أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - محمد مدحت مصطفى - (5-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي في مصر الحديثة















المزيد.....



(5-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي في مصر الحديثة


محمد مدحت مصطفى
الحوار المتمدن-العدد: 5507 - 2017 / 4 / 30 - 00:36
المحور: الصناعة والزراعة
    




إذا كانت أنماط حيازة الأراضي الزراعية تنعكس بشكل مباشر على أنماط استغلال تلك الأراضي، فإن التعرف على الفئات الاجتماعية للفلاحين يمكن أن يُكمل صورة هذا الاستغلال. ومن الناحية القانونية نجد أن لائحة الفلاح الصادرة في رجب 1245هـ/ يناير 1830م أعطت الأقسام حق تأجير أراضي الأبعادية للفلاحين بهدف استصلاحها وزراعتها حيث نصت علي أن "يصرف بالإيجار لمن يريد الزراعة بحسب واقع الأرض لأجل رغبة الفلاح ومنفعته وسلوك زراعة هذه الأرض. كما أجازت اللائحة السعيدية لصاحب الأثر أن يؤجر أطيانه لمن يريد لمدة تتراوح ما بين سنة وثلاث سنوات، كما أجازت تجديد عقد الإيجار لمدة ثانية برضي الطرفين المتعاقدين بشرط أن يكون الإيجار أو الزراعة بموجب سند ديواني يتم تحريره بواسطة المديرية.

في عهد إسماعيل تم تعديل اللائحة السعيدية في 25 رجب 1282هـ الموافق 14 ديسمبر 1865م بحيث سمحت لمن يجند من أصحاب الأراضي الخراجية بالتصرف في أراضيه بالإيجار أو بالمزارعة علي أن يظل التكليف باسمه ويستردها متي عاد من الجندية. كما سمح ديوان عموم الجفالك والعُهَد السنية بتأجير 10% من أراضي الجفالك للفلاحين والعاملين بها. ومن الجدير بالذكر هنا أن موظفي الأقاليم قد تمكنوا من حيازة مساحات من الأراضي الخِراجية عن طريق شراء حق المنفعة من الفلاحين، كما اعتادوا على استغلال نفوذهم المُستمد من الوظيفة وسطوتهم في إجبار الفلاحين على البيع لهم مما دفع الدولة إلى إصدار قرار عام 1856م بمنع الموظفين بصفة مطلقة من شراء حق المنفعة على الأراضي الخِراجية من أربابها، وتم تأكيد هذا القرار وتوسيعه إلى أراضي رهن الغاروقة عام 1864م، واستمر هذا الوضع قائماً حتى تم إلغاؤه بمقتضى أمر عال صادر في 22 يناير 1884م، ن ثم عاود موظفي الأقاليم استغلال سطوتهم ونفوذهم مما دفع مجلس النُظار إلى حظر تعاملهم في تلك الأراضي بطريقي الإيجار والمُزارعة وكان ذلك في 7 سبتمبر 1889م. وبناء على ذلك استقر الأمر بالنسبة لتعامل الموظفين في الأراضي الخِراجية على منعهم عن استئجار الأراضي من الغير والمُشاركة في زراعتها، بيد أن حقهم في شراء منفعة الأراضي الخِراجية الذي تقرر بموجب الأمر العالي الصادر في 22 يناير 1884م لم يطرأ عليه أي تعديل، وبذلك كان لهم أن يؤجروها للغير ويشاركوا في زراعتها دون قيد، وقد طُبقت على أراضي الموظفين الخِراجية سائر أحكام تلك الأراضي التي مُلِكَت لهم بالأمر الصادر عام 1891م. وقد سُمِح للموظفين بشراء أراضي الميري منذ عام 1861م، وذلك تنفيذاً للأمر الصادر في تلك السنة ببيع أطيان الميري لأي مُستخدم يرغب فيها بغض النظر عن الجهة التي تقع بها هذه الأطيان. كما أن الأمر الذي منعهم من شراء حق المنفعة على الأراضي الخِراجية من الأهالي لم يمنعهم من شراء أراضي الميري الواقعة في دوائر اختصاصهم، بل أنه استثنى هذه الأراضي صراحة من الحظر الذي قرره.

عقود الإيجار
في مصر الحديثة
بدراسة عقود إيجار لأرض زراعية عن عام 1899/1900م نستطيع أن نتبين مجموعة الحقوق والالتزامات التي كان يتم الاتفاق عليها في ذلك الوقت، ومنها حق المالك في طرد المستأجر في أي وقت يشاء حيث نص العقد [... كما وأن الطرفان المستأجر والمؤجر اتفقا اتفاق خصوصي علي أن هذه الأطيان إذا لزمت للمالك قبل انتهاء مدة هذه الإجارة فعلي المستأجر تسليمها إليه بدون معارضة ولا طلب أدني تعويض ويكون ملزوم بسداد كامل ما يكون مستحق لغاية يوم التسليم وما يكون موجود فيها من المزروعات يصير تقديرها بمعرفة آل خبرة من أرباب الفلاحة ]، كما ألزم العقد المستأجر باستصلاح قطع البوار فيها حيث جاء في نص العقد [... وإن كان بها بعض قطع مستملحة فعليه إصلاحها وزرع ما يوافق زرعه فيها وإذا أهمل في ذلك يكون ملزوم بغرامة للمالك عن كل فدان يتركه بور مبلغ ...]. أما في إيجارات الوجه القبلي فقد أضيف إلي العقود بندا خاصا بالضامن جاء فيه [... أقر بأنني اطلعت علي هذا العقد وعلمت ما اشتمل عليه وضمنت وكفلت المستأجر للأطيان الواضحة بهذا العقد ضمان حضور وغروم وتضامن يجعلني أنا والمستأجر كشخص واحد في تنفيذ كافة أحكام هذا العقد، وأتعهد بأن أدفع ما يتأخر عليه من الإيجار والفوايد والتعويضات وجميع ما ينشأ من عدم تنفيذ هذا العقد بدون تعلل بصدور أحكام علي مضموني أو طلب تجريدة، وليس لي أن أحتج بأي مهلة أو أي عمل يعمله المؤجر مع المستأجر بل أتعهد من الآن بمراقبة سيره وملاحظة دفع الإيجار في مواعيده].

