أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السيد عبد الله سالم - هلال ...........هلال - رواية - الفصل الأول















المزيد.....

هلال ...........هلال - رواية - الفصل الأول


السيد عبد الله سالم
الحوار المتمدن-العدد: 5617 - 2017 / 8 / 22 - 01:02
المحور: الادب والفن
    


هلال ...........هلال

(1)

ألقت شمس الصباح نورها على المنزل الصغير النائم في الطرف الشرقيِّ من المدينة، فغمرت ساحته بالبهجة والنور، ومن خلال الشقوق الظاهر منها وغير الظاهر، دخلت على غير استئذان تفتش حجرات المنزل، الواحدة تلو الأخرى، فمن غرفة ينام فيها أطفال المنزل، إلى غرفة أكبر يسكنها صاحب المنزل وزوجته، إلى غرفة أكبر وأكبر هي مخزن المنزل، و الساحة الكبيرة يسكنها في المنتصف نخلة قد أخرجت رأسها نحو شمس السماء في عزة وجلال، منها يتدلى البلح الأحمر الممشوق القوام.

وعندما وضعت الشمس كفَّها على وجه هلال، أخرج كفَّهُ نحوها مرحبًا، وحاميًا عينيهِ من نورها، وباحثًا عن هذا الشق الجديد، الذي فتحته شمس هذا الصباح في الجدار، المصنوع من جذوع النخيل والطين، والسقف المفروش بأغصان النخيل، والجلد، و المشدود بحبال سميكة جيدة الصنع، تلم أجزاء السقف بعضه إلى بعض ، وإلى جدران المنزل، البسيط والجميل، ولما لم يستطع أن يُحدد مكان الشق، تململ قليلاً في مكانه، ونظر إلى وجه زوجته، فانشرح قلبهُ الطيب من جمالها، وابتسم حين نظر تلك الشامة السوداء التي تسكن فوق شفتها العليا من جهة اليمين، لتكسو زاوية الفم اليمنى، ومر في خياله ليلة عرسيهما، وهيامهُ بتلك الشامة، وكيف تناولها بين شفتيهِ في قبلات سريعة ، حتى انتهت شفتي زوجته بين شفتيهِ، في لحظاتٍ من الشبقِ السعيدِ؛ التي لا ينساها أبدًا، وطالت غيبة هلال مع ذكرياته في ليلة زفافهِ؛ وما تلاها من أيام قلائل، حين بدا له أن الحياة قد أرخت عنانها اللين، وطابت لهُ الليالي في كنف ياسمين التي تعشقها منذ كانوا صبيةً يلعبون في الحي.

وعندما مالت ياسمين تضع أمامه بعض حبات الفاكهة في اليوم الثالث من العرس، فتدلت ضفائرُها أمام ناظريهِ، وهبت على صدره رائحة العطر والبخور ، فمد يده إلى كتفها الأيمنِ برفق شديد، فمالت بوجهها نحوه، لحظات وارتجفت شفتها العليا من ذكرى ليلة الزفاف ، وحرارة شفتي هلال التي مازالت عالقةً في شامتها، لم تتحرك من مكانها ، وتحرك الشوق في قلبيهما، وحرارة الرغبة داهمت جسديهما، وانتفض الشباب في عروق هلال، فمد يدها صاعدًا من كتفها إلى عنقها، إلى أذنها اليمنى، وراح يداعبها في حركات دائرية رقيقة، وهي قد تسمرت في انحنائها الجميل؛ حالمةً بما قد يفعله بعد ذلك، فجذبها نحوه في لهفة ، وأجلسها إلى جواره، وتواجها، فتمنت ياسمين لو ضمها إلى صدره بساعديه القويين، والتصق صدرها بصدره العريض، ولكن هلال آثر أن يلثم شامتها ويطبق على شفتيها بشفتيهِ وأسنانه، فالتهميهما، وانسحبت ياسمين في نشوتها لصدره، كالعصفورة في قفص اللذةِ، وارتجفت رجفتها الأولى، وكفَّاها تحت إبطيه كمخالب قطٍّ يتسلق مرتفعًا قد بللهُ الماءُ والعسلُ، وبعد لحظات أطلقها هلال بعيدًا عن إبطيهِ، وتأمل طفولتها في عينيها الزائغتين، ورغبتها في رجفة شفتيها المبللتين بالزبد والعسل، فمال نحوها بجسده الثقيل، فلم تحتملهُ، وبطيئا ، راحت تبسط خلايا الرغبة تحت وطأة خلايا رغبته الخشنة، فتمددا على الأرض، وأنفاسها تسابق دقات قلبها، فاستجمعت قواها وحاولت رفعه من فوقها، لكي تلتقط أنفاسها، فأحس هلال بها، فرفع صدره قليلاً، ومال إلى جهة اليسار، فتنفست راحةً ورغبةً، وضمته إلى صدرها، وحركت جذعها من تحته؛ فأحسا بالنشوة تجري في روحيهما، فاستسلما لجسديهما؛ يفتشان عن مكمن اللذة، وبلاغة الأداء.

