أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - ماجد الشمري - فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(كامل).















المزيد.....



فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(كامل).


ماجد الشمري
الحوار المتمدن-العدد: 5605 - 2017 / 8 / 10 - 20:34
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لن ننساق هنا تلك اللازمة المكررة و المملة من العويل و الندب الغنائي،وترديد الكليشيهات المبتذلة الجاهزة عن الحريات و الحقوق و المساوات الجندرية للمرأة . فكل هذا هو تحصيل حاصل و نتائج مترتبة لمدى الاستغلال و الاضطهاد و الاجحاف و الضيم و التمييز و القمع الذي تعرضت له المرأة ، و منذ هزيمتها التاريخية و طغيان السيطرة الطبقية الذكورية ، بفناء مجتمع المشاعة،وانقسام المجتمع جنسيا وطبقيا . فقد كانت المرأة طوال التاريخ الطبقي و أنماط الانتاج للمجتمع البشري مُستَغَلة مرتين ، فهي عبدة السيد ، و عبدة العبد ، و قنة الاقطاعي ، و رقيقة الفلاح ،و أجيرة الرأسمالي، و بروليتارية بدون أجر للعامل !. لذا فوضع المرأة بالغ التركيب والتعقيد. و أستغلالها و أغترابها و تشيؤها ، مركب و مزدوج و مضاعف . فيجب ان يكون نضالها أيضاً مركباً و مضاعفاً ومزدوجا، و متعدد المستويات و الجبهات : النظام الطبقي البرجوازي ، الايديولوجية الطبقية و الدينية و القيمية المجتمعية البرجوازية و البطرياركية السائدة و المتجذرة ، و أيضاً جبهة الرجل بكل حمولته الثقافية الذكورية التقليدية ، و أيضاً اللاوعي الجمعي الذي رزح تحت ثقله لألاف السنين ، و الذي يعكسه في علاقته بالجنس الاخر- المرأة- . فالرجل هو صانع الحضارة و التاريخ و المدنية ، و المرأة هي الطبيعة بغرائزها وتقلبها و غموضها و بدائيتها ! هو المعبود و هي العابد! هو الفاعل و هي المنفعل ! . هو الخالق و هي المخلوق ( في حين انها نصف المجتمع ، و خالقة نصفه الاخر !) . هو الخير و المنطق و النظام، و هي الشر و العاطفة الهوجاء و الكاووس البدئي !. هو الكمال و الجمال البايولوجي ، و هي القبح و النقص الفيزيولوجي ، هو القضيب المنتعض المقتحم و المتفاخر !، و هي القضيب المنبعج و المخصي و المحتل الذليل ! هو الشرف والسؤدد وهي العار والانكسار!.هو الدين القويم وهي الهرطقة والكفر!.هو الاله وهي الشيطان!.نستطيع بسهولة الاستمرار في تعداد هذه الثنائيات المتضادة المتناهية من الاختلاف و التنافر ، و تجيير عشرات الاوراق في ذكرها !. المرأة تلك،سواء في الاذهان او الاعيان هي مجرد: أسيرة السرير ، مزرعة الاطفال وجليستهم ، معبد الشبق ، سجينة المطبخ و عبدته- و هو مصنع تبلدها و انحطاطها العقلي - النفسي،حبيسة الدار - و حسها الدنيوي المحدود والمغلق !. هذا هو بأختصار حال المرأة في المجتمع البطرياركي -الزراعي-مع تقدم محسوس في المجتمع الصناعي المتطور- . و الطامة الكبرى هي : ليس فقط الرجل من يحتقر المرأة و يزدريها ، و يكرس دونيتها بأيديولوجيا واعراف ودين وقوانين المجتمع السائدة، بل هي نفسها - المرأة - تؤمن و تعتقد:وعيا ولاوعيا بأنها اقل من الرجل مكانة و تستحق بل هي جديرة بهذا التمييز المنحاز ضدها ، بل وحتى تدافع عن تلك الدونية و الصغار والاحتقار،وتعتبره طبيعيا-تكوينيا وابديا، و تدافع عن جلادها -سيدها، و تتضامن مع تكريس عبوديتها بأسم الطبيعة و الدين و الثقافة و العلم و غيرها من خزعبلات زائفة و متسيدة. كل هذا ليس موضوع مقالنا هذا. فقد تحدثنا عن ذلك في مقال سابق و نشر في الحوار المتمدن بعنوان(الجنس المقهور) -على هذا الرابطhttp://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508591-. .ما سنطرقه في هذا المقال هو رحلة سريعة و مختصرة في تاريخ الثقافات و الاثنوغرافيات التي عمت و سادت المجتمعات البشرية بشكل عام ، والعصر الوسيط في الغرب المعادي للمرأة بشكل خاص. تلك الاساطير و الخرافات ، التي رسمت صورة المرأة بالغة البشاعة و التشويه و القتامة ، فلم تكتف بقمعها و أستغلالها و أمتهانها ، بل شرعت في تشويهها و مسخها و تحطيم صورتها لدرجة الابلسة المطلقة و كمنبع للشرور و الاثام ، و أس البلاء و الدمار واللعنة و الذنوب التي لحقت بالرجل بسببها،فهي علة كل الشرور! ، فهي قرينة الشيطان و عميلته لتخريب الوجود و تدمير الرجل ! انها تلك التصورات السيكولوجية اللاشعورية المبطنة بالادانة المسبقة و التجريم التاريخي والاسطوري للمرأة!. تلك المختلفة الغامضة و المليئة بالاسرار و الخفايا و الظلمة والدناءة. و التي أدت الى ذلك الخوف الهلوسي -البنيوي بالمعنى القار- القائم في اللاشعور - من المرأة! و الذي تكرس بثبات وانسجام في الدين و الثقافة و التاريخ و الاساطير و الحكايات الشعبية و التي نسجت عن المرأة ، كعنصر غواية و خطورة و شر داهم . وتحميل صورتها بكل ما هو مرعب و كريه و سلبي و غامض في الطبيعة و التكوين . انه تجريم عريق القدم لازم و أستمر حتى بداية العصور الحديثة ولازال!. . الخوف من المرأة هو في نفس الان خوف من الكائنات غير المرئية من الجان و العفاريت و الشيطان !. الشيطان الذي أُعتُبِرَ سيدها و معلمها و هي واحدة من ابرز حواريه و مريديه وجنوده!. و قد ورث عصر النهضة تلك المفاهيم الزائفة ، و الصور الشيطانية المتوهمة و المرعبة خلال العصور الوسطى، و التي ضخمت و أضيف اليها الكثير ، و انتشرت في عموم العالم ، و بشكل لم يُعرف من قبل بفضل الطباعة و الكتب وانتشار الثقافات وتمازجها، و ليس من قبل الكهنوت فقط ، بل و حتى مثقفين و علمانيين ، تبنوا هذه الرؤية عن المرأة ! و في عصر كان يجب ان يكون للادب و الفن و الحياة المتغيرة في صالونات النبلاء و الملوك ، و توسع اللاهوت البروتستانتي و غيرها من مظاهر التطور أن تصب في صالح تغير النظرة الى المرأة بأتجاه تنقيتها من ما علق بها من تشويه و شيطنة !.و هذا مايدفع لتسليط الضوء على هذه الصور المعقدة ، و توضيح كيفية تحول توجس و حساسية عفوية للمختلف الجنسي، الى خوف مرضي هستيري منظم و مبرر عقلانياً و سيكولوجياً من قبل كل الثقافات السائدة . ان الموقف الذكوري من " الجنس الثاني" كان ذا طابعاً متناقضاً على الدوام ، و قلقاً بين الانجذاب الجنسي و النفور النفسي ، بين الاغراء الحسي الشبقي والانجذاب الطبيعي،وبين العدائية ذات الجذر الثقافي- الديني ، وقد غير الفكر اليوناني الكلاسيكي و العهد القديم من هذه العواطف المتناقضة و كانت المرأة منذ العصر الحجري الحديث - الذي ترك لنا من التصور النسائي اكثر بكثير مما خلف من الصور الذكورية و حتى العصر الرومانسي - موضع احترام و تكريم لدرجة ما ، عندما أعتبرت منذ البدء كألهة للخصب " الام الوفية الثديين" ذلك الرمز للطبيعة الكريمة ذات العطاء المدرار . ثم اصبحت مع الهة الحكمة "أثينا "ثم مع "العذراء مريم" نبع النعم و الخير و الطيبة و السلام. ان " الانوثة الابدية" التي ألهمت الشعراء منذ دانتي الى لامارتين " تسمو بنا الى الاعلى" على حد تعبير غوته الشاعر الالماني ، و ما يحكى عن "يوحنا فم الذهب " انه : عندما كان طفلاً متخلفاً في دراسته ، وقف يوماً امام تمثال العذراء ليصلي ، وإذا بالتمثال حياً يخاطبه قائلاً :" يوحنا .. تعال قبل شفتي ، و سوف تحل عليك المعرفة، لاتخف" و كان خائفاً متردداً للحظة و ثم طبع شفتيه على شفتي السيدة العذراء ، و كانت تلك القُبلة الفريدة كافية لتملاءه حكمة و معرفة شاملة بالفنون جميعاً - و رغم بعض الايحاء الجنسي المكبوت للمراهقة في هذه الحكاية!- الا ان هذا الاجلال الذي احاط به الرجل المرأة ، لم يشمل جميع النساء -فقد اقتصر على امهات الالهة والربات!-، فله اصله اللاهوتي-الاسطوري. و قابله في الجانب الاخر ، نوع من الخوف السيكولوجي من الجنس الاخر المختلف و خصوصاً في المجتمعات ذات البنية البطرياركية . وهو الخوف الذي طالما اهملت دراسته و تحليله من قبل علم النفس و لفترة طويلة ، فأمتنع عن اعطائه تلك الاهمية التي يستحقها من الفهم و التحليل ، و قد وجد هذا العداء المتبادل الذي فرق بين الجنسين المكونين للبشر طيلة العصور التي مضت ، والذي يحمل اغلب سمات الدافع اللاشعوري و هذا يعني ان حياة الازواج هنا هو متعلق بتوضيح تلك المعطيات الغائرة الجذور ، و ان يقبل الشركاء بكل عقلانية و منطق ، مبدأ التمايز و الاختلاف و الحرية في التعامل المشترك دون ضغينة. فالتوجس من المرأة هو سيكولوجي بأمتياز ، فهو وهم مصطنع مبرقع بأعتقاد ديني ومدعوم بعلموية شعبية زائفة!.