العمالة الزراعية
يمكن التعرف على أوضاع العمالة الزراعية بعد التعرف على فئات الفلاحين من حيث ملكية الأرض وعلاقات الإنتاج حتى يمكن التعرف على الفئة الاجتماعية التي تشكل المصدر الرئيسي لهذه العمالة. يمكن تقسيم الفلاحين عند نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلي الفئات الاجتماعية التالية:
-الفلاحون الملاك: وهؤلاء كانوا يزرعون أراضيهم بأنفسهم وبمساعدة أسرهم وذويهم، وقد يستعينون ببعض العمل المأجور في فترات جمع المحصول.
-الفلاحون شبه المعدمين: وهؤلاء كانوا يزرعون مساحاتهم الصغيرة ثم يعملون بعض الوقت لدى كبار المُلاك أو أغنياء المزارعين. أو يستأجرون مساحات أخرى صغيرة يزرعونها إلي جانب ملكيتهم القزمية.
-الفلاحون المعدمون: وهم الذين لا يملكون أرضاً علي الإطلاق، ويمكن أن نميز داخلهم بين ثلاث فئات هي:
- الفلاحون المستأجرون: وهم الذين اعتادوا استئجار مساحات صغيرة من الأرض، ويدفعون إيجارها نقداً مقدمً أو عند جمع المحصول.
- العمال المرتبطون بمزارع كبار المُلاك: وهؤلاء يعملون بصفة دائمة في الملكيات الكبيرة ويقيمون في المساكن المبنية في العزب، ويعملون إما بالحصة أو باليومية.
- عمال الحصة: وهم يعملون في الأرض نظير جزء من المحصول يقدر بالربع أو الخمس أو السدس حسب خصوبة الأرض ونوع المحصول. وعادة ما تتم خاصة القسمة في المحاصيل الغذائية، أما محصول القطن فيستولي عليه المالك بالكامل ويبيعه بالسعر الذي يراه مناسـباً ثم يحاسب عماله علي نصيبهم في الثمن.
- عمال اليومية: وهم المعروفون بالتملية، الذين عادة يستأجرون مساحات صغيرة من أرض المالك في مقابل أن يزرع هو وأولاده أرض المالك نظير أجر يُتفق عليه ، يخصم من قيمة الإيجار المفروض دفعه عند نهاية العام.
- عمال المياومة: وهم عمال التراحيل الذين يحصلون علي قوتهم من خلال عملهم اليومي بأجور زهيدة تختلف من منطقة لأخرى ومن وقت لآخر.

يتضح من ذلك أن الفلاحون المعدمون كانوا هم المصدر الأول للعمالة الزراعية وعلى ذلك يتعين دراسة تلك الفئة من الفلاحين بشيء من التفصيل. فالفلاحون المعدَمون هم الفلاحون الذين لا يملكون أرضاً وليس لهم سوى قوة عملهم التي يستخدمونها في مجال الزراعة وما يتصل بها من أعمال أخرى. وقد تزايد ذلك القطاع من الفلاحين طوال القرن التاسع عشر بسبب التطورات التي حدثت في نظام حيازة الأرض حيث تحول قطاع كبير من فلاحي أراضي العُهد إلي فلاحين معدمين، كما كانت الضرائب المتزايدة، والسخرة، والتجنيد سببا في ترك الكثير منهم لأراضيهم وتسحبهم منها ولجوئهم في أعداد كبيرة إلي مزارع كبار الملاك من أصحاب الأبعاديات وخاصة الأجانب منهم حيث يجدون لديهم الحماية من أعمال السُخرة وغيرها. وفضلوا بذلك أن يتحولوا إلي فلاحين معدمين يعملون في دوائر وتفاتيش كبار الملاك على أن يكونوا ملاكا مكبلين بقيود الأرض وما يترتب عليها من ضرائب وسخرة وغيرهما من الالتزامات التي أثقلت كاهلهم. في عام 1837م تم مناقشة الظاهرة وقال مدير نبروة [...أن كثير من الأنفار وبعض المشايخ يتركون زراعتهم ويأخذون مواشيهم وعيالهم ويتوجهون ليخدموا بالجهات المذكورة بقصد الحماية ...فيصير التنبيه علي نظارهم بأن يسلموا المتسحبين يعمرون في بلادهم حيث عليهم أطيان وأموال وبقايا كثيرة وترك أطيانهم بلا تخضير وأموالهم بلا تحصيل ليس جائزا].
وهناك قطاع آخر من المعدمين تكون في إطار نظام العُهد فقد أُرغم الفلاحين المدينين للحكومة علي البقاء في قراهم علي أن يعملوا لدى المتعهدين في أراضي العهدة التي عجز أصحابها عن زراعتها كعمال مياومة أو علي أساس المشاركة علي أن يقدم المتعهد البذور ورأس المال بينما يزرع الفلاحون الأرض نظير جزء من المحصول. وفي ظل هذا النظام فقد الفلاحون حريتهم بعد أن فقدوا أراضيهم وانحدروا إلي مرتبة الأتباع.