ومرت أيامهم كلها، مابين مداعبة ولقاء، أو همسٍ وأداء، حتى رزقا وهما في سعادةٍ وهناء، بأول الأبناء.

ولما انتشت الشمس من ذكريات هلال، ابتعدت عنه، وراحت تفتش عن شريك النشوة، فألقت بنفسها على وجه ياسمين النائمة بجوار زوجها، ولم تمر لحظات قليلة إلا وقد فتحت ياسمين عينيها، ورفعت كفَّيها؛ كي تبعد نور الشمس عنها، ولكن شمس الصباح آثرت ألا تمضي عن وجهها إلا إذا حركت وجهها بعيدًا، فلامس وجهها صدر هلال، فأخرجته من ربيع أحلامه، فرفع ساعده الأيمن وطوى ياسمين إلى صدره، فابتسمت، وهي تمد يدها اليمنى إلى أسفل صدره، وتمشِّط شعراته السوداء الكثيفة التي تملأُ كل صدره.

ظلا هكذا بضع لحظات، ثم مالا، كلٌّ إلى جهة أخرى، واعتدلا في فراشيهما، ونزلا في هدوء نحو باب الغرفة، بعد أن ارتديا ملابسهم.

شمس الصباح دومًا تملأُ صحن منزلهم، ونظر هلال إلى ظل الشمس على الأرض، فعرف أن وقت الظهيرة مازال بعيدًا.

واتجه نحو أحد أركان ساحة المنزل، وتناول كوبًا من الماءِ، وجلس على حاشية من جلد الماعز، منتظرًا زوجته كي تعد له طعام الفطور، بعد أن يستيقظ كل من بالمنزل، ولما تأخرت عليه قام متثاقلاً نحو حجر كبير، بجوار باب المنزل الخارجي، ورفعه بهمة ونشاط، ونقله إلى الجانب الآخر من الباب، ووقف ينظر إليه لحظاتٍ قليلة، ثم رفعه مرة أخرى وأعاده إلى مكانه الأول، كرر ذلك عدة مراتٍ، حتى ملأ الدمُ عروقهُ، وأحس بالنشاط يدب في جسده، فأخذ حبلاً كان ملفوفًا في أحد الأركان ولفه حول وسطه، وأحكم عقدهُ حول النخلة، وفي خفة ورشاقة راح يتسلقها، حتى وصل إلى قمتها، فأخرج سكينًا كانت مدفونة بأعلى النخلة، فقطع بها ما تيسر من عناقيد البلح، وألقى به إلى الأرض، فانفجرت في صحن الدار خيرًا وبركة.

أطلت ياسمين برأسها من خلف باب غرفة المخزن، وجاهدت كثيرًا كي ترفع رأسها نحو قمة النخلة، لتجد هلال يهبط من فوق النخلة كغزالٍ يتمايل في خطواته، وكلما حرك الحبل المشدود على خصره، تمايلت النخلة يمينًا ويسارًا، فيرتجف قلب ياسمين خوفًا على هلال، وانفرجت أساريرها حينما بدا لها أنه قد اقترب من الأرض ولا خوف عليه.

