أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين شاويش - ما بعد بعد الحداثة، أو كيف تقفز على الحصان لتقع خلفه؟















المزيد.....

ما بعد بعد الحداثة، أو كيف تقفز على الحصان لتقع خلفه؟


حسين شاويش
الحوار المتمدن-العدد: 5603 - 2017 / 8 / 7 - 15:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مابعد بعد الحداثة
أو: كيف تقفز على الحصان لتقع خلفه؟


ليس التشابه بين عنوان هذا المقال وبين التعبير المعروف لنصر الله صدفة، لا سيّما أنهما تشابها بالمصائر. فكما تحوّلت أهداف "السيّد" من "ما بعد بعد حيفا" إلى "ما بعد بعد دمشق"، وهو ما يعني في الواقع الفعلي "ماقبل قبل حيفا" تحوّل تنظير الكثير من مفكّرينا وصحفيّينا (هل هناك أي فرق بين هاتين الفئتين؟) من "مابعد بعد الحداثة" إلى ما قبل قبلها.
وسألخّص أطروحتي قبل الولوج بالتفاصيل، إذ في الوقت الذي يبدو فيه إنتقال كتّابنا إلى استخدام التصنيفات الطائفية كأساس لتحليلاتهم معتبرين أنهم يحفرون عمّا كان "مسكوتاً عنه" متناغماً تماماً مع "مابعد الحداثة" التي جوهرها استخدام مطرقة "التفكيك" وصولاً الى "عالم بلا مركز" ومتعدّد الثقافات، فإنّهم بذلك ينكصون إلى أسوأ أشكال الميتافيزيقا، أي الكابوس ذاته الذي أقضّ مضجع صاحب فلسفة التفكيك، دريدا، وأسلافه وصولاً الى نيتشه وجعلهم يبحثون عن أي وسيلة تسدّ عليه الطريق إلى رؤوسهم.
ولعل سلاسة الانتقال من المفهوم الفلسفي "الاختلاف" إلى المفهوم السياسي "التعدّد" ثم الى المفهوم الاجتماعي شبه الأنثروبولوجي "المجتمع متعدّد الهويّات والطوائف" هي الفخّ الذي وقع فيه هؤلاء، سواءٌ بوعي أو بدونه، وهي حالة من يستبدل الوعي بالنوايا الحسنة، بلاط الجحيم المعروف. وسيكتشفون بعد أن يهبطوا على بلاط جهنّم إياه أنّهم بدأوا ب"الاختلاف" لينتهوا بعكسه تماماً أي "الهويّة" وهي ليست أساس كل ميتافيزيقا فحسب، بل وكل الجرائم ضد الإنسانية أيضاً وليس تعبير "هويّات قاتلة" مجرّد فشّة خلق لكاتب روائي هو أمين معلوف كما نعلم.
غير أنّ استقرار مفهوم الهويّات، بما فيها تلك "الهويّات القاتلة" كالطائفية والقبلية، واقترانه بما بعد الحداثة بشكل شبه بديهي، كما يدلّ عنوان كتاب الغذامي "القبيلة والقبائلية أو هويّات ما بعد الحداثة" الصادر عام 2009 مثلاً، هذا الاستقرار يحتاج إلى المزيد من الدراسة. لأن ما يدعى "مابعد الحداثة" هو أبعد الأمور عن كل من البداهة والانسجام المفاهيمي، لكنّ تيّاره جرف معه الجميع بما فيهم أعداء ألدّاء لفلاسفته، أو هكذا كان يفترض أن يكونوا. وهذا هو حال صادق جلال العظم مثلاً.
فعندما تُذكر الميتافيزيقا لقارئ العربية سيتذكّر بلا شك كاتباً معيّناً كرّس جهداً جبّاراً في الحرب على المثالية جعله يستعرض في كتابه "دفاعاً عن المادّية والتاريخ" تاريخ الفلسفة الحديثة كاملاً ليطهّره منها. وأعتقد أن كل من قرأ ذلك الكتاب قد خرج بانطباعي نفسه، أي أن المؤلّف يشبه امرأة مهووسة بالنظافة تصرّعلى طرد أي ذرّة غبار عن قطع الأثاث بحيث أنّها كلّما انتهت من التنظيف تعود الى القطعة الأولى لأن شيئاً من الغبار قد عاد إليها خلال ذلك. وذلك في الوقت (1990) الذي كان فيه ذلك الأثاث (أي الفكر الماركسي) قد شبع اهتراءً وكل ما يلزمه في الواقع هو التجديد الكامل لا طرد الغبار عنه فحسب، حتى ولو بإصرار أستاذ بحزم وعزم العظم. فحتّى أولئك الذين حاولوا تجديداً ما للماركسية، سواء من اليمين لاعتمادهم على هيغل (لوكاش) أو من اليسار (ألتوسير، لتبنّيه بنوية مبالغة في تسييس الصراع الطبقي) لم ينجوا من لسانه فاعتبر كل جديدهما لوثة مثاليّة ببساطة، بالإضافة إلى تهم أخفّ كعدم فهم العلم وتاريخه مثلاً...