ونظرا لاتساع ظاهرة الهرب واللجوء إلي كبار الملاك بغرض ضمان الأمن والحماية فقد اعترف بها محمد علي حيث رفض إعطاء أراضي أثرية للفلاحين الذين يعملون لدى كبار الملاك، وجاء بخصوص ذلك فيما صدر بتاريخ 13 ربيع أول 1245هـ / 1829م " يقتضي توزيع أطيان علي الفلاحين الذين لا أثر لهم، ولا طلب للميرى عليهم ليكونوا أصحاب أثر … أما ما يوجد في بعض البلاد من المزارعين الذين لهم خمسماية وألف فدان وزيادة، وعندهم فلاحون بالأجرة أو بالشركة فيقتضي قيدهم عند المأمور وناظر القسم بأنهم ليسوا خاليين من الأشغال.
بدراسة أوضاع العمال الأجراء خلال القرن التاسع عشر نجد أن بعضهم مستقر بأراضي كبار الملاٌك ويقيمون بها إقامة دائمة في مساكن التفتيش أو الدايرة وعرفوا بالتملية أو القرارية "مفردها فلاح تملي أو فلاح قراري"، والبعض الآخر رُحَل يجلبون من خارج التفاتيش خاصة في موسمي الزراعة والحصاد، ويطلق عليهم الأجرية أو الرُحَل "مفردها فلاح أُجري أو فلاح ترحيله". وعند صدور لائحة الجفالك عام 1837م أُشير إلي أن هناك نوع من الفلاحين المقيمين بالجفالك يزرعون الأرض مقابل جزء من المحصول يتفاوت ما بين سدس المحصول ونصفه، وتُنزَع منهم الأرض في حالة إهمال الزراعة ليتحولوا إلي عمال أُجرية، [بخصوص المزارعين المستخدمين في الشفالك ومرتب لهم السدس تقرر أن تصرف لهم نقدية كل 15 يوما أو كل شهر، وكل ما يصرف لهم من مئونة يكون من أصل الأجرة. وقد اقتضت إرادة الخديوي أن الذي يتحصل من محصول الذرة الصيفي يعطى لهم الربع، أما الذرة النيلي فيعطى لهم النصف. وفي آخر كل سنة يعمل معهم حساب كل واحد عن محصول زراعته وعن مقدار ما يخصه من السدس والربع والنصف في الذرة ويخصم عليهم ما تعاطوه من الدراهم أجرة وأصناف مئونة، وكل مزارع إذا كان يتبقى له شيء يصرف له في يده. والمزارع المتكاسل يرفع من خدمته ويرتب كأحد الأجرية وتعطى الأرض لغيره ممن عندهم رغبة واجتهاد].

وفي عام 1840م تم الاتفاق علي أن يتقاضى الفلاحون الذين يعيشون في ضياع الوالي نصف أجرهم نقداً، ونصفه عينا في كل يوم ثلاثاء بمعدل 30 بارة للرجل البالغ ، 15 بارة للشاب، 10 بارات للحدث. أما من كانوا يعيشون في ضياع إبراهيم باشا فقد كانوا يتقاضون 40 بارة في اليوم، 30 منها في شكل حصة من الخبز والباقي نقدا في مواعيد منظمة، كما كانوا يتقاضون جزءا من المحاصيل ويُسمح لهم بالاحتفاظ ببعض المواشي والدواجن.

وفي 26 ذي القعدة 1262هـ/1846م صدرت أول لائحة تنظم العلاقة بين الفلاحين والدولة عند رغبة هؤلاء في زراعة أجزاء من أطيان الدولة بطريق المشاركة، وجاءت في خمسة بنود حددت أن تكون محصولات الحبوب مناصفة بين الميري والفلاحين علي أن يقدم الميري التقاوي اللازمة للزراعة بينما يقدم الفلاحون الخدمات اللازمة للزراعة بما فيها درس المحصول علي أن يخصم من نصيب الفلاحين ما يصرف لهم أثناء الزراعة، وأن يجرى تقسيم ثمن محاصيل الخضر مناصفة بعد بيعها، وحددت اللائحة مدة المشاركة بين الفلاحين والميرى بأربع سنوات.