وعلى صوت ارتطام البلح بالأرض، استيقظ جميع من بالدار، فخرج طفلان، أحدهما يكبر الآخر بعامين، والكبير همام عمره تسع سنوات، والصغير هاشم، تتقدمهما امرأة قد جاوزت الخمسين بقليل، عليها بقايا من حسن قديم، وملامح عربية نبيلة.

همام، وهاشم يبدوان كفرسي رهان في خطوهما نحو صحن الدار، في ملابس النوم الخفيفة، وعليهما علامات الفتوة المبكرة، وعندما اقتربا من والديهما، تيقن الناظر من الشبه الكبير بينهما وبين هلال، وبدوا وهم جالسون حول الطعام كثلاثة تماثيل من البرونز، متشابهة الشكل، ومختلفة في الحجم.

من حين لآخر يلقي هلال نظرة فاحصة على الطفلين، فيرى في كل واحد منهما، جزءًا من ياسمين، فهمام قد ورث عنها جبهته العريضة الناعمة، وخط الشعر الحاد فوق الجبهة وفي الحاجبين، واستدارة الوجه الناعم، أما هاشم فقد ورث عنها لون الشعر والعينين، وانحناءة الذقن، وصفاء لون الجلد.

لم يكن هلال مغرمًا بجمال أطفاله فقط، بل كان يحلم أن يصيروا أبطالاً كأبطال الحواديت، يقهرون الإنس والجن، ولذا فقد حرص على أن يوفر لهما الغذاء المناسب الذي يساعدهما على بناء جسديهما، كما يوفر لهما المناخ الذي يخلق منهما رجالاً أشداء.

لاحظت أم هلال نظرات ولدها نحو أطفاله، ولمحت فيها الأمل والاعتزاز، فطرب قلبها؛ لما وصل إليه حالها وحال ابنها، الحمَّال الجمال، الذي حارب ضيق العيش حتى دانت له الحياة وصفت، وامتلك من الأسباب ما جعله يبني لنفسه وأسرته عشًّا جميلا.

بعد الانتهاء من تناول طعام الفطور، حمل هلال على كتفيه الحبال، وجوالاً فارغًا لفَّهُ حتى أصبح صغير الحجم، ووضعه حول خصره، لعله يحتاجه في عمله، ومشى رافعًا رأسه نحو السماء، والأقدام تدب على الأرض بقوة، فالفتوة كانت تملأ كل عروقه وخلايا جسده المتناسق مفتول العضلات، والسماحة والرضا كانتا تملأن نفسه، فصار في هيئته كإله من آلهة الأوثان يمشي على قدمين ويدب في الأسواق ليملأ الأرض فتنة وخيرا.

ما كاد هلال يدخل السوق، من الجهة الغربية، حتى تكالب عليه الناس، والتجار، فجميعهم يريد حمَّالاً في قوة هلال، وفي أمانته، وفي قناعته بالقليل.

وعند انتصاف شمس النهار، بدأ رواد السوق يهجرونه وقلت حركة البيع والشراء، فقلَّ الطلب على الحمالين، جلس هلال في ركن بعيد، تحت ظل شجرة عتيقة، في طرف السوق البحري، وأخرج من جيبه بعضًا من البلح الذي جناه اليوم، وراح يأكل في قناعة ورضا، والعرقُ يتصبَّبُ بطيئًا فوق ساعديه وجبهتهِ، والشمس لوَّنتْ جلده باللون النحاسي اللامع، فبدا في جلسته والحبل على كتفيهِ كالفارس يحمل درعًا من الفولاذ المطليِّ بماء الذهبِ.

مضى الوقت بطيئًا على هلال، وهو ينتظر أن تميل الشمس نحو المغرب، كي يذهب إلى منزله؛ ومعه ما قد رزقه الله من مال حلال طيب، وبينما هو كذلك غارق في أفكاره وأحداث يومه وتصرفات زمانه، لم يلحظ تلك الجارية التي كانت ترقبه منذ دخل السوق صباح اليوم وحتى الآن، تتحين الفرصة لكي تختلي به بعيدًا عن عيون الناس، ولما طال عليها الانتظار، جلست قرب حانوت لبيع ملابس النساء، تُقلِّبُ متاعَ التاجر، وتعيد فحصه مرةً بعد أُخرى، لتقتل الوقت، وتبعد عن نفسها عين الشك، ولما لاحظت أن هلال قد أصبح وحده، اقتربت منه، وهمست:
- سيدي هلال.

