاد العام للطلاب اللبنانيين واتحاد الشباب الديموقراطي (التابع للحزب الشيوعي) للمشاركة في اجتماع اللجنة التنفيذية لاتحاد الشباب الديموقراطي العالمي. وأثناء وجوده هناك حصل الاعتداء الاميركي على كوبا الذي عرف يومها ب<<خليج الخنازير>>، فأوفدت اللجنة التنفيذية وفداً الى كوبا للقاء ممثلي القارات الخمس فاختير حاوي ممثلا للوفود العربية.
ووجد حاوي نفسه فجأة في خضم <<غليان ثوري>> يعصف بجزيرة صغيرة <<تناطح الامبريالية>> بقيادة ملتح يدعى فيديل كاسترو وآخر هو تشي غيفارا، الذي تحول في ما بعد الى حلم و<<أيقونة>> لكثير من شباب العالم. أمضى <<الرفيق>> جورج ثلاثة أشهر هناك وخاض نقاشات مع كاسترو وغيفارا، وعاش عن قرب تحول الثورة ضد الاستعمار الى <<ثورة بروليتارية>>. لكنه عاد من هناك بقناعات <<براغماتية>> ان التجربة الثورية لا تستنسخ ولا تتكرر، وأنه لا بد من ابتكار حركة ثورية بأساليب جديدة. أما القناعة الأخرى التي كونها هذا <<الشاب الثوري والاممي>> فهي البعد القومي للنضال. أثناء توجهه الى تشيلي كان من المفترض أن يلقي كلمة خلال اللقاء يشرح فيها وضع الحزب الشيوعي اللبناني في ظل الأنظمة العربية ويحمل فيه على جمال عبد الناصر وايديولوجيته القومية وملاحقته للشيوعيين. والتقى على الطائرة <<رفيقين>> اثنين اسبانيين ودخل معهما في حوار وجد نفسه يدافع فيه عن العرب وعبد الناصر، وبدا له ان الخلافات <<الداخلية>> تصبح ثانوية أمام التحديات <<الخارجية>> فكان لذلك الحوار آثاره اللاحقة على مجريات الأمور داخل الحزب الشيوعي اللبناني السوري الذي كان لا يزال موحداً.
وفي أواخر 1960 وأوائل 1962 اشتعلت الخلافات داخل الحزب وضد نهج <<الرفيق الأمين العام>> يومها خالد بكداش، وكان ابن الثالثة والعشرين من بين الشيوعيين الذين انتقدوا الخط المعادي لناصر وأخذوا مواقف متمايزة على الصعيد الطلابي والشبابي وأيضا العمالي وفي اتحاد الكتاب. وترافق ذلك مع قيام <<جبهة الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية>> برئاسة كمال جنبلاط، والتي ضمت شيوعيين وقوميين عرباً وناصريين من طوائف مختلفة. وتتأجج الخلاف داخل الحزب الشيوعي بين نهجين الى ان أدى الى انفصال <<اللبناني>> عن <<السوري>>، عام 1964، وانتخب نقولا الشاوي أمينا عاما للحزب الشيوعي اللبناني. وفي موازاة ذلك، خاض جورج تجربة على حافة عالمين، <<زعاماتي>> و<<ثوري>>، وانما لها طعم <<لبناني خاص>> هي خوضه انتخابات 1964 في المتن. وكان يجول معه في حملته الانتخابية والده، الذي كان يعجب للطريقة التي كان يحاور بها ابنه الناس لإقناعهم ببرنامجه والتصويت له، فقال له: <<يا ابني هذه الطريقة ما بتنفع، أحيانا تبويس وأحيانا عصي، أي ترغيب وترهيب، وأحيانا بدك تفتعل مشكلة لمنع مناصري الخصم من التصويت...>>. وكانت النتيجة أن سقط في الانتخابات.
بعد انفصال الشيوعيين اللبنانيين لمع نجم جورج بسرعة وراح يدعو مع رفاق آخرين أمثال كريم مروة ونديم عبد الصمد وجورج بطل وغسان رفاعي وخليل الدبس وسهيل الطويلة وآخرين الى عقد مؤتمر استثنائي لوضع برنامج سياسي ونظام داخلي جديدين. وحين بدت الفكرة على وشك أن تتحقق، تم إلصاق تهمة عميل للمخابرات الاميركية (<<سي. آي. آي<<) به من قبل بعض <<الرفاق>> الذين طبخوها مع <<رفاق الباب العالي>> في موسكو. وكي لا تضيع محاولات التغيير عمد جورج بحنكته المعهودة الى التوقيع على ورقة بيضاء سلمها الى فاروق معصراني طالباً من مجموعة الرفاق أن يكتبوا ما يرون،ه مناسبا من اعترافات.
وفي عام 1967، وخلال مشاركته في اجتماع للاحزاب الشيوعية العربية في موسكو، شعر بأن شيئاً ما يدبر له اثر إدخاله المستشفى لمجرد انه أصيب ببعض السعال. ومدد بقاءه لأيام أبلغ خلالها السوفيات الشاوي أن حاوي جاسوس أميركي. وبعد عودته الى لبنان عقب هزيمة 1967، وقبل انعقاد المؤتمر الثاني للحزب وجد جورج نفسه أمام حكم بالسجن ثلاث سنوات في دعوى على جريدة <<النداء>> بوصفه رئيس التحرير المسؤول. جمع له الرفاق مبلغاً من المال لمغادرة لبنان وتأمين مستلزمات السفر، وهام <<الرفيق>> المنبوذ والملاحق على وجهه من بلد أوروبي الى آخر الى أن حطت رحاله في بروكسل حيث تسجل في جامعتها من أجل الحصول على إقامة. ومارس كل الاعمال بما فيها مرافقة كلب سيدة كسرت رجلها في نزهة مسائية. وذات يوم جاءه الدبس ليبلغه بقرارات المؤتمر الثاني وتبرئته من التهمة التي نسبت اليه وإعادته الى الحزب كسكرتير للجنة المركزية، وهي الرتية التي كان يحتلها قبل طرده.
خرج الحزب الشيوعي من المؤتمر الثاني برؤية جديدة، خصوصاً ما يتعلق بمسألة العروبة والموقف من الناصرية ومن القضية الفلسطينية التي بدأت ترخي بثقلها على الساحة العربية. وفي الوقت نفسه كان لديه تخفظ على انجراف بعض اليسار في ركب القيادة الفلسطينية في لبنان. وكان للحزب وجنبلاط نظرة تقوم على أساس ان للثورة اللبنانية نهجها وآليتها للتعاون مع الثورة الفلسطينية بصفتهما فصيلين من فصائل الثورة العربية، ولكن لكل منهما استقلاليته ضمن إطار ما كان يسمى يومها بحركة التحرر العربي. لم يعجب هذا المنطق بعض اليساريين والعروبيين الذين اندفع بعضهم الى تخوين الشيوعيين. في هذه الأجواء بدأت السلطة مضايقتها للوجود الفلسطيني الذي كان يلقى احتضاناً شعبياً، فطرحت بعض الأحزاب فكرة التظاهرة التي نظمت في 23 نيسان 1969، والتي انتهت بمجزرة جراء القمع الذي تعرضت له من قبل قوى الأمن وأغرقت البلاد في أزمة دستورية طويلة.
