أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم الوراق - عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-















المزيد.....


عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-


إبراهيم الوراق
الحوار المتمدن-العدد: 5497 - 2017 / 4 / 20 - 23:15
المحور: الادب والفن
    


عطر الصباح
ذلك الظل المسكون في جوفي
شهادة في حق والدي رحمة الله عليه
‏-1-‏
يتبع
لم أتوان عن كتابة شيء أكثر مما تباطأت عن كتابة هذه الشهادة في حق أبي، لأنها تتضمن نسمة من روح الذي أخلد مناقبه بودي، ونفحة من بركاته التي تعينني على نيل ‏سؤر غدي. إنه أبي الذي ربطني به القدر في الأزل، فكان حفيا بأن يصير شيخا لي في الأجل. وهناك كان أبا من جهتين؛ أب أحس فيه بمعنى الأبوة، وشيخ أشعر معه ‏بوافر الغبطة. وكيف لا أكون به مرفوع الرأس، وقد مات به عظيم الإتقان لرسم القرآن، وآيه المحكم الأساس.؟ أجل، قد أراني مندهشا كغيري لفقد قريب إلى الفؤاد، ‏ولبيب في الوداد، لكن ما يعتريني من هزة حين أتمعن في رسم عينه، وهو يحدق من عيني إلى الشأو البعيد في همته، وربما من شدة الحرص على الوفاء لعهد الماضي، ‏يقول بلحن الحادي: حين اخترت اسم جدك، ليكون علما عليك، لا أريدك إلا أن تكونه بلا اعتراض على الصفات، لأنه أوفر أنموذج عندي في المفاضلة بين الأمارات. ‏هكذا أسمع من صمته، وهكذا أقرأ من كده، لأنه لم يوقف حياته على طي المسافة بين البقاء والفناء، إلا ليخلد في ابنه صورة أبيه الغراء. فما أشقى حظي بين الأقدار ‏الضيقة، وأنا أرمل طائفا بين الدروب الشقية، لعلي أن أعثر على ثغرة ينفذ منها شعاع عيني إلى الآفاق، أو أن أرسم لي خطا أرِد نقطته باتفاق. ربما قد يصير عبثا أن ‏نقول: هل البصر أولى.؟ أم المبصَر أعلى.؟ لأن امتزاج خمرة التاريخ في عمق الآباء، وجؤار الأبناء، لا ينفيه إلا دعي النسب، ووطيء الحسب. ‏
وعلى الرغم مما شاب الأماكن من كدر، ونابها من وضر، فإن صوت الأب الذي فارقته قرابة ثلاث سنين ما زال مسموعا، ولا يفتأ يناجينا ما دام رقينا مرفوعا، لأنه ‏همس في الجَنان، وعشق في البيان، إذ لم يختر في طريقه إلا الخلق السني، والقصد الهني. وأنى لما غرسه من حب السكون، ولثم الأمان، أن يفارق رحابا توسع فيها الألم، ‏وتوجع منها الورم.؟ لم يكن ذلك مطلوبا له على جهة الندب، بل كان فرضا يهتف به بين الدروب، وهو يقرأ في الأفق قرب الأجل، وموت الأمل، وكأنه لم يبق له من ‏كلام إلا ما يوصي به من أعراف، ويحض عليه من أكناف. شيء يغريني على النظر الحاد إلى ما في الصورة من أعراض، وأنا أشهد كيف كانت لحظة مفارقته ظهر ‏الأرض، لكي يستوطن جسده بطنها العريض، فترفرف روحه في قدس الرحموت، وفردوس الملكوت، فأتأمل حشود المصلين، وجمهور المودعين، وألتفت يمنة، ويسرة، ‏وكأني أستبرأ الصورة من مظهر الغرور الدني، فلا أرى إلا ضعافا سكنهم العشق الأبدي، وهم يجأرون إليه بنفوس راضية، وقلوب خاشعة، لكي يزيح لثام الظلام عن ‏الوجوه البائسة، والعقول الحائرة. لعلي لم أحس بافتخار أكثر مما أيقنت بوجوده في عمقي من رضى بالأكدار، وطمأنينة بالأقدار، لأن بكائي ولو استدررته بحدة، ‏واستظهرته بشدة، فهل سيكون تعبيرا عن ذات فارقت الحياة بلا انكسار، ولم يحضر جنازتها إلا ذوو أطمار، لو أقسموا على الله لأبرهم بلا انتظار.؟ ‏