الخ. إذن فنحن مع العظم أمام فيلسوف يكاد يكون الوحيد في العالم الذي ظل مخلصاً للمادّية التاريخية الصافية وبشدّة تجعل من الصعب تصديق أنّه هو الشخص نفسه الذي سيصف الحرب الأهلية اللبنانية بالكلمات التالية: " كانت الحرب أهلية في لبنان لأن الطوائف الرئيسية في البلد تسلحت لتحارب بعضها البعض الآخر في صراع على السلطة والثروة والموارد، فيما وقفت الدولة اللبنانية على الهامش عاجزة عن فعل أي شيء بالنسبة للنزاع المسلح بين مكونات المجتمع اللبناني وطوائفه الدينية." –نقلاً عن موقع "جدلية" المذكور في قائمة المراجع أدناه-.
وقد قال ذلك في معرض المقارنة مع الثورة السورية لينفي عنها صفة الحرب الأهلية مؤكّداً أنّه لا يرى أن الطوائف السورية في حالة صراع يؤهلها للدخول في حرب أهلية. لكنّه يؤكد في أكثر من موقع تشخيصه للنظام السوري على أنّه "نظام أقلّوي" لا بالمعنى الماركسي، حيث الدولة دائماً "أقلّوية" بمعنى تمثيلها لمصالح الطبقة السائدة التي هي طبعاً أقلّية (ومن هنا جاءت كلمة أوغارشية أصلاً)، ولكن بمعنى الأقلية العلوية تحديداً. غير أنّه في مكان آخر يجعل هذه الأقلّية العلوية مجرّد فريق من "المجمع العسكري-التجاري" (Merchant-Military Complex) –وفق تسميته- الذي يحكم سوريا، وهو الفريق ذو المهام العسكرية-الأمنية ويتقاسم معه السلطة فريق آخر مهامّه تجارية "بزنسية" يهيمن عليه السنّة. وهذان الفريقان " يكرهان ويبغضان ويحتقران بعضهما بعضاً إلى مالا نهاية" وفق تعبير العظم. لكنّ هذا التحليل شبه الطبقي لا يستمر كثيراً ليدخل في تفسير ما حدث في ربيع 2011، بل نكاد في بعض المواضع التالية لا نسمع إلاً الجزء الطائفي منه. بحيث يصبح المجتمع مقسّماً إلى طائفة أكثرية ومجموعة من طوائف الأقلية والتي إحداها تحتكر السلطة. وعندما يكون النظام "نظاماً أقلّويّاً" فعلينا أن نحاول "حماية الأكثرية" وهو ما يحبّ العظم تكراره في مقابلاته، تماماً كميله للحديث عن "السنّة كطائفة البزنس". وأخيراً فهو لا يمانع من أن تلجأ حكومة ما بعد الثورة إلى "شيء من المحاصصة" كحلّ واقعي (نسمع هذا الرأي في أكثر من مقابلة له)..الخ. وقد يحتجّ القارئ بأنها تعابير "عادية جداً" بل إنها جزء من البضاعة اليومية للصحافة في كل مكان. وهذا بحد ذاته صحيح، لكنّها تستند إلى فلسفة سياسية ترى المجتمع بمنظور هو بالضبط عكس المنظور الذي نعرفه للعظم. وهو يتبنّى الآن هذا المنظور "المثالي" دون أن يعلن تغيير موقعه الفلسفي على الأقل.
هذا المنظور المثالي لم يكتمل أبداً لدى العظم. ويمكن لأصحاب النوايا الحسنة أن يعقتقدوا أنه كان مجرّد "استراحة مؤقّتة" يلجأ إليها كلّما أتعبته السياسة التي خاضها في السنوات الأخيرة من عمره كأحد شخصيّات الثورة السورية. دون أن يعي مدى الانزلاقة المثالية التي انجرف إليها. ويدعم هذا الرأي حماسه المعروف للنموذج التركي في العهد الأردوغاني كمثال يحتذى للدول العربية، إذ أنّ الرجل يبحث عن "تسويات فكرية" واقعية وقابلة للتطبيق بدلاً من الاستمرار في التحليق في عالم اليوطوبيا الذي أنتج عمليه "نقد الفكر الديني" و"دفاعاً عن المادية والتاريخ". وهو يرى في محاضرته "الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية" أن هذه التسويات هي موقف الإسلام العملي نفسه الذي كان دائماً "مع" التغيير، بعكس الإسلام الدوغمائي، إسلام "الضد".
لكنّ هذا الرأي المتعاطف مع العظم لا يصمد كثيراً أمام إبداعاته النظرية التالية، كمفهوم "العلوية السياسية" مثلاً.
