أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالامير الركابي - عراق الثلاثينات وعراق الالفية الثالثة؟(1/2)















المزيد.....

عراق الثلاثينات وعراق الالفية الثالثة؟(1/2)


عبدالامير الركابي
الحوار المتمدن-العدد: 5629 - 2017 / 9 / 3 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



بين العشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، تاسست ملامح كيان العراق وبنيته الوطنية الجديدة، وقتها فقط اندرج هذا الجزء من العالم ضمن مجرى التحديثية الغربية، وموجتها العالمية الكاسحة، ذلك مع ان مثل هذا الحضورلم يكن يخلو من خصوصيات، تجاهلها الترسيم الحديث المحلي الايديلوجي وهو يصوغ ملامح بلاده المستجدة، فالعراق الحالي ظهر وقتها، بعد قرابة سبعة قرون من الغياب، لم يكن خلالها موجودا كذات وطنية مجتمعية وكيانية، فهو كان مشمولا خلال الطور المذكور، بواحدة من ظواهر تركيبه الوطني الحضاري، تمر عليه بين الفترات الحضارية الكبرى، هي "فترة الانقطاع الحضاري"، تنهار عندها قاعدة البناء الحضاري، لاسباب متداخلة بنيوية. هذا اولا، ثم ان العراق وعاصمته بغداد الذي قام بقيام الدولة "الحديثة" عام 1921، على يد المحتلين الانكليز. كان عاصمة امبراطورية كونية شرقية، قبل انهياره، وانتهاء دورته الحضارية الكونية الثانية ( العباسية / القرمطية). وان انهيار بغداد عام 1258 على يد هولاكو، هو التاريخ الذي تبدا عنده العملية الحضارية الكونية، ودينامياتها القصوى، بالانتقال الى الغرب الاوربي، على الطرف الثاني للمتوسط، وصولا الى العصر الحديث، مايوحي بداهة، بالابوة والاسبقية الحضارية العراقية المباشرة، ليست الفريدة، بل المتكررة المقترنة بمجمل تاريخ الحضارة البشرية، ودور هذا الموضع الكوني فيها.
وثمة جانب مهم ميز تلك اللحظة، نجده في كون العراق لم يظهر عند بداية القرن العشرين "ذاتيا"، اي بنتيجة تشكله الوطني الطبيعي والتاريخي، على رغم انه كان قد ابتدأ يغادر حقبة الانقطاع الثانية منذ القرن السابع عشر. مع ظهور اول الاتحادات القبلية في جنوب العراق( في سومر الحديثة نفس ارض سومر الحضارية الاولى) ، مااشار الى بدء الدورة الحضارية والتشكل الوطني الثالث الراهن، والمستمر الى الوقت الحاضر. اي ان وجوده عند عشرينات القرن الماضي، مع لحظة حضور الغرب الاستعماري، ماكان ممكنا الا ان يكتسي صبغة ايديلوجية اصطناعية حادة، افتراضية واكراهية، اتسمت بالاصرار على القول بتشكله التام وقتها، بمحاولة اسباغ قوانين مختلقة، تخفف من قوة فعل، او حضور العامل الغربي الاستعماري الخارجي، فاستعملت بناء عليه العدة الايديلوجية العالمية المتوفرة وقتها، بغرض اختلاق حالة، ونموذج اكتمال، لم يكن متحققا واقعيا.
ومن يومها والعراق يعيش حالة من التفارق والازدواج، يتنازعه مستويا الواقع من جهة، والمخطط والمتخيل المختلق والمقحم من جهة، في حين لم تظهر حتى الساعه، نخبة جديدة، غير تلك الثلاثينية، المنتمية للتصور والخطاب الغربي الايديلوجي الاستعماري، ماقد ادى مع الوقت، ومع بداية القرن الحالي، لحلول قوى تقليدية في واجهة المشهد والحضور، احتلت من دون كبير جهد، وبقوة الغزو الامريكي، مكان القوى الايديلوجية التي لعبت مابين الثلاثينات، والى بداية القرن الحالي، الدور الابرز والرئيسي في الحياة الوطنية. ومن السهل تدليلا على ذلك، ملاحظة كون "العملية السياسية الطائفية" التي اقامها الامريكيون بعد عام 2003 ، على انقاض الدولة العراقية "الحديثة " 1921/2003، مكونة من حيث الوزن والفعالية، من غلبة شبه مطلقة للقوى التقليدية "الاسلاموية"، بمقابل ضعف وهامشية موقع ودور القوى المنتمية للخطاب الوطني المستعار الغربي. والتي سبق وكانت طاغية على المشهد الوطني بعد الثلاثينات من القرن الماضي.