قد يكون بكائي مطلوبا، وغموضي مرغوبا، لأنه يعري ضعفي أمام هزة الفوت، ورجة الموت، وهي تسحب من بين يدي كائنا لو افتديناه بملء الأرض لما فديناه، ولو ذرفنا ‏وزان دموع الأرض لما أنقذناه، ولو توسلنا بأشمل كلام البشر لما حميناه. غريب أنها تطلبه، ونحن نطالبه، فلمن سيؤول الانتصار في النهاية.؟ قد كل العضد، وعيي ‏الجسد، واستقوت المنية بالزمن المحصور، والأمل المغدور، فكانت الهزيمة التي نقر بها في دموعنا، ونفصح عنها بنحيبنا. أجل، لو كان لعراكنا شيء من الأمل في خلاصه، ‏لحذونا حذوه، ولمشينا وراءه، لكن متى انتصر غيرنا بشدة مراسه، لكي نفوز نحن الضعاف بالمنية، ونظفر بالوصل من الجولة.؟ لم يكن ذاك لأحد، ولو كان له في الأمد، ‏لأثبتنا أبديته، ولأقمنا البرهان على دلالته. وإذ ذاك سيختل ناموس الحياة التي نحاورها بلطف، أو نجادلها بعنف، لأن روحها من زوال ما انتهى دوره، ولم يبق من بعده ‏إلا أثره. تلك هي الذرية الصالحة، والعمل الذي يدل على فاعله بعد خفوت أضوائه الباسمة. وما دمنا نوقن بأن عراكنا قد انتهى بحد القيود، فإن توديعنا للقريب، والبعيد، ‏لم يكن إلا دليلا على أننا لن ننتصر على الموت، ولن ننجو من غارات حروبها المتلفة للذوات. وتلك هي الحقيقة التي أتأملها في لحظة وداع الروح للأبدان، والجسد ‏مسجى في بياض الأكفان، والعيون ذاهلة، والقلوب واجفة، والأنظار تحوم حول النهاية القاضية.‏
وقد فارق الناس الأحبة قبـــــلنا
وأعيا دواء الموت كل طبـــــيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها
منعنا بها من جيــــــــئة وذهوب
لم يصر الافتخار عنوانا على الاستسلام، ولا يأسا من الالتئام، إلا حين أدركت صوت هذه الحشود النازف بالألم، والغارق في يم الورم، لأنه الصوت الأفصح في ‏التعظيم، والأظهر في التفخيم، إذ هو صدى الإنسان البريء اللذات، وزفير صدره الغض بالفجع والنكبات. ولولا سماعي لهذا الصوت الذي يتهادى بين الأجساد، لما ‏أدركت أن رسالة أبي كانت لطفا في الأكباد، ونفسا في اللطفاء، وبسطا في الظرفاء. فما أجمل المشهد حين يدل على البساطة، ويوحي باللطافة، وينفي عنه رسم التحديد، ‏ونقش التعقيد، لأنه لم يكتب له أن يكون إلا مدررا للقرآن، ومربيا للسالكين طريق الحقيقة بالبيان. فهل ألوم حظي حين شممت رائحة الأسمال، وهي رشح الكد الأمثل، ‏فأقول: لم لا تفوح المقابر بعرق العطور، وعرف البخور.؟ كلا، لو برز لي ذلك في صمتي، ولم أشم رائحة الطين كما استنشقتها في صغري، فإني قد أسأت الأدب في حضرة ‏الكتمان، وأوردت نوقي منابع النسيان، إذ ما توقف السير عند إقرائه، إلا لكونه سيكون مودعا له إلى قبره. ولا محالة سيصير أنيسا له في لحده، وشفيعا له بين يدي ربه.‏