يذكر محمود عطية مأمور دايرة "دائرة" البرنس حسين كامل باشا في خطاب لأبنائه [……إن الأنفار هي روح الأطيان والماء حياتها، وإذا لم توجد فيها أو خرجت منها الأنفار تموت ولو كانت المياه موجودة فيها لهذا يجب علي أصحاب الأطيان أن تكون أفكارهم متجهة إلي كيفية ربط الأنفار بالأطيان …… أن أغلب أصحاب الأطيان المتسعة بما فيها تفتيش جبارس ملك البرنس حسين كامل كانوا يمنحون "أطيان معاش" للفلاحين وذلك للتحايل علي إيجاد الأنفار التملية وضمان بقاؤهم في التفتيش. ويتم تقسيم أنفار الفلاحين إلي أربعة درجات : يُمنح أنفار الدرجة الأولي فداناٌ وربع فدان، وأنفار الدرجة الثانية فدان، وأنفار الدرجة الثالثة ثلاثة أرباع الفدان، وأخيرا يُمنح أنفار الدرجة الرابعة نصف فدان، ويدفع الفلاحون نصف أو ثلث ما تساويه هذه الأرض من إيجار مقابل أن يتعهد بالعمل في أرض البرنس بأجرة يومية تساوى ثلثي أجرة النفر الذي يُستحضر من الخارج "كانت أجرة النفر من الخارج ثلاثة قروش، وأجرة التملي قرشان". إلا أن هناك بعض أصحاب الأطيان لا يأخذون إيجاراٌ من أطيان المعاش ولا يدفعون أجرة للتملية]. ويؤكد مأمور الدايرة علي أهمية التملية فيقول [... إن وجود الأنفار بالأطيان وتشغيلهم بصفة تملية هو روحها لأن بوجودهم يصير عمل كل لازما في وقته أما الأنفار غير المقيمين بالأطيان الذين يصير استحضارهم من الخارج واستئجارهم بحسب اللزوم فهم أحرار يشتغلون عند من شاؤا ممن يجدون راحتهم عنده في الاشتغال أو بزيادة الأجر خصوصا في وقت لزومهم وذلك لتعذر إيجاد أنفار كفاية لعمل ما يكون لازما بوقته]. ويقدر عدد الفلاحين التملية اللازمين لكل مائة فدان وفقا لأسلوب الزراعة في ذلك الوقت بخمسة عشر فردا، علي أن يكون من بينهم ستة أنفار درجة أولي، وكل من الدرجات الثانية والثالثة والرابعة ثلاثة أنفار. ذلك يعني أن كبار الملاك يتنازلون عن استغلال نحو 13% من مساحة أراضيهم ضمانا لتوفير العمالة المستقرة.

وفي دائرة أخرى كان الفلاحون التملية في أبعادية رياض باشا بمحلة روح مديرية الغربية يكونون مائة أسرة تضم نحو 600 فردا، قام الباشا بتوزيع 18 قيراطا علي كل أسرة لزراعتها لحسابها الخاص مقابل إيجار سنوى قدره 200قرش وهو أقل من الإيجار السائد نظير أن تتعهد الأسر بتقديم 150 فردا للعمل بأرض الأبعادية بشكل دوري فيما بينهم لقاء أجر يومي يتراوح بين 1.5-2.5 قرش، وتقديم أطفالهم للعمل في نقاوة ورق القطن وجني المحصول لقاء أجر يومي يتراوح بين 20-60 بارة حيث القرش يساوى 60 بارة (39). وعند نهاية القرن التاسع عشر كانت العزب تغص بأعداد كبيرة من الفلاحين المعدمين الذين يقومون علي زراعتها كعمال تملية. ففي مركز قويسنا بمديرية المنوفية كان عدد الفلاحين الذين يُقيمون بعزبة محمد بك الشنواني البالغ مساحتها 250 فدان يبلغ 355 فلاح، وفي عزبة إبراهيم عمر الملواني البالغ مساحتها 430 فدان كان عدد الفلاحين العاملين بها 490 فلاح، وفي عزبة القمص يوحنا غطاس البالغ مساحتها 248 فدان بلغ عدد الفلاحين بها 424 فلاح، وفي عزبة راتب باشا البالغ مساحتها 420 فدان بلغ عدد الفلاحين بها 380 فلاح، وفي عزبة أحمد يوسف علما البالغ مساحتها 598 فدان بلغ عدد الفلاحين العاملين بها 822 فلاح. يتبين من ذلك أن نصيب الفدان من العمال التملية في هذه العزب المذكورة تراوح بين 0.91 عامل إلي 1.71 عامل ، أي في المتوسط عامل تملي لكل فدان. ويعرض كرومر في تقريره عن سنة 1903م لحالة فلاح تملي لا يملك أطياناً ويعمل في أطيان غيره، فهو يستأجر فداناً ونصف فدان ويدفع إيجار الفدان 170 قرشاً من أجره اليومي لدى المالك الذي يعطيه 25 قرشاً في الشهر نظير 25 يوم عمل بحيث يتبقى للفلاح خمسة أيام للعمل في قطعة أرضه المُستأجرة. وهذا الفلاح دائما تقل إيراداته عن نفقاته لذا يظل هذا الفلاح مديناً كل عام ويزداد ارتباطه بالمالك الكبير. وثمة نوع آخر من الفلاحين المعدمين الذين كانوا يعملون في أراضي كبار الملاك وهم من عرفوا بأجرية أو عمال التراحيل وكانوا يجلبون من خارج التفتيش للمعاونة في الأعمال التي تتطلب عددا كبيرا من الأيدي العاملة وخاصة في موسمي الزراعة والحصاد، وهذه الفئة من الفلاحين كانت واستمرت دهراً طويلا من أتعس الفئات، حيث عانى أفرادها كثيراً من عدم استمرارية العمل فضلا عن ظروفهم القاسية وانخفاض أجورهم مما كان لا يقيم أودهم، هذا بالإضافة إلى تعرضهم لاستغلال جيش من المتعهدين ومقاولي الأنفار. وكان الفلاحون من "العمال الأجرية" أكثر انتشارا في الوجه القبلي، بينما كان الفلاحون من "العمال التملية" أكثر انتشارا في الوجه البحري حيث تحتاج زراعات القطن لعناية مستمرة. ولا توجد إحصاءات عن عدد هؤلاء العمال الذين ينتقلون من مكان لآخر سعيا وراء الرزق، ولكن هناك من يقدر عددهم عند بداية القرن التاسع عشر بنحو 660 ألف عامل زراعي متوسط أجر العامل منهم ثلاثة قروش، بينما قدر عددهم عند نهاية القرن بنحو مليون شخص. وفي تقرير لقنصل عام الولايات المتحدة إلي حكومته عام 1873م أن عدد العمال الأجرية الرُحل في ثمانية مديريات بلغ 421273 عاملا تراوحت أجورهم بين 1.1-2.5 قرش وكان عليهم إحضار طعامهم.
الفلاحون والسخرة
ظلت السُخرة العامة قائمة في مصر حتى تم إلغاؤها في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. ولا توجد بيانات تفصيلية عن أعداد الفلاحين الذين استخدموا في أعمال السخرة العامة، ولكن توجد أعداد من تم استخدامهم في بعض المشروعات، وبشكل عام كانت السخرة من أهم أسباب تسحب الفلاحين وهجرهم لقراهم مما يدل علي مدي قسوتها. ففي عام 1847م كان عدد الفلاحين المطلوبين لحفر ثلاث ترع في الدلتا 182.077 ألف نفر وهناك أمر من الكتخدا نائب الوالي إلي عمدة قليوب بتاريخ 24 سبتمبر 1846م بأن يخرج في ألف نفر إلي فم ترعة الشرقاوية لسد مقطع جسيم بها مع التحذير من الإبطاء.