ان جذور الخوف من المرأة هي أكثر عمقاً و تعقيداً مما أفترضه ،و نظر له فرويد مثلاً . حيث عزا هذا الخوف و نسبه لعقدة الخصاء المنبثقة بدورها من رغبة المرأة الملحة بأمتلاك قضيب! . هذه الرغبة بالقضيب كما تصور فرويد ، ليست اكثر من مفهوم وتصور سيكولوجي لا يرتكز على ارضية واقعية ثابتة و صلبة
في الظاهرة النفسية. هذا الفهم أدخل عنوة و فرضاً الى حيز التحليل النفسي ، بحكم التفوق و السيطرة الذكورية كفكرة قارة و تمييزية لدى الرجل حتى في مجال التحليل النفسي الكلاسيكي!. و اعتقاد او تصور فرويد الذهني هو ايضاً فكرة ذكورية بدورها !. و لكن على الجانب الاخر ، كان فرويد محقاً في اشارته الى ان كل شيء في الجنسية الانثوية: " غامض .. و صعب الدراسة تحليلياً ". و حتى سيمون دوبوفوار و هي امرأة ايضاً ، تعترف بدورها:" ان الجنس الانثوي غامض ، و حتى بالنسبة للمرأة بالذات ، و انه مخفي و ملتو.. ولان المرأة لا تتعرف نفسها فيه تراها لا تتعرف أيضاً الى حد كبير رغباتها". و ستبقى المرأة - الأم لغزاً غامضاً و دائماً بالنسبة للرجل . و قد تقدمت كارين هورناي - المحللة النفسية النسوية- بفرضية هي أقرب للمنطق في تفسير الخوف و الرهبة من المرأة ، مفادها : ان الخوف الذي توحي به المرأة للجنس الاخر ، مرده هذا اللغز ، الذي هو مصدر الكثير من المحرمات و الشعائر و الاحوال و الذي يشد المرأة أكثر من الرجل بما لايقارن الى عمل الطبيعة العظيم، و الذي يجعل منها - المرأة- تجسيداً لعتمة المجهول . و من هنا نجد للشريكين في التجربة البشرية ، مصدران مختلفان و لكن متكاملان . فالعنصر الامومي يمثل الطبيعة ، في حين يمثل العنصر الابوي التاريخ . و لهذا السبب تبدوا الامهات على نمط متوحد في كل زمان و مكان ، في الوقت الذي يبدوا فيه الرجال أكثر تحدداً بالحضارات و الثقافات التي ينتمون اليها . ونحن نعتقد ان هذا الطرح هو أكثر محافظة و أقرب للرؤى الميتافيزيقية و الدينية ، و فيه شيء من التعسف و النمطية تجاه المرأة . فهو يختزلها و ينمطها الى مجرد دورها البيولوجي كمنتجة و حاضنة للاطفال و يعتم على دورها الانساني كشريك يتكامل مع الرجل ، فحسب هذا الفهم ، تبدوا المرأة هي الاقرب و الاكثر التصاقاً بالطبيعة و علاقة بأسرارها و مظاهرها . فقد أعتبرتها المجتمعات و ثقافاتها التقليدية و المدعومة بالدين و على الدوام قادرة على التنبؤ، وشفاء الامراض ، أو القدرة السحرية على ايذاء أو لعنة الأخر بما تملكه من قدرات خارقة و سحرية و مخيفة !. وقد عمد الرجل من أجل تثبيت مكانته و الرفع من شأنه و قيمته كسيد و قوام الى ان يحدد ذاته بتمييز تراتبي ، على أنه : ابولوني عقلاني و منضبط بالحكمة و المنطق ، و بخلاف المرأة الديونسيوسية الغريزية المنفلتة ، و الاكثر خضوعاً للجهل و اللاشعور و هلاوس الاحلام !. و لأن التناقض بين الرجل و المرأة عميق و سحيق ، نجد اثاره و تبعاته واضحة في كل مستويات العلاقة بين الطرفين عبر التاريخ المدون و لكون المرأة لغزاً خالداً محيراً يعجز الرجل عن فهمه ، لأنه يجهل رغباتها كما يجهلها هي ككينونة بشرية مماثلة له فصورتها المتذبذبة في الذهن الثقافي ترسمها كفوضى في السلوك و تناقض في الرغبات : فهي ترغب بالرجل السوبرمان ، و لكنها تعمل المستحيل من أجل اصطياده و أسره في المنزل!. واذا ما خضع لارادتها احتقرته و ازدرته!. انها تلك النظرة التقليدية للمرأة كتجسيد حي و أبدي للتنافر و التناقض و اللاتوقع ، مع انها مصنوعة و مقولبة من قبل الرجل نفسه و على مر الزمن . و ستظل كذلك، ما لم يدرك الرجل أن المرأة وفي نفس الان هي : موضوع رغبة الرجل وصبوته للبقاء و الاستقرار و خلق نسله . فهذان الشرطان ضروريان لأنجاز عملية الخلق و البقاء و أعادة انتاج الوجود البشري ، و الذي يقع على عاتقها الجزء الأكثر اهمية و صعوبة فهي سر الامومة و لا بقاء لجنسنا لولاها ، بل اكثر من ذلك فهي سر الفيزولوجيا الانثوية المرتبطة بالدورة القمرية !. فالرجل منجذب للمرأة بحكم الطبيعة ، و لكنه يشعر بالنفور منها و يتجنبها في حالات : الطمث و ما تفرزه من روائح و أفرازات و سوائل سابيائية مقززة ،وما يخرج منها اثناء الولادة من مشيمة و دماء . و قد استبطن الرجل هذا التجسس تجاه المرأة و مظاهر تلك التحولات و عبر التاريخ و في مختلف الثقافات . فأبتدع العديد من التحريمات و المحظورات من عزل و اجتناب . فالمرأة نجسة في فترة حيضها ! و تترتب على ملامستها خطورة و شؤم و نجاسة تحيق باللامس والقريب ، و تتسبب بكوارث و مصائب وأذى !. لذى يجب اجتنابها و عزلها بعيداً . و أيضاً هي نجسة بعد الولادة !. فللمرأة النفساء نفس دنس الحيض و نفس التطير منه !. فيجب القيام بتطهيرها و تأهيلها حتى يتم قبولها من جديد داخل الاسرة كشخص طبيعي !.. ولكن مع كل طقوس التطهير و النظافة ذات الطابع الثقافي - الديني المتوارث كأعراف، ظلت المرأة كائناً دنساً و قابلاً للتدنيس لأن جوهرها خطيئة و أثم و مرض و لا فكاك لها من ذلك المصير المصاحب لها حتى موتها!. فمن التحريمات المحظورة عليها بتاتاً هو القيام ببعض الطقوس العبادية ، و لا يحق لها ممارسة عمل الكهنوت أو الامامة في الصلاة ! -لان انتاج الدين والألهة هو حصرا ابداع ذكوري،فنحن نعرف ان الله استقر اخيرا كمذكر وخاصة في الديانات الكتابية،وعلاقته بالرجل اكثر رصانة و قربا وحميمية،في حين كانت علاقته بالمرأة مهزوزة و يشوبها العداء والنبذ !.ونعرف كذلك مفهوم "رجال الدين"ولكن لم يمر علينا مصطلح"نساء الدين"!-و لا المشاركة في الحرب . كل هذا و غيره هو من مظاهر الاقصاء و النبذ الذي تحفل به ذهنية و سايكولوجية الرجل الثقافية الدينية في تشكيله لصورة المرأة النمطية المشوهة و الناقصة و القاصرة . فالمرأة هي أقرب للطبيعة و المادة منها للرجل، فهي تتماهى معهما !. فهي الهشة سريعة العطب و الهلاك ، في حين أن الرجل هو الاقرب للمطلق و المثال المتعالي و الروح الالهي !.-وهذا عكس الحقائق البايولوجية التي نعرفها الان!-.و هذه المحمولات الثقيلة الراكدة في عقول الرجال كموروث متجذر عم النساء ايضاً بعدواه وا نتشاره في نهش وغسل عقولهن وبنيتهن النفسية في النشأة والتربية- و هذا ما يفسر الطابع التقليدي القديم و القار حتى في ميدان الادب و فن الرسم في الاستخدام المفرط لموضوعة المرأة و جسدها الفاتن و المغري في مظهره، و قد دبت فيه العفونة و النتانة في ظهرها او /و ثديها أو بطنها !-هذه الثيمة المبطنة بالازدراء و العداء أستخدمت بعد صبغها بطلاء ديني - اخلاقي- مسيحي الهوى و الهوية وتمظهرات اخرى في بقية الاديان!- ذلك الترميز الذكوري المهين للمرأة و التي تدعوه للغواية و الدنس و الخطيئة و جسدها تعج به الديدان الشيطانية !. الا نجد في استعمال النساء للعطور من منظور الذهنية الذكورية التشويهية ما يعزز محاولاتها لتمويه و أخفاء الرائحة الكريهة و التفسخ و التعفن الكامن في جسد المرأة !.. هذا الازدواج الجوهري و الذي يطبع المرأة بميسمه ، و هي التي تهب و تمنح الحياة ، و تهدد و تنذر بالموت في نفس الوقت ، تجلى بوضوح عبر القرون ، و وجد تعبيراً له في عبادة - الالهات - الامهات . فالارض - الام هي البطن المغذي الخصب ، و لكنها أيضاً هي عالم الموتى السفلي ! انها كأس الحياة و الموت .و هي اشبه ما تكون بمرامد جزيرة كريت التي كانت تحتوي على الماء و الخمر و الحبوب . و أيضاً على رماد الموتى !!!.
في الثقافة الذكورية القديمة رسخ ترميز المرأة بالارض-ولاحقا في الفكر الحديث-بالوطن!.وبهذا التجريد والاختزال للمرأة فقدت ماهيتها وجوهرها الانساني،بالتماهي والمماثلة مع الارض!.فكينونتها البشرية توارت لصالح طبيعتها الارضية كمادة:للحرث والبذر والزرع،وغرس النطف والبذور.فهي المرأة-الارض لانتاج سنابل وأجنة ودورة الحياة ولاشيء اخر.فلا كيان او اعتبار لها كفرد وشخصية وذات في وحدة النوع البشري.وهذا الامر لم يقتصر على الثقافة الاجتماعية الشعبية،بل تعداه شاملا حتى النخبة العالمة من المثقفين.وصار جزءا ثابتا في طيات البنية السايكولوجية للفرد والجماعة،اجتماعيا وسياسيا. وايديولوجيا..وهذا رافد من الروافد التي تصب في بحر الخوف من المرأة-ولو بشكل ملتوي ولاواع،سواء عند الرجل وايضا المرأة!-..فعن المرأة -الارض لنقرأ ماكتبته سيمون دوبوفوار-المرأة الفيلسوفة!-حيث تقول عن المرأة:"في وجهها ظلمات وغياهب،وهي السديم الذي بزغ منه كل شيء والذي سينتهي اليه كل شيء،ولا شيء الا الظلمة في احشاء الارض،وهذه الظلمة التي تهدد بأبتلاع الرجل،وتشكل نقيض الاخصاب،تثير الهلع في نفسه"!.هكذا اذن هي المرأة حتى عند المرأة المفكرة:غياهب وسديم وظلمة كثيفة تهدد بالابتلاع وتثير الرعب والهلع لدى قرينها الرجل؟!..وليس هناك لافي التراث الغابر ولا الحاضر موضوعة الرجل-الارض او الرجل-الوطن!.فهو ابدا الذات والارادة والفاعل التاريخي،وللمرأة دور الطبيعة المفعول بها والمشكلة حسب مايرغب ويروم!.وهذا الربط-كما قلنا -بين المرأة والارض تم تجذيره بتنويع طرفه المرأة دائما:المرأة-الوطن-المنزل-المأوى-السكن-رحم الطفل-الرجل.والقبر الارضي!.. الخ.ليس ربطا من قبيل الصدفة او الاعتباط..ففي العديد من الثقافات والديانات كان يعهد للمرأة بأداء او الاشراف على المناسك والشعائر المأتمية،والعناية بجثث الموتى وعمليات الدفن.فقد اعتبرن-النساء-الاقرب والاكثر اتصالا من الرجال بدورة الحياة-العود الابدي-.وهي-المرأة-التي تقود الكائنات من الحياة الى الموت،ومن الموت الى الحياة-رحمها ورحم الارض،رحما الحياة والموت!-.فالنساء هن من يمنحن الحياة دائما،ولكن هن ايضا من ينتزعها!.ولهذا نجد كثرة وتعدد اسماء آاهات الموت الاناث في الميثولوجيات والاديان.حيث راجت وانتشرت الاساطير والتصورات الخرافية في ثقافات الشعوب البدائية-القديمة عن المسوخ والغيلان والوحوش الانثوية!.ف"الام الغولة"هي شخصية عامة وشهيرة وقديمة بقدم عادة أكل لحوم البشر،وقدم التاريخ البشري بالذات،ولو بصور وانماط متعددة بتعدد البيئات ومناطق العالم.فوفق ذلك يمكن اعتبار(ميديا)الشخصية الميثولوجية اليونانية صورة من صورها.وليس هناك من صورة عن"الرجل الغول"طبعا!.فكل انتاج ايديولوجي في الحقل الثقافي-الديني،وحتى اللغة واسماء الاشياء هو ذكوري بأمتياز ويصب في مصلحة الرجال ويخدمدهم من جانب،ويشيطن المرأة ماسخا صورتها كمركز دائرة لكل الشرور من الجانب الاخر..ففي القرن15و16و17اقيمت المحارق،وجرى حرق النساء بالآلاف بتهمة:السحر الشيطاني والشعوذة،وقتل الاطفال الصغار،وتقديمهم قربانا لسيدهن الشيطان!.ووراء هذه الادانه والتحريم والخوف والغواية كان يقف-وان في اغوار اللاشعور،وماوراء الوعي-الخوف الكبير،والذي لاعمر له من المرأة!.وربما كانت الالهه الهندوسية(كالي)أم الدنيا هي الاكثر تجسيدا وابداعا في تصور ومخيلة العقلية الذكورية عن المرأة .-الالهه المدمرة والخلاقة معا في الموروث الثقافي-الديني الهندي.فهذه الربه الجميلة،والمتعطشة للدماء في نفس الان.هي الالهه الاخطر،المبتلعة للحياة،والتي يقدم لها سنويا الآلالف من الاضاحي الحيوانية-بدل الضحايا البشرية!-.فهي المبدأ الامومي الاعمى،والذي يشحذ التجديد العقدي-الديني ويحفزه للاستمرار والديمومة.ف(كالي)هي وراء انبجاس واصل الحياة وتفجرها.ولكنها ايضا وراء تفشي مظاهر الدمار والخراب من:طاعون وحروب وزوابع وحرارة مميتة!..هناك نسخ اخرى من كالي هي يونانية المنشأ،ولكنها جماعية:كالمفترسات(الامزونيات)ملتهمات اللحم البشري(الذكوري)!.وهناك ايضا(الايرينيات)ربات الانتقام الرهيبات واللائي كن يثرن الفزع والهلع لدى اليونانيين،فلا يجروء احد حتى على التلفظ بأسمائهن!..وكما شاهدنا،فالرهاب الذكوري المرضي من المرأة يتخطى بأشواط حدود الخوف من الخصاء فقط ،ذلك الذي ركز عليه فرويد واسهب كثيرا في عرضه.ولكنه ليس خاطئا كليا،بشرط تجاوز رغبة المرأة بأمتلاك قضيب!.وجعلها جزئية في تفسير اشكالية وضع المرأة وصورتها الكالحة بالمنظار الذكوري المنحاز والمتحامل.ونظرية فرويد تلك،والتي عدها التحليل النفسي في بداياته،كفرضية مركزية مسلما بها،وبني على اساسها عمارة سايكولوجيا التحليل النفسي الضخمة،والمفتقرة للدعم البرهاني،والادلة الكافية المقنعة والعلمية.ان الملفات السريرية والميثولوجية وتاريخ الثقافات المدون يحفل بكثير من المؤشرات والدلائل الكافية والقاطعة على خوف الرجل لا المرأة من الخصاء!.فالقضيب بالنسبة للرجل هو الدالة الوافعية والرمزية على سيادته وشرفه وهيمنته الشاملة،وجوهر ومحك تفوقه وتراتبيته الذكورية كرب اصغر وقوام على المرأة:دينيا -ثقافيا واجتماعيا-اقتصاديا.وما يشكله هذا الامر من هاجس دائم متوتر،وفوبيا مستعرة،وقلق هستيري، وتهديد من فقدانه سلاحه الامضى ومعيار رجولته وسموه على المرأة:قضيبه المنتعظ!.وهذا عامل مهم في استبطان المرأة المتراكم عبر العصور،اللاواعي لدونيتها وهامشيتها واحساسها بالنقص امام الرجل لتميزه بهذا النتوء البارز الذي حرمت منه وهو يتفاخربه متبخترا!.
