أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - مغزى قول الخليفة على: مصرافتتحها الفجرة















المزيد.....

مغزى قول الخليفة على: مصرافتتحها الفجرة


طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 5535 - 2017 / 5 / 29 - 14:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



اختلف كثيرون مع تعبير(العصرالجاهلى) وكان أشدهم وضوحـًـا طه حسسين، فهل الإسلام غيّرمن العقلية العربية/ البدوبة (الجاهلية)؟ إنّ الوقائع المذكورة فى كتب التارخ العربى/ الإسلامى، تنفى وجود أى تغيرحدث لتلك العقلية، وحروب العرب (المسلمين الموحدين) ضد أشباههم من (عرب مسلمين موحدين) تؤكد على أنّ العقلية العربية (واحدة) لم تتغيّر، سواء قبل أوبعد الإسلام. وهل يستطيع العقل الحرأنْ يتجاوزعن روح (الشماتة) والفرح والبهجة التى سادتْ بين أتباع معاوية وهوفى الشام عندما بلغهم مقتل محمد بن أبى بكر؟ فكان رد فعل على بن أبى طالب أنْ قال ((إنّ حزننا عليه على قدرسرورهم به)) ثم قام فى الناس خطيبًا وبعد أنْ صلى على النبى قال إنّ ((مصرقد افتتحها الفجرة أولوالجوروالظلم..إلخ)) (الطبرى– تاريخ الأمم والملوك– مؤسسة الأعلمى– بيروت– لبنان– ج 4– 83) وأعتقد أنّ شهادة على بن أبى طالب غاية فى الأهمية عن أحداث غزوالعرب لمصرونهب مواردها، وهى الأحداث التى يصفها الإسلاميون والعروبيون ومعظم الماركسيين (المصريين) بأنها أحداث ((عظيمة لأنها خلــّـصتْ مصرمن ظلم الاحتلال الرومانى) بينما الباحث صاحب العقل الحر، يرى أنّ الاحتلال العربى لم يختلف عن الاحتلال الرومانى، وكانت د. زبيدة عطا من بين أصحاب العقول الحرة، لأنها امتلكتْ قدرًا كبيرًا من الموضوعية عندما وصفتْ وضع الفلاح المصرى أثناء فترة الاحتلال الرومانى فكتبتْ ((اختلف وضع الفلاح كمستأجرفى ضياع كبرى أوتابع لمجلس القرية أومستقل يدفع ضرائب للدولة. ولكن على أية حال لم يُـصبح قنـًـا (أى عبدًا) بل كان فلاحــًا حرًا، كما ذكرتْ برديات عديدة وعقود البيع والشراء والايجار. ومن حقه أنْ يشكو(الباجارك) أومسئول الاقليم إذا أساء إليه. وهناك ملاحظة مهمة وهى أنّ القانون الامبراطورى منذ ثيودسيوس يمنع تملك الأجانب للأراضى المصرية. فكبارملاك القرن السادس كانوا من المصريين وكذلك غالبية موظفى الإدارة المالية)) ثم أضافتْ ((والذى نستخلصه من تلك الدراسة هو أنّ الفلاح المصرى كان تحت الحكم البيزنطى فلاحـًـا حرًا ولم يكن قنــًا (= عبدًا) للأرض. وأنّ تشريعات الأباطرة استهدفتْ تحقيق العدالة للفلاح لضمان حصول الدولة على دخلها... وهذه هى الأوضاع التى واجهتْ العرب غداة الفتح الإسلامى (الدكتورة زبيدة رغم موضوعيتها إلاّ أنها لم تتخلــّـص من التراث العربى/ الإسلامى الذى أصرّعلى وضع مساحيق التجميل على بشاعة الاحتلال العربى، ويرفض أتباعه استخدام لغة العلم ليكون التعبير الدقيق (الغزوالعربى) وليس (الفتح الإسلامى)