يبرّر الفيلسوف السوري مفهومه هذا بالتشابه ما بين المارونية السياسية والعلوية السياسية. ويبدو أنّه يتوقّع استنكار طلاّبه السابقين في قسم الفلسفة في جامعة دمشق (اللذين تعلّموا منه الماركسية) فيبادر إلى التوضيح بأن المشكلة هنا ليست هي الطائفة بذاتها، ولكن السياسة التي اتّبعتها. وقبل أن ننتقل إلى مدى مادّية وواقعية هذه المقارنة بين الطائفتين وتسييسهما قد يكون من المفيد أن نحشر هنا توضيحاً ذكره الرجل في سياق آخر حول أنه عندما يذكر الطائفة لا يعني كل أفرادها، تماماً كما لا يعني القول "الولايات المتحدة احتلت العراق" أن كل أمريكي احتل العراق (من مقابلة مع NewSyrian على اليوتيوب، الحلقة الثانية). ولا شك أن القارئ قد انتبه إلى أن فيلسوفنا جاء ليكحّلها فأعماها. إذ أننا عندما نقول أن بلداً احتل بلداً أخر فنحن نعني الدولة طبعاً وليس الشعب. والدولة هو المفهوم السياسي الجامع، ولدى المقارنة بالطائفة –وهو ما يفعله العظم- نستنتج أن الطائفة كمفهوم جامع مسؤولة بنفس مسؤولية الدولة..الخ. ولدى السؤال "عن ماذا هي مسؤولة؟" يأتي الجواب: "الطائفة العلوية هي العمود الفقري للنظام وأجهزته القمعية". وعندما يُطرح السؤال عن مشروعية الحديث عن البعد الطائفي للثورة السورية، يجيب الرجل: نعم يجب الاعتراف بذلك، والدليل؟ "إسأل أي مقاتل". لكنّ الذنب في ذلك يقع تماماً على النظام، "لأنّه هو السبّاق في التعبئية الطائفية". ولكي يفحمنا تماماً يروي لنا كيف أنّهم كانوا يتحدّثون أمام الناس بكل شيء إلاّ بالبعد الطائفي، فإذا خلوا إلى بعضهم كان السؤال الأساسي هو عن الطوائف التي ينتمي إليها الفاعلون السياسيون. إذاً فذلك كان هو "المكبوت" وبهذا المعنى فالقول بالبعد الطائفي هو "عودة المكبوت". وطبعاً من يجرؤ بعد الآن على الاستمرار بالنقاش؟ التحليل النفسي قال كلمته، فأية معاندة هي نوع من "الإنكار" ولا حل أمام مرتكبها إلاّ العلاج النفسي.
ولكن لنعد إلى قصة "العلوية السياسية" ومقارنتها بمثيلتها المارونية. فما هي نقاط التشابه بين تطوّر هاتين المجموعتين البشريّتين التي جعلت فيلسوف الدفاع عن المادية والتاريخ يجمعهما في ظاهرة سياسية واحدة؟
لا شيء. إلاّ إذا اعتبرنا أن المصطلح الغامض "طائفة" بحد ذاته يكفي للمقارنة وسحب الإستنتاجات من تطوّر أي واحدة منها على الأخرى.
فمن ناحية البنية الاجتماعية-السياسية كانت المارونية منذ بداية نشوئها تقريباً تخضع لمؤسسة طائفية واضحة تقودها وتمثّلها أمام الحاكم وتجمع منها الجزية وتقدّمها له. كان الموارنة في ذلك الوقت طائفة الفلاحين الفقراء (فقد كان الإقطاع درزياً).الخ. وعندما تغيّرت موازين القوى، أي عندما دبّ العجز في جسد الامبراطورية العثمانية وتحوّل النظام إلى الرأسمالية الكولونيالية بدأت "الفرنسة السياسية" للطائفة كما نعلم، أمّا مصائر ذلك فنراها في التركيبة اللبنانية الحالية، حيث تصرّ الطائفة المذكورة على الهيمنة التي بدأت أركانها بالتصدّع بعد الحرب الأهلية الأخيرة. وبالمقارنة –البنوية التاريخية لا الشكلية- لن نجد الكثير من نقاط التشابه، لا في دور المؤسسة الطائفية ولا في العلاقة بالسلطة أو بالمركز الكولونيالي (كان العثمانيون يعتبرون العلويين مسلمين كغيرهم إذا احتاجوا إلى شبابهم للتجنيد وخارجين عن الدين والقانون في حالات السلم، وباعتبار أن مصانع الحرير الفرنسية لم تكن تسمع أصلاً بهؤلاء فلم تهتم حكومتها طبعاً بهم) أمّا عن علاقات الهيمنة فلا يمكن الحديث عن ذلك إلاّ في العقود الأخيرة، وقد ظلّت محكومة بعلاقة الأرقام التي لا يمكن تغييرها، أي نسب السكّان، التي تسمح في لبنان بما لا تسمح به في سوريا. ممّا جعل تبلور بورجوازية-كولونيالية مارونية ممكناً، وتبلور بورجوازية علوية مماثلة غير ممكن (العظم نفسه يتحدّث عن شراكتها الإجبارية مع "سنّة البزنس")... الخ، الخ.