جرى احصاء ورصد العديد من الحالات المختلفة لوهم"الرحم المسنن"المخيف لدى الهنود الحمر في امريكا الشمالية!.هذه الخرافة موجودة في الهند ايضا،ولكن بنسخة مختلفة ادخل عليها بعض التعديل -بحكم البيئة والاختلاف الثقافي-على نحو بليغ الدلالة والايحاء للرهاب من المرأة،فهنا ليس للرحم اسنان هذه المرة،بل هو محشو بالثعابين!.لم تنفك المرأة عن اثارة وتحفيز الخوف والقلق في لاوعي الرجل،ليس لانها الحكم على مدى فحولته وانتعاض قضيبه وقوته الجنسية العارمة فحسب،بل ولانه يعتقد ان المرأة-وحش جنسي!-لاتشبع ولاترتوي،ثقب اسود يلتهم كل شيء!.فرج ملتهب بنار جهنمية متأججة لاتنطفيء،وبحاجة مستمرة لمزيد من الحطب-العضوي لاضرامها وتصاعد سعيرها.فم جائع مفتوح الشدقين لايكف عن المضخ والابتلاع،وكأن المرأة مسخ يفترس عضوه-قضيبه المقدس!-..وهذا ماتناوله سارتر في واحدة من رواياته:"كتلك الحشرة المعرفة بأسم"الراهبة"..الرجل يرتعب من الافتراسية الجنسية المخيفة للمرأة!.ذلك الرهاب الذي جرى تشبيهه في حكاية من التراث(المالي)الافريقي:بقرعة ضخمة تتدحرج مبتلعة كل ماتصادفه في طريقها!..او بتخيل حواء في صورة محيط واسع تتلاطم امواجه العالية،وتعوم فوقه سفينة الرجل المترنحة المتداعية!..او في صورة هوة سحيقة فاغرة تجذبه لقعرها السحيق!..ابو بحيرة عميقة!..او بئر بلا قرار!.ان الفراغ المظلم المفتوح للفرج هو الوجه الانثوي المعبر عن الهلاك والتلاشي،المولد نفسيا لاكثر الصور ارعابا وخشية لدى الرجل من المرأة-الهيدرا!.لذلك يبذل اقصى مايستطيع من جهد وعناء لمقاومة الاغراء،وسحر الاغواء المريب الشرير القاتل!.انه صراع خاسر!.يستسلم فيه الرجل ويعلن اندحاره في لعبة الصراع الجنسي مع المرأة-الشيطان!.فهي قدره او مصيره المشؤوم،وهي من تعيقه من ان يكون ذاته ويحققها،ويرتفع بروحانيته وسموه،من ادران المادة والجنس،واهتدائه لخلاصه واقترابه من الله-فهو خالقه على صورته والمتحالف معه ضد ربيبة ابليس!-...وسواء اكانت المرأة زوجة او عشيقة او حتى ام او اخت،تبقى المرأة دوما هي سجان الرجل وجلاده-رغم ان الواقع هو العكس تماما فهو سجانها وجلادها لاهي!-وكما فعل "يوليسيس"و"كونزا لكواتل"بمقاومة الاغراءات والاغواء الانثوي الشرير والمميت اثناء قيامهم بمغامراتهم وتجاربهم الكبرى.فمن يقع تحت اغراء"كركه"يفقد ذاته ويمسخ الى خنزير!.ومن الهند الى امريكا،ومن نصوص هوميروس الى الاهاجي المتزمتة والعدائية لمعارضي الاصلاح الديني.نجد دائما تلك النمطية التقليدية في تقديم الرجل-الضحية امام دهاء وحيل ومكائدالمرأة1.الرجل المسكين الذي يقع في حبائل وشباك الغواية الجنسية الخبيثة الشيطانية،وضياعه وهلاكه لانه استسلم وخضع للمرأة-الساحرة.فسقوط الرجل وانحرافه عن السوية تقف وراءه وفي كل الثقافات والاديان المرأة لاغيرها ،الضلع الاعوج-الافعى الذي نكب الرجل بضياع الفردوس ،وسقوط الرجل-خليفة الله المخدوع ونسخته البشرية!!!.ولانه ليس من فسحة لاحتضان الصداقة،وبناء علاقة انسانية بين الرجل والمرأة.كان من البديهي الذي لايرقى اليه الشك،تلك القناعة المتداولة بين الرجال عن عدم ،بل استحالة قيام صداقة نزيهة من الغرض وطبيعية بين الرجل والمرأة مماثلة لصداقة الرجال فيما بينهم.وكأن الصداقة كما تقول ماري اوديل ميترال:"ابتكار ابتدعه الرجال للسيطرة على خوفهم القديم من المرأة".ويتجلى وهم علاقة الصداقة:كوسيلة-تخريج-ترياق-حيلة:"لابطال مفعول السحر الانثوي الناجم من سلطة المرأة على الحياة وتواطئها مع الطبيعة".وما يترتب على هذا الاساس:"يعني اخضاع المرأة واستعبادها،السيطرة على الطابع الخطر الذي يعزى لدنسها الجوهري والى قوتها الغامضة"!.هذه الصورة الظالمة المظلمة التي اطرت وحشرت فيها المرأة،والتي تقطر بصديد الكراهية والخوف منها كشر مهدد غامض ولكنه مرغوب،ومتعة وتوق،ولكنه مميت!.هذا الكائن:المختلف،الغريب،الخبيث،المنفر،المحبب،والذي لايمكن الوثوق به لغدره،ونياته الملتوية الماكرة.المتهم،بل المدان بكونه مصدرا وعلة وحيدة للخطيئة والسقوط،والشر والشقاء والموت للجنس البشري-الذكوري،الرجال في هذا العالم!.
وسواء أكانت باندورا الاغريقية،ام حواء اليهودية-المسيحية-المسلمة!.تبقى وحدها المسؤولة الوحيدة عن الخطيئة الاصلية وأسها، بفتحها الجرة المقفلة حاوية كل الشرور!.او بأكلها من الشجرة المحرمة وتوريط بعلها بالمشاركة!. لقد جسد الرجل بأنتاجه الديني:براءته الفطرية،وخيره الطبيعي،وتنصل من اقتراف الشر او الذنب لولاها،والقى بحمل اللوم والتمرد والعصيان عليها،فهي الوحيدة التي كانت سببا في عذابه وفشله وفقدانه لفردوس ابيه-خالقه على مثاله!.وهي لاهو:بؤرة الشرور ومصدر العناء والتعب وفقدان الفردوس وضياع آدم وذريته!.فأمام كارثة بهذا الاتساع والهول،فكيف لايحتاط ويعزل بوعي متحسسا من كائن بهذه الخطورة والاغواء والنشوز،وخاصة عندما يسحر الرجل بالجمال وبسمة ربيبة الشيطان؟!.فلا صداقة ابدا بين الرجل والمرأة في النسق الثقافي-الديني-الذكوري كعلاقة اجتماعية-انسانية..
لقد جرى اختزال المرأة وترميزها لمجرد كهف جنسي مشعر،وكمدخل لهاوية الجحيم العميقة والزلقة!.لذا نجد ان الخوف المرضي(الرهاب)ليس ابتداعا مقتصرا على ماانتجته الكنيسة المسيحية ورهبانها المتنسكين بعيدا عن وباء المرأة!.بل هو موروث موجود قبلها وتبنته بعد ان تمثلته وهضمته بسرعة كجزء من نسيجها الاديولوجي،مطورة اياه كمنهج وقاعدة للتربية الدينية والاعتقاد القويم ،ومنجي من ادران وسفالة المرأة وشرورها،مرفوعا كبعبع مخيف طيلة قرون!.(لم تنتج الديانة المحمدية في سرديتها وادبياتها الدينية-الفلسفية-الفقهية شيئا يذكر في مجال فوبيا المرأة،لالانها مصانة الحقوق والتسوية الانسانية العادلة مع الرجل.فهي ايضا مذلة ومهانة ومضطهدة ومستغلة وتحت الوصاية والقوامة.ولاتتميز او تختلف بشيء في وضعها مع بقية الاديان والثقافات حول العالم.ولكن لان ظاهرة الخوف من المرأة اخف،وليست بتلك الحدة والمركزية الطهرية المتشددة كما هي في الديانة وثقافة آباء الكنيسة المسيحية المعادون للمرأة.فالمحمدية-الاسلامية هي ديانة دنيوية-حسية-شبقية(ايروسيه) تحتفي بالجنس والغرائزية،وجسد المرأة حاضرا بطقسية الجماع اليومي الشرعي وغير الشرعي"ملك اليمين"!.فالثقافة-الدينية المسلمة منجذبة لعالم الجسد والارض.وتقوم على اركان الفرج-البطن-الصلاة كثالوث يمزج بين الميل الطبيعي البشري والعبادة!. وهذا ماتوفره المرأة في الاسلام:عبدة المطبخ،وجارية السرير!.وبعد الاشباع-الجنسي-البطني الحيوي بالنسبة للرجل يتجه صوب الصلاة-واجبه الديني ،وقرة عينه،كما وصفها محمد!-فالهاجس المرضي والخشية من المرأة هنا هو اقل منه-ثانويا-وليس كماهو بارز واساسي لدى الكهنوت المسيحي.فالجنس في المسيحية هو تابو ودنس قذر ونجاسة تنتمي للغرائز الابليسية المنحطة،والمعرقلة لتسامي روح الرجل وارتقاءها في مدارج القداسة الالهية!.يمارسه المسيحي من خلال العلاقة الشرعية"الزواج"مضطرا ومكرها،ولسبب وحيد هو انجاب الذرية المسيحية-حسب تعاليم الكنيسة-وليس من اجل المتعة الخالصة،واشباع الرغبة البشرية بممارسة الجنس لذاته!.ومن هنا كان الحرص على تجنب المرأة والخوف منها جزءا رأسيا منهجيا فلسفيا في الثقافة -الدين الكهنوتي الكنسي،لكون المرأة من طبيعة شيطانية محكوم عليها بالسقوط الابدي،لذا يجب ان يحذر منها الرجل المسيحي التقي ويخشاها كطاعون قاتل!)..