فماذا حدث بعد الغزوالعربى؟ كتبت د. زبيدة بلغة العلم ((وقد اهتم العرب منذ البداية بخراج مصروأراضيها وحرصوا على نفس النسبة التى كان يجمعها البيزنطيون، وفقــًا للرسائل المُـتبادلة بين عمربن الخطاب وعمروبن العاص. ولقد اختلفتْ سياسة الخلفاء بين السماحة والشدة فى الجباية... حيث أنّ الخليفة سليمان بن عبد الملك كتب إلى واليه فى مصر قائلا: احلب الدرحتى ينقطع.. واحلب الدم حتى ينصرم)) أما أهم نتيجة توصلــّـتْ إليها د. زبيدة فهى ((أصبحتْ شحنة القمح تذهب إلى مكة كما كانت تذهب إلى القسطنطينية من قبل)) (الفلاح المصرى بين العصرالقبطى والعصرالإسلامى– هيئة الكتاب المصرية- سلسلة تاريخ المصريين – رقم 48- عام 1991- من ص12- 14)
وذكرتْ د. زبيدة معلومة غاية فى الأهمية عن واقعة حقيقية تتعلق ببيع الكروم والنبيذ الذى ((كان المشروب المُـفضــّـل لدى المصريين أثناء الفتح (= الغزوالعربى) وزُرعتْ مساحات كبيرة من الأراضى بالكروم وكان المصريون يتولون عصرها بعد جنيها، وفى إحدى البرديات القبطية التى تعود للقرن الثامن فيها طلب الحصول على جرتيْن من النبيذ من أجل الجنود (العرب) ومن تلك الواقعة يتبيّن أنّ العرب الذين احتلوا مصر- كانوا يسمحون ببيع النبيذ والخنازير، ولكن بشرط دفع الخراج عليها وعليها عـُـشرأثمانها وفق تعليمات عمربن الخطاب. بل إنّ العرب الغزاة لم يكتفوا بضريبة الأرض (الخراج) ولابضريبة (الرؤوس) أى الإتاوة التى يجب على كل مصرى دفعها للغزاة، ولم يكتفوا بحصيلة (الجزية) المفروضة على الذين رفضوا الدخول فى الإسلام، لم يكتفوا بكل ذلك، ففرضوا العديد من أشكال الضرائب (الإتاوات) مثل فرض ضريبة على المراعى وتربية المواشى، وضريبة على بعض أصناف الطعام، ويعود إنشاؤها للضرائب العينية التى تقررّتْ على القمح والزيت.. وهذه الضريبة تقرّرفرضها على أهل الشام وأهل مصر... وتحوّلتْ تلك الجبايات (وفق تعبيرد. زبيدة) إلى ما يُعرف بضريبة الطعام، وهى ضريبة عينية أهم ما يُـجبى فيها القمح.. وكان أول إرسالها إلى مكة فى عهد عمربن الخطاب، الذى أمربحفر خليج فى النيل إلى القلزم لتسهيل نقل الطعام إلى المدينة ومكة، ظلّ يُـحمل فيه الطعام بعد عمربن عبد العزيزإلى أنْ قضى عليه إهمال الولاة. والبرديات تــُـشيرإلى أنه كانت تــُـجبى إلى جانب القمح محصولات أخرى، وفى بردية تعود إلى القرن السابع وفيها من القسم الأول 32 أردبًا وفى القسم الثانى 120 أردبًا.. إلخ وفى خطاب آخريأمرالوالى كاتبه أنْ يتجه إلى شنشسور(فى المنوفية) ويُـخرج الأقباط (أى المسيحيين) ويرسل إليه مائة أردب قمحـًا وفى أمر ل (قرة بن شريك) إلى أهالى (كوم أشقوه) أنهم أصابهم من ضريبة الطعام أحد عشرأردبـًا قمحـًا.. وقد نـُـقلتْ غلات أخرى بخلاف القمح والعدس إلى جزيرة العرب. بل إنّ الأمرازداد بشاعة عندما فرض العرب ضريبة على المرورمن مكان إلى مكان آخروأطلقوا عليها (ضريبة الجسور) وكانت