لعل هذا المثال المتطرّف يبيّن الصعوبة التي يواجهها الفيلسوف عندما يتحوّل إلى سياسيّ، أو لعلّه يبيّن الصعوبة التي يواجهها أي مواطن سوري في فهم ما يجري في وطنه. لكنّني سأساعد العظم قليلاً بتذكيره "بزميل" قديم له ذهب ضحيّة مادّيته الفلسفية التي جعلته "متطرّفاً" برفض أي منظور طائفي –حتّى ولو باستخدام بضاعة الصحافة اليومية التي أشرت إليها أعلاه. فكان أن قتله حزب الله –في غالب الظن- مع "زميل" آخر يشاركه الموقع الفكري والسياسي نفسه هو مؤلف "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" خرّيج النجف الماركسي حسين مروّة.
يقول مهدي عامل في كتاب "في الدولة الطائفية": "إن التوازن الطائفي لا يكون بالمشاركة، بل بالهيمنة، ولا يكون إلاّ بها. ولا تقوم دولة طائفية إلاّ بمثل هذا التوازن الهيمني، لا لضرورة طائفية ..... بل لضرورة طبقية هي ضرورة الدولة في وجودها الطبقي كدولة." ثم يشرح هذه القاعدة التي نسيها الناس لأسباب كثيرة ليس أهمّها الكسل الذهني بالشكل التالي: "ذلك أن السلطة، بما هي سلطة الدولة، لها بالضرورة طابع هيمني. ولا وجود للسلطة إلاّ في هذا الشكل الذي هي فيه الهيمنة. فالهيمنة هي لمن في السلطة. وكل إلغاء للهيمنة هو بالضرورة إلغاء للسلطة، أي لسلطة الدولة نفسها. .... هذا ما يدفعنا إلى القول بلا تردد إن "المشاركة" الطائفية، بما تعنيه، أو بما تطمح إليه من إلغاء للهيمنة الطائفية، في إطار الدولة الطائفية نفسها، ومع الحفاظ عليها، هي –أعني تلك "المشاركة"- مستحيلة في مبدئها النظري نفسه، في إطار دولة مركزية واحدة، حتى ولو حاول البعض تحقيقها عمليّاً. ذلك أنها تقود، لو تحقّقت، إلى تعطيل دور الدولة....إن تلك "المشاركة" تقود الدولة المركزية إذن إلى شلل" –الصفحتان 340 و241 من الكتاب المذكور- .
كتب مهدي عامل هذا الكلام في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم في خضم الحربين، الأهليّة والفكريّة، اللتين كانتا مضطرمتين في لبنان كما نعلم. فإذا تأمّلنا بالشلل المزمن للدولة في لبنان والذي جعلها تعتاد على الحياة سنوات بحكومة تصريف أعمال وبلا رئيس جمهورية لا يمكن إلاّ أن نعترف بأن الرجل كان على حق. وقد تكرّرت المأساة نفسها في العراق وبسبب المنطق نفسه: المشاركة الطائفية والمحاصصة الطائفية والعدالة في موضوع الأكثريات والأقلّيات و"المظلوميّات" الحاضر منها والماضي..الخ. وهناك –في العراق- لم تكن الكارثة هي شلل الدولة فحسب، بل وارتهانها للجميع –إيران هي مجرّد مثال صارخ لا أكثر- وتحوّلها إلى قطع غيار للبيع قامت "داعش" بشراء قطعتين كبيرتين منها هما الموصل والأنبار.