من اهم ميزات الوطنية الايديلوجية، انها تقوم كقوى مكتفية بذاتها، مصدقة لعالمها الذي تتخيله خارج الواقع والحقيقة التاريخية، بالاخص اذا كانت قد صادفت خلال وجودها، عوامل بررت حضورها، ومنحتها انتشارا وفعالية، بدت في بعض الاحيان، استثنائية، ذلك انها تكون في حينه، جديرة وراغبة بان تتوهم بانها هي من "خلق" اسباب ومبررات مثل هذا الوزن المكتسب، خاصة اذا ماكان ذلك قد حدث كما هي الحال بالفعل، بسرعة، وبلا مجهود كبيريوازي الحصيلة المترتبة عليه، في واقع، كان المفترض انه مجاف له، فبالنسبة لقوى من هذا التركيب السطحي، المغرق بالايديلوجية، يستحيل ان يعزى مظهر مؤات من هذا القبيل، لخصوصية واقعية مجتمعية سابقة عليه، بنيوية وتكوينية، تاريخية ومجتمعية، الياتها ومحركاتها ذاتية، ممايزيد في تكريس حالة التفارق، لصالح الاختلاق والتخيل الكياني والمجتمعي.
كانت درجة التصادم، ومستوى حدتها، بين الكينونة الوطنية العراقية في العشرينات والثلاثينات، والحضور الاستعماري الانكليزي، قد اتخذت وجهة بالغة الاستعار، حركها واقع تاريخي ممثل في "مجتمع اللادولة"، المعادي والمضاد تكوينيا، لاية سلطة من خارجه(كان الاتراك العثمانيون يعاملونه بالخبرة التاريخية والتجريبية، بترك عالم المشاعة المنتج المحارب مستقلا، مكتفين من الهيمنة عليه، بالادارة الشكلية البرانية)، في حين حضر الاحتلال الانكليزي بقواته الضخمة، وعنجهيته الاحتلالية، الممارسة تحت اعتبارات "النظرية الهندية في الاستعمار"، ومايلحق بها من استهدافات، من نوع تملك العراق، والحاقه على الطريقة الهندية بالتاج البريطاني، كملكية امبراطورية.
وبقراءة لثورة العشرين، خارج المنظور الايديلوجي المستغل للثورة، ضمن نطاق مايبرر وجوده، نجد ان شكل المواجهة ومسارها، كما تجلت منذ حزيران 1920، قد وضعت الاحتلال الاستعماري امام تحد استثنائي، لايمت بصلة لما تعارف عليه الوصف الايديلوجي، فالصدام العراقي الانكليزي، كان من نوع الاستحالة التاريخية، وهو ينطوي على احتمالات تجاوزية، تتعدى مشروع الغرب، متضمنة في كينونة العراق، بما يجعلها بعيدة عن تعابير من نوع " ثورة تحررية عامة"، فثورة العشرين، حدث يتعدى القدرات الاستعمارية، ويخرق سقفها، يؤسس لمسار تصادمي، الغرب فيه عاجز عن احتواء الصيرورة الوطنية العراقية، ومسار التشكل العراقي الحديث، المبتدء من القرن السابع عشر. لقد اضطر الانكليز وكبديل عن الانسحاب من العراق، الى اعتماد سياسة "الحكم من وراء ستار"، متخلين عن اوهامهم المحمولة معهم باسم "النظرية الهندية النتغطرسة"، واختاروا صيغة مستحدثة في التعامل مع الواقع العراقي، هي اول هزيمة تاريخية لنمط الاستعمار الكولونيالي القديم، وباكورة ماصار يسمى لاحقا، وخلال الستينات ب "الاستعمار الجديد" عالميا، فاقاموا وقتها "حكومة من اهل البلاد"، اعتقدوا انها فرصتهم الممكنة في حينه، للاستمرار في ادارة وحكم البلاد.
يعني ذلك انهم اقاموا صيغة الحكم بطابعها وشكلها"الحديث"، كوسيلة مواصلة للحرب التي خسروها في الميدان، مستعيضين عن المدفع والبندقية والطائرة، بالحكومة والبرلمان، والعلم والدستور والادارة البيروقراطية الحديثة، وبصورة خاصة بقانون التسوية، المقصود منه قلب العلاقات الانتاجية التاريخية، وتدمير اسس مجتمع اللادولة المشاعي الريفي، وهذه بمجموعها اسلحة مربكة، لاقبل لمعسكر اللادولة بها، وهو لم يسبق ان عرفها، او تسنى له التفكير بها، ولا كان قادرا لحظتها، على ان يرد عليها بما يقابلها، أويتفوق عليها، كما فعلت ( الفالة والمكوار).ما قد اوجد حاجة ماسة، تمثلت فراغا موضوعيا، اتاح لقوى الايديلوجيا المنظمة، فرصة احتلال مكان "البدل عن ضائع"، بالاخص بعد ان ثبتت استحالة بلورة وايجاد تصّور مطابق للوطنية العراقية، وقاعدتها المحركة "مجتمع اللادولة" في حينه، الامر الذي كان يومها سابقا لاوانه، لم تنضج اسبابه بعد، فتبددت المحاولة التي قامت بها قوى الحداثة الاولى، ممثلة ب"الحزب الوطني العراقي" المؤسس عام 1922 بقيادة "جعفر ابو التمن".