يومها اقترح حاوي فكرة تأجيل التظاهرة الى بعد الظهر لتأمين مشاركة العمال فيها، ومشى جنبلاط على رأسها وأخذت العلاقة تتطور بين الطرفين ممهدة لتحالف أساسي قامت عليه في ما بعد <<الحركة الوطنية اللبنانية>>. كما أدت الأحداث والصدامات بين الجيش اللبناني والثورة الفلسطينية الى التوقيع، في تشرين الثاني 1969، على <<اتفاق القاهرة>> بين لبنان ومنطمة التحرير الفلسطينية. في مذكراته الى مجلة <<الوسط>> تساءل رئيس المكتب الثاني السابق غابي لحود عن السر الذي دفع جنبلاط خلال الانتخابات الرئاسية عام 1970 ليأتي صوته مرجحاً كفة سليمان فرنجية على حساب الياس سركيس. الفضل يعود لهذا الشيوعي الشاب الذي قام ب<<تحضير>> فرنجية ل<<الامتحان>> الذي أخضع له يومها جنبلاط، وكان هو الذي تولى مرافقته وتمويه الطريق الى منزل الزعيم الاشتراكي.
لم يحسن عهد فرنجية التعاطي مع حالة صعود وتمدد الوجود الفلسطيني في لبنان وانعكاساته على التركيبة والتوازنات الداخلية، لدرجة انه اعتبر يومها بمثابة <<جيش المسلمين>> في لبنان. وجاءت عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، في أيار 1973، على يد كوماندوس بحري اسرائيلي ك<<الشعرة التي قصمت ظهر البعير>> ودفعت لبنان بخطى متسارعة نحو أتون الحرب الأهلية. فيما قضت بوسطة عين الرمانة، في 13 نيسان 1975، على ما تبقى من <<كوابح>> لدى مختلف الأطراف. شبح الصدام الآتي دفع جورج حاوي الى طرح فكرة عزل <<الكتائب>> لاعتقاده ان ذلك من شأنه أن يعطل الرد العسكري وينفس الاحتقان وتجنب اتون الحرب. ولكنها... اندلعت.
وفي خضمها ظهرت أكثر فأكثر كفاءة وحنكة وشجاعة حاوي في التصعيد تارة والتهدئة تارة أخرى، ثم طرح المبادرات والسعي للحفاظ على خيط ولو رفيعاً من التواصل. في هذا المعنى شكل السند الأساسي لزعيم <<الحركة الوطنية>> و<<منجم>> الأفكار والخطط الى جانب محسن ابراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، واللذين كانا من أبرز واضعي <<البرنامج المرحلي>> الذي دعا الى التغيير الديموقراطي وتأكيد عروبة لبنان وسيادته واستقلاله وعلمانيته. ولكن صوت المدفع كان أقوى...
وفي حين أصبح أميناً عاماً مساعداً للحزب، نجح حاوي مثلا في تحويل الرد على مجزرة <<السبت الأسود>> باقتحام الأسواق بدل القيام بمجزرة مماثلة تستهدف المسيحيين. وفي محطة سياسية مهمة أقنع جنبلاط، في 1976، بالقبول ب<<الوثيقة الدستورية>> التي نصت على نصف إصلاحات، والتعامل معها على قاعدة <<خذ وطالب>>. أما حكاية التدخل العسكري السوري تحت غطاء ما سمي يومها بالمبادرة العربية فمسألة أخرى. فالصدام كان أمراً شبه محسوم، خصوصاً أن حافظ الأسد دفع بقواته داخل الحدود في اللحظة التي كانت <<القوات المشتركة>> اللبنانية الفلسطينية على عتبة تحقيق نصر يؤدي الى تعديل جذري في موازين القوى. وجاء اغتيال جنبلاط (16 آذار 1977) ليقصم ظهر حاوي ورفاقه من القوى الأخرى...
إلا ان المحطة المفصلية في حياة حاوي النضالية هي تصميمه على مواجهة الاحتلال الاسرائيلي عبر إطلاقه (16 ايلول 1982) <<جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية>>، بالتفاهم والتنسيق مع محسن ابراهيم، والتي خاضت مواجهات وعمليات شرسة ضد الاحتلال في بيروت وثم في الجنوب. ولكن قصة المقاومة في حقبة نهاية الثمانينيات وبعد التحرير في 2000، باتت اليوم في صلب الحاضر وتداعيات الماضي والمستقبل عليها.
بعد إقرار <<اتفاق الطائف>> الذي أنهى الحرب، كان حاوي من المؤمنين بضرورة العمل على فتح صفحة جديدة بين اللبنانيين وتوفير أجواء المصالحة. فكان السباق الى طي صفحة الماضي مع قائد <<القوات اللبنانية>> سمير جعجع منذ 1991. إلا ان مساعيه باءت بالفشل، واستمر ينادي طوال السنوات الأخيرة ان المدخل للخروج من القبضة السورية هو إجراء مصالحة شاملة حقيقية تعزز الوحدة الداخلية. فبادر والتقى ونشط وأطلق مبادرات شمالا يمينا ومع كل القوى والأطراف. طبعا لم يكن موافقا على الدور السوري، خصوصا في السنوات الأخيرة، وكان موقفه واضحاً مديناً <<الأجهزة الأمنية وغطاءها السوري>>، وان سوريا لم تتعاط مع المسؤولين اللبنانيين إلا من منطلقي <<التابعين أو الخصوم>>.
في المقابل، كانت غربته عن حزبه تكبر أكثر فأكثر... فكانت استقالته المفاجئة عام 1993 لأن عملية التغيير التي كان ينشدها تعثرت ووضعت له <<العصي في الدواليب>>. ابتعد ولكنه لم يفقد الأمل، ولا الاندفاعة ولا القناعة بالتغيير. مارس عملية مراجعة ونقد ذاتي لافتة وجريئة، وبقي يسعى الى أطر جديدة للعمل والى تجديد اليسار. وقد استنبط في 2003 فكرة تيار أو حركة يسارية جديدة أطلق عليها اسم <<حلوة>> أي <<الحركة اللبنانية للوحدة والتغيير>>. لم يكل جورج حاوي، ولم يحبط ولم ييأس. كان خلاقاً، مندفعاً، مرحاً، وقبل اغتياله بيومين كان في طرابلس يتابع العملية الانتخابية داعياً للتصويت لمرشحي اليسار في اللائحتين المتنافستين. رحل كبيراً كما طيلة حياته