فهل يريد السوريّون تكرار الكارثة؟ إن المنطق الطائفي يؤدّي إلى ذلك. وهو يبدأ بالمناسبة بعبارتي "الأكثرية والأقليّة" و"المحاصصة" بين "المكوّنات الأساسية"، ويسبقهما عادة عبارة جميلة هي "التعدّدية" التي يربطها متفلسفو مابعد الحداثة عادة بعبارات "مثقّفة" من نوع "الإختلاف" و"عالم بلا مركز"، هذا إذا لم نذكر "انبعاث الهويّات المقموعة" طبعاً. إنهم يحاولون القفز على الحصان، وهو أمر ضروري بلا شك، لكنّهم يقعون خلفه.
لكن ماذا يفعل المنظّر الذي لا يريد الوقوع في فخّ فلسفات البورجوازية في عصر ما بعد الإمبريالية ولا يرغب في الاستمرار في استخدام أدوات تحليل أصبحت بالية في الوقت نفسه؟
هناك جواب قديم يأتينا من مهدي عامل نفسه: "على الفكر الماركسي أن ينتج اختلافه، في انتاجه المعرفة التي ينتج، وأن يعيد إنتاج اختلافه كلما كان عليه أن ينتج معرفة. إنه إذن سيرورة إنتاج مستمر. كالثورة تقضي في سيرورتها المستمرّة بإنتاج معرفة سيرورتها إنتاجاً مستمراً. لذا، وجب أن يكون النقد أيضاً مستمرّاً....وأميّز بين نقدين، واحد ضد أشكال متجدّدة من الفكر البورجوازي، وآخر هو نقد لما قد يكون في حركة إنتاج الفكر الماركسي إنزلاقات إلى مواقع فكر الخصم في شكله الطائفي المسيطر." –من مقدّمة الكتاب نفسه-. وفي مقالي هذا لم أفعل غير ذلك بخصوص "الإنزلاقات إلى مواقع فكر الخصم" التي زلّت بها قدما صادق جلال العظم.
غير أن هناك جواباً أحدث يعثر عليه بشكل غير مباشر قارئ الكتاب الأكثر عمقاً من كل ما كتبه الماركسيّون في العقدين الأخيرين، وهو كتاب "الإمبراطورية" لكلّ من أنطونيو نيغري –المنظّر الأسبق للألوية الحمر- ومايكل هاردت، الذي افتتح بصدوره القرن الواحد والعشرين. وفيه تتخلّص الهويّات كليّاً من سماتها الماهوية ليصبح بعثها هو مجرّد واحدة من آليّات التسويق في العصر ما بعد الأمبريالي في مرحلته العولمية- الانتقالية التي ما زلنا نعيشها حسب المؤلّفَين.
أعرف أن هذين الجوابين كليهما لا يحلاّن المشكلة تماماً. فكلاهما لا يتضمّن "التحليل المحايث" لموضوع المشكلة أي "الطائفية". وهذا النوع من التحليل يتطلّب أكثر من مقال عابر كهذا. إذ عليه أن يحلّل الطائفة كمؤسسة ذات وظيفية وعلائقية ملموستين في البنية الاجتماعية ككل وآليات إعادة إنتاج هذا كلّه. وهي آليّات داخلية وخارجية في الوقت نفسه.
غير أن هذا لا يعني على الإطلاق رمي الأدبيّات النظرية لما بعد الحداثة في سلة القمامة –ولم يفعل ذلك هاردت ونغري على أية حال وإنما فعلا العكس تماماً وإن بطريقتهما-، بل تجريب صلاحية أدواتها النظرية الكثيرة –والمتناقضة أحياناً للتشغيل في المخبر السوري. وهذا يعني القيام بعكس ما قام به عقل لا شك بضخامته هو "عبد الوهاب المسيري" مثلاً عندما قرأ تفكيك جاك دريدا فقرّر الغرق في الميتافيزيقا ولو من باب العناد.
إن "النص" السوري مغلق على أي تفكيك لا يراه في "كتاب" إمبراطورية ما بعد العولمة" الذي تشمل صفحاته الإمبرياليّات الهامشية الصغيرة كإيران وتركيا وإسرائيل، حيث "الهويّات" هي أدوات لإنتاج السلطة، داخلياً وخارجيا. وهذا يعني أن من يقرأ ما يحدث في حمص وريفها على أنّه هو "النص" وينظّر لعمل سياسي على ضوء نتائج تلك القراءة ليس أكثر من شغّيل نظري سيّء يستخدم المفكّ كمطرقة. لأن التفكيك عنده لا يؤدّي إلى إلغاء "الوحدة الميتافيزيقية" للنص أو للكل الاجتماعي –وهو المقصود باستخدام تلك الأداة- وإنما إلى تفكيك عنيف وواقعي للمجتمع، أي إلى ما أسماه هوبز ذات يوم: حرب الجميع ضد الجميع.