رُبع دينار. وفى وثيقة أخرى إشارة إلى ضريبة تخص البحرية فــُـرضتْ على القرى.. ومما فــُـرض على المصريين (ضيافة العرب) وورد فى إحدى البرديات ذكر(ضريبة النزل) ونتيجة كثرة الضرائب التى فرضها الغزاة العرب على المصريين ((ارتفعتْ شكوى الجباه من خلال البرديات من هروب الفلاحين وتأخيرهم فى الدفع.. ووصل ظلم العرب لدرجة أنّ القرية ((تتحمل ضرائب من ترك أرضه)) كما أنّ العرب الغزاة استخدموا نظام (السُخرة) فى بناء الجسور. ونظرًا لهروب الفلاحين من أراضيهم فإنّ العرب (فى محاولة للحد من هذه الظاهرة) منعوا الفلاحين من مغادرة قراهم إلاّبتصريح، فالمواطن (المصرى) إذا أراد أنْ يتــّجه إلى مكان يقيم فيه ردحـًا من الزمن، لم يكن مُـلزمًا (فقط) بالحصول على تصريح من (العربى) حاكم المدينة أوالمنطقة التى يتبعها، وإنما كان مُـلزمًا بإفادة الموظف المحلى بمكان إقامته الجديد. واختتمتْ د. زبيدة هذا الفصل بأنْ كتبتْ أنّ العرب حرصوا على ضمان تحصيل الضرائب.. ورغم أنّ العقيدة الإسلامية (السمحة) لا تــُـثـقل على رعاياها وحثــّـتْ على (الرفق) فى معاملاتهم، فإنّ حرص الولاة والخلفاء على الخراج أدى إلى استمرارالضغط على المزارع المصرى وارهاقه بما لايستطيع وكان هذا وراء ثورات القبط فى عهد بنى أمية (د. زبيدة- من ص98 – 116)
لقد تعمّـدتُ الاستشهاد بكتاب د. زبيدة لأنها: 1- ليست ضد الإسلام بل هى مُـدافعة عنه فى معظم صفحات الكتاب مثل قولها فى الفقرة السابقة (العقيدة الإسلامية السمحة) 2- ردّدتْ ما تقوله الثقافة المصرية السائدة عن المسيحيين المصريين بأنهم (القبط) وغاب عنها أنّ قبطى = مصرى وفق علم اللغويات وعلم المصريات، كما أنّ الثورات المصرية ضد العرب اشترك فيها المسيحيون والمسلمون المصريون، بل وكثيرون من العرب الذين عاشوا فى مصر، وتمرّدوا على تعليمات عمربن الخطاب الذى منعهم العمل بالزراعة 3- أنّ د. زبيدة (رغم دفاعها عن الإسلام) فإنها كانت شديدة الموضوعية وهى تنقل من كتب التراث العربى/ الإسلامى جرائم العرب ضد شعبنا المصرى (وهذا يُحمد لها) ومن أمثلة ذلك :
نقلتْ ما ذكره المقريزى من أنّ خلفاء بنى أمية وبنى العباس ((كانوا يمنحون الاقطاعات للمقربين إليهم)) وكتبتْ ((كان أهم ما فــُـرض على المصريين: الجزية والخراج إلى جانب ضرائب أخرى. ولقد حـدّدتْ الشريعة (الإسلامية) ومعاهدات (الفتح) مقدارالجزية. ثم نقلتْ نص الآية القرآنية التى (أوجبتْ) الجزية والتى تبدأ ب ((قاتلوا الذين لايؤمنون بالله.. حتى قوله من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) (التوبة/ 29) وهوتشريع لم يخطرعلى عقول (عرب ما قبل الإسلام) الذين أطلق محمد عليهم صفة (جاهليين) لأنّ عرب ما قبل الإسلام لم يكن يعنيهم ولاء الإنسان للإله (هبل) أو (إيل) أو (العزى) أو (اللات) وإنما كان يعنيهم (فقط) الانتصارعلى القبيلة المُـعادية والسيطرة عليها والاستحواذ على ممتلكاتها.