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,383,758,370
- تصريح الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حدادة
- المجلس الوطني في تقرير عن تطورات الأحداث ومهمات الشيوعيين وا ...
- قيادة الحزب الشيوعي اللبناني وآل الشهيد يتقبلان التعازي بالق ...
- الحزب الشيوعي اللبناني ينعي القائد الكبير والمناضل الشيوعي ا ...
- البيان السياسي – الانتخابي
- في الذكرى الـ27 لاعتقال عميد الأسرى سيمر القنطار والخامسة لت ...
- المؤتمر الصحافي لأمين عام الحزب الشيوعي اللبناني
- الحزب الشيوعي: لن يأتي الإنقاذ عن طريق الخارج بل
- نداء من المجلس الوطني
- نص المؤتمر الصحافي للأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكت ...
- لقاء مع وفد القيادة الفلسطينية
- كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حدادة ...
- الندوة اليسارية الأورو متوسطية في طرابلس:
- في حفل استقبال الحزب الشيوعي اللبناني تظاهرة سياسية حاشدة
- الحزب الشيوعي: شعب لبنان يدفع ثمن عجز السلطة وصراعات النفوذ ...
- كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حداده ...
- الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني - التجديد الرئاسي وأدٌ ل ...
- قطاع المعلمين في الحزب بيـان
- كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الدكتور خالد حدادة ...
- بيـان الشهداء والجرحى في الضاحية 28 5 2004


