أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - غازي الصوراني - الازمة الاقتصادية في المجتمعات العربية















المزيد.....


الازمة الاقتصادية في المجتمعات العربية


غازي الصوراني
الحوار المتمدن-العدد: 5652 - 2017 / 9 / 27 - 19:59
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



.27/9/2017

المظهر الاقتصادي للأزمة :
تأثر أداء الاقتصادات العربية خلال عام 2015 بعدد من العوامل التي أضعفت النمو على مستوى المجموعة، تمثل أهمها في تباطؤ الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية واستمرار الاتجاه الهبوطي لأسعار النفط التي فقدت في عام 2015 نحو 49 في المائة من فيمتها المسجلة خلال عام 2014، إضافة إلى الأوضاع الداخلية التي شهدتها بعض الدول العربية خلال العام وأضعفت من فرص نموها.
أما فيما يتعلق بمستويات الفقر، فيتوقع أن تكون معدلات الفقر قد زادت في عدد من الدول العربية خلال العام 2015، نتيجة لتراجع أداء النمو الاقتصادي وانخفاض قيمة تحويلات العاملين بالدول العربية المصدرة للنفط، وزيادة عدد اللاجئين والمشردين نتيجة الأوضاع الداخلية التي تمر بها بعض البلدان العربية.
من جانب آخر، لا تزال غالبية الدول العربية تواجه تحديات رئيسية تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة ، خاصة بين الشباب، وتدني مستويات التعليم وما يترتب على ذلك من ضعف القدرة التنافسية للقوى العاملة.
وبلغ متوسط معدل البطالة في الدول العربية عام 2015 حوالي 16.5 في المائة (حوالي 64 مليون عاطل عن العمل) [1].
بلغ الناتج المحلي الإجمالي العربي في العام 2015، حوالي 2429.1 مليار دولار مقارنة مع 2727.4 مليار دولار عام 2014، متراجعاص بنسبة 10.9 في المائة، ويعزى ذلك إلى الانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار النفط العالمية، فقد انخفض ناتج الصناعات الاستخراجية العربية من 942.6 مليار دولار عام 2014 إلى حوالي 548.5 مليار دولار عام 2015، بنسبة بلغت 41.8 في المائة، وقد أدى هذا التراجع إلى تاُر معظم المؤشرات الاقتصادية العربية.
وتبرز هذه التطورات خصائص ومشكلات الاقتصاد العربي ، وغلبة الطابع الريعي على تكوينه وأدائه، والمفارقات الواسعة بين الاقتصاد الريعي المعتمد على ما تنتجه الأرض من الموارد الناضبة، وبين الاقتصاد الإنتاجي الذي يعتمد على ما ينتجه الانسان بيده وعقله، حيث يكرس اقتصاد يعتمد على استغلال الموارد الطبيعية لا البشرية، في وقت تتمتع فيه الموارد البشرية بقدرة إنتاجية لا حدود لها، تماماً عكس قدرات الموارد الريعية المحدودة والناضبة في النهاية[2].
إن مظاهر التراجع أو الانهيار التي أصابت المكونات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا العربية ، لم يكن ممكناً لها أن تنتشر بهذه الصورة، بدون تعمق المصالح الطبقية الأنانية للشرائح الاجتماعية البيروقراطية والكومبرادور التي كرست مظاهر التخلف عموماً والتبعية خصوصاً في هذه البلدان بما يضمن تلك المصالح.
وقد كان طبيعيا في ضوء هذه المعطيات التي تؤكد على تعمق مظاهر التخلف والتبعية واحتجاز التطور، أن تتكرس ثقافة الاستهلاك  أو التبعية الثقافية بصورة مشوهة في بلدان وطننا العربي، عبر استيراد أنماط الاستهلاك الرأسمالية بأنواعها ، والتبدلات النوعية السالبة في القيم لحساب التقليد الباهت للثقافة الغربية، بحيث بات الطريق ممهداً في بلادنا العربية لانتشار وتعمق التبعية بالمعنى السيكولوجي تتويجاً لكل تراكمات الأشكال السابقة ، وهذه التبعية هي الأكثر خطورة في الحاضر والمستقبل ، لأن تكريس هذا الشكل – السيكولوجي ، في الأوساط الشعبية العربية، سيجعل من كل مفاهيم التحرر والنهضة والديمقراطية والتنمية كائنات غريبة مُشَوِّهة للشخصية الوطنية والقومية العربية ، إضافة لتأثير التيارات اليمينية ، و القوى الليبرالية الرثة أو الإسلام السياسي، من خلال طروحاتها التي انتشرت في أوساط الجماهير الشعبية عموماً والطبقة العاملة العربية والجماهير العفوية الفقيرة خصوصاً، بديلاً لمشروع التطور والنهوض الديمقراطي والتقدم والعدالة الاجتماعية.
فبالرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى 2,4[3] تريليون دولار عام 2015، إلا ان قسماً كبيراً من هذا الناتج، لم يوظف في تطوير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس والجامعات والتقدم العلمي ومشاريع الرعاية الاجتماعية ودعم السلع الغذائية للفقراء من ناحية، وفي تطوير الصناعات التحويلية العربية وتطوير الانتاجية الزراعية والتوسع في الاراضي الزراعية من ناحية ثانية، حيث بقيت القطاعات الاقتصادية الخدماتية والاستهلاكية ومظاهر الفساد والمحسوبيات وتراكم الثروات غير المشروعه، ومظاهر الإنفاق الباذخة الكمالية والتفاخريه، هي السائدة في البلدان العربية، وخاصة النفطية منها ، السعودية والخليج، كما استمر إيداع أو توظيف أموال النفط خارج البلدان العربية، وفق شروط رأس المال المالي الامريكي والغربي علاوة على شروطه السياسية، حيث تقدر الأموال المودعة أو الموظفة في الخارج بما يزيد عن 1,5 تريليون دولار متراكمة منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى يومنا هذا، في مقابل تزايد حالة التدهور الاقتصادي وتراجع عناصر النمو والتنمية، وتزايد مظاهر الافقار والبطالة في البلدان غير النفطية التي تضم 78% من مجموع السكان في الوطن العربي، وخاصة مصر التي وصل عدد سكانها نهاية عام 2016 إلى 92 مليون نسمة، وتعرضت، بعد سقوط مبارك فبراير 2011 عموماً وسقوط محمد مرسي والإخوان المسلمين 30/يونيو/2013 خصوصاً، إلى العديد من الضغوطات الاقتصادية، المحلية والإقليمية والعالمية، حيث نلاحظ مع بداية عام 2017 تزايد مظاهر الفقر والبطالة والغلاء  وارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية التي وصلت إلى ما يقرب من 150 مليار$ علماً بأن إجمالي الناتج المحلي المصري لعام 2015 بلغ (332)[4] مليار دولار، في حين أن الناتج المحلي للسعودية بلغ عام 2015 (646)[5] مليار دولار، وعدد سكانها (28) مليون نسمة فقط !! ، ولا تكتفي بعدم تقديم أية مساعدات أو دعم حقيقي لمصر أو فلسطين او سوريا فحسب، بل تعمل ان تتولى صدارة وقيادة المشهد العربي الراهن – بصورة مباشرة وغير مباشرة- ، إلى جانب دورها في إضعاف وتفكيك سوريا واليمن وليبيا، هذه البلدان وتشجيع مساندة حركات الإسلام السياسي فيها وفق توجهات السيد الأمريكي، الأمر الذي يؤكد على صحة قولنا، بان هناك تحالفاً موضوعياً بين احتكار السلطة عبر الشرائح الطبقية الكومبرادورية واحتكار الحقيقة عبر النظام المستبد أو الحركات الإسلاموية، فهما يكملان بعضهما البعض .
إن استمرار حالة التبعية التي تعني اننا سنظل - إلى درجة كبيرة – محكومين إلى الفكر الرأسمالي الإمبريالي المعولم (وحليفه الصهيوني) والى العلاقات الرأسمالية المشوهه السائدة في بلادنا، مازالت قائمة، ولن تزول إلا عبر إعادة بناء حركة التحرر العربية الديمقراطية في إطار الدور الطليعي لاحزاب وفصائل اليسار العربي، المرهون بتوعية وتأطير الشباب الثوري العربي الطليعي الديمقراطي التقدمي، واسهامهم بدوره القيادي في إضاءة مساحة هامة من هذا الاظلام المستشري في بلادنا، ومراكمة عوامل التحول الديمقراطي الثوري– بصورة تدرجيه- لمجابهة هذا الواقع وتغييره وتجاوزه، حينها فقط تصبح حركتنا الفكريةالنهضوية الديمقراطية الثورية عبر الممارسة قوة محركة للتاريخ في بلادنا، بما يسمح بأن تتحوّل إلى قوّة قادرة على بناء وتفعيل البديل الشعبي الديمقراطي التقدمي- في كل قطر عربي- وتحقيق أهدافها للخلاص من كل أشكال ومظاهر وأدوات التخلف والتبعية والاستغلال الطبقي والاستبداد.