ونقلتْ د. زبيدة ما كتبه ابن عبد الحكم القرشى عن واقعة القسيس الذى طلب تحديد مقدار (الجزية) المفروضة على المسيحيين، فقال له عمروبن العاص ((إنما أنتم خزانة لنا)) ونقلتْ واقعة أخرى ذكرها ابن عبد الحكم وهى أنّ عمربن عبد العزيز(الذى أخذ صفة الخليفة العادل) أمرعامله المسئول عن الخراج (حيان ابن سريح) أنْ ((يجعل جزية موتى القبط (أى المسيحيين) على أحيائهم، حتى إذا مات فرد من أهل القرية كانت تلك الجزية ثابتة عليهم)) فهل وُجد فى التاريخ الإنسانى كله استعمارأشد وأبغض وأقسى من الاستعمارالعربى، الذى يفرض (الجزية) على (الموتى)؟ فى تحايل خبيث لتكون النتيجة أنّ الأحياء يتحمّـلون جزية الموتى، أوكما قالت د. زبيدة حتى تتحمّـل القرية جزية الراحلين إلى العالم الآخر.
ونقلتْ د. زبيدة الرسائل المُــتبادلة بين عمربن الخطاب وعمروبن العاص حول مسألة الخراج والجزية، وأنّ تلك الأموال المنهوبة كانت لها الأولوية فى اهتمامات الخلفاء المسلمين (وليس نشرالإسلام كما يزعم مرضى العاطفة الدينية) فكتبتْ د. زبيدة ((ومن الخطابات المُــتبادلة بين عمربن الخطاب وعمروبن العاص نــُـلاحظ اهتمام الخليفة بخراج مصر، ولومه عمرًا لأنّ (الفراعنة) والمقوقس جبوها أكثرمما جباها عمرو، واتهمه بأنّ عماله الذين وصفهم بعمال السوء هم المسئولون عن هذا. ولكن عمرًا كان مُــتـفهمًا لطبيعة مصرواحتياجاتها. وأنّ الإثقال على أهلها سيؤدى إلى خرابها، وذكرللخليفة أنّ (الفراعنة) جبوها أكثرمنه لأنهم كانوا أرغب فى عمارة أرضهم منه. وأنّ النهريُـخرج الدر، وأنّ حلبها حلبـًـا يقطع درها، ولن تستفيد الدولة الإسلامية خيرًا، لأنه سيضربالأرض ومزارعيها. وفى خطاب آخرمن عمروإلى الخليفة عمرقال ((أهل الأرض انتظرونى (أى طلبوا مهلة) إلى أنْ تــُـدرك غلتهم)) وأنّ عمروبن العاص أرسل أحد المصريين إلى مكة (بناءً على طلب الخليفة عمر) فذكرالرجل للخليفة إنّ محاولة أخذ الخراج قبل تمام الزرع يعنى الاضراربالمزارع والعجزفى الجباية فيما تلى من أعوام)) ونقلتْ د. زبيدة ما ذكره الواقدى فى كتابه (فتوح الشام) أنّ الجباه الذين اختارهم عمروبن العاص لم يختلفوا عن الجباه فى العصرالبيزنطى ((من عسف وجورتجاه الأهالى.. خاصة أنّ الولاة المسلمين (الأدق العرب) حرصوا على جباية الخراج وتخوفوا من نقصانه حتى لايتهمهم الخلفاء بالإهمال كما حدث مع عمروحين جباها عبد الله بن سعد 14 مليونــًا فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله.. درّتْ اللقحة بأكثرمن درها الأول فردّ عليه عمرو: أضررتم بولدها (د. زبيدة– المصدر السابق– من ص89- 94)