ان العداء والخوف من المرأة،والتطرف فيه،والذي جرى تكريسه وصار جزءا ملتحما من البنية الثقافية-الدينية بين مطلع القرن الرابع والقرن السابع عشر لم يكن طارئا او جديدا على الخطاب اللاهوتي-لايعني هذا ان هذا الموقف بزغ فجأة دون خلفية او سوابق-..ولكن هل كان ذلك الخطاب امينا حقا ومطبقا لماجاء في الانجيل ووفيا في حرفية قراءته لمانطق به يسوع؟!.الجواب هو:طبعا..لا!.لاننا نجد ان تعاليم المسيح مغايرة تماما لماجاء في النصوص المدونه،وماورد في الخطاب الرسمي الديني لمحترفي الكهنوت من آباء ورؤوس الكنيسة.وماذكرته سيمون دوبوفوار عن تلك الوصايا:"نفسا من المحبة يشمل النساء كما يشمل المصابين بداء البرص".وكذلك نجد مطلبا او دعوة يمكن اعتبارها ثورية ايضا في الموقف من المرأة-في حينه-فهاهو المسيح يدعو بجهر للمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة،فردا على الفريسيين الذين سألوه:ان كان يحق للرجل ان يطلق زوجته لاي سبب؟.فأجاب المسيح قائلا:"اما قرأتم ان الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وانثى وقال:من اجل هذا يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بأمرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا،اذ ليسا بعد اثنين بل جسدا واحدا".ان موقف المسيح من المرأة كان جديدا وراديكاليا في وقته،ومخالفا جذريا لما كان سائدا في المجتمع اليهودي،بل وغريبا عن الثقافة والاعراف اليهودية المقبولة،لدرجة احراجه وجرحه لتقاليد ومشاعر تلاميذه الحواريين بالذات ذو العقلية الذكورية!.ففي الوقت الذي كان ممنوعا على النسوة اليهوديات المشاركة بأي شكل من الاشكال في اعمال الحاخامات،ومحرم عليهن الدخول للمعبد والصلاة فيه!.كان المسيح يتحدث معهن،بأعتبارهن ذوات بشرية لها كامل الحقوق والكرامة،وخصوصا في حالة تعرضهن للازدراء والاحتقار(السامرية-المرأةالزانية).بل واكثر من ذلك،فقد اشركهن المسيح دون تردد في نشاطه التبشيري-على الاقل خدمة وترويج لبدعته الدينية الجديدة-.ففي انجيل لوقا نقرأ:"على اثر ذلك كان يسير في كل مدينة وقرية-المقصود هو المسيح.م.أ-يكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر وبعض النساء كن شفين من ارواح شريرة وامراض:مريم التي تدعى المجدلية،بوانا امرأة حوزي،وكيل هيرودوس،وسوسنة،وأخريات كثيرات كن يخدمنه من اموالهن".وتتفق الاناجيل الاربعة المعتمدة رسميا:بأن جميع تلاميذه بأستثناء يوحنا قد تركوه يوم موته!.في حين ان النسوة المريدات بقين واقفات عند الصليب حتى اللحظة الاخيرة،وكن الشاهدات الاول على القيامة!..ولكن الكنيسة-المؤسسة لم تقبل بذلك،ووقفت ضده بتزمت ومنذ بداية التأسيس للعقيدة الجديدة،اي منذ أيام القديس بولص تحديدا،الذي ارسى مدامك الصرح الايديولوجي الدوغمائي للديانة الوليدة.لذلك لم تقبل الكنيسة بوضع نظرية المسيح التسووية بين الرجل والمرأة موضع التطبيق،ولا حتى على مستوى الايمان القلبي!.فقد تراجعت،بل انهزمت فكرة المساواة الانسانية بين الجنسين،والتي بشر بها الانجيل امام الصعوبات الواقعية للقيم البطرياركية الذكورية المتوارثة والراسخة،والناجمة عن السياق الثقافي-الحضاري الذي انشرت فيه المسيحية وعمت،ولكن جرى صهرها واحتوائها وافرغت من روحها المتمردة..
العاملان الرئيسيان اللذان لعبا دورا حاسما في مناهضة وابعاد"الدعوة الثورية للمساواة في الكرامة"بين الرجل والمرأة وهي:البنية البطرياركية للمجتمع اليهودي،وايضا الحضارة الاغريقية-الرومانية،وحوض البحر المتوسط،وتقاليدها الثقافية الموغلة بالقدم.والتي كرست عبر الفيثاغورية،مرورا بالافلاطونية،انتهاءا بالرواقية،والتي تؤكد على التسامي والتعالي عن ادران هذا العالم المادي-الدنيوي،واحتقار العمل اليدوي والجنس الذي تجسده المرأة.ولكن يبقى المسؤول الاول عن المواقف المسيحية الصارمة والمتزمتة والغامضة والمزدوجة المعايير من المسألة النسوية هو بلاشك القديس بولص خالق الكنيسة وراعيها!.فقد ساهم بوعي،وبأعتباره فريسيا،وتلميذ فريسي،ومواطنا رومانيا ملتزما في نفس الوقت،في قولبة وضع المرأة المسيحية بموقع التبعية والتهميش والاقصاء في الكنيسة والزواج على حد سواء،فقد وضعها في زنزانة الدين والوصايا والتعاليم المفسرة حسب تأويله وقناعاته!.فقد دعاها ان لاتؤم الصلاة الا وهي مغطاة الرأس!.فقد كتب قائلا:"ولأن الرجل لم يخلق من اجل المرأة بل المرأة من اجل الرجل".وهكذا استمر درب الآلام الذي مشته المرأة عبر تاريخها الطويل.واستغل الموروث المسيحي هذه التوصية -الجندرية القاسية التي جعلت من الرجل غاية خلقت المرأة من اجله لاغير!-بمزايدة وحماس ،وأكد عليها بالصورة الرمزية عن الزواج باتت ركيزة العقيدة القائلة ب:"خضوع المرأة للرجل دون قيد اوشرط"!.وساهمت في تثبيت وضع حضاري-ثقافي قاتم ومناهض تجاه وضد المرأة!..لنتذكر جيدا تلك الصورة المجازية القاتمة،والتي عكستها عبارات بولس(الرسول)الى اهل افسس،والمبطنة بالنظرة الدونية المحقرة والرافضة للمرأة،والتي زرعتها مؤسسة المسيحية الكنسية في حوض المتوسط وشماله.يقول بولس في رسالته:"ايتها النساء اخضعن لرجالكن كما الرب،لان الرجل هو رأس المرأة كما هو المسيح رأس الكنيسة،وهو مخلص الجسد.ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء"..وأكثر من ذلك،فثمة مقطعان في المدونة البولسية لعبا دورا اساسيا وحاسما في تكريس ابعاد المرأة عن ممارسة الطقوس والواجبات الكهنوتية،واقتصارها على الرجال فقط،كمهام خاصة بالذكورة المتفوقة والسيدة على النساء!.ورد المقطع الاول في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس،وهي:"لتصمت نسائكم في الكنائس لانه ليس مأذونا لهن ان يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس ايضا"!_يقابله عورة صوت المرأة في الاسلام!_..اما المقطع الثاني الذي ورد في الرسالة الاولى الى تيموثاوس،فيقول:"لست آذن للمرأة ان تعلم او تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت"!.اللجم والخضوع والتبعية،هذا مانجده في كلا المقطعين اللذان لايقلان صرامة وتزمت احدهماعن الآخر في التأكيد على الانصياع والصمت والتهميش للمرأة التابعة للرجل.هذا الخط الايديولوجي-الكهنوتي الثابت ارتكز عليه توما الاكويني،وجعل منه اساس موقفه السلبي من المرأة.ولكن يجمع معظم شارحي ودارسي بولس على تبرئته من موقفه العدائي تجاه المرأة،زاعمين ان المقطعين اعلاه:مدسوسان او محرفان.لان القديس بولس قد عبر في عدة مناسبات عن امتنانه وشكره للنساء اللواتي دعمنه في عمله التبشيري،وبالتالي لم يكن بولس عدوا بالمطلق للمرأة!.وسواء أكان مناهضا او مقدرا للمرأة فأنه تأثر حتما بالثقافة المركزية الذكورية التقليدية التي سادت عصره،وتجذرت في لاوعيه،وتجلت في مدونته،وكتابات من جاء بعده من قديسين واباء.
نعتقد ان هناك ثلاثة عوامل محددة لعبت دورا مركزيا في ترسيخ وضع المرأة الدوني وهامشيتها في الثقافة-الديانة المسيحية في طور نشأتها وتكونها-دون الجزم طبعا بوحدانية تلك العوامل ونفي وجود اسباب اخرى غيرها-.وهي:1-الترقب والتوقع القريب لنهاية العالم الوشيكة،ومجيء يوم الحساب- الدينونة-القيامة!.2-تمجيد العذرية والعفة والتحصن ونبذ او تحريم الجنس!.3-التفسير والتأويل الذكوري النزعة لرواية الخطيئة والسقوط في سفر التكوين-الوارد في الاديان الفضائية(السماوية)الثلاث دون اختلاف،في الادانة للمرأة كعلة للطرد من الفردوس!-.فهل من الغرابة بعد ذلك ان نرى تبني آباء الكنيسة والكتاب المسيحيين الدينيين الاوائل،والفقهاء المحمديين وحاخامات اليهود في جل ماكتبوه او قالوه بشأن تبشيع صورة المرأة والخوف منها كجذام غير قابل للشفاء؟!.تلك المواقف المعادية بشدة للمرأة،والتي تقطر رهابا وكراهية صريحة وسافرة..فها هو مثلا الروماني الوثني الذي تحول للمسيحية:القديس ترتوليان يقول موجها خطابه البغيض للمرأة:"لايجوز لك ان تخلعي عن جسمك ثياب الحداد،بل عليك ان ترتدي الاسمال،وان تغرقي في الحزن والندم-ولماذا ايها المبجل؟!-كيما تكفري عن خطيئتك في دفع الجنس البشري الى الهلاك..انك يا امرأة باب الشيطان،فأنت من لمس شجرة الشيطان،ومن انتهك في الاول الناموس الالهي"!.-ياللهول!!!..المرأة مسؤولة عن هلاك الجنس البشري!.ومن لمس شجرة الشيطان الفردوسية!.وهكذا نجد المرأة لاغيرها هي الخاطئة الاولى حتى في اسطورة الخلق!.فهي المدانة..وباب الشيطان المفتوح ومدخل الشرور!.كان خوف ترتوليان ،وزهده المتطرف في تقشفه،يحجبان نفورا وكرها ونبذا حقيقيا لكل خفايا واسرار الطبيعة الانثوية والامومة وعالم المرأة بشكل عام.فبكثير من الاشمئزاز والتقزز تطفح مدوناته وكل ماكتب عن المرأة منطلقا من عقيدته المسيحية الجديدة.فقد ذكر العديد من مظاهر وطبيعة الانثى:الام،والزوجة،بايولوجيا وفسيولوجيا،ك:الغثيان الذي تعاني منه الحوامل،والاثداء المتهدلة للمرضعات،والحيض بالغ النجاسة،والسوائل والدماء والروائح الكريهة المصاحبة للدورة،والاطفال الصغار الذين لايكفون عن الصراخ والبكاء المزعج!..الخ.هذه الحساسية الدينية المترفعة عن سفالة الصورة البشعة والمشوهة لادوار حياة المرأة،وهذه الذهنية العدمية لكل ماهو طبيعي وحيوي ودنيوي،وعيونها شاخصة نحو سماء الروح البعيدة،نجده لدى قامة لاهوتية قداسية كبيرة اخرى هو القديس امبروسيوس،والذي هاجم هو الآخر:الزواج وقبحه وشناعته!.ونادى بتمجيد وتبجيل البتولية والعفة المطلقة بنموذج مثالي قداسي نسوي ساد لفترة تاريخية طويلة.فاذا كان الزواج مرفوضا ومنفرا وطريقا غير صالح ومحفوفا بالضلال والنجاسة،واذا كانت الامومة كريهة لاتجلب سوى العذاب والمتاعب والمنغصات،فخير للمرأة ان تضرب صفحا عن هذا السبيل مبتعدة،لتبقى عذراء دائمة،وتقفل بابها-باب الشيطان!-حتى تتوسد لحدها!.فما يحبذه امبروسيوس هو خيار العذرية الابدية،فهي حالة الكمال والفضيلة السامية،وهو ماينصح به قديسنا الاعظم كأسلوب افضل لعيش النساء،بل هي توصية شبه الهية-النموذج المريمي!-كما يرى ويعتقد الكهنوت(اللاجنسي)الخنثوي!!.