كان رحمة الله قصة رائعة لكلمة السماء، وحكاية فاتنة لنغمة نسجها القدر بين الدور التي استظل فيها بهادئ الأفياء، ورواية تَعَوَّد مُحِبوه أن يتسلسل خبرها بين الزمان، ‏ويسند فيها الفرع إلى الأصل بين أمداء المكان، لأنه لم يكن في منال الصفات إلا حافظا مجيدا، ومقرئا مفيدا. وحق له أن يدل فيه الوصف على الموصوف، ويوقف فيه ‏الإسناد على الموقوف، إذ أغلى ما كابد من أجله أعسر السبل، وعاند في حرزه أشرس الغيل، هو ما غرسه من بذور الرعاية في شرايين ذريته، وما نثره من عطور في ‏أحشاء رفاق ارتحلوا معه على درب الاستظهار لرسم كتاب سيده. ولولا أحقيته بذلك في سمو ذاته، لما كان همَّه الأوكد في مخاض حياته، هو الإقراء لآيه، والتدريس ‏لسوره. قد يكون هذا محبوبا بالمهارة التي نكتسبها طبيعة، وقد يكون هذا مرغوبا لما فيه من علل الجاه، والحظوة. لكن هل عرت الشهرة محيا الأب عن جمال صلته ‏بتاريخ الصفاء، وفتنت الرغبة عوارضه عن اقتفاء طريق النقاء.؟ لو قيل لي: إنك تمدح فيك تاريخك بأجزل النعوت، وأنى لك أن تقف عند حدود الصدق في كسب ‏الصفات.؟ لقلت: إن تحريف التاريخ بتحسين ما فيه من رزايا، لا يتأتى إلا لمن طلب بالصفات أكمل ما تهبه حِيَلها من عطايا. أجل، لم أحمد فيه ما رأيته في غيره من ‏رياش، وعظمة، ولم أمدح فيه ما لم يقبله من كسب، ومنحة. ولو كان فيه شيء من ذلك المكروه كسبه، والمعلول نيله، فإني أقر بحيدتي عن معلوم الصدق، ومرسوم ‏الحق. لكن أنى لي أن أظفر فيه عن محل لورود تلك النزوات، وموئل تصدر عنه تلك الرغبات، وهو في حياته لم يخلفها من بعده لذريته، ولم يورثها لأحبابه. ولو ادعيتها ‏مينا، واكتسبتها عينا، فكثير ممن عرفه بناموسه، سينفي عني نسبة الانتماء إلى أسوسه. ‏
هكذا يكون لساني ناطقا باسمه، ومغردا بلحنه، لأني ما رأيته إلا أبا عطوفا، وحضنا رءوفا، وحين تجاوزت به رسيم هذا الحد، وعدوت به بعيدا عن هذا القيد، وقدست ‏ما تفتق عنه من خلال، ودونت ما عنَّ لي فيه من خصال، فإني ما شهدت شرف الانتساب إلى أهل القرآن، إلا في صلتي بما له من سند يروي غلة الظمآن. وهنا ‏يكون بجلاء محبا لذكر ربه، ومتفانيا في عشقه، بل ربما في كثير من الأحيان أحس بأنه قد امتزج به امتزاج الطين بالروح، واختلط به اختلاط السكر بالراح. أجل، إني إن ‏تذكرت كثيرا من الحكايات التي رافقتني في عقدين من زمن الذهول، والتوهان، فلا حرج إن استرسلت معه حين يقول رحمه الله بلسان الفرحان: إن القرآن مكتوب على ‏صفحة عقلي، ومسطور على سواد عيني، وفي هذه الكلمة انحنى، وفي ذلك السطر انثنى. لم يكن هذا إلا شعورا وجدانيا بكلمة الأزل في جونه، وإحساسا غضا على ‏ظاهره، لأنه أجمل ما يكسوه الإنسان في ربع دأب على رعاية حفظه، وتبجيل أهله، إذ أقدس ما اكتسبه المرء من أبيه، هو أرقى ما صعد مرقاة عزه في حياته.‏