وبينما الغزاة العرب فرضوا العديد من أنواع الضرائب (= الإتاوات) وابتدعوا (ضريبة الطعام) و(ضريبة الجسور) أى ضريبة على كل من يرغب فى الانتقال من قرية إلى أخرى، وفرضوا (الضيافة الإجبارية) وفق تعليمات عمربن الخطاب إلى عمروبن العاص ونصّ فيها على أنّ ((للمسلمين (الأدق للعرب) حيث نزلوا ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أوأكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام (مُـفترضة) عليهم (أى إجباريًا والأدق لغويًا مفروضة وليس مُـفترضة) وأنّ لهم أموالهم وأرضهم فشرط هذا كله على القبط خاصة) (ابن عبد الحكم القرشى– فتوح مصروأخبارها– ص55) وللعقل الحرأنْ يتخيـّــل موقف الرجل المصرى ومشاعره وهويستضيف (اللفظ المُـهذب للتنطع والبلطجة والإرهاب) إنسانـًا عربيًا أوأكثر، وسط زوجته وأولاده ولمدة ثلاثة أيام، وكانت القسوة الأشد هى وضع شعبنا المصرى أمام ذلك الإمتحان العسير، حيث عليه الاختياربين ثلاثة أمور: الإسلام أوالجزية أوالقتال (ابن عبد الحكم القرشى – ص53) بينما الغزاة العرب فعلوا كل ذلك فإنّ الغزاة الرومان كانوا أقل قسوة وأكثرعدالة باعتراف د. زبيدة التى كتبتْ ((لقد سعى دقلديانوس لاصلاح النظام الضريبى استجابة لشكوى الأهالى (المصريين) من كثرة الجبايات نتيجة هجرالمُـزارعين لقراهم فأعيد مسح أراضى الامبراطورية ووضع التقديرالجديد على أساس وحدة انتاج الأرض من الأرض الصالحة للزراعة وأنّ عدد الأقسام فى الوحدة يختلف وفقــًا لخصوبة الأرض، فهناك وحدة لمزارع العنب والزيتون ووحدة للحبوب، وهكذا قــُـدّرتْ الضريبة على أساس كل وحدة)) وأضافتْ ((ولقد حرص سيودثيوس فى قانونه على تحقيق العدالة فى الجباية فأعاد ذكرقانون يعود لعام 330م بالنسبة لمدفوعات الضرائب، فلن يُـقاسى أى شخص من أيد غيرأمينة أوأحكام ظالمة. ولن يُساق بسوط أويُجلد أويتعرّض لتعذيب أواضطهاد، فالسجون للمجرمين ووفقــًا لهذا القانون فإنّ دافع الضرائب فى مأمن)) (د. زبيدة– المصدرالسابق– 72، 73)
فإذا ما قارن العقل الحرذاك القانون الرومانى، بما فعله العرب الغزاة الذين تستــّـروا خلف الدين، بينما كان كل همهم جمع الأموال ونهب المحاصيل الزراعية، فإنّ النتيجة أنّ عرب ما بعد الإسلام لم يختلفوا عن العرب السابقين عليهم والذين وصفهم (والأدق وصمهم محمد بالجاهلية) ولعلّ ما قاله على بن أبى طالب عن معاوية بن أبى سفيان وعمروبن العاص يكون دليلا دامغــًا على أنّ الإسلام لم يُـغيّرالعرب، حيث قال إنه كان يتمنى أنْ يتولى حكم مصر شخصًا آخرغيرعمروبن العاص وأعوانه الفجرة العرصة)) الطبرى– مصدرسابق– ص83) وأظن أنّ تعبيرعلى بن أبى طالب فى وصف عمروبن العاص وأعوانه ب (الفجرة العرصة) قد يخجل أى إنسان فى العصرالحديث من استخدامه، بينما السؤال الذى يشغل العقل الحرهو: لماذا استخدم على بن أبى طالب هذا التعبير؟ وهل كان فيه شطط ومبالغة؟ أم عن خبرة (حياتية) وعاها من خلال معرفته بأصول عمروبن العاص وما عرفه من أنّ أم عمروكانت واحدة من أشهرالداعرات العاهرات فى مكة، وأنّ نسبه لأب توزع بين خمسة رجال؟ وإذا كان هذا هو رأى على بن أبى طالب فى عمروبن العاص وأعوانه، فإنّ السؤال الذى يتغافل عنه مرضى العاطفة الدينية هو: لماذا اختاره عمربن الخطاب ليكون على رأس الجيش (العربى) الذى غزا مصر؟ وهل كان عمربن الخطاب يجهل (تاريخ) عمروبن العاص و(تاريخ) أمه؟ وكيف يجهل عمربن الخطاب ذلك التاريخ المُـشين لعمروبن العاص وأمه وهوأحد أبناء قريش؟ وأنّ ذلك التاريخ المُـزرى كان معروفــًا للكافة، ويذهب ظنى أنّ عمربن الخطاب كان على علم بتاريخ عمروبن العاص وأمه، ولكنه تغاضى عن كل ذلك، مقابل (نجاح) الغزوعلى مصر، وأدرك أنّ عمروبن العاص هو((رجل المهمة)) وأنّ احتلال أراضى شعب يتطلب من (الغازى) أنْ يكون بلا ضميروبلا وازع من شرف قبل أنْ يكون (رجل سياسة) ولعلّ هذا الاختيارمن عمربن الخطاب يُـفسّرما فعله عمروبن العاص فى مصر، وفى الفصل الذى كتبه ابن عبد الحكم القرشى تحت عنوان (مصر فــُـتحتْ عنوة) أنه عن فلان عن فلان عن داود بن عبد الله الحضرمى أنه ((سمع عمروبن العاص يقول: لقد قعدتُ مقعدى هذا، وما لأحد من قبط مصرعلىّ عهد ولا عقد)) وقال: ((إنْ شئتُ قتلتْ وإنْ شئتُ خمّـستْ وإنْ شئتْ بعتْ)) ومعنى (خمُـستْ) أى الحصول على النسبة المُـقرّرة فى القرآن (سورة الأنفال) أما معنى قوله (بعت) فقد نفذه فى (برقة) ووفق نص ابن عبد الحكم القرشى ((فسارعمروبن العاص فى الخيل حتى قدم برقة فصالح أهلها على ثلاثة عشرألف ديناريؤدونها جزية على أنْ يبيعوا من أحبوا من أبنائهم فى جزيتهم)) (ص66، 67، 116)
وكان من بين سرإعجاب عمربن الخطاب بعمروبن العاص، أنّ الأخيرلكى يُـقنع الأول بغزومصرقال له ((إنك إنْ فتحتها (كأنها مغلقة) كانت قوة للمسلمين (الأصح للعرب) وعونــًا لهم، فهى أكثرالأرض أموالا، وأعجزها عن القتال والحرب)) وظلّ عمربن الخطاب مُــتردًا فترة ولكن بضغط من عمروبن العاص وافق على الغزو)) (ابن عبد الحكم– ص 47) وإذا كان المُـدافعون عن الإسلام وعن العرب يقولون أنّ (فتح مصر) كان بعهد وب (الصلح) فإنّ ابن عبد الحكم نقل كلام المُعاصرين للأحداث الذين قالوا إنّ ((عمروبن العاص (فتح) مصربغيرعقد ولاعهد)) وعن الإسكندرية فإنها ((فــُـتحتْ عنوة بغيرعهد ولاعقد ولم يكن لهم صلح ولاذمة)) (من ص 63- 67) وكان من بين إعجاب عمربن الخطاب بعمروبن العاص أنه عندما طلب الأول من الأخيروصف مصرقال له ((مصرنيلها عجب، وأرضها ذهب، وهى لمن غلب، ونساؤها لعب، وملكها سلب، ومالها رغب، وخبرها جلب، وفى أهلها صخب، وطاعتهم رهب وحربهم حرب)) (بدائع الزهورفى وقائع الدهور– ابن إياس– ج1– قسم 1– هيئة الكتاب المصرية عام 1982- ص38) تلك هى نظرة الغازى لحضارة مصر(من شخص عربى وٌلد قبل الإسلام من أم تعيش على بيع جسدها، وعاش الابن ليرفل فى نعيم (الأنفال) أى النهب المُـنظــّـم، فهل تلك النظرة كانت ستختلف لوعبّرعنها شخص (عربى) آخرعاش فى فترة (الجاهلية) ولم يُـسعده الحظ ليعيش فترة (اللاجاهلية) التى اعتمدتْ على غزوالشعوب المُـتحضرة ونهب خيراتها؟