بُهتَ الحمَّالُ من لفظة سيدي، ولم يصدق ما سمع، والتفت نحو الجارية؛ تحت الخمار المطرز، فبدت له في ضوء الشمس كطيفٍ جميل، أو كسراب ماءٍ لا يطفئ غُلَّةَ ظمآنٍ، وبعد أن زال عنه العجب، سألها عمَّ تريد؟، فجاوبته وصوت وجيب قلبها قد صمَّ أذنيهِ، وأخبرته عن سيدتها التي شاهدته منذ أيام وهو في السوق يعمل ويرتع، وقد انتصب عوده، فعشقته، ورغبت فيهِ، وأنها تدعوه إلى قصرها ليشربا من الشراب أبرده، ويطعما من الطعام أنضجه، ثم يمضيان يقتلان لحظات الهوى بالحلوى والعسل.

وقع الكلام في قلب هلال كجمر النار، وفعل السحر، وهو العاشق الذي يدري ما طعم الهوى في كنف ياسمين.

ولما كانت الجارية أكثر من سيدتها إعجابًا بهلال و هيامًا بهِ، فقد حاولت جهده طاقتها أن تقنعه أن يمضي معها إلى سيدتها؛ علَّها تنعم بقربه هي الأخرى، وأن تلمس جسده في شاردة أو واردة له مع سيدتها، فتهدأ نارُ جسدها، وراحت تزين له جمال سيدتها، التي إذا طلعت من الشرق ملأت الكون نورًا، وإذا هلت على الغرب أسكنت الدنيا سكونًا وحنينا، وراحت تصف وتعدد مفاتن سيدتها، فأحسنت الوصف، ولامست وترًا في قلب هلال الفتي، فخضع لوسوسة الجارية، ولكي يُسَلِّمَ لها زمام الأمر تمامًا، بادرت الجارية تخبره أن سيدتها أجمل منها وجهًا، وأطيب قدًّا، ورفعت الخمار عن وجهها ، فبدت له كأجمل ما يكون النساء، فبسمل وكبر في وجهها، وأعاد ذكر الله مراتٍ عديدة، فضحكت ضحكتها البديعة، وأسدلت الخمار على فتنتها، وأشارت له أن يتبعها إلى قصر سيدتها أجمل نساء الكون.

في آخر الأمر، ألقى هلال مفاتيح نفسه للجارية الحسناء، صاحبة الحجة والبرهان، فقام كالممسوس، أو كمن مسه السحر فلا يدري ماذا يفعل، وبدا في ضخامة جسده وعضلاته المفتولة، وهو يترنح خلف الجارية؛ كذكر الناقةِ، حين يخطو ببطءٍ فوق الرمال الساخنة في الأيام الشديدة الحر، وكلما همت الجارية بخطوات واسعة سريعة، همَّ خلفها هلال بهمة ونشاط، فانساب العرق فوق جسده بغزارة شديدة، فابتلت ملابسه، وتساقطت قطرات العرق من جبينه نحو الأرض، وما كادت تسقط حتى جفَّت من حرارة الرمال، كل هذا وهلال كأنه غائب عن وعيهِ، لا يدري من أين، ولا إلى أين؟