 
أهم مؤشرات التراجع الاقتصادي على الصعيد العربي:
1. استمرار تراجع القطاع الصناعي في مجمل الصناعات التحويليه العربية بسبب هيمنة الاسواق الرأسمالية على الأسواق العربية، رغم الامكانات العربية المتوفرة للتطور الصناعي ، لكن الكومبرادور العربي لا يجد مصالحه سوى في استمرار خضوعه وعمالته للنظام الرأسمالي العالمي، وفي هذا الجانب أشير إلى ان مساهمة الصناعات التحويلية العربية في الناتج المحلي العربي 11% فقط، مقابل 22.6% مساهمة الصناعات الاستخراجية.
2. تراجع مساهمة قطاع الزراعة في الناتج العربي عام 2015 إلى 5.8% حسب التقرير الاقتصادي العربي الصادر عام 2016، وهذا يعني استمرار تراكم عوامل العجز في توفير مقومات الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي، فالمعروف ان الطلب على الغذاء ينمو بمعدل 6 % سنوياً في حين أن الإنتاج لا تزيد نسبة نموه عن 2 - 3% فقط ، ففي عام 2014 تزايدت الفجوة الغذائية العربية من 29 مليار دولار عام 2010 إلى 34 مليار دولار عام 2014[6]، والمفارقة هنا ، انه في ظل هذا العجز وما رافقه من بطالة وافقار ، فقد قامت الدول العربية ، النفطية منها خصوصا ، باستيراد اسلحة ومعدات عسكرية بلغت قيمتها –حسب العديد من المصادر- 3 تريليون دولار خلال العقود الثلاث الماضية، بما في ذلك 480 مليار دولار عن صفقة أسلحة تم تقديمها إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اثناء زيارته شهر حزيران 2017 للسعودية!! وهي اسلحة ومعدات لم تستعمل قط .
3. التدني الشديد في معدلات الاكتفاء الذاتي العربي حيث أن سلع العجز الغذائي التي تشمل الحبوب والدقيق بلغت 52.6% والقمح 51.5% والسكر 35.7% والزيوت النباتية 35.1% بالإضافة إلى العجز في اللحوم 23.5% والبقوليات 35% والأرز 38%[7] رغم وجود مساحات هائلة من الأراضي الصالحة للزراعة في السودان والجزائر والعراق مازلت دون أي اهتمام اقتصادي أو تنموي، فقد بلغت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة والمتروكة دون استغلال عام 2014 حوالي 11.9 مليون هكتار (119 مليون دون)[8] ما يعني ان المناطق الريفية في جميع البلدان العربية من المناطق الأكثر إهمالاً، رغم أن سكان الريف في الدول العربية عام 2014 وصل عددهم إلى 151.8 مليون نسمة، وبلغ عدد العاملين في القطاع الزراعي 26.1 مليون نسمة، يعيشون في أوضاع شديدة الفقر والبؤس.
يتضح مما تقدم، تزايد الاعتماد العربي في تأمين المواد الغذائية الأساسية على الغرب ووفق شروط منظمة التجارة الدولية، رغم توفر الأراضي الزراعية لتأمين احتياجات المواطن العربي.
وفي هذا الجانب نورد مثالا على هزال النظام العربي : في السودان حوالي 650 مليون دونم صالحة للزراعة لا يزرع فيها سوى 30 مليون فقط، ممكن أن نزرع القصب والقمح والشعير والذرة والحبوب والفواكه ونكتفي ذاتياً في كل بلدان العرب ... لكن؟!!
وبالتالي الحديث عن التنمية-مع استمرار أوضاعنا على ما هي عليه- نوع من الوهم إن لم يكن تجسيدا للانتهازية السياسية لدى المنتفعين من الغرب والأنظمة العربية عموما ،ومثقفي الأنظمة ممن روجوا لليبرالية الجديدة خصوصا.