وفي عهد عباس زادت الأعباء الملقاة علي عاتق الفلاحين بالسخرة، فقد ألقيت عليهم أعباء حراسة جسور النيل، وإبادة الجراد، ومد خطوط السكك الحديدية التي بدأت في عهده حيث أُرسل 15 ألف نفر إلي جهة الملاحة، وأربعة آلاف نفر لجهة طنطا لأعمال سخرة السكك الحديدية. ومع ارتفاع الشكوى أصدر عباس أمرا إلي مدير الجيزة بتاريخ 16 مايو 1854م جاء به [ علمنا بأن الأنفار المطلوبة لأعمال الترع والجسور والقناطر والسكك الحديد حينما يُجمعون من القرى لا يُراعى العدالة والحق والمساواة بل يحصل ظلم وغدر في حق الفقراء ويراعي المحسوبية للمشايخ فعليه مراعاة منطوق اللائحة الذي يقضي بجمع الثلث من عدد النفوس طبقاً لتعداد 1264هـ عن كل قرية ]. ورغم أن اللوائح الخاصة بتشغيل الفلاحين في أعمال السخرة تقضي بضرورة تغييرهم كل شهر إلا أن هناك العديد من الوثائق تشير إلي عكس ذلك فهناك خطاب من المعية إلى مديرية المنوفية بتاريخ 26 يناير 1853م أوضح أن أحد الفلاحين العاملين في القناطر الخيرية لم يتم تغييره منذ ست سنوات، وعدد 61 فلاحا من مدة خمسة عشر شهرا، والباقي لمدد تراوحت بين 14 شهرا وثلاثة شهور. بالإضافة لطول مدة السخرة كانت هناك أيضاً قسوة العمل مما كان يدفع بالفلاحين إلي الهرب كما حدث عام 1852م عندما هرب 800 فلاح من سخرة السكك الحديد في مديرية الغربية، ولم يتبقى من سخرة الشرقية سوى 29 فلاحاً من أصل 1651 فلاح. وفي عهد سعيد أضيف إلي الفلاحين عبء حفر قناة السويس فزادت أعباء السُخرة زيادة كبيرة. كما تم تطهير ترعة المحمودية علي يد 115 ألف فلاح خلال 22 يوماً حيث تم رفع 3 مليون متر مكعب من الطمي. وفي الفترة ما بين عام 1856م إلي عام 1863م كان يخصص ما بين 25 ألف إلي 30 ألف نفر للعمل في حفر القناة، وبينما هميعملون كان مثل هذا العدد في الطريق إلي منطقة العمل مما يعني أن هناك 60 ألف عامل بعيدون بصفة مستمرة عن قراهم، هذا إلي جانب السُخرة في الأعمال العامة الأخرى. وفي عهد إسماعيل تزايدت الأعباء الملقاة علي كاهل الفلاحين ففي عام 1867م كان المطلوب حفر ورفع أتربة تعادل 300 ألف قصبة مكعبة بالوجه البحري وكان عدد المطلوبين لهذا العمل 30 ألف فلاح لمدة ثمانية شهور، وفي الوجه القبلي كان المطلوب حفره ورفعه 319 ألف قصبة مكعبة وكان عدد المطلوبين لهذا العمل 27 ألف فلاح لمدة ستة شهور. ولم يكن ما أصاب الفلاحين في عهد إسماعيل من معاناة وأضرار نتيجة لتزايد أعمال السخرة فقط بل في التوقيت الذي يتم استدعائهم فيه حيث تكون أراضيهم في أشد الحاجة إلي إليهم بينما كان الفلاح متأكدا قبل ذلك من أنه لن يُستدعى للسخرة في مواسم الزراعة والحصاد، وقد أدى ذلك الأمر إلى خراب واسع النطاق حيث لم يتمكن الفلاحون من حصاد غلالهم بعد جهد وتكلفة الزراعة. وفي عام 1880م استجابت الحكومة لكبار الملاك حيث قررت إمكانية دفع البدل النقدي "بدل العونة" علي فلاحي العزب سواء كانت أراضيها عشورية أم خراجية، ولم تسمح الحكومة بتعميم البدل النقدي علي جميع الفلاحين. وفي عام 1887م تقرر السماح بدفع "بدل العونة" علي جميع الفلاحين لمن يرغب في ذلك، وبلغت قيمته 40 قرشا للفرد الواحد في مديريات الوجه البحري، 30 قرشا في الوجه القبلي ولكن سوء الأحوال المالية للفلاحين لم تمكنهم من دفع البدل وبذلك استمرت أعمال السُخرة. وبعد ذلك أصبحت السخرة محلية في نفس المركز الذي يقيمون به أو علي الأكثر في نفس المديرية وذلك بناء علي قرار مجلس النظار الصادر في 24 سبتمبر 1888م والذي يمنع أخذ أنفار من مديرية للأشغال بمديرية أخري إلا في الأحوال الجسيمة كالغرق والشرق والحريق. وأخيرا في 19 ديسمبر 1889م صدر أمر عال بإلغاء السخرة في جميع أنحاء البلاد مع الإبقاء علي نوع واحد منها هو الخاص بحراسة جسور النيل وحفظها واستبدل بالعونة والبدل النقدي ضريبة جديدة فرضت علي الأطيان العشورية والخراجية في حدود أربع قروش ونصف القرش للفدان الواحد ، بحيث لا يزيد مجموع المحصل منها علي 150 ألف جنيه مصري سنويا تضاف إلى مبلغ ربع مليون جنيه خصصت لأعمال المقاولات. وبررت الحكومة إبقاءها علي سُخرة حراسة الجسور أثناء الفيضان بأن الإلغاء التام للسُخرة يتطلب اعتماد مبلغ سنوي قدره 600 ألف جنيه وهو ما تعجز الميزانية عن تحمله.