بعد المنعطف الأخير؛ وجد هلال نفسه أمام باب خشبي كبير، وحائط ضخم من الحجارة يخفي وراءه الرهبة والرغبة في اقتحام المجهول، دارت به الجارية الحسناء إلى يسار الباب، وبمحاذاة السور الحجري سارت، وكلما لمست يد هلال السور؛ اكتوى بحرارة الحجارة، التي حرقتها شمس الظهيرة المشتعلة، حتى وصلا إلى قطعة من الأرض، وكأنها حديقة من الأشجار العالية، دخلتها الجارية دون خوف ولا تردد، يتبعها هلال كظلها المخدر، وما هي إلا بضع خطوات وكانا في داخل الحديقة، أمام باب خشبي آخر، ولكنه أصغر حجما من الباب الخارجي، ولا يسمح إلا بمرور شخص واحد عبرهُ، مدت الجارية يدها في الجانب الأيسر من الباب حتى وجدت حبلا رفيعًا يتدلى بين أغصان الأشجار، فجذبته مرةً وتركته، وأعادت الكرة مرات عديدة، وبعد ثوان معدودة؛ سمعت الجارية طرقًا خفيفًا على الباب من الداخل، انتظرت، ثم تلفتت حولها، وطرقت الباب أربع مراتِ متتالية، وهي تتلفت يمينًا ويسارُا، وفتح الباب، فدخلت الجارية على عجلٍ، وهي تجذب هلال من ساعده الأيسر، ودخلوا سويًّا سردابًا طويلاً، في نهاية السرداب، وجد هلال نفسه في قاعةٍ من الرخام، لا يكاد يرى أخرها، وهنالك في الطرف المقابل من القاعة فراش كبير، قد أحاطته ستائر من الحرير والقطيفة والكتان من كل الجوانب، يفصله عن الفراش بركة من الماء في وسطها تمثال لطائر أبيض جميل، يقذف بالماء من فمه في البركة، و الطنافس في كل أرجاء المكان، أشارت الجارية على هلال أن يتبعها نحو الفراش في هدوء، وعندما اقتربا؛ قامت الجارية برفع الستار وهي تهمس لسيدتها النصف نائمة:
- هلال يا سيدتي.

أخذ الشغف عيون هلال، ناحية المخدع الذي تنام عليه السيدة التي دعته، فوجد امرأة فاقت كل النساء جمالاً، وهي شبه عارية في فراشها، تمد كلتا يديها تدعوه أن يجلس إلى جوارها، تهيّب هلال الأمر عدة لحظات وهو الشجاع المقدام، وجلس على حافة الفراش يتأمل فتنة هذه السيدة، وجسدها المصنوع من مزيج من النور والعسل، فهل هي من الإنس، أم أنها من حور الجنان، أم هي من الجن؟!!!!

كل هذه الأوهام، حاصرت هلال وهو في مجلسه على حافة الفراش يتأمل غادته الحسناء ولا يدري ما يفعل؟

همت سيدة القصر به، فتعرَّى جيدها تمامًا، وجذبت هلال من يده، ومن خلفه مالت عليه الجارية التي أحضرته، قد نزعت خمارها، وجذبت قميصه من الخلف، مزَّقتهُ، فتعرَّى صدر هلال بشعره الغزير، ومسَّت الجارية ظهره ببطن كفيها بقوة وعنف، وحاولت دفعه إلى فراش سيدتها، وبين أحضانها.

تألم وصرخ، وكأنه قد أفاق للتو من غفوتهِ، وزال عنه السحر، فانتبه لحالهِ، وما هو مقدم عليه، فانتفض واقفًا يبحث عن مهرب له، والجارية وسيدتها تجذبانه للفراش.

وبينما هم في شدٍّ وهروب، سمع جلبة وضوضاء تأتي من أحد جوانب القاعة الفسيحة، فجرى نحوه، وجذب الستار من على الجدار، فإذا به يجد بابًا خلفها، يؤدي إلى دهليز صغير، منه تأتي الجلبة كأنها أصوات حركة الحراس، فمرق فيها كالسهم، فإذا بهِ في حديقة القصرِ الأمامية، وخلف الأشجار مختبئًا راح يراقب المكان، وأنفاسه تلاحق بعضها البعض، والخدم والحراس في حديقة القصر يتوجهون هنا وهناك، مثيرين من الجلبة ما يجعل الحديقة ميدان حرب يعج بالجنود والحركة.

كمن هلال في مكانه، يتحسس صدره العاري، نادما على غفوته، لائمًا نفسه على خضوعه لغواية الجارية الملعونة، وذكر زوجته وأولاده، وغيابه عنهم، فوقع الحزن في نفسه، وتأثر تأثرًا شديدًا، فقرر أن يخرج لهم مهما كلفه الأمر، ومهما كانت المخاطر التي تحيط بهِ.

