أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - تضامنا مع الإنسان في بورما وكل مكان، وليس مع القبيلة















المزيد.....

تضامنا مع الإنسان في بورما وكل مكان، وليس مع القبيلة


رابح لونيسي
الحوار المتمدن-العدد: 5637 - 2017 / 9 / 11 - 22:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



نستغرب سكوت العالم عن ما يحدث في بورما لمجموعة من الناس، يحق لهم العيش الكريم وكل الحقوق التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 1948، كما تضمنها الطبيعة الإنسانية التي ترفض فطرتها قتل البشر، ومنهم الأطفال والنساء والشيوخ مهما كانت الأسباب، خاصة إذا أخذت عملية التقتيل طابعا ثقافيا أو دينيا أو عنصريا، أنها ممارسات ترفضها كل الديانات، خاصة السماوية منها في أصلها قبل أن يختطفها السياسويون، ويوظفونها، وينشرون الكراهية بين أتباع مختلف هذه الأديان، بالرغم أن كل هذه الأديان تقول أن من قتل إنسانا على غير حق، فكأنه قتل الناس جميعا، لكن للأسف عندما نأتي إلى التطبيق، نجد العكس، فأغلب الجرائم الإنسانية أرتكبت بإسم الدين وبإسم الله، لأن السياسويون وأيديولوجييهم، يوظفون ذلك لأغراض سلطوية لا أكثر ولا أقل.
كثر الحديث مؤخرا عن الروهينجا في بورما، وما يتعرضون له اليوم والأمس على يد حكام بورما، ولعل الكثير من المسلمين أرادوا إعطاء لهذه الجرائم طابعا دينيا والترويج بحدة أنهم يقتلون ويبادون لأنهم مسلمون، وكأن العالم يعادي المسلمين أينما وجدوا، هذا مايدفعنا إلى توضيح عدة مسائل وقضايا غابت عن الكثير.
فمسألة الروهينجا يطرحها النظام البورمي بصيغة قانونية، تتعلق بقانون الجنسية في بورما التي لايحق إعطائها إلا للإثنيات التي كانت موجودة في بورما منذ 1813، وتقول السلطة هناك أن الروهينجا هم بنغال، أي جاءوا من بنغلادش بعد هذا التاريخ، ولهذا لم تعطى لهم الجنسية ومحرومون من حقوق المواطنة، لكن وقع الروهينجا في نفس لعبة النظام البورمي بنفيهم ذلك، ويعتبرون أنفسهم من بورما جاءوا إليها قبل 1813 بدل أن تطرح المسألة بشكل آخر.
ان قضية الروهينجا في بورما تطرح أمامنا قوانين الجنسية المجحفة المبنية إما على أساس ديني أو لغوي أو أصل أو غيرها، وهو ما يؤدي حتما إلى مظالم في حق الكثير من المجموعات البشرية مثل البيدون في الكويت الذين لايتحدث عنهم أحد للأسف الشديد، والذين يمنعون من كل الحقوق في الكويت، ولايمتلكون حتى وثيقة هوية، ولهذا يطلق عليهم رسميا "البيدون" أي "بدون هوية"، ويمكن ذكر الشيعة في شرق السعودية، لأنهم ليسو سنة، ويعتبرهم النظام السعودي أنهم روافض، ولعل نجد نفس الأمر في إيران مع المسلمين السنة بحكم أن الدستور الإيراني يقول بأن المذهب الشيعي الأثني عشر هو المذهب الرسمي للدولة، ويمكن لنا ذكر الكثير من الأمثلة، فمثلا في الجزائر بعد إسترجاع الإستقلال وقع نقاش حاد حول قانون الجنسية الذي قدمه المحامي عمار بن تومي وزير العدل في حكومة الرئيس أحمد بن بلة، والذي بقي يفتخر بأنه وضع الديانة الإسلامية كشرط للحصول على الجنسية الجزائرية، مما أدى إلى رفض إعطائها للكثير من الأوروبيين الذين شاركوا في الثورة التحريرية والنضال ضد الإستعمار الفرنسي، فبإمكاننا أن نعود إلى شهادات الكثير من هؤلاء آنذاك، بل لو واصلنا بمنطق بن بلة آنذاك مثل محاولته إضافة شرط العربية الذي بإمكانه أن يقصي الكثير جدا من الجزائريين الذين يعتبرون أنفسهم أمازيغ رغم دورهم الكبير جدا في الكفاح ضد الإستعمار، فقد كانت منطقتي الأوراس والقبائل أهم معقلي للثورة الجزائرية، ويشكلون أكبر مجموعتين سكانيتين في الجزائر كلها، بل عانى ولازال يعاني الكثير من هؤلاء من بعض حقوقهم الثقافية بسبب إضافة صفات دينية أو لغوية أو عرقية وغيرها لأي دولة كانت، فكم عانت الثقافة الأمازيغية في الأرض التي ولدت فيها بسبب هذه السياسات؟، ولهذا اعجبني كثيرا ماقاله كارل ماركس في كتابه "المسألة اليهودية" عندما وصف كل دولة تضيف إلى نفسها صفة دينية أو لغوية وغيرها، بأنها دولة ناقصة جدا، لأنها تحرم الكثير من سكانها من حقوق المواطنة، مما يؤدي إلى إضطرابات وعدم الإستقرار.
طبعا نحن لا نشبه ما وقع في الجزائر في بدايات إسترجاع إستقلالها بما يقع اليوم لروهينجا في بورما، ففي الجزائر لا يتم التمييز من النظام بين مواطنيها على أساس ديني أو عرقي، خاصة بعد ذهاب بن بلة الذي كان بالإمكان بسبب أيديولوجيته القومية العروبية أن يدخلنا في هذه المتاهات آنذاك، كما أدخلت سياسات البعثيون في كل من سوريا والعراق تجاه الأكراد وغير العرب، وكذلك نفس الأمر للقوميين الأتراك في تركيا تجاه الأكراد إلى أزمات خانقة تهدد إستقرار هذه الدول كلها.