لم يكن يُعفي من السُخرة في عهد محمد علي سوى الأطفال الذين يقل عمرهم عن ثمانية سنوات، والشيوخ الذين يزيد سنهم عن سبعين سنة، والعلماء، والعجزة. في عهد عباس أعفي حلاقو الصحة من السخرة. أما في عهد سعيد فقد أعفي من أداء السخرة العساكر الذين تم تسريحهم من الجيش في عهده بشرط ألا تقل مدة خدمتهم عن عشر سنوات. وفي عهد إسماعيل رفع سن الذين يُعفون من السُخرة إلى 15 سنة، وأنقصه من كبار السن إلى الذين يزيدون عن 50 سنة، وأضاف أصحاب الحرف والفقهاء وخدم الأضرحة والمساجد والقسس وخدم الكنائس والخفراء، وقد تحدد ذلك كله بأمر عال صدر في 25 يناير 1881م. وفي 31 ديسمبر من نفس العام أضيف إلي الفئات المعفاة العمد والمشايخ وأولادهم ماداموا مستمرين في الخدمة وتسقط عنهم إذا فصلوا من وظائفهم. مع أن التشريعات منذ عصر محمد علي تمنع استخدام الأهالي في السُخرة الخاصة حيث نص قانون الفلاحة الصادر في 1245هـ/ 1830م علي أنه "إذا كان شيخ البلد يأخذ جمل الفلاح بالجبر عليه ويستعمل في نقل زرعه بدون أجره فتحصل منه أجرة المثل مثلين حسب الجاري بالمملكة وتعطى لصاحبها" ثم عُدل ذلك القانون في 26 شعبان 1255هـ/ 1839م إلي "إذا كان شيخ القرية أو غيره يستخدم الفلاح بلا أجره علي وجه السُخرة في أشغال كحمل الزرع وحصاده فمتي ثبت عليه ذلك يغرم الأجرة كاملة لذلك الفلاح ويحبس من خمسة عشر يوما لغاية خمسة وأربعين أو يُضرب من اثني عشر جلدة لغاية خمسين عقابا علي تعديه"، كما "لا يجوز حسبما هو جار قديما تشغيل الأهالي مجاناً في شئ يخص متعهدي البلاد أو وكلائهم أو المشايخ أو القائمقامات أو عمد البلاد وسائر الحكام". رغم كل تلك القوانين إلا أن واقع الحال كان غير ذلك حيث استمرت السخرة الخاصة بصور مختلفة وباستخدام وسائل ضغط متعددة(44). استمرت ظاهرة هجرة الأراضي وهروب الفلاحين من القرى طوال القرن التاسع عشر، إلا أنها تباينت في حدتها من سنة لأخرى. وظلت أسبابها التاريخية كما هي قسوة الضرائب، وأعمال السخرة. ونظرا لأنه ستتم دراسة الضرائب الزراعية تفصيلا في باب مستقل فإنه سيجري الإشارة إليها فقط عند دراسة علاقتها بموضوع هجرة الأرض. ففي عام 1817م زادت الضرائب بحجة توفير الأموال اللازمة لتمويل الحرب في الجزيرة العربية مما دفع الفلاحون إلي الهرب من الأراضي. وفي 31 أغسطس 1827م سافر أحمد باشا حاكم البحيرة بنفسه إلي الإسكندرية ليجبر كل من هربوا إلي الإسكندرية علي العودة إلي قراهم، وتكرر الهرب عام 1832م بعد أن بلغت متأخرات الضرائب 3.5 مليون ريال، وفي عام 1837م انخفض الفيضان وعجز الفلاحون عن دفع قدر من الضرائب بلغ 190 ألف كيس "الكيس يعادل 500 قرش" فتسحبوا من الأراضي. وفي عهد سعيد كانت الأحوال أفضل نسبيا حيث كثيرا ما كان يُسقط الضرائب المتأخرة في السنوات العجاف، إلا أنها عادت للزيادة الكبيرة في عهد إسماعيل وهرب غالبية الفلاحين من قراهم، ومن تبقي منهم وقع فريسة للمرابين. ويذكر نائب القنصل البريطاني في تقرير له عام 1879م " أن الفلاحين يهجرون ممتلكاتهم الصغيرة هربا من الظلم الذي ينالونه علي أيدي المشايخ ليصبحوا عمالاً زراعيين لدى الذوات والأوربيين ، كي يكفل هؤلاء لهم الحماية من مشايخهم". يوضح الجدول التالي تطور الضرائب المفروضة علي قرية بنى غالب بمديرية أسيوط، حيث يتبين معدل الزيادة الرهيبة في حجم تلك الضرائب علي هذه القرية التي بلغ زمامها واحد وستون فدانا فقط.