 السمة الغالبة للنظام العربي الراهن، وهي الارتهان للنظام الرأسمالي في شكله المعولم الراهن، او استمرار عملية التكيف السلبي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والعلمي ...الخ، وما يعنيه من تعمق التبعية بكل انواعها (التجارية والمالية والنقدية والسياسية والثقافية والنفسية).
4. الميــاه : الوطن العربي هو الأفقر في المياه بالمقارنة مع دول العالم الأخرى إذ يبلغ المعدل السنوي لنصيب الفرد من المياه حوالي 814 متر مكعب سنوياً بالمقارنة مع 7 آلاف متر مكعب للفرد على المستوى العالمي[9].
 وتواجه بعض الدول العربية وضع الفقر المائي الخطير إذ لا يتجاوز معدل نصيب الفرد فيها 500 متر مكعب سنوياً ، كما هو حال قطاع غزة.
 أما الصورة المستقبلية فهي أشد حدة إذ يقدر أن ينخفض معدل نصيب الفرد السنوي إلى 400 متر مكعب ( بدلاً من 814 م3 حالياً ) وستصبح (13) دولة تحت خط الفقر المائي ، يضاف إلى ذلك أن الدول العربية مهددة بتناقص في كمية المياه التي ترد إليها من الخارج والتي تمثل حوالي 50% من المياه المتاحة وذلك مثل المياه الواردة عبر نهر النيل ونهري دجله والفرات .
 وتقدر الموارد المائية في الوطن العربي بحوالي 350 مليار متر مكعب يستخدم منها حوالي 245 مليار م2 ( 70% من الموارد المتاحة ) ويحظى الري بالنصيب الأكبر من تلك الموارد حيث يستحوذ على 85% منها ، يليه الاستخدامات المنزلية 9% ثم الاستخدامات الصناعية 6% .
5.  تزايد مظاهر التخلف التي كرست القطعية مع مفهوم "الاستثمار في رأس المال البشري" فلا تعليم جامعي وفق منهجية علمية معاصرة ، ولا كفاءة في التخطيط والهندسة والإدارة لدى قوة العمل العربية التي ظلت متخلفة، وهذه إشكالية أو مفارقة كبرى تتجلى في توفر الثروات المالية من ناحية وافتقارنا للثروات البشرية من ناحية ثانية ، فبالرغم من أن العرب ينتجون الفوائض المالية ، والغرب الرأسمالي ينتج العجز والأزمات ، إلا أن تبعية وارتهان عرب النفط أو دويلات الصحراء للغرب ستحول دون استفادة شعوبنا من ثرواتها ، وإبقاء تطورنا محتجزا ومتخلفا .
6.  تراكم مظاهر التخلف التي لم تؤثر سلباً على القطاعات الإنتاجية – الزراعة والمياه بشكل خاص – فحسب، وإنما امتد تأثيرها على الجامعات ومؤسسات التطور والبحث العلمي التي لم تعمل جدياً على تأسيس منظومة قومية للعلوم والتكنولوجيا الحديثة وتكنولوجيا المعلومات بالرغم من توفر الخبرات والإمكانات اللازمة لهذه المنظومة، حيث تشير البيانات إلى ضعف وهشاشة مخصصات البحث العلمي التي لا تزيد عن نصف بالمائة او ما يعادل 11 مليار دولار من أصل اجمالي الناتج المحلي العربي لعام 2015، البالغ 2.4 تريليون دولار، في حين أن هذه النسبة  تزيد في دولة العدو الصهيوني عن 3% او ما يعادل 9 مليار دولار من الناتج الإجمالي الإسرائيلي الذي يقدر بحوالي 300 مليار دولار في نهاية 2015.
 وفي هذا الجانب ، نشير إلى الحجم الهائل للتخلف العلمي والتكنولوجي لدى المجتمعات العربية ارتباطاً بسياسات أنظمتها ومصالح الطبقات الحاكمة فيها ، ويتجسد هذا التخلف بصورة فاقعة في مجال البحث العلمي و الجامعات الاكاديمية العربية ، حيث نلاحظ أن الجامعات الاسرائيلية حظيت في الاعوام 2008 وما تلاها حتى عام 2015 بمراكز متقدمة على المستوى العالمي حسب التصنيفات الدولية، وخاصة الجامعة العبرية التي احتلت المركز 64 على مستوى العالم، بينما لم يرد ذكر أي من الجامعات العربية في الخمسمائة جامعة الاولى.  وان هنالك تسعة علماء اسرائيليين حازوا على جوائز نوبل، بينما حاز العرب على 6 جوائز، ثلاثة منها بدوافع سياسية، ومنهم العالم المصري أحمد زويل الذي نال الجائزة على ابحاثه التي أجراها في الجامعات الامريكية.