مراجع مباشرة:
-مقابلة مع صادق جلال العظم في مجلة الآداب (خريف 2012، السنة 60)
-نص محاضرة لصادق جلال العظم بعنوان "الربيع العربي والإسلام السياسي"/عن http://jadalyya.com تاريخ 15/مايو،أيار/2013
-مقابلات منشورة على اليوتيوب، منها مثلاً NewSyrian
-الإسلام والنزعة الإنسانية العالمية، ت. فالح عبد الجبار، دار المدى، نسخة الكترونية (تاريخ النشر غير واضح).
-مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، 1986
-Hardt, Michael und Negri, Antonio Empire Campus 2002 (تُرجم الكتاب بعنوان "الإمبراطورية" ونشرته دار العبيكان على ما أعلم لكنني اعتمدت على الترجمة الألمانية هنا).
-قد يجوز لي الإشارة هنا إلى كتابي الذي صدر بعد كتابة هذا المقال وعنوانه "الرماد الثقيل، الطائفية جذوراً ومصائر"، دار الفارابي. فمن أراد التوسّع في مفهوم الطائفية ودراسة الظاهرة وفق المنهج البنيوي-التاريخي، فقد يكون كتابي المذكور وسيلة متواضعة لذلك.

حسين شاويش
برلين





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الامة
- سياسيو المهجر
- هل بقي لليسار العربي من دور


المزيد.....




- العراق يعلن انتصاره على داعش.. لكن هل انتهى تأثير التنظيم فع ...
- مادورو يقصي المعارضة من الانتخابات الرئاسية المقبلة
- الجيش السوري يعثر على أسلحة داعش في دير الزور
- ترامب: هذا الأمر خرج عن السيطرة!
- نتنياهو يتوقع أن تعترف أوروبا بالقدس عاصمة لإسرائيل
- لافروف يؤكد اهتمام روسيا بتعزيز التعاون مع الصين والهند في إ ...
- فتى الـ -23 جنديا- اليوم أمام المحكمة
- أول تعليق حول زيارة وفد من جمعية بحرينية إلى اسرائيل
- نتنياهو يتوقع أن تعترف دول أوروبية بالقدس عاصمة لاسرائيل
- -لماذا يتنمرون؟-.. طفل شجاع يلهم الآلاف 


المزيد.....

- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين شاويش - ما بعد بعد الحداثة، أو كيف تقفز على الحصان لتقع خلفه؟