اما القديس بيرونيموس فهو الاكثر صراحة في اعلانه المتطرف عن رأيه.فالزواج-الزواج الشرعي لاالزنى!-هو هدية الخطيئة!.وقد عبر بيرونيموس بوضوح في رسالة بعث بها الى شابة ينصحها فيها:انت تبقى عذراء ولاتتزوج!.كاشفا عن مدى ازدرائه ورفضه للوصية التوراتية الشهيرة:"اثمروا واكثروا واملأوا الارض".فلنتأمل قليلا في نص تلك الرسالة المذكورة والتي لاتظهر العداء للمرأة فقط وبل للحياة ايضا كدعوة للعدمية والفناء،يقول فيها:"قد تقولين لي:انك تتجرأ على الطعن في الزواج الذي باركه الله؟.ولكن هل اكون من الطاعنين في الزواج ان فضلت العذرية...فمامن احد يقارن الخير بالشر..."اثمروا واكثروا واملأوا الارض"فليثمر ويتكاثر من يريد ان يملأ الارض..اما انت فلتكن كتائبك في السماوات،"اثمروا واكثروا":لقد تحققت هذه الوصية بعد الخروج من الجنة..بعد العري واوراق التين المنذرة بعناق الزواج الفاجر"!.فهل هناك بيانا على منطق وعقلية وايمان اللاهوت العدمي المسيحي اكثر من ذلك؟!.فالبتولية الجرداء كمنهج للحياة-ضد الحياة!-هو الخير والصلاح!.اما الزواج وممارسة حق الحياة،والاستجابة لنداء الطبيعة فهو الشر
والفجور،وضد كتائب السماء العفيفة!.ان ممارسة الجنس في عرف وايمان اللاهوت هو الخطيئة الكبرى،وأم الرذائل بالتعريف والدلالة.ويجب على العذارى ان يغلقن فروجهن بحزام العفة الابدي،ويعشن موتهن قبل اوانه!..وهذا التصور او الاعتقاد الظلامي لجدلية الدين والحياة كان له وقعا بالغا بعيد الاثر والمدى في تاريخ الدين-الثقافة المسيحية في عصر الايمان كهذا؟!...فالزواج والجنس من خلاله والذي يتحكم في غرائز الانسان،ويضغط عليه ويدفعه بأستمرار ذلك الفحيح الشبقي لاشباع حاجاته من الملذات الجنسية،واعادة انتاج النسل ككائن بايولوجي يسعى من اجل البقاء والحياة.كل هذا هو دنس واغواء شيطاني!.فهو انشغال وعبث دنيوي وعهر وفسق يحولان ويمنعان المرأة من التسامي،وتنمية الجانب العلوي الروحي في التأمل والتسبيح في الذات الالهية ويعيقان الانضمام لكتائب وفيالق السماء المجنحة!.
وهكذا نجد ان البتولية والطهارة العذرية هي على العكس من ذلك:"صيانة للجسد وتطهير للروح ونذر الذات للرب..وهي عودة الى الاصل والى الخلود الذي يعطي الدليل على واقعيته"كما تقول ماري-اوديل ميترال..فجرى التسليم في اوساط الكنيسة وحرسها الكهنوتي،ان:"للعذرية والعفة مكان الصدارة في الجنة"!.حسب التعبير الشائع والمتداول في القرن السادس عشر والسابع عشر.ولكن اللاهوت ورغم تقريضه ومدحه ومنحه السمو والرفعة الروحية للعذرية الانثوية،لم يكف عن تنظير قداسة الموقف العدائي المعلن من المرأة،والذي ورثه من الثقافات التي سبقته وتبناها لاشعوريا وصارت جزءا من تركيبته البنيوية اجتماعيا وايديولوجيا وسايكولوجيا..فكيف يمكن التوفيق بين تناقض النزعة المناهضة و المعادية تجاه المرأة،وبين تعاليم الانجيل التي نادت وحثت على المساواة بين الجنسين في الكرامة والمكانة والانسانية؟!.نجح القديس اوغسطين جزئيا في التقريب التوفيقي بين هذين الموقفين المتعارضين،فقد وضع تمييزا غريبا مدهشا في فنتازيته او سفسطته،فهو يقول بحذلقة فلسفية:"كل كائن بشري يملك نفسا لاجنس لها وجسدا محدد الجنس،وعند الرجل يعكس الروح والجسد،اماعند المرأة فلا.لان الرجل على صورة الله خلق تماما،في حين ان المرأة هي على صورة الله من حيث روحها فحسب.اما جسدها فيشكل عائقا دائمي في وجه العقل.وبما ان المرأة دون الرجل،فلزام عليها ان تخضع له"!!!.فتأملوا معي اعزائي القراء الى اين يقودنا التفلسف الديني عندما يكون في خدمة غرضه،ويصادر على المطلوب،ويجد الحلول المتعسفة والغامضة لاشكالياته!!. فجسد الرجل وروحه من الله وعلى صورته!زاما المرأة فروحها فقط تنتمي لله اما جسدها فلا نعرف مصدره؟!.فهو خلق شيطاني على الارجح!.وتستمر الدائرة الدينية-الثقافية المغلقة في الضغط على خناق المرأة ولعن جسدها وسحقه تحت ركام التجريم والتحريم والابلسة!!!.
اتسع كم وكيف المدونة الدينية الجائرة بحق المرأة.واخذ الكهنوت الكنسي المناويءللانثى بتقطير سمه النسوي حبرا اسود لكلماته الملتهبة بالكراهية،والنافية لانسانية وذاتية (الجنس الآخر)وتوكيد سفالة ودونية المرأة امام طهر ونقاء وسمو الذكورة!.وكشرت نزعة العداء ورهاب المرأة عن انيابها،وتفاقمت وازدادت حدة،وخاصة بعد مرسوم غراسيانوس الشهير،والذي صدر بمنتصف القرن الثاني عشر.واسفر اعتماده كمصدر رسمي واساسي للقانون الكنسي،والذي جاء فيه:"ان صورة الله ماثلة في الرجل=(آدم)الذي خلق اوحدا وجعل اصلا للكائنات البشرية قاطبة.وقد اعطي من الله السلطة لان يحكم،بوصفه نائبه،لانه على صورة الاله الاوحد،ولهذا السبب لم تخلق المرأة على صورة الرب"!.ويضيف غراسيانوس،متبنيا نص امبروسيوس الزاعم،انه:"ليس من قبيل الصدفة ان لم تجبل المرأة من التراب الذي جبل منه آدم،وانما خرجت من ضلع من اضلاعه..لهذا السبب لم يخلق الله في البدء رجلا وامرأة او رجلين او امرأتين،وانما خلق رجلا،ثم خلق المرأة من الرجل"!.وهكذا بين صوت اسطورة الخلق المدوي وصداه المترامي والممتد،مضت الثقافة الذكورية في وضع الاسس المتينة للهيمنة ، وتوطيدها كمشيئة وقانون لله،وصار الرجال خلفاء الله دون منازع!.لذلك نجد ان القديس توما الاكويني لم يأت بجديد عندما قال في تعاليمه:"ان المرأة خلقت دون الرجل كمالا،وحتى على صعيد النفس بالذات،وانما بطاعة هذا الاخير:"لان الرجل اكثر روية وتعقلا بطبيعة الحال"!.ولكن القديس توما دعم الحجج اللاهوتية في اسطورة التكوين بأسناد معزز من علوم وفلسفة ارسطو.فوجد ان الرجل يلعب دورا ايجابيا وفاعلا في عملية الانجاب.اما المرأة فدورها سلبي ،فهي ليست اكثر من اناء يصب فيه (النسل)ماء الرجل!.هذه الحقيقة العلمية المزعومة التي يخبرنا بها القديس المبجل توما الاكويني:"ان لاوجود الا لجنس واحد،وهو الجنس المذكر لاغير،وما المرأة سوى ذكر ناقص!. -جسدتها الصيغة التحليلية لفرويد:ذكر مخصي-بلاقضيب!-...فلا عجب بعد ذلك ان نرى تكريس صورة المرأة بتلك المسوخية والتشويه،ككائن غريب معتوه ناقص،وموسوم بميسم غباء الطبيعة التي شكلت طبيعة وفسلجة المرأة،كجنس لاقضيبي ثانوي ملحق بالرجل!.ولطالما كررت هذه المفاهيم الممجوجة والشائهة والمضادة للتسوية بين الجنسين،واعيد انتاجها كبنية ثابتة في المدونات الدينية والقانونية والثقافية واللاوعي الجمعي-حتى لدى النساء ايضا!- كمسلمات وامر مفروغ منه.لقد سقطت المرأة في التجربة،وخسرت في مغامرتها الشيطانية المتهورة،وطيشها وشرها التكويني!.لذا يجب وبالحتم ان تبقى تحت رحمة ووصاية وسيطرة الرجل كتابع قاصر وناقص بنصف عقل ونصف دين!.حاول القديس توما الاكويني في المقابل:اسقاط الطابع الديني عن النواهي والتحريمات المتعلقة بالدورة الشهرية،متسلحا بموقف ومنطق شبه علمي(علموي)-في زمنه-من داخل النظام الفكري والفلسفي الارسطوطاليسي،زاعما ان الطمث في نظره هو :راسب الدماء الناتج عن آخر مراحل الهضم،وهو يستخدم في صنع جسم الجنين،وقد صنعت منه مريم جسد المسيح!.ولكن لم يكن سهلا على المحاكمة المنطقية-مستوى العلوم في تلك الفترة-ان تقوض محرمات ومحظورات ذات اصل ديني،توارثتها الاجيال قرنا بعد قرن.وهكذا ظل رجال الكهنوت والقانون،وحراس الضبط الاجتماعي والديني الذين شرحوا وفسروا مرسوم غراسيانوس يؤكدون طيلة العصور الوسطى على قذارة ودنس وتابو الطمث،مستشهدين غالبا الى كتاب بلينوس"التاريخ الطبيعي"..فدم العادة الشهرية المشحون رمزيا وماديا بالشر والاذى والتلوث حسب اعتقادهم،يمنع النمو والحيوية،ويقتل كل نبات،ويسبب للحديد الصدأ،ويصيب الكلاب بداء الكلب!..الخ من خزعبلات رهاب دم الحيض!.-وهذا الرهاب الحيضي موجود في كل الاديان!-وكنتيجة لذلك كانت كتب الصلاة والادعية تحظر على المرأة تناول القربان المقدس،بل وحتى الدخول الى الكنيسة،عندما تأتيها الدورة الشهرية!.وبسبب هذه التحريمات،منعت النساء بشكل عام من خدمة القداس الالهي،ولمس الكؤوس المقدسة،وتأدية الوظائف الطقوسية!.الخ.وهكذا عمد العصر الوسيط(المسيحي)لعقلنة وتكريس المواقف المناهضة والمعادية للمرأة-دينيا وثقافيا واجتماعيا-والتي ورثها عبر التراكم والتجدد التقليدي. للعقائد السائدة..
لقد اعتبرت ثقافة ودين ذلك العصر وقفا على اكليروس ورهبان عزاب،فلم يكن امامهم سوى تمجيد العذرية ،والحياة اللاجنسية.ومن هنا حدة وشراسة ومهاجمة المرأة،تلك المغوية ربيبة الشيطان وتلميذته!.تلك الساحرة الخبيثة والتي تثير الرهبة خوفا من السقوط بحبائلها الخانقة.ان الخوف المرضي المختل من المرأة هو الذي اجبر ادب الاديرة الديني على صب اللعنات على المفاتن الماكرة والشيطانية لمبعوثة ابليس المفضلة والمخلصة في بث الشرور والخطايا في اجساد وعقول الرجال!...كتب اودن رئيس دير كلوني في القرن العاشر يقول:"ان جمال الجسد لايتخطى حدود البشرة،ولو قدر للرجال ان يشاهدوا ماهو كائن تحت الجلد،فأن رؤية النساء كانت ستسبب لهم الغثيان،ومادمنا نتأبى عن لمس البصاق او البراز،ولو بطرف اصبعنا،فكيف ترانا نبادر الى معانقة كيس الجلة هذا؟"!!-اذا المرأة عبارة عن روث وبراز وطين حضائر تأنف منه حتى اقذر الخنازير!!_..