7.  انخفاض –وهشاشة- حجم التجارة البينية العربية بحيث لم تتجاوز نسبة 8.3%[10] عام 2015، وهذا يعني دليلاً فاضحاً على حجم سيطرة الكومبرادور العربي على الاقتصاد العربي!  (في هذا الجانب نشير إلى أن حجم التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي وصل إلى 85% من إجمالي التجارة الأوروبية) .
8. تزايد الفجوة في متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العربي، حيث يبلغ متوسط دخل الفرد (حسب التقرير الاقتصادي العربي الصادر عام 2016) حوالي 6880 دولار، أما على مستوى الدخل للفرد في كل بلد عربي، فهناك فجوه هائلة بين هذه المستويات، حيث يبلغ دخل الفرد رغم انخفاض اسعار النفط عالمياً، 68770$  سنويا في قطر والإمارات 43000 $  وفي الكويت 29000 $ والبحرين 23360 $ والسعودية 20800 $ وعُمان 16800 $  وليبيا بسبب تفكك النظام، 2266 $ فقط (كان 9600 $ عام 2012)، والاردن 5500 $ والجزائر 4500 $ وتونس 3900 $ واليمن 900$ ثم لبنان 6243 $ في حين بلغ في فلسطين  أقل من 1000 دولار في قطاع غزة وفي مصر 1759 $ وفي السودان 1543 $  ما يعني اتساع الفقر والفقر المدقع.
9. تزايد الامية المنتشرة في أرجاء الوطن العربي البالغ عدد سكانه في نهاية 2015 (387) مليون نسمة منهم 75 مليون أمي أي بنسبة اجمالية تصل إلى 19.5%[11] ، هذا وقد بلغت نسبة الأمية بين الشباب في الفئة العمرية (15 – 24 سنة) حوالي 7.2% وهي اعلى من كل النسب في الدول النامية، أما الإناث (15 سنة فما فوق) فقد بلغت نسبة الأمية 27.4%.
10. تفاقم مشكلة البطالة في الوطن العربي لتصل عام 2015 إلى 16.5% من مجموع العمالة العربية البالغة 128 مليون عامل، وتزايد الفجوة في متوسط دخل الفرد من الناتج المحلي الاجمالي كما اشرنا من قبل، هذا ويتركز أكبر عدد من العاطلين عن العمل في مصر والسودان والصومال وفلسطين وسوريا والعراق.
11. من المتوقع – في ظل بقاء الوضع الراهن – تزايد حجم الديون الخارجية والداخلية العربية الى اكثر من 800 مليار دولار مع نهاية العقد الثاني من هذا  القرن( بلغت قيمة خدمة الديون العربية حوالي 16.6 مليار دولار عام 2015 )، وقد ازدادت المديونية العامة الخارجية بسبب لجوء بعض الدول العربية إلى الاقتراض الخارجي لتحويل العجز المالي، وبسبب تغير أسعار صرفا لعملات الرئيسية مقابل الدولار.
12. في ضوء الغاء الحدود الجمركية وفتح الأسواق –خلال العقود الثلاثة الماضية- تعرضت الصناعات الوطنية العربية – الى انهيار شبه شامل نتيجة اغراق السوق المحلي العربي بالسلع والمنتجات الاجنبية في ظل غياب القدرة على المنافسة.
13. تراجع القوة التصديرية العربية – ما عدا النفط – في مقابل تنامي القوة التصديرية لكل من تركيا واسرائيل، نتيجة التراجع والركود السياسي/ الاقتصادي العربي وليس نتيجة لغياب الامكانيات العربية .
14. فشل كافة مشاريع التكامل الاقتصادي العربي ، وهي مشاريع تم اقرارها على الورق منذ عام 1950 قرار انشاء المجلس الاقتصادي العربي، واتفاقية التجارة  والترانزيت عام 1953، واتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957 واتفاقية الصندوق العربي للانماء عام 1967 وصولاً الى مصادقة 18 دولة عربية على اتفاقية منظمة التجارة العربية الحرة عام 1997 وما تلاها من اتفاقيات شكلية في اطار الجامعة العربية طوال الفترة منذ عام 2000 إلى نهاية عام 2016 دون تفعيل حقيقي ، بل مزيد من التراجع والانهيارات.