ولم تمض سوى عشر سنوات على تجربة القوى الوطنية الاولى، حتى كانت العوامل والانعكاسات الدولية، والاستقطاب بين المعسكرات، قد وجهت الابصار نحو وسائل بدت عملية، واقدر على التعبئة والقيادة، فظهرت الاحزاب العقائدية المنظمة وساليبها الدعاوبة التعبوية، وتوسعت بسرعة قياسية، لم يكن الصراع الطبقي محركها، كما كانت هي تدعي وتتخيل. ففي حينه بالاحرى، تشكلت حالة تقابل طرفين، صارا يتواجهان بالواسطة، وبوسائل غير تلك التي كانت تنتمي لهما وتنبع منهما مباشرة، خلال الثورة والقتال عام 1920، وفي حين اختبأ الانكليز وراء الدولة ووسائلها "المستحدثة"، فقد ارتضى "مجتمع اللادولة" النقيض المقابل، بوسيلة ليست منه، ولاتنتمي له، لكنها قابلة لان تعبر وفقا للحظة، عن جانب من مواقفه واهدافه، وتعبر عن زخمه ضمن ظروف مستجدة، لم يتهيأ بعد للرد عليها انطلاقا من كينونته.
تلك اللحظة بمثل الخاصيات الاستبدالية الفريدة، والاستثنائية الموصوفة، كان من شانها ان اورثت العراق، واجمالي وضعه على الصعد المختلفة، حالة غريبة من التباين، بين الممارس، والمعتبر فعليا على مستوى الاستيهام العلني والمتداول، ووبين الضمني الفعلي، المتحكم في الجوهر بعملية الصراع والصيرورة التاريخية الحديثة والياتها، تولد عنها اختلال فادح، شوش بقوة حضورالوسائل البديلة، وعتم على نطاق وطبيعة، كما على حقيقة الفاعلين المؤقتين واغرقها بالزيف، مادام الصراع الناشيء لم يفصح، عن استهدافاته الفعلية، المتضمنة والعائدة لطبيعة قواه المتصارعة الفعلية : "مجتمع اللادولة" المصمم صيرورة، على الذهاب الى "مابعد غرب". وغرب كان يوم جاء الى العراق، قد فقد دينامياته الفاعلة، وطاقة اضافته الكونية، التي كانت انتقلت له منذ القرن الثالث عشر، بعد انهيار بغداد، عاصمة العالم الوسيط ، وريثة بابل، سيدة العالم القديم، وقد دخل منذ القرن السابع عشر، عهد بداية الجفاف والتراجع، والعجز، واسوأ مظاهره، الاستعمار الامبريالي.
وبالمصادفة " البحته"!!!! يبدا غروب الغرب، في القرن نفسه الذي عادت فيه دورة الصعود العراقي، حين شرعت لحظة "الانقطاع الحضاري الثاني" بالتراجع، والدورة الحضارية الثالثة الحالية، بالتشكل صعدا، فياللقرن الفاصل والعظيم ...فيه اكتشفت القارة الجديدة التي سيغير حضورها توازنات العالم وافقه، وفيه عاد العراق للحياة، وللقمة التي يالفها.. وفيه يبدا الغرب بالافول.
يتبع:
قرن ثم تنبعث ثورة العشرين (2/2)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- -العلمانيون- والصدريون واحتواء انتفاضة الشعب
- الشيوعيون الكرد يُصَفّون-ح ش ع- (2/2)
- الشيوعيون الكرد يُصَفّون-ح ِش ع-؟(1/2)
- من عزيز الحاج الى الامبراكونيا(2 مكرر2)
- اين - القيادة المركزية- ؟ بطولة المهزومين ( 2/2)
- اين -القيادة المركزية-؟ المحطة والوجهه (1/2)
- استفتاء مسعود ومحفزات الامبراكونيا
- ازمة الغرب وعصر الانتقال ل- اللادولة-
- هل من دورة سومرية ثانية؟
- ماركس وحضور العقل العراقي(اللاتاريخانية)(1/2)
- اكذوبة ماركس الكبرى؟
- صاروخ بالستي ايراني فوق اربيل
- الوطنية العراقية وخيانة النخب الحديثة (2/2)
- الوطنية العراقية و - خيانة- النخبة الحديثة (1/2)
- الثورة المؤجلة : الخلاص من الايديلوجيات (ملحق)
- الثورة المؤجلة : سيرة الامبراكونيا (ملحق)
- الثورة العراقيية المؤجلة وتخلف النخب ( 2/2)
- الثورة العراقية المؤجلة وتخلف النخب (1/2)
- هزيمة المشروع الوطني العراقي: من المسؤول عنها ؟
- - الطائفوقراطية- واليسار كطائفة ؟ (2/2)


المزيد.....




- صحافية سورية تفوز بجائزة -روري بيك- لمصوري الفيديو
- مدرسة جديدة في البقاع اللبناني تفتح أبواب -الخلاص- للاجئات ا ...
- السلطات السعودية تمنع أبناء سلمان العودة من السفر
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يعجز عن اختراق 7 آلاف هاتف محمول مش ...
- -إسرائيلي- يطعن مذيعة روسية داخل غرفة أخبار محطة إذاعة إيكو ...
- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب


المزيد.....

- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالامير الركابي - عراق الثلاثينات وعراق الالفية الثالثة؟(1/2)