كان الكهنوت الرهباني،ورغبة منهم في تبرير مواقفهم وعقيدتهم يحاولون اقناع غيرهم من الرجال المسيحيون بالعدول عن فكرة الزواج ومقاطعتها!.وهذا مافعله روجيه دوكان في القرن التاسع والذي كتب قائلا:"صدقني يا اخي،ان الازواج قاطبة في وضع يرثى له،فالمتزوج من امرأة قبيحة يشمئز منها ويكرهها،والمتزوج من امرأة جميلة،يخشى عليها من الماجنين،فالجمال والفضيلة لايتلازمان..ان امرأة كهذه تمنح زوجها احر العناق،واعذب القبل،وتبث السم في قلبه!.ان المرأة لاتهاب شيئا ولايردعها شيء ،فكل شيء مباح في نظرها"!.ان هذا الخطاب السقيم ذو المنطق الاعور الذي يقطر بغضا و كراهية والمبطن بحمى الرهاب النسوي،والقائم على ثنائية ساذجة ومتحاملة بين اسود وابيض،الابيض طبعا هو عالم الرجل،والاسود هو عالم المرأة،يجد صداه وتعبيره الرمزي في ما انتج من منحوتات العصر الوسيط،فهناك تمثالان في شارليو ومتحف موساك تبدو فيهما المرأة وهي تعانق افعى،فيما يلتهم علجوم ضخم فرجها!.والتمثال الذي يمثل رقصة هيروديا في كاتدرائية روان،والمنحوتة الموجودة في كاتدرائية اوسير والتي تبدو فيها شابة تمتطي صهوة تيس!-الركوبة المفضلة للشيطان هو التيس!-.هذه التماثيل الاربعة هي مجرد نقطة في بحر وغيض من فيض ما انتجه الفن والثقافة والدين الذكوري!!.وحتى لانتهم بالتجني والتحامل،ومن اجل تجنب الوقوع في التبسيط والاحادية،نجد ان العصر الوسيط مجد المرأة-لكن ليس كل امرأة طبعا!-من خلال الانثى المقدسة"السيدة العذراء"وخلدها بروائعه الفنية المبدعة والمبهرة،والى جانب ذلك مجد وبارك الحياة الاسرية والحب العائلي-العائلة المقدسة،مثل خارق-.وأعاد الاهتمام بجمال المظهر الشكلي للملامح والوجه،ورفع من مقام المرأة كصورة حية للكمال-البتولي الطاهر-وبتأثير ديني داعم عبر عبادة مريم،وادب الشعراء الجوالين،والذي ترك اثرا ملحوظا،وساهم في تعميق الهوة والتمايز بين النساء بشكل عام ،وبين بعض الشخصيات النسوية الخارقة للمألوف،واللاتي لايمثلن بنات جنسهن بأي شكل من الاشكال فالمعيار كان هو :مدى اقتراب النساء من المثل الاعلى الذي جسدته الام الحزينة.فالافراط في تمجيد العذراء كأم للرب،اقترن بتدنيس وأدانة الجنس كرذيلة مقيتة ونجاسة منحطة،وارتباط سافل بالشيطان!.اما اداب العشق والحب فقد عجزت عن تغيير البنى الثقافية والاعراف الدينية المتزمتة تجاه الجنس،حتى في موطنها الاصلي"اوكوستينا"-وهو الاسم الذي كان يطلق على بعض مقاطعات جنوب فرنسا،المكان الذي راج فيه هذا النوع من الادب-.وكان هذا الادب العشقي ينطوي على مفارقة صارخة.فالحب الطاهر-العذري-كان يعطي المبادرة للنساء،ويشكل نوعا من الانتصار النسوي على عدائية عامة تجاه المرأة،ومن دون تنكر مع ذلك للحياة الجنسية.كما ان التجربة الحية-تجربة العشاق-التي كان يسمح لهم بها الادب الغزلي:بالتعرية الكاملة،والعناق،والقبل،والمداعبات،وان انكر على الرجل الوصول الى الاورجازم-الذروة والقذف-وكان هذا شكلا من التقنية الايروسية المرهفة،وتحبيذا للذة الجنسية بأهمال النزعة السوقية والمعادية للمرأة..ولكن في الوقت الذي كان الحب الغزلي يتسامى،ويقدس امرأة خارقة محددة-ام المسيح-.ويرسم صورة مثالية للانوثة،فقد تخلى بالمقابل عن غالبية افراد"الجنس الثاني"وتركهن لمصيرهن التعس.وهذا مايفسر غنائية فضائل المعشوقة وخضوع العاشق من جانب،والهجوم على الرذائل الانثوية من الجانب الاخر.وهذا مايفسر ايضا-اذا انتقلنا من الحب الغزلي الى الحب الافلاطوني-التناقض العجيب لدى شخص مثل"بترارك"ابو الانسانية كما اطلق عليه!.-فكيف يكون اللاانساني؟!-،الشاعر والعاشق الولهان بحب لورا الملائكية،غير الواقعية،والنافر من هموم الزواج اليومية،والناقم على المرأة الحية التي هي من لحم ودم،والشيطانية الروح!.فهو يقول:"ان المرأة شيطان حقيقي،وعدو السلام،ومصدر التأفف،وسبب المشاحنات،وعلى الرجل ان يبتعد عنها اذا ما اراد ان ينعم براحة البال..ليتزوجوا،اولئك الذين تجذبهم عشرة الزوجة والمعانقة الليلية،وصراخ الاطفال،وعذابات الارق..امانحن، فسوف نعمل ان قدر لنا ذلك على تخليد اسمنا بالموهبة لا بالزواج،بالكتب لابالاولاد،بعون الفضيلة لابعون امرأة"!.هذه العبارات هي خير مثال لتطرف النزعة الذكورية،المزدرية والمتطرفة في الكراهية والخوف من المرأة،والتي تمدنا بالدليل الدامغ والكامل بحق من اعتبر:"اول رجل عصري"في الحضارة الاوربية!.
على ضعف تأثير الحب الغزلي على الثقافة التي رزحت وخضعت لهيمنة الكهنوت والخطاب الديني،يجب التذكير بأنه في عصر بترارك بالذات ازداد وتشعب الخوف من المرأة في اوساط رجال الدين(الاكليروس).ففي السياق التاريخي العام الذي اسفر عن تبلور ظاهرة(الجينوفوبيا) كانت المصائب والنكبات والكوارث من:طاعون،الى انشقاقات الكنيسة،والحروب،والخوف من قرب نهاية العالم،تضرب بفوضاها وتخبطها.واستمر الوضع هذا طيلة ثلاثة قرون.وكانت الاخطار كثيرة منها الداخلي والخارجي.ولكن ابليس وحده كان يقف وراء كل تلك الرزايا والمحن،وطبعا كانت المرأة واحدة من ابرز جنوده!.وفي هذه الاجواء المحمومة،ركز اللاهوتيون والمبشرون،واعضاء محاكم التفتيش على تعبئة كل الطاقات والقوى لمحاربة تلك الهجمة الشيطانية الماحقة.وقد اتسق تشخيص حماة وحراس الدين لتلك المؤامرة الشيطانية مع الجهود المضنية والشاقة في المضي بمزيد من التطرف الاخلاقي الطهري،والصرامة السلوكية،والتزمت الديني.وليس صعبا ان نفهم على ضوء سيكولوجيا اغوار النفس البشرية،كيف تحول الليبيدو المكبوت وبشدة لديهم الى نزعة شديدة العداء وبالغة الشراسة تجاه المرأة!.فهذه الكائنات المسخ،والمحرومة جنسيا،والمتعرضة بأستمرار،وبالضرورة،للتجربة والخطيئة،واغواءات الجسد القاتلة،كل هذه الضغوط تم اسقاطها على المرأة،بعد ما رفضت بمكابرة ماتلمسه كأحاسيس،وتتعرف عليه في رغباتها الدفينة والمنكرة على السطح!..
لقد خلق الكهنوت الكنسي اكباش محرقة راحت تصب عليها:الادانة،والاحتقار،والبغض،بديلا منعكسا لمسوخ وظلمة الداخل!.ومع ظهور اخوية الشحاذين في القرن الثالث عشر،وحركة الاصلاح الديني الكاثوليكية والبروتستانتية،تمادت الخطب والمواعظ في نشر وتوطيد تلك العدائية ضد المرأة عملا بقاعدة لاهوتية تقول:"ان المرأة منذورة للشر"!.لذلك يجب الاحتياط منها بشتى الوسائل والسبل،-اليست المرأة ناقصة عقل ودين،كما في الاسلام!-وتوجيهها نحو الاهتمامات والاعمال المستقيمة،والحرص على مراقبتها ومتابعتها،والا فأن الشيطان سيمتطيها ويقودها لتحقيق اغراضه الخبيثة والشريرة!.لنقرأ تلك الخطبة الدينية التي القاها القديس برناردان دوسين:"هل هناك حاجة الى كنس البيت؟.اجل..اذا اجعلها تكنسه.هل هناك اواني تحتاج الى الغسل؟.اجعلها تغسلها.هل هناك حاجة الى النخل؟.اجعلها تنخل بحق السماء-اي الزوجة.م.ا-لالأن الحاجة تقضي بذلك،بل لاعطاها عملا،اجعلها تسهر على الاطفال،وتغسل احفظتهم.فأن لم تعودها على النهوض بالاعمال البيتية كافة،تحولت الى جسد تسكنه الرغبات ،لاتترك لها فرصة للراحة،هذا مااقوله لك،فما دمت تحاصرها بالمهام والاعمال،فلن تجد فرصة للوقوف على الشرفة ولن تنتاب مخيلتها الافكار الماجنة"!!!.وهنا نقول:هل هناك اوضح وافصح من هذا الخطاب المسموم كدليل على قمع المرأة كأنسان،واتخاذها مجرد رقيقة بلا حقوق،تعمل ليلا ونهارا،دون فسحة من الراحة او التمتع بالحياة.فالفساد كل الفساد،ومصيبة المصائب،ان تترك المرأة لحظة واحدة لتفكر او تحلم او تتخيل او تعيش.فأن الشيطان بالمرصاد وجاهز للدخول فيها وافسادها لو منحت تلك البرهة من الفراغ!!!..ويستمر مسلسل أبلسة المرأة بلاقطع او هوادة.فهي-اي المرأة-:"شيطان في المنزل"!.وعلى الرجل ان لايتردد ابدا في ضرب الزوجة المتمردة!.-افليس لها سبع طبقات من الجلد؟!-زودها الله الرؤوف بهذه الطيات من الجلد حتى تحتمل الضرب من بعلها!-...ومن صفاتها (الطبيعية )بشكل عام ايضا:انها خائنة بالسليقة!.ومغرورة بنفسها،وبؤرة للرذيلة ونارها،وهي الغاوية والطعم الذي يعده ابليس ليصطاد به ابناء الجنس الآخر الابرياء الاغرار،ليمضي بهم الى الجحيم!.حول مثل هذه الافكار والتصورات والمخيال البائس نسجت عقدة (الانثى الغولة)والتي دارت وتمحورت حولها،مواعظ وخطب وتوجيهات وتحذيرات الكهنوت الديني طيلة قرون.ف:"الجمال عند المرأة سبب لآفات لاتحصى"و"ذيل الفساتين الطويلة،يستكمل اوجه الشبه بين المرأة والبهيمة"!.و"العقود الثمينة والسلاسل الذهبية الموثقة بأحكام الى جيدها"تشير الى"ان الشيطان يقبض عليها بأحكام ويجرها معه،موثوقة ومربوطة"!.والنسوة ايضا تستهويهن مطالعة"الكتب البذيئة التي تتحدث عن الحب الآثم وعن المتع الجنسية بدلا من ان يطالعن في كتاب الضمير والتعبد"!.وهكذا نرى دائما كيف جرى مسخ انسانية المرأة بأصرار،وبمنتهى القسوة والتطرف.فلم تكن المواعظ وسيلة لنشر المسيحية فحسب.بل كانت خطابا رهابيا مريضا،كرس بلا ملل توطيد الشعور،وبالتالي اللاشعور:الخوف،والنفور،والخطر،والسلامة بأجتناب المرأة والنأي عنها بداية من القرن الثالث عشر.وماكان في مفتتح القرون الوسطى نهجا للرهبان،والحياة في الاديرة والصوامع،اصبح نظاما ونهجا مع التوسع المتصاعد،والقواعد التي تهدف اليها تلك الوعظيات والتوجيهات،كأنذار مذعور متشنج،موجها للكنيسة برمتها،ودعوة لها لاسقاط كل تمييز بين حياة الاكليروس،والعلمانيين.بين الجنس والخطيئة،وبين حواء وابليس!!!.
فألابحاث والادبيات المكتوبة للرهبان والمبشرين والوعاظ ومراقبوا وموجهوا الضمائر مترعة ب"رذائل وسيئات" المرأة التي لاتعد ولاتحصى،تدعمها:الاستشهادات والمقتبسات الكثيرة من النصوص الدينية:سفر الامثال،القديس بولس،آباء الكنيسة،والقديسون،الخ من النصوص الثانية للاتباع.واجتزاء شذرات من تلك النصوص،مقطوعة او مسلوخة ،بل وخارج سياقها الظرفي والزمني العام،ومنتقاة بعناية،وبعقلية متزمتة ومنحازة بوعي او لاوعي ضد المرأة،انحيازا صارما وسافرا ومطلقا!.تؤكد بوضوح على عداء وكراهية رجال الدين للمرأة،ودعوة للجهاد المقدس ضد حليفة الشيطان وربيبته!.فالاتهام والادانة،ودون اي مجال للدفاع او المراجعة هو الحكم الصادر بلا نقض بتجريم الجنس الملعون(المرأة).فالمرأة لاتنصف كشريكة،بتقاسمها لرذائل الرجل-يبدو ان الرجل بريء من الرذائل!-بل تتفوق عليه برذائلها الخاصة والكثيرة،والتي حددتها الكتابات المقدسة بجلاء:"كلامها نفاق،انها مخاتلة،انها المكر متجسدا،وما من مكر او فسق الا وهي مصدره،وانها ثرثارة ولاسيما في الكنيسة،كثيرا ما يركبها الجنون فتقدم على قتل اطفالها،فاسدة لاينفع معها اي تأديب او اصلاح"!.