وفي هذا السياق لا بد أن نشير إلى النفط العربي بما له من تأثير رئيسي على ما نحن فيه من تبعية وتخلف وخضوع، فقد كان النفط – وما زال – محوراً رئيسياً للمنافسة والصراع بين أقطاب النظام الرأسمالي، الأمر الذي أدى إلى سيطرة التحالف الامبريالي المعولم على النفط العربي وفي هذا الجانب فإن الاستهلاك اليومي العالمي من النفط[12] 85 – 90 مليون برميل وصل الى 120 مليون برميل عام 2015 . ( الولايات المتحدة تستهلك 20 مليون برميل يوميا) .
أخيراً، لعل في هذه المؤشرات ما يستدعي المزيد من الوعي بالأزمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتشخيصها، للتأكد من علاقة الترابط بين العولمة والتبعية والتخلف التي تحكم وتهيمن وتحتجز التطور العربي، وصولاً إلى صيغة البديل القومي النهضوي العلماني الديمقراطي العربي كطريق وحيد للخلاص من كل هذه القيود.
إن مخاطر هذا النمط المشوه من العلاقات الاقتصادية تنعكس بالضرورة على العلاقات الاجتماعية العربية بما يعمق الأزمة الاجتماعية و اتساعها الأفقي و العامودي معاً ، خاصة مع استشراء تراكم الثروات غير المشروعة ، و أشكال "الثراء السريع" كنتيجة مباشرة لسياسات الانفتاح و الخصخصة ، و الهبوط بالثوابت السياسية و الاجتماعية الوطنية ، التي وفرت مقومات ازدهار اقتصاد المحاسيب و أهل الثقة ، القائم على الصفقات و الرشوة و العمولات بأنواعها ، حيث يتحول الفرد العادي الفقير إلى مليونير في زمن قياسي (وهي ظاهرة لاحظناها في قطاع غزة مع تطور تجارة التهريب عبر الانفاق)، و هذه الظاهرة شكلت بدورها المدخل الرئيسي لتضخم ظاهرة الفساد بكل أنواعه في السياسة و الاقتصاد و الإدارة و العلاقات الاجتماعية الداخلية ، بحيث تصبح الوسائل غير المشروعة ، هي القاعدة في التعامل ضمن إطار أهل الثقة أو المحاسيب ، بعيداً عن أهل الكفاءة و الخبرة ، و دونما أي اعتبار هام للقانون العام و المصالح الوطنية .
صحيح أننا نعيش أزمة اقتصادية في الوطن العربي ، لكن الأزمة الاقتصادية – كما يقول المفكر العربي الشهيد مهدي عامل – غير كافية لتوليد أزمة سياسية تنتقل فيها المبادرة داخل الصراع الاجتماعي العام من الطبقة المسيطرة إلى الطبقات صاحبة المصلحة في البديل الديمقراطي ، فما دامت "الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة هي الممارسة المسيطرة ، فإن هذه الطبقة ليست في أزمة سياسية بالرغم من أزمتها الاقتصادية والأيديولوجية ، ولكي تكون الطبقة المسيطرة في أزمة سياسية فعلية ، فلا بد أن تكون السيطرة في الحقل السياسي للصراع الطبقي ، إي للممارسة السياسية الديمقراطية للطبقة النقيض ، فالأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط أزمة قيادتها الطبقية البرجوازية التابعة ، بل هي أزمة البديل الديمقراطي لهذه القيادة .
 


[1] التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016- صندوق النقد العربي – الجامعة العربية – ص31+32+33
[2] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق –  ص109
[3]  التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – صفحة ج.                                                               
[4] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص 411
[5] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص 411
[6] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص105
[7] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص106
[8] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص78
[9] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص74
[10] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص235
[11] التقرير الاقتصادي العربي – المصدر السابق – ص65
[12] وفي هذا الجانب نشير إلى البيانات التالية :
-      احتياطي العالم من الغاز (اجمالي العالم 180 تريليون متر مكعب في نهاية عام 2006)
-      أمريكا الشمالية 5.5%. - أمريكا الجنوبية8.3%. - أوروبا 3.6%.