‏ وكيف لا يكون لسانَه الذي يجهر به، وهو لم يفارقه إلا في لحظات مرضه، لأنه ومهما انطوى على سر ذاته، وفارق محال مبارزته، لم يبرح دائرة الترتيل، ولم ينأ عن المراد ‏الذي اكتسب صفته بالتأثيل. فلا غرابة إذا أخبرني قبل أربع سنوات، بأنه له في شهر رمضان سبع وعشرون من الختمات. فيا لها من أصوات مدوية، قد خذلها الدهر ‏بأرزائه المحيرة.! لكن بعد مضي سنة على ذلك بالتحديد، وأنا أزوره في عيد فطر سعيد، وأقو ل له متسائلا بلسان المريد: كم من ختمة ختمتها هذه السنة، فقال بجامع ‏زفير الحسرة: قد ختمته سبع عشرة ختمة. لم تكن ذلك إلا سنة امتدت مخالبها إلى القلب المتعبد، فبدأ الضعف يدب في اللسان المتشهد، وغدا ذلك الصوت الرخيم نحنحة ‏متهدجة، وذلك النظر تفرسا للملامح المتلبدة، وذلك الصمت تأملا للآفاق المتوقدة، وذلك الرمز غراما في المعاني المتوحدة. وأنى له أن يضج، ويئن، ويغيب عنه الرضى ‏فيلام، ويهون، وهو لم تسمع منه في وجعه كلمة ألم، ولم تقرأ من عينه سوْرَة ندم.؟ ‏
وإذا كان القرآن ربيعه الذي تفيأ ظلاله، وأنيسه الذي نادم بساطه، فإن عدم مفارقته لكتب تفسيره، قد جعلته أكثر استدلالا به، وأبعد استنطاقا له، لأنه ما عرف عنه ‏حين نصب ذاته للإقراء، ووقف حياته للإمامة، والإفتاء، أو حين فارق خِطته، ولازم فراش بيته، إلا تاليا لما صدره من معجز الآي، والنظام، أو مطلعا على تفسير ابن ‏كثير الإمام، أو مراجعا لكتاب الصابوني القريب المرام، وإن لم يكن هذا حاله، فمن يجرأ من معارفه أن يكذبني فيما حكيته عنه.؟ لقد كان كما يعن للوصف أن يوافق ‏الموصوف، وهو في بلاغته لم يف بحقه عند إرادة التوليف، ولم يأت بما تفرد به من أمر التكليف، بل غاية العظمة فيمن شرُف بحفظ القرآن، أنه لا ينأى عن ميدان الحق ‏المنغم الألحان، ولو جانف القوم اللئام طريق الصدق، وفارق السير مسير صفي الرفاق، لأن ما تفتق بين الديار من حفاظ كرام، لم يكن إلا تقديسا للكلمة بالتمام، وتبريزا ‏لما خطه الأزل من علامات تدل على تمام جماله، وعموم كماله. ولذا لا يستغرب أن يكون مدلول الأمس دليلا على مرام اليوم، لأننا قد ودعنا الأب والشيخ بلا ملام، ‏ولم يبق لنا الفقد إلا مرارة نتجرع غصتها بين الآلام البادية، والأوجاع الظاهرة. ‏
تبتدئ القصة منذ القديم، وقد اجتازت مراحل من العمر المتنافس عليه بوافر الهمم، لكي تكون تجربة خالدة، وحكاية شاهدة، أفرزها الأب فيمن كرع من نبعه زلال ‏الموارد، لكننا نلاحظ على الزمن فيما أفجعنا به من وارد، ونقول له متسائلين بلا كمد: ألم يكفك ما أمته فينا من معاني البنى، وها أنت تقطع حبال الوصل بين الفؤاد، ‏والمنى.؟ لو أجابني الزمن بما يتأجج في عمقي، ويترنح في غوري، لكنت حفيا بصوته، ووفيا لعهده، لكن ما أغلق من باب، لم يترك لي أملا في الانتظار بين اليباب. ولو ‏بقيت هنا منتظرا للفجوات، فهل سينزف الصوت يوما بين الطرقات.؟ لا، ليس لما انتهى جرمه رجوع، وليس لما زال عينه طلوع، فماذا أؤمله من حشو يخرجني عن ‏رقصات الصورة، لكي أستدرك على نعي البكاة، وأعلن حدادي بصخبي، وأصرخ بأنيني بين مرابع جلبي.؟ لم آمل أن يعود ما يشملني من عطف عاما، ولا أن يكون ما ‏انتقص مني تاما، ولم أرتج أن يحدث في زمن الانتقال معجز الرجعة، ولا أن يأتيني من غائر الديار من يخدعني بقرب الأوبة، لكنني لا أستطيع أن أنفي ما أرقبه من ‏صدى، وأداريه من سدى، إذ الصوت غدا سرا، والحسيس صار جهرا. فلا معدى عن البكاء، وقد أوقفه لون المشهد على البهاء، وهو يتلو سورة يس على الأرماس، ‏ويتدبر ما فيها أجراس، والقلوب خاشعة، والعيون باكية. فماذا حدث، وقد تصالح الجميع على سماع صمت الفقيد، وتواطأ الحشد على استكناه القبر لسر ساكنه العميد، ‏وهو لم يكن إلا وعاء يرشح بعسله، وكأسا مترعة بخمره.؟ وكيف لا يكون شهدا في الأذواق، وهو ما ذاق إلا علالة تبلغ بها في زمن يقتات أحباره دسم المذلة، والإملاق ‏‏.؟ ‏
‏ ولم أقضِ حَقَّ العلمِ إن كان كُلَّــــــــمَا
بدا طَمَــــــــــــــــــعٌ صَيَّرتُه لي سُــــــــــلَّما
‏ ولم أبـــتذل في خدمة العلمِ مُهجـــَتي
لأَخـــــــــــــدمَ من لاقيتُ لكن لأُخدما
‏ أأشقى به غَرســــــــــاً وأجنيه ذِلةً
إذن فاتباعُ الجـــــــــــــهلِ قد كان أَحزَما
‏ ولو أن أهــــــــل العلمِ صانوه صانَهُم
ولو عَظَّمُـــــــــــــــــــــوه في النفوسِ لَعُظِّما
‏ ولكـــــــــــن أهانوه فهانو ودَنَّسُوا
مُحَيّــــــــــــــــــــــــــَاه بالأطماعِ حتى تَجهَّما
كان الزهد معلما واضحا فيه، والعفة مكسبا غنماه منه، لأنه لو توقف به سير الرغبة عند طرق باب وثير الحواشي، والأحناء، لكذبنا ما في القصة من غلو، وإطراء، لكنها ‏أسلوب حياة عاشها مشارطا، واستمرت على لبستها بعدما عاد إلى عشه مرابطا، لكي يختلي بحلمه الذي ذاد عن حماه، وجابه عنه من عاداه، لأنه بدون حماية نسبه ‏بالرعاية، لن يكون لنسبته إلى شيخه التيجاني عليه نفحة، ولمسة. كلا، لم ينفصل ما يتلوه عما نذر لذاته من وظائف مفروضة، يعض عليها بالنواجذ المرتاضة، وهي ‏ليست إلا سننا، وأذكارا، وحكما تحمل طرقا، وأسرارا. تلك هي كلمة التوحيد التي حنك لسانَه بثمرتها شيخه التلضي، المحصري، وتلك هي أصوات الكتاب المبين التي نهلها ‏من أبيه العيسي، الوكليمي، وتلك هي معاني التاريخ التي كسبها من شرف نسبه المزالي، السملالي. أجل، هي صوت الحاضر، وصدى الماضي في الظاهر، وكلاهما يبدو ‏جليا، ويظهر قويا، لأن ما يوجب اليقين في محل الهدى، ويستلزم الوفاء بالعهد في مقام الندى، هو كون التاريخ يشهد بصدقه على تمام القصة، وكمال المنة. ولولا ما في ‏ذلك من قوة مستوجبة للاعتبار، ومسترفدة للانتظار، لما تهللت الأسارير بمرآه، وهشت الأفئدة بلقياه، إذ ندر أن يحاط بالإجلال إلا ذووه، ولا أن يقاس بالفضل إلا ‏أهله، لأن البذل في المعاني شحيح، والإسراف في الصفات قبيح. فكيف بمن أوغل في برية العناد، ولم يجد الاعتراف إلا دليلا على نقاء الأفنان المجردة الوداد.؟ أجل، تلك ‏هي الشجرة الفواحة على ربى الذكريات، ومهما كانت متنائية عن الأنظار المتألقة الإشارات، فهي ظل لمن اعتقد فيها تمام الحماية. فهل يضرها غصنها عند معلوم الرعاية.؟ ‏لو قيل بذا، أو بذاك في موفور الكلمات، لما كانت لدعوات الوالدين بركات، ولما وجدت لوصايا الآباء نفحات، إذ ما هما في وضوح المرآة الصقيلة، إلا صلات تقي الروابط ‏الجليلة. وأي شرف أغلى من طهارة الذرية.؟ وأي كسب أغنى من استقامة البنوة.؟ ‏