كل مادون او قيل ماهو الا مزج وخلاصة لاتهامات لاهوتية:الخوف الميتافيزيقي والرهاب المزمن من المرأة،استبدادية المجتمعات البطرياركية وتحكمها في الثقافة السائدة،كبرياء وغرور،والطهرانية الزائفة لرجال الدين الذكور.وكل تلك السهام المسمومة الموجهة ،باصبع الادانة والخطيئة بحق حواء-الانثى،فهي:"أم الخطيئة"التي بدأت بفعلها المتمرد على التحريم الالهي،الذي اورثته لذريتها البائسة:"الخروج من الجنة".وومايترتب على ذلك اذا:هو ان المرأ’:"اداة الشيطان"و"انتهاك لكل ناموس".ومصدر اللعنة والضياع والهلاك الابدي!.انها:"هوة عميقة"و"بئر ضيقة"و"انها تقتل من ضللتهم"و"سهم لحظها ينفذ الى قلب ابسل الباسلين".وقلبها:"شباك صياد".وهي"الموت الزؤوام"!.وبسببها حكم علينا بالموت!.وانها تجتذب الرجال بغواية مفاتنها الخادعة وتقودهم لهاوية الشبق المميتة!.والحال كما نرى،ان:"مامن قذارة الا ويقود اليها الفسق والشبق"!.ومن اجل اغواء الرجل تتبرج وتتعطر وتتخضب،بل تذهب الى حد تغطية رأسها بشعر الاموات!.لكنها فاسقة في اعماقها وحقيقتها،فهي تمثل بميلها للرفض،لتزيد من سعير نار الرغبة!.وهي:"تقلب الخير الى شر"و"الطبيعة الى نقيضها".وخصوصا في المضمار الجنسي،فهو لعبتها المتقنة.وهي ايضا فاحشة في دنسها واهوائها:"تضاجع البهائم"!.وتركب الرجل في الممارسة الجنسية(وهذه الرذيلة هي التي تسببت بحصول الطوفان)!.-حتما اغضب الله ان تعتلي هي الرجل وتنكحه!_.وايضا توافق زوجها على فعل الجنس بتقليد اسلوب الحيوانات!.وسرعان ماتقدم النسوة على ممارسة الجنس عقب قترة وجيزة من انجابهن اطفالهن،او في فترة الحيض!.وثمة منهن:"عرافات زنديقات"ويصبن بالعين واللعنة!.وبعضهن من"المغرقات بالاجرام"و"يقطعن النسل بلجوئهن الى السحر"والى"الرقية المؤذية والى فنون ابليس"!.وهن يحكمن على ضحاياهن بالعقم،عن طريق استخدام الاعشاب،وعظام الموتى،والتراكيب السحرية!.و"كثيرا ما يخنقن،نتيجة اهمالهن،وقلة احترازهن،الاطفال الصغار الراقدين الى جانبهن في اسرتهن،وكثيرا مايقتلنهم في نوبات الجنون!.وايضا يساهمن في تيسير علاقات الزنى،اما بدفع العذارى الى الدعارة،او بمساعدتهن لفتاة اقامت علاقات جنسية غير شرعية على الاجهاض".و:"ان المرأة خادمة عبادة الاوثان"وهي"تدفع الرجل الى الفساد والبغي وتخرجه من دينه"!.،وتسفر عن نفس النتائج وهي:غياب العقل والارادة!.فمن يستسلم للذات الجسد يشيد معبدا لوثن،ويهجر الاله الحق ليعبد آلهه شيطانية!.وهذا مافعله سليمان الملك الحكيم الذي كانت له سبعون زوجة:"وقد رفعهن جميعا الى مصاف الملكات"وثلاثمائة محظية،وقد ذهب في ضياعه وكفره الى حد تقديم الذبائح للاصنام التي كن يعبدنها:عشتار،تموز،مولوخ،الخ..وعلى خطى سليمان يسير المسيحيون الضالين عندما يضاجعوا نساء من غير دينهم!..
يمكننا ان نجمع كم هائل من الرذائل والمزايا السلبية المثقلة بالادانات والتفحيش والتفسيق والشيطنة التي صبت على رأس المرأة لتصبح موسوعة ضخمة متخمة بالتنديد الابدي:"حمقاء،متقلبه،ثرثارة،جاهلة،تريد كل شيء دفعة واحدة،وتحب الشجار،سريعة الغضب،وليس هناك من يفوق غضبها حدة،حسودة،تحب تعاطي الخمرة ولكنها لاتحتملها،وما من منظر اقبح من امرأة ثملة"!..وهنا وبعد هذا السيل المدرار من القذارة والشرور،الا يحق لنا ان نسأل سؤالا منطقيا لظالمي المرأة:اذا كانت المرأة فعلا وحقا على هذه الصورة المنفرة بل المقززة،والقاتمة والمخيفة واللاانسانية،فعلام اوجدها الاله ؟!.فما كان جديرا بالرب ان يخلقها لو كان يملك ذرة من عقل او منطق،وهي اصل الشرور كما جرى تقديمها ووصفها في اغلب الاديان؟!.وحتى مايستجد من التغيير المادي العلمي لايؤثر الابنسبة طفيفة وبطء على المستوى الثقافي،ولم تحدث القطيعة الا بعد قرون.فقد كان هناك سدا ايديولوجيا يمنع تحقيق تلك القطيعة،والخروج من الشبكة الثقافية التقليدية الثقيلة يعتبر نوعا من المروق المرفوض،نظرا للطابع الديني-الثقافي للقيم الاجتماعية المتجذرة.فعندما يجد الذكر نفسه في مجتمع معادي للمرأة،فمن الحتمي ان ينشأ مطبوعا وطابعا لاعادة انتاج الخوف من المرأة مهما بلغ من تحصيل علمي: فلاسفة،لاهوتيون،اطباء،قضاة،فنانون، ادباء،الخ..
فلم تقتصر المواقف العدائية والمنحازة ضد الجندر النسوي على رجال الدين،والتعاليم الكهنوتية.بل كان سمة اجتماعية للبنية الثقافية السائدة والمتجددة.فقد استطالت وشملت :التشريع وسن القوانين،وامتدت الى الادب والفن،وعلوم الطب،وغيرها من حقول.فعلى سبيل المثال:كان الاطباء يؤكدون
ومرددين كالببغاوات مايقوله الفكر الديني واللاهوت عن دونية ونقص المرأة البنيوي،بايولوجيا وسايكولوجيا.هذه التصورات كانت قديمة ومتوارثة،ولكنهم-الاطباء-تبنوها ونشروها كحقائق ومسلمات لترسيخ الثقافة السائدة.:"فالجنس الانثوي خائرا في مواجهة الشيطان بسبب مزاجه"!.وان المرأة:"كئيبة"!"معتوهة"!"ضعيفة"!"مائعة"!.وان طبيعتها:"غبية"!و"عاجزة"!."لهذا السبب تردد افلاطون بصدد ضعف النساء،واحتار اين يضعهن:افي عداد البشر،ام في عداد البهائم"؟؟!!لماذا ينظر الى الجنس الآخر على انه"عاجز"او معاق؟!.والجواب العلمي الطبي المزعوم يقول:"لان حرارة المرأة دون حرارة الرجل،وان موادها السائلة اكثر برودة وميوعة من مواد الرجل واقل منها جفافا"!.لذلك فأنها "لاترتقي الى كمال افعال الرجل"!.واذا كانت اعضاء المرأة الجنسية قد وجهت الى الداخل كتجويف وانبعاج،فذلك مرده الى"غباء"الطبيعة التي عجزت"عن طرحها وقذفها الى الخارج كما فعلت مع اعضاء الرجل"!!.وكتفسير(علمي) لنوع الجنين ،ووصف الانجاب،ف:"المني الاخف والاكثر حرارة بولد الطفل،في حين ان المني الاكثر لزوجة وبرودة يولد الطفلة"!.ولان:"اللزوجة اقل فعالية من الجفاف..فأن الانثى تتأخر في تكوينها عن الذكر"!."فالله ينفخ الروح في الصبي بعد اربعين يوما،وفي البنت بعد خمسن يوما"!.فمن التجربة-المزعومة-نجد البرهان على:"ان الطفل الذكر افضل حالا واكثر كمالا من الطفلة"!.والمرأة التي تحمل بالذكر:"تكون اكثر نشاطا وعافية طيلة فترة حملها فوجهها يكون اكثر نضارة،وبشرتها اكثر صفاء من المرأة الحامل بأنثى!.وهي علاوة على ذلك تميل الى حمل جنينها الى الجهة البمنى،الجهة الاكثر نبلا في جسم الانسان"!.ف"الرحم هو اشبه مايكون بحقل،فالارض الرطبة اكثر مما ينبغي تحول حبة القمح او الشعير الى زوان او شوفان عقيم"!.وهكذا:"ينمسخ السائل المنوي القادر على صنع الذكر،الى انثى،بفعل برودة الرحم ورطوبته،وبفعل فيض دماء العادة الشهرية النيء والعسير الهضم"!!.هذا الفيض من الهراء العلمي والترهات المعرفية،والتي تعكس الغباء والسذاجة والجهل الفسيولوجي لعملية التناسل وتكاملها بين الرجل والمرأة.،وبايولوجية تكوين الجنين الخليوي من حويمن وبويضة،كان يدعم الاعتقادات الشعبية والدينية،وايضا يستبطنها وبتمثلها كحقائق ومسلمات ثابتة ترددها النخبة الطبية في تلك الفترة.وهذه الصورة المضحكة للمرأة التي رسمها اطباء عصر النهضة ،واختزلتها الى مجرد:"ذكر مشوه وناقص"!.فهي الزوان والشوفان العقيم،في حين ان الرجل هو القمح والشعير"!.هذا قدر المرأة الابدي،لان الطبيعة صنعتها بغباء واعتباط،وجعلت منها اقل مرتبة ومكانة جسديا ونفسيا وبأشواط من الرجل!..ودعم التشريع الى جانب الدين والعلم هذه النظرة المحطة من طبيعة المرأة وللنيل منها بالحجج القاطعة على هذا النقص.فالفقهاء والمشرعون لم يتوانوا عن الاستشهاد واستخدام النصوص الدينية والفلسفية،والقوانين القديمة من لاهوت وعرف وثقافة،واقروا بشكل باتر انحطاط ودونية المرأة بدنا وعقلا.وكانت شرائعهم مبجلة كالنصوص المقدسة،فقد كانوا يمثلون السلطة الثالثة في تلك الازمنة.فالنساء:"اصغر عقلا واقل رشدا من الرجال"!.لذلك:"لايمكن ان يكن موضع ثقة"!.فهن ثرثارات وخاصة العاهرات والعجائز!.ولايجوز ائتمانهن على سر:"فهذا اقوى منهن".واذا ما احسسن بالغيرة ارتكبن اشنع الجرائم كقتل ازواجهن او اولادهن،ولكون المرأة اقل مقاومة للاغراء فيجب عليها تجنب ذوي السمعة السيئة واحاديث الخلاعة والالعاب والرسوم الاباحية،وان تكون المرأة متحفظة"من باب الحشمة"وان تتجنب البطالة،وان تلوذ بالصمت.ف"المرأ’ة حيوان متقلب،متبدل،متلون،طائش،عاجز عن كتمان السر".وايضا:"ناقصة،ضعيفة،قاصرة جسديا وعقليا"!.فهل بقى من شيء في قواميس اللغة من نعوت واوصاف سلبية ومحقرة لم تلصق بالمرأة؟!..يقول ريشوليو في وصيته السياسية :"مادام العالم قد ضاع بسبب امرأة،فما من خطر يهدد الدول كخطر هذا الجنس،عندما يقدر له الهيمنة على من يحكمه،فهو يتحكم بالقيميين على شؤون الناس وفق اهوائه،ويدفع الى مافيه الضرر والشر،لان افضل افكار النساء،تظل افكارا شريرة"!!..(المرأة) ببساطةهي:الشر المحض،ويجب لجم هذا الشر،والسيطرة عليه فقط. فوجوده ضروري ولابد منه لبقاء الجنس البشري لاغير!!!..ولكن،تبقى اقسى الاحكام والمواقف المحرضة التي استهدفت المرأة،هو ماتعرضت له بقسوة من قبل الذين بحثوا في ما اطلق عليه:ب"الابليسيات"satanistsوكانواعونا لقضاة محاكم التفتيش في تبرير ممارساتهم الشنيعة والبربرية ضد النساء اللاتي اتهمن بالسحر الشيطاني،ووفروا لهم الاسباب المقنعة لتحقيقاتهم وتفتيش الضمائر بحثا عن الساحرات.فمقابل ساحر واحد من الرجال كان يقابله عشر من الساحرات!.وفسروا هذا التفاوت بين السحرة والساحرات،بأن:"الجنس الانثوي أكثر ميلا الى السقوط في اضاليل الشيطان"!.و"ان يكون عدد الساحرات أكبر بكثير من عدد السحرة،لان الجنس الانثوي جنس ضعيف ينساق بسهولة اكبر الى الاغواء الشيطاني،جنس يهيم بالعواطف الحادة والصاخبة"!.وقد ارسلت غالبية النسوة المتهمات بممارسة السحر الى المحرقة!.اما الفكر الفلسفي والنتاج الادبي المعادي والكاره للمرأة،فالقائمة تطول والحديث يتشعب قديما وحديثا.فمن:المرأة كمصدر للشر!(سقراط).والمرأة:مرض!(ابقراط).والمرأة:اسوء الكوارث!(ارستوفان).الى استعلائية وكراهية(هيجل)والطاعة الاستعبادية(شوبنهاور).وسوط(نيتشه)الذي يجب ان لاينساه الرجل وهو يدخل على المرأة!.ورغبة(شكسبير)بترويضها!.وذكورية(همنغواي)القاسية تجاه المرأة!.والكثير الكثير.حتى (سيمون دو بوفوار)الفيلسوفة الوجودية المتحررة،كان يقبع في داخلها شبح المرأة التقليدية،ورغبتها بأن تطبخ وتكنس وتغسل الصحون،كما ورد من رسالة لها الى حبيبها آلغرين!.فاغلب مادون عن المرأة دأب على ابراز عيوبها ،وتحقير الزواج،ودنس العلاقات الجنسية كخطيئة مميتة.فثقافة العداء والخوف من المرأة كانت تنهل من الخطابات الرسمسة للهيآت والموسسات المهيمنة والمنتجة لايديولوجيات تلك الفترة.وخاصة المحاجات اللاهوتية المصدر،والثقافة التقليدية الموروثة.وتردد انعكاس ذلك وصداه في المدونات الادبية بنفس النعوت التحقيرية،والماسة بكيان المرأة الانساني.وجرى لصق ومماهاة كل المفاسد والشرور والآثام كتجسيد لها،وتحميل كل الرذائل والقباحات بعاتقها فهي سبب الفوضى الكونية وآس السقوط.وليس هناك من أمرأة تتصف بالعفة والصلاح!.انها الجنس المدنس والغارق في وحل الخطيئة والشر!.