الفلاحون والديون
لجأ الفلاحون الذين لم يتسحبوا من الأرض ويهجروا القرى إلي الاستدانة حتى يمكن لهم مواجهة الأعباء القاسية المفروضة عليهم من الضرائب الجديدة، بالإضافة لحاجتهم المستمرة لتمويل الزراعة بشراء تقاوي ومستلزمات الإنتاج. ولجأ الفلاحون لأحد سبيلين: أما الاقتراض من التجار بضمان المحصول بعد تقدير قيمته قبل النضج الكامل، أو رهن أراضيه للمقرضين ضمانا لسداد الدين خاصة بعد أن منحت القوانين الجديدة الفلاحين حق رهـن الأراضي. وبتتبع ذلـك الموضـوع بعد أن ألغـي محمد علـي نظـام الاحتكار نرى الفلاحين يبيعون محصولاتهم مقدما للتجار خاصة الأجانب منهم، فأصدر محمد علي أمرا إلي بوغوص بك مدير الأمور الإفرنجية في عام 1842م بالتنبيه علي التجار الأجانب بعدم إتيان ذلك، وأن الحكومة لن تتدخل فيما ينشأ بين الدائن والمدين من نزاع. إلا أن ذلك لم يمنع الفلاحين من السعي إلي بيع محصولاتهم مقدما لحاجتهم الشديدة إلي المال، ورغم ذلك فإن ديون الفلاحين في أواخر عصر محمد علي وفي عصر عباس الأول لم تكن تُشكل خطرا علي أوضاع الفلاحين الاقتصادية ولم تهدد بنزع ملكية أراضيهم لصالح الدائنين المرتهنين خاصة وأن عدد الأجانب في عهدهما كان محدودا.

ابتداء من عصر سعيد تدفق الأجانب بأعداد هائلة علي البلاد، ولكن في الوقت الذي خفف فيه من وطأة الضرائب علي الفلاحين في بداية عهده فإنه طالبهم بسداد هذه الضرائب نقداٌ، ومع انخفاض حجم النقد المتداول اضطر الفلاحون لبيع محصولاتهم مقدما إلي التجار أو الاقتراض بالربا الفاحش حيث بلغت الفائدة في بعض المناطق 9% شهرياً أي ما يعادل 108% سنوياً، حتى أصدر سعيد أمرا إلي كافة المديريات في 13 ديسمبر 1855م يقضي بمنع بيع محصولات الفلاحين مقدما إلي التجار، كما سمح بسداد جزء من الضريبة عيناً. ولكي يضمن سلامة تنفيذ أمره تنازل عن متأخرات الضرائب حتى ذلك العام، كما أمر بتعديل مواعيد سداد أقساط الضرائب حتى تتناسب مع مواعيد نضج المحاصيل. أما أول الأخطار التي هددت ملكية الفلاحين فكان البند الثامن من اللائحة السعيدية الذي نص علي أن الأطيان التي مضي علي رهنها خمسة عشر عاماً ولا يزال موضوع اليد عليها تصبح منفعتها من حق الدائن المرتهن، وكان هذا النص أول إجراء لتجريد الفلاحين من أراضيهم لحساب أصحاب الديون. وفي عهد إسماعيل مع زيادة الضرائب، ثم صدور قانون في مارس 1880م يؤكد أن جباية الضرائب نقداً هي الوسيلة الوحيدة المعترف بها.