سار هلال بين الأشجار ناحية سور القصر، حتى اقترب منه، وتخير الشجرة العالية التي تطل بأغصانها خارج السور، وأحد الحراس كان يقترب في جولته التفقدية من مكمن هلال، فانتظره حتى رجع إلى الجهة العكسية، فتسلق الشجرة، وتعلق في أحد الأغصان العالية؛ لترفعه فوق السور، فتحطم الغصن، وسقط هلال على الأرض محدثًا ضجةً عاليةً، انتبه الحارس، فعاد مسرعًا نحو الصوت، فلمح هلال يحاول أن يتسلق الشجرة مرةً أخرى، شرع رمحه وهو ينادي بأعلى صوته على باقي الحراس، ويعلن بصوتٍ جهيرٍ عن لصٍ بالقصر، فزادت الجلبة وملأت المكان، وهلال بفتوته ورشاقتهِ؛ صعد إلى أعلى السور، وقفز في الجهة الأخرى منه إلى خارج القصر، وراح يعدو بكل ما أوتي من قوة نحو المدينة، وكلاب القصر وبعض الحراس يقومون بمطاردته، وعند أحد الزوايا اختفى عن أنظار مطارديهِ، وتسلق سورًا قصيرًا، فإذا بهِ في حديقة قصر مهجور.

التقط هلال أنفاسه في داخل الحديقة، ونظر من أعلى السور، فإذا بكلاب الصيد والحراس قادمون نحوه، فارتد سريعًا إلى داخل الحديقة، ومشي بين أشجارها وزهورها المهجورة، وراح يمسح جسده بالحشائش والزهور، كي تختفي رائحته عن أنف كلاب الصيد، ويضيع أثره فلا تهتدي له الحراس، وبينما كلاب الصيد خارج الأسوار تنبح نباحًا شديدا، تحاول هي والحراس تسلق سور الحديقة؛ كان هلال قد غسل جسده من ماء البئر الموجود بالحديقة، وأسرع نحو الطرف الآخر من السور، وقفز إليه بخفة ورشاقة، ومنه إلى خارج الحديقة، ليجد نفسهُ قريبًا من حمام السوق، فيدخله على عجل، يلف جسده ببعض المناشف، ويخرج مرةً أخرى، وعيون كل من بالحمام تلحظ وتتعجب من فعل هلال.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,841,679,067
- أوراق الظنون
- الجلباب الأزرق - قصة قصيرة
- رحلة تغريد على أطراف أصابعها - قصيدة نثر
- بلل الرمش بالدمع
- جادك الغيث
- فقد حدث
- دائرة الدوائر
- اللغة الحية أنت
- يوم الوصل
- ليلة أن جاءني القمر
- غابة ينسون
- التكعيبة
- فقه اللحظة
- فجر الحقيقة
- رجال على الممر - قصة قصيرة
- المهجور
- دقت الأوتار
- يا أم - شعر
- الوردة والسلطان
- أشياء على الهامش - قصة قصيرة


المزيد.....




- السفارة المصرية بالرباط تحتفل بالذكرى66 لثورة يوليو
- إيران: ترامب طلب مقابلة روحاني 8 مرات ولكن الرئيس رفض!
- مترجمة ترامب بوتين المطلوبة للاستجواب.. من هي؟
- الجائزة الذهبية الكبرى لـ-صائد الأشباح- في مهرجان السينما ال ...
- وزارة الثقافة المغربية تعلن عن أسماء الفائزين بجائزة المغرب ...
- هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام في فعاليات الدورة الـ 33 من مه ...
- معرض خاص بمناسبة مرور 100 عام على ميلاد نلسون
- انفصال فنانة أردنية وممثل مصري بعد زواجهما بشهر
- عضو بالكونغرس يتحدث عن خداع الممثل الساخر بارون كوهين له
- غضب في مصر من منشد قرأ الفاتحة على أنغام الموسيقى


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السيد عبد الله سالم - هلال ...........هلال - رواية - الفصل الأول