راج الادب المناهض للمرأة رواجا كبيرا،واستقبل هجاءها الادبي بترحاب وتبني.فأصبحت نصوص من هذا النتاج امثالا متداولة بين الناس.فقد اعتبرت المرأة وشبهت بالحصان!.فهو يحتاج لمهماز حاضر سواء اكان هادئا ام جامحا.وكذلك المرأة:أكانت صالحة او طالحة،فهي ايضا تحتاج العصا او سوط نيتشه دائما!.ومن الامثال الادبية الشائعة:"قل للمرأة مرة واحدة انها جميلة،فيردد لها الشيطان هذا الكلام عشرات المرات"!.و"النساء ملائكة في الكنيسة،شياطين في البيت،وقرود في السرير"!.لقد اقترن احتقار المرأة بعداء سافر وحقيقي،وخوف مرضي هستيري من جنس ممسوس عد مخادعا وشريرا وخطاء،ولاسبيل لتقويمه او اصلاحه.ف"قلب المرأة يخدع العالم لان الشر فيه يطفح"!.و"للمرأة والخمرة سمومهما"!.و"المرأة اصل البلية فكل شر يأتي منها"!.و"عين المرأة عنكبوت"!.فهل بعد هذا التوصيف المطبوع بالتسفيل مايثير استغرابنا ودهشتنا للكم الهائل من النساء اللاتي كن وقودا لنار المحرقة؟!.ف"ان الحزن على المرأة الميتة لايتخطى عتبة البيت"!.و"عندما يرضى الله عن عبده يخلصه من زوجته"!..
.اما فن التصوير والرسوم فقد اتسمت بألتأرجح والمراوحة مابين صورتان متناقضتان عن المرأة احدهما:مثلنت المرأة والاخرى شيطنتها وكثفت وابرزت دونيتها وسلبيتها المفترضة.ففي جانب الاشادة المثالية الموجبة:كانت المرأة بصفتها ربة بيت،رفيقة الزوج العطوف،ام ابنائه.وفي بعض الرسوم عن آدم وحواء صورت الامومة على انها "المرادف الانثوي للعمل الذكوري".فحواء تبدو مضطجعة الى جانب صغيرها،فيما آدم يفلح الارض!.وهناك صور:لنسوة حاصدات،ولاقطات،وراعيات.تبرز دور المرأة الشغيلة ودورها في العمل والانتاج الزراعي الى جانب رفيقها الرجل.وهي التي:تغزل،وتحيك،وتجلب الماء من النهر،وتطبخ،وترعى صغارها،وتعتني بالمرضى،وتجهز الموتى للدفن.ولكن كل هذا كان يضع المرأة في مرتبة ثانوية وفي ظل سيدها الرجل!.صحيح انه كان هناك بعض الايقونات من العصور القديمة تجسد افكارا ارقى في النظر الى المرأة،ك:العفة،الحقيقة،الطبيعة،الجلال،الدين،الحكمة،القوة،عناصر الطبيعة والجهات الاربع.الا ان بعض تلك الصور الرمزية كانت تجسيدا مثاليا كمريم العذراء،وهي النموذج النسوي الاستلهامي وهو نقيض لحواءّ.فهذه الكائنات المتعالية والسامية لم تكن تؤدي الوظائف الانثوية المألوفة والدنيوية،وبالتالي لاتندرج في عداد النساء المحكوم عليهن باللعنة..
وهناك ايضا الرسوم التي نهلت مخيلتها من الخرافات والفولكلور والحكايات الشعبية،ومن الصور الدينية،كرؤى يوحنا عن نهاية العالم والجحيم المرعب،وضياع الرجل وسقوطه في حبائل المرأة الجميلة والغاوية.نموذج المرأة الشريرة هو(ميديا)التي غررت ب اياسون واعدت الشراب السحري لوالده ايون،والتي قتلت اولادها،وهي ايضا (سيرسه )التي مسخت رفاق يوليسيس الى خنازير.وقد صور الرسامين المرأة كعجوز شمطاء دميمة مجسدة للرذيلة وقرين للشيطان،والتي كانت تثير الخوف والفزع ابان عصر النهضة.فهي ليست صورة الشر فقط بل والموت ايضا.وتفنن حتى الشعراء بنصوصهم في منح المرأة ابشع واخس واقبح الصفات.فهي:"مومياء تتنفس"!.و"تفوح من فمها رائحة كريهة تجعل الهررة تعطس"!.و"هيكل من الجلد والعظام"1."و"صورة حية عن الموت،وصورة ميتة عن الحياة"!.و"شبح يجعل الخوف يخاف والرعب يرتعب"!.وهكذا نجد اغلب الثقافات والاديان التي عاشت هاجس نهاية العالم والحياة الاخرى،والخوف من الشيطان وزبانيته.قد اعطت بعدا جديدا للخوف الازلي من (الجنس الثاني)وصلبت المرأة على لوح الشك،وجعلت منها عنوانا للريبة والغموض،فأمست كائنا خطرا موبوء بالمفاسد والدناءة.لذلك لم يتركوا لنا سوى صورة خرافية و كالحة مسودة عن المرأة.ولازالت رواسب وتداعيات تلك النظرة قابعة في اللاوعي الجمعي في اغلب المجتمعات الحديثة،حيث اصبحت جزءا من البنية السايكولوجية الذكورية،وتمثلتها المرأة بلاوعيها كصورة قاتمة تكرهها هي ايضا.مع ان الامر بكل بساطة:ان المرأة لاتختلف عن الرجل في شيء سوى الاختلاف الفيزيولوجي،وهذا موجود ومعروف في كل العالم الحيواني.فليس المرأة بأفضل من الرجل او اسوء منه،فكلاهما يكملان بعضهما،وليس هناك من مبرر ابدا لوضع المرأة في المرتبة الثانية او اقل من الرجل انسانيا.فهذا ماكرسته تقسيمات العمل والانظمة الطبقية والثقافة الذكورية البطرياركية والاديان القامعة للاناث.
ومن النافل ان نقول ان انعتاق المرأة من كل اشكال العبودية والقهروالصورة الوهمية القارة في عقول ولاشعور الرجال سيبقى طوباويا ما لم تتغير جذريا جميع الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية والثقافية والسايكولوجية بأتجاه المساواة الكاملة،ودمقرطة الجنسانية وكسر كل القيود التي تكبلها،وكنس كل الهراء والقمامة الايديولوجية والثقافية والدينية.وان ينسلخ الرجل من هويته المتحجرة ك(رجل)وايضا كذلك بالنسبة للمرأة وان يفكرا بكينونتهما الانسانية كقطبان يكمل احدهما الاخر كذكر وانثى من اجل البقاء والعيش معا دون ضغائن او خوف او تمييز او
تفاوت،لكن الدرب سيكون طويلا ووعرا لتحقيق ذلك......
.................................................................................
/كل ماورد في المقال من اقتباسات محصورة بين قوسين او شرطتين مزدوجتين هي من بحث بعنوان:(الخوف من المرأة في الغرب)لاستاذ التاريخ في السوربون جان ديلمو/.

وعلى الاخاء نلتقي...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(10).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(9).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(8).
- لينين-روزا لوكسمبورغ..واختلافهما حول موضوعة-حق تقرير المصير- ...
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(7).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(6).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(5).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(4).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(3).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(2).
- فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(1).
- تأملات في نص خلافي/الفاتحة نموذجا....(كامل).
- تأملات في نص خلافي/الفاتحة نموذجا(4).
- تأملات في نص خلافي/الفاتحة نموذجا(3).
- تأملات في نص خلافي/الفاتحة نموذجا(2).
- تأملات في نص خلافي/الفاتحة نموذجا(1).
- قراءة في كتاب/فكر العالم،سيرة حياة ماركس..
- ارادة الموت/قرار واختيار،ام تخاذل وفرار؟!.
- الذكرى98على رحيل شهيدة الثورة الشيوعية الخالدة /روزا لوكسمبو ...
- المقال الكامل/لقراءة(سورة)الكافرون.


المزيد.....




- مجلس المرأة العربية يكرم وزيرة موريتانية ب -درع التميز-
- بوتين لا يستبعد فوز امرأة في الانتخابات الروسية المقبلة
- موقع مصري شهير يعتذر عن نشر -مقال- يسيء للمرأة الروسية
- شاهد.. مسلحون يسرقون سيارة بالقوة من امرأة ورضيعها
- امرأة تحرم رونالدو من رقم صعب!
- وزيرة الخارجية أيضاً لم تفلت من التحرش الجنسي
- جنوب إفريقيا: نائبة سابقة في البرلمان تتهم رئيس اتحاد الكرة ...
- من يحدد سقف طموحات المرأة في المجتمعات العربية؟
- دورات في التمثيل لمساعدة المراهقين على حماية النساء من التحر ...
- معادلة الأرض تربح على المدرسة عند -امرأة الزبداني- (صور)


المزيد.....

- حول تحرير المرأة / أڤيڤا وﺇهود
- المرأة: الواقع الحقوقي / الآفاق..... / محمد الحنفي
- المرأة والفلسفة / ذياب فهد الطائي
- النسوية الإسلامية: حركة نسوية جديدة أم استراتيجيا نسائية لني ... / آمال قرامي
- حروب الإجهاض / جوديث أور
- تحدي النسوية في سوريا: بين العزلة والانسانوية / خلود سابا
- تحرير المرأة لن يكون إلا في الإشتراكية / الحزب الشيوعي الثوري - مصر
- الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار / لجين اليماني
- الماركسية والمدارس النسوية / تاج السر عثمان
- المرأة والسُلطة: قوانين تساعد النساء وقوانين تضرهن / أميرة المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - ماجد الشمري - فوبيا المرأة في الثقافات والاديان!(كامل).