-      روسيا 35%. - ايران 16%. - الدول العربية31 % ما يعادل 55.8 تريليون متر مكعب .
-      الاحتياطي من النفط: الوطن العربي يحتوي على حوالي 67% من الاجمالي الذي يقدر بحوالي1.2 تريليون برميل، والباقي يتوزع على: روسيا 7%، أمريكا الشمالية 3% اوروبا 2% وامريكا الجنوبية 10% آسيا 5% ، افريقيا 6%، وفي هذا السياق نشير إلى ما يلي : حسب جريدة القبس الكويتية (19/ 2/ 2008 ) "يزداد الاحتياطي النفطي العربي  يوما اثر يوم ، فقد ارتفع من 50 مليار برميل  عام 1950 إلى 120 مليار برميل عام 1960 ، ثم تضاعف إلى 250 مليار عام 1970  وزاد إلى 370 مليار عام 1980 ، والى 650 مليار برميل عام 1990 ، ثم بلغ 700 مليار  عام 1993 ، والى اكثر من 800 مليار عام 2007 ، الاحتياطي السعودي بمفرده  يصل إلى نحو 277 مليار برميل ، ليساوي بذلك اكثر من ثلاثة امثال  الاحتياطي  النفطي لدى الولايات المتحدة والمكسيك  مجتمعين ، واكثر من  اربعة امثال احتياطي فنزويلا ، احد اهم  البلدان المصدرة للنفط بالنسبة للولايات المتحدة ، وايضا اكثر من اربعة امثال الاحتياطي النفطي لروسيا ودول اوروبا الشرقية معا " وفي هذا السياق اشير إلى ان العديد من المصادر تؤكد بأن كمية المخزون الاستراتيجي من النفط في الولايات المتحدة في نهاية العام 2006 تصل إلى 800 مليار برميل .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تقديم وتلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ...
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ...
- خمسون عاما على تأسيس طلائع المقاومة الشعبية - الجهاز العسكري ...
- كتاب التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلس ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني
- الصديقان العزيزان أ.د ناجي صادق شراب و أ.د أسامة محمد أبو نح ...
- مداخلات عشية الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد رفيقنا القائد ...
- الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (199 ...
- معطيات وأرقام حول الشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين في ا ...
- في مناسبة يوم العمال ...القوى العاملة في الضفة الغربية وقطاع ...
- رسالة أقرب الى خاطرة حزينة
- الضفة الغربية وقطاع غزة .. بيانات إحصائية مقارنة 2017
- مشاريع التوطنين منذ النكبة الى اليوم
- نحو جهد وطني فاعل في مواجهة مشاريع التصفية
- المرأة الفلسطينية ودورها في المسار الوطني الديمقراطي
- معطيات وأرقام إحصائية حول الأوضاع الاقتصادية والمجتمعية في ق ...
- جورج حبش .. قائداً ومفكراً ومناضلاً ثورياً .. في ذكراه التاس ...
- حديث عن الخطاب الاسلامي ...و- فيدرالية - الأخ الصديق موسى اب ...
- معايدة... كلمات عن التنوير


المزيد.....




- تركيا عن رفع صورة أوجلان: أمريكا ترعى "إرهابيين" ف ...
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟
- تركيا: رفع صورة أوجلان في الرقة يثبت انحياز واشنطن لـ-الإرها ...
- الشيوعي في ذكرى تأسيسه ال93:
- حول الخط الفاصل اللينيني وما يجري اليوم
- حزب الشعب الفلسطيني يدعو للمضي قدماَ باتجاه التطبيق الفعلي ل ...
- تركيا تنتقد رفع صورة أوجلان بالرقة
- الجبهة الشعبية تستضيف الحزب الشيوعي اللبناني في منطقة الشمال ...
- ورشة فكرية حول طبيعة الصراع في المنطقة و ابعاده المتعددة
- -سوريا الديمقراطية- ترفع صورة لأوجلان وسط الرقة


المزيد.....

- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي
- هل يشكل المثقفون طبقة؟ / محمد الحنفي
- عندما يحيا الشخص ليدخر يموت فيه الإنسان وعندما يعيش ليحيا يص ... / محمد الحنفي
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- / نايف سلوم
- الاشتراكية الماركسية والمهمات الديمقراطية / نايف سلوم
- الازمة الاقتصادية في المجتمعات العربية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - غازي الصوراني - الازمة الاقتصادية في المجتمعات العربية