وقع الفلاحون مرة أخرى في مصيدة الديون، وارتفعت الفوائد إلي ما يعادل 120-140% سنوياً، وساعد علي ذلك التواطؤ بين المرابين وموظفي الدولة الذين يجمعون الضرائب حيث غالبا ما يتوافق نزول المرابين إلي القرى مع ميعاد نزول الموظفين لجمع الضرائب. وكان من الصعب علي الفلاحين الحصول علي حقوقهم في ظل نظام القضاء القنصلي حيث استأثرت المحاكم القنصلية ابتداء من سنة 1850م بنظر جميع المنازعات الخاصة بالأطيان ومنها الرهن ونزع الملكية، وكان الفلاح المصري إذا خسر دعواه أما الأجنبي وأراد استئناف الحكم فعليه أن يستأنفه أمام محاكم البلد التابع لها الخصم. ومع انخفاض أسعار القطن بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية انخفضت أيضاً قيمة الأراضي الزراعية وتزايدت مشاكل نزع الأراضي لصالح المرابين الأجانب سداداً. فقامت الحكومة بدفع ديون المرابين الأجانب بسندات علي الخزانة بفائدة قدرها 7% وتتولى الحكومة التحصيل من الفلاحين خلال سبع سنوات بفائدة قدرها 12%، وقد استفاد من ذلك القرار كبار الملاك الذين استطاعوا تدبير أمورهم خلال تلك الفترة بينما نزعـت ملكيـة صغار المـلاك وفـاء للديـن الذي لم يتمكنـوا من سداده. وهناك العديـد من الوثائق التي توضح حجم المساحات التي استولى عليها المرابين في القرى نتيجة عدم وفاء الفلاحين بالدين. ومع تطور الزراعة وانتعاش السوق دخلت الشركات الأجنبية مجال الرهن العقاري ففي عام 1865م قامت شركة التجارة المصرية وهي شركة إنجليزية بتسليف الفلاحين بمديرية البحيرة ما يزيد عن ثلاثين ألف جنيه في مقابل أطيان ارتهنتها بتصديق مديرية البحيرة ومحكمتها. ويعد البنك العقاري المصري الذي تأسس في 1880م أول وأهم البنوك التي عملت في حقل الرهن العقاري، إلا أن هذا البنك وغيره اهتم فقط بإقراض كبار الملاك وبرهن الأراضي التي تثبُت ملكيتها بعقود رسمية. فكان أقل مبلغ يمكن إقراضه هو 300 جنيه مصري خفضت بعد تدخل الحكومة إلي مائة جنيه، ولكن ظل هذا المبلغ أيضاً فوق طاقة صغار الملاك ليستمر تعاملهم مع المرابين الأجانب وغيرهم. وقد ارتفعت قيمة الرهون العقارية المسجلة بالمحاكم المختلطة من نصف مليون جنيه عام 1876م إلي سبعة ملايين جنيه عام 1882م، من بينها خمسة ملايين جنيه ديوناً علي الفلاحين، وقدرت ديون الفلاحين المرابي القرى في ذلك العام بثلاثة إلي أربع ملايين من الجنيهات. وبلغت مساحة الأراضي الزراعية التي باعتها المحاكم المختلطة في عام 1883م جبراً عن أصحابها 22047 فداناً، وفي عام 1884م بلغت 18148 فداناً، وفي عام 1885م بلغت 17828 فداناً، وفي عام 1886م بلغت 12969 فداناً، وهكذا تمت عملية تجريد صغار الفلاحين من أراضيهم لتتجمع في أيدي كبار الملاك من المرابين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- (4-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي تحت الحك ...
- (3-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي تحت الحك ...
- (2-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي في مصر ا ...
- (1-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي في مصر ا ...
- 6-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر الحديث ...
- (5-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - النظام الاقتصادي في مصر ال ...
- (4-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي تحت الحكم ال ...
- (3-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي تحت الحكم ال ...
- (2-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر البطل ...
- 1-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر الفرعو ...
- (10-10)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- التفسير العِلمي لن ...
- (10-9)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- المنهج في الاقتصاد ...
- (10-8)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- اللاحتمية والمنهج ع ...
- (10-7)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد - اللاحتمية والمنهج ...
- (10-6)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- الحتمية والمنهج عند ...
- (10-5)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- المنهج قبل نشأة عِل ...
- (10-4)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد - الاستنباط والاستقر ...
- هل صحيح أن سد النهضة خراب على مصر؟
- (10-3)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- رحلة العلوم إلى الل ...
- (10-2)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد رحلة العلوم إلى الحت ...


المزيد.....




- تقرير: استنفار وتكثيف بالإجراءات الأمنية بعد هجوم الواحات بم ...
- ارتفاع معدلات منح كندا اللجوء لعابري الحدود الأمريكية
- طهران: عدم التزام واشنطن بالاتفاق النووي سيؤدي إلى انهياره
- إصابة 4 أشخاص بعملية طعن في ميونيخ
- الجيش الإسرائيلي يقصف مواقع للمدفعية السورية بعد سقوط قذائف ...
- تراجع أعداد الحشرات يهدد الحياة على الأرض
- سفينة حربية روسية مضادة للغواصات تغادر ميناء الإسكندرية
- أزمة "الكلاب البوليسية" تشتعل بين تركيا والنمسا
- الربيع الإسرائيلي في إفريقيا
- هجوم بسكين في ميونيخ يوقع عدة جرحى


المزيد.....

- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني
- دعم الزراعة فى العالم المعاصر / سمير أمين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - محمد مدحت مصطفى - (5-5) تطور استغلال الأراضي في مصر - استغلال الأراضي في مصر الحديثة