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هل يمكن شفاء العروبيين من (غيبوبة) الناصرية؟
- تعدد أسماء الآلهة بتعدد لغات الشعوب
- زوجة الخديو المتمرّدة على تراث التخلف
- صحيفة السياسة وحزب الأحرار الدستوريين
- الجذرالتاريخى للإرهاب وعلاقته بالغزو
- حزب الأحرارالدستوريين: ما له وما عليه
- الحزب المصرى الديمقراطى وظروف نشأته
- هل كان عبدالناصرحليفا للعمال وضد الإخوان؟
- الأحزاب السياسية قبل يوليو1952 (3)
- سليمان بين العهد القديم والقرآن
- الحول الثقافى : نصر أبوزيد نموذجًا
- الأحزاب السياسية قبل يوليو1952- (2) حزب الأمة
- العلاقة بين الرأسمالية ومبادىء الاشتراكية
- المواجهة بين الجامعة المصرية وفكرة (الجامعة الإسلامية)
- الأحزاب السياسية وموقفها من العلمانية (قبل ثورة1919) 1- حزب ...
- مقارنة بين التعليم (الحالى) وثقفافة الأميين
- مصطفى درويش: إنسان نبيل ومثقف تنويرى نادر
- التفاعل الثقافى بين نقد تاريخ الإسلام وتهمة التراجع
- ثقافة الأميين المصريين (2)
- ثقافة الأميين المصريين (1)


المزيد.....




- احتجاج يهود أمريكا على السياسات الإسرائيلية ناتالي پورتمن ت ...
- خامنئي يدعو الدول المسلمة لمواجهة أميركا
- القرآن يحظى بدعم شخصيات يهودية في فرنسا
- خامنئي يدعو الدول الإسلامية إلى الوحدة ضد الولايات المتحدة
- البرلمان الألماني يقر مشروع يهودية دولة إسرائيل
- خامنئي: على الدول المسلمة أن تتحد ضد أمريكا
- مشروع قرار يهودية إسرائيل أمام البوندستاغ الألماني
- مستشار شيخ الأزهر لـ (الزمان): نحذر من دين جديد يروج للإلحا ...
- فعاليات? ?وهيئات? ?الموصل? ?تشيد? ?بمكرمة? ?الإمارات? ?في? ? ...
- الجوقة البلهاء تردد أن لليهود حقا في قدسنا


المزيد.....

- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري
- علم نفس إنجيلي جديد / ماجد هاشم كيلاني
- مراد وهبة كاهن أم فيلسوف؟ / سامح عسكر
- الضحك على الذقون باسم البدعة في الدين / مولود مدي
- فصول من تاريخ الكذب على الرسول / مولود مدي
- تفكيك شيفرة حزب الله / محمد علي مقلد
- اماطة اللثام عن البدايات المبكرة للاسلام / شريف عبد الرزاق
- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية / ياسين المصري
- سوسيولوجية الأماكن الدينية بين البنية المزدوجة والوظيفة الضا ... / وديع جعواني
- وجة نظر في البحث عن ثقافة التنوير والحداثة / ياسين المصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - مغزى قول الخليفة على: مصرافتتحها الفجرة