المزيد.....


- سلام الشماع – ضياء النجم البعيد القريب / سلام ابراهيم عطوف كبة
- عشنا معاً وتعرفت عليكم أيام النضال ضد أعداء الشعب - 14 شباط ... / أحمد رجب
- ثقافة القرصنة والانقلابات / توفيق التميمي
- الشهداء يتسألون ...هل محكمة مجلس قيادة الثورة سيئة الصيت !!؟ / ماجد لفته العبيدي
- أسامه عيد الشهيد الصامت / محمد الحاج ابراهيم
- شلت يد مؤنفلك يا صديقي علي أحسان / محمود الوندي
- مناضل من بلادي - مع مذكرات المناضل جبار عبود لفتة ابو نضال ا ... / نعيم الزهيري
- بمناسبة الذكرى الاربعين لرحيل الشيوعي الاصيل راجي النجمي -اب ... / توفيق كناعنة
- عشاء الطائي الأخير - في ذكرى الشهيد باسل كاظم الطائي ( أبو ت ... / نجم خطاوي


المزيد.....

- شبيبة النهج الديمقراطي المكتب الوطني نداء 20 فبراير
- محمود حيدر لاذاعة صوت الشعب
- صلاح عدلي يكتب عن انتخابات الرئاسة في مصر والتحديات المقبلة/ ...
- بيان عن الاجتماع الموسع للحزب الشيوعي المصري حول الموقف من ا ...
- يحيى اليعقوبي يكتب :الأسرى أحرار وإن سجنت حريتهم
- مندوب فلسطين في اتحاد النقابات العالمي محمد اقنيبي يكتب عن ي ...
- عباس جمعة نحو تفعيل قضية الاسرى
- جنبلاط ضد السلسلة.. وجلسة 23 نيسان الرئاسية تتقدم
- المستأجرون: قانون الإيجارات مشروع إعدام
- النداء 235/ مقال صلاح عدلي عن انتخابات الرئاسة في مصر والتحد ...


المزيد.....

- ثورة 25 يناير 2011 فى النصف الأول من 2012 - القسم الثانى / خليل كلفت
- هكذا تكلم المفكر السوداني محمود محمد طه / عادل الامين
- الشباب الفلسطيني والتدافع نحو الاستشهاد / بسام يوسف إبراهيم بنات
- فرج الله الحلو - قائد شيوعي من أبطال الإستقلال / كريم مروة
- شهداء للبيع! البحث عن رفات الشهيد كاظم طوفان / سلام عبود
- مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير / إدريس ولد القابلة
- .. وَرَحَلَ نُقُد / كمال الجزولي
- ثورة مصر وما بعد / سمير أمين
- الشهيد المهدي بن بركة، بلاغة الوضوح ومنطق التسوية / عبد الإله إصباح
- ثورة التغيير التاريخية - واقع .. وتوقّعات - / نعيم الأشهب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - الحزب الشيوعي اللبناني - جورج حاوي شيوعي ناصع مجدد - ملأ لبنان وشغل دنيا العرب