أن تفصيلنا في هذه المسألة، يدفعنا إلى طرح مسألة الجنسية في الدول، فعلى الأمم المتحدة أن تصدر نصوصا تمنع منعا باتا إصدار قوانين الجنسية مبنية على أسس دينية أو لغوية أوغيرها، بل يجب أن تكون مبنية على مبدأ المواطنة فقط، كما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم التي تسمح للجميع الحصول على الجنسية الأمريكية شريطة الإلتزام بالواجبات مقابل الحقوق، بالرغم من أن الولايات المتحدة عانت بإقصائها الزنوج ذوي الأصل الأفريقي من الكثير من الحقوق، مما أدى إلى نضالات مالكوم إكس ومارتن لوثر في ستينيات القرن20 التي كانت وراء المساواة التامة بين كل الأمريكيين اليومن وسمحت بإعتلاء باراك أوباما سدة الحكم في أمريكا، نعتقد بأن كندا يعد نموذجا مثاليا يحتذى به في مبدأ المواطنة، وكذلك بريطانيا التي وصلت في إحترامها الديان والثقافات إلى درجة وضعها لباسا خاصا لشرطية مسلمة، يتماشى مع ما يعتقده البريطانيون أن الحجاب جزء من دين الشرطية المسلمة البريطانية، لايجب حرمانها منه، ووضعت كذلك لباسا خاصا بالسيخ وكل الأديان التي يعتنقها مواطنون بريطانيون.
أن حل مشكله الرهينجا في بورما أو غيرهم، يتلخص في نقطتين أساسيتن وهما: فرض أممي على كل الدول بإصدار قوانين الجنسية على أساس مبدأ المواطنة فقط دون أي تمييز عرقي أو ديني أو لغوي وغيره مع فرض التنفيذ الكامل لحقوق الأجانب في كل الدول.
لكن ما يؤسف له هو هذه الحملة التي نشاهدها اليوم في العالم الإسلامي بالحديث عن قمع وتقتيل الرهينجا، إلا لأنهم مسلمون، طبعا نحن لاننفي الكراهية التي نشرها مستغلو الأديان من السياسويين سواء في بورما أو في البلدان الإسلامية أو المسيحية أو غيرها، لكن علينا أن نطرح المسألة بشكل آخر، كي لانقع في لعبة خطيرة ترسم إستراتيجياتها خارجنا نحن وضد مصالحنا، فمن المستفيد من إثارة صراع عالمي بين المسلمين والبوذيين بحكم أن مضطهدي الرهينجا هم بوذيين، ونحن على علم أن البوذية هي أكبر ديانة من ناحية السكان في العالم، كما هي منتشرة بقوة في دول كبيرة لدينا مصالح إستراتيجية كبرى معها، فبعد إصطدام المسلمين بالمسيحيين واليهود ثم الهندوس بحكم الصراع الباكستاني-الهندي الذي أشعله الإستعمار البريطاني بتقسيمه الهند على أساس ديني لحسابات مصلحية وإستراتيجية أملتها الحرب الباردة بهدف وضع جدار إسلامي عازل يقف في وجه الزحف الشيوعي من الصين على كل شبه القارة الهندية، فهل سيصطدم المسلمون أيضا مع البوذيين بسبب الرهينجا في بورما؟، أليست هذه لعبة وتطبيق لنظرية "صدام الحضارات "التي نظر لها الإستراتيجي الأمريكي صموييل هننتغتون بعد نهاية الحرب الباردة؟، فمن يريد عزل المسلمين في كل العالم بإختلاق أزمات مثل قضية الرهينجا في بورما؟
لكن ما يؤسف له أيضا هو الموقف المخزي لصاحبة جائزة نوبل أونغ سان سون كي التي دعمت المجازر معتبرة نفسها بأنها سياسية بحكم منصبها السياسي، فهل السياسة هي ميكيافيلية وهمجية ومجازر في حق الإنسان أم يجب أن تكون مرتبطة بالمثل والأخلاق؟ هل بقيت بعد هذا الموقف المخزي وفية للفرنسي ستيفان هيسل المدافع عن كل إنسان مهما كان، والذي ما فتأ يثني على سون كي في حياته قبل وفاته عن عمر يناهز 95سنة؟، لكن لما نستغرب هذا الموقف المخزي، فكم من مناضلين ضد الإستعمار والأنظمة المستبدة مارسوا سياسات مشابهة لما قام به الإستعمار والمستبدون بعد وصولهم إلى السلطة؟، وهو الامر الذي يدفعنا اليوم بضرورة الإتفاق حول طبيعة النظام الواجب إقامته بكل تفاصيله وضماناته قبل تغيير أي نظام، ولايجب ان نبقي الأمور غامضة، كي لا نكرر دائما نفس المأساة؟ فالشعارات الديمقراطية غير كافية، بل نحتاج المشروع كاملا وواضحا وضامنا لمبادئ الديمقراطية والعدالة الإجتماعية.
فمن منبرنا هذا نقول أننا متضامنون مع الروهينجا ليس لأنهم مسلمون، بل لأنهم بشر وأبناء سيدنا آدم الذي سجدت له الملائكة وخلق الله كل ما في الكون من أجله، كما سنتضامن مع كل إنسان مضطهد سواء في اليمن الذين سلطت عليهم السعودية أو فلسطين أو أفريقيا وغيرها، سنتضامن مع كل إنسان مهما كان دينه أو لغته أوعرقه أوجنسه وغيرها، ونحذر الكثير من المسلمين على طرح قضايا الإنسان في إطار ديني وقبلي وعرقي كما فعلوا مع قضية الشعب الفلسطيني الذي حصروها في إطار ديني أو عرقي بدل ما تطرح كقضية تحرر، فهؤلاء يضرون قضايا الشعوب بتصرفاتهم هذه، ويحققون أهداف السياسويون الإستغلاليون والإستبداديون الذين نشروا وينشرون الكراهية بين أتباع الديانات، ويدفعونهم لحروب كي يجنوا هم فوائد ذلك، ويخدمون مصالحهم كما فعل مثلا ملوك أوروبا الذين تحالفوا مع البابا أوربان الثاني الذي كان وراء دفع فلاحي أوروبا إلى ما أعتبره "الحرب المقدسة لتحرير قبر المسيح"، فساهموا في الحروب الصليبية التي أستهدف بها ملوك أوروبا ثروات وخيرات المشرق الإسلامي في القرن 11م، ويمكن لنا ذكر آلاف الأمثلة عن إستغلال الدين في كل الديانات، وضحي فيها بملايين البشر خدمة لمصالح إستبداديين وإستغلاليين.


البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فكرة- إعادة بناء الإجماع الوطني--زرع الإلتباس والغموض حولها-
- الممارسات الدينية في تاريخ الأمة الجزائرية
- الطرق الصوفية في مواجهة الإرهاب
- في ذكرى مؤتمر الصومام1956- مغالطات وحقائق-
- الماضوية المدمرة لشعوبنا
- وداعا رضا مالك-المثقف الملتزم والسياسي-
- التحالف المقدس بين الإستبداد والمال في الجزائر
- هل تتجه الجزائر نحو نظام كولونيالي جديد بعد55سنة من تحريرها؟
- في ذكرى إستشهاد محمد بوضياف-جريمة المافيا المالية-السياسية-
- مستقبل أمن منطقتنا في ظل تزايد الهجرات الغير شرعية
- في ذكرى إنقلاب19جوان1965 في الجزائر-كيف أنقلب بومدين على بن ...
- لماذا كفر الجزائريون بالأحزاب السياسية؟
- السعودية الوهابية ضد مالك بن نبي
- الصراع السعودي-القطري-جذوره وتداعياته الأمنية-
- هل أندلع -ربيع- آخر في منطقتنا؟
- الحراك في الريف المغربي-مستقبله وخلفياته التاريخية-
- رهانات إقالة وزير جزائري بعد ساعات من تعيينه
- زبيغنيو بريجنسكي-منظر للزعامة الأمريكية على العالم-
- إحباط مخطط لإحراق الجزائر في1962
- مستقبل الأحزاب السياسية في الجزائر-تجدد أو تبدد-


المزيد.....




- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب
- المغرب.. نواب يستعطفون الملك للعفو عن معتقلي -احتجاجات الريف ...
- التربية الأخلاقية... منهاج مدرسي في الإمارات
- المدير في إسرائيل والموظفون في غزة
- كاميرا وقصة: مدمنات عربيات يحاولن الإقلاع
- تيلرسون: المعركة ضد داعش مستمرة والخلاف بين أربيل وبغداد سيح ...


المزيد.....

- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - تضامنا مع الإنسان في بورما وكل مكان، وليس مع القبيلة