في ذلك اليوم الذي ختمت أولى ختماتي للقرآن، كان المكان غضا بأصوات الحفاظ، والأعيان، وكان الزمان بضا ببسمات الأعين المصافحة، والألسن المباركة. فيا له من ‏مشهد ضم رسوم العادات المقررة بالأديان، وهي رسالة التاريخ في الإنسان، وصوت الحقيقة بين الديار، والوديان، لأننا بدون أن نطل من هذه الكوة، ونستهدي من هذه ‏الثغرة، لن نكون وصلا لما تضمنته الصورة من ألوان راقية، وأشكال زاهية، إذ لا نكتسب فاتر الهمم، وحاسر العزائم، إلا إذا قرأنا تاريخنا بكاسد الأفكار، وخامد الأنظار. ‏فلا عجب إذا كان هذا التعبير الجزل عرسا، والعنوان الفخم أنسا، لأنه كان فرحا بالقرآن، وأهله، وشوقا إلى رقيه، وعلوه. لكن ما أثقل الكاهل، وأتعب النائل، هو ما قاله ‏لسان السائل، وهو يخاطب الحشد المجتمع: إن ابني هذا قد وهبته للقرآن بلا انقطاع. فيارب تقبل هديتي، وارض عن نحلتي. فيا أبتاه، ارحم ضعفي، وكسر عجزي. ألم ‏تكلفني بما لا أطيق عبء حِمل وقره.؟ ألم تطالني بما أهاض جناح طالب سنام ظهره.؟ كلا، لم يكن ذلك إلا حبا في كلام الألوهية، وأجمل ما في عمق العاشق لكمال ‏البشرية، أنه لا ينتهي به الأمل إلا إلى إلباس محبيه كسوة الجمال، وإغراق خلانه في يم الكمال. تلك هي الرغبة التي اجتازت العزم، واختارت المرام، لكي تفردني بجسامة ‏الصفة، وضخامة المنة. فما أصعبها من صلة، وهي لا ترغب إلا في أن يكون الأثر قائما بعلة المؤثر، والفعل سابغا بسبب المفعول المظهِر. فماذا يفيدني أن أفارق الأكنان، ‏لعلي أن أظفر بما في الحياة من أغصان.؟ قد يكون هذا رغبتي، لكي أرسم حوبتي. لكن لا رغب بعد حدوث ما أبرز الاستجابة، فكان الابن وافر الحظوظ بما اختطته ‏يد الأب بأدب، وعناية. ‏
لعل ما يخططه الدهر من محن، وما يبرمه من فتن، سيرد علينا جذعة فيما توقفنا عنده من عقبات، وأصبنا فيه بالأزمات، لكن ما يمنع من منعرج الهبوط، ويحمي من ‏منحدر السقوط، هو تلاشي الموانع بما تجربه الذات من دروب، وما يجري عليها من ندوب، لأن غاية التماسك في المعرفة، لا يخلو من استطراد في الصياغة، إذ لا نهاية ‏لمواعظ الزمن، ونصائحه، لأنها هي تحملنا على رفرفها بآمال شدائده، لكي نكون حدثا كما أريد بنا، لا كما نخاله واقعا بإرادتنا. وربما من شدة التفويض، يستحيل أن نجد ‏طريقا سوى ما كسبناه بلا رغبة في التعريض، وهو قدرنا المكتوب علينا بلا افتراض، وعجزنا الذي نكابده بلا اعتراض، لأن الابن كسب والده، وفعله الذي يدل عليه بعد ‏فوته. وهل سيخذل القدر نية صادقة في فؤاد مشرب بحب ذريته.؟ لو قيل بذلك فيما حكينا عنه، أو ذهبنا إليه، فما أحسن قائله الأدب مع مدبر أمره، وموجه شأنه، ‏لأنه الصورة الروحية التي تجر الأشباح المادية إلى نار تمحيصها، وتجذب المعاني إلى مناط تبيينها. وإذا تشاكلت النيات، وتماثلت الإرادات، كانت روحا في الأخلاف، ‏ونسمة في الأعراف. وهي ليست إلا كلمة سارية بين الأعراق العريقة، والآواصر العتيقة. تلك هي بداية العلاقة في الكنه البشري، ونهايتها في بعدها المادي. ونحن حين ‏نجيل فيها القداح، لا نرجو إلا نيل الرباح. لكن هل لها نهاية في معناها الروحي، وبعدها المادي.؟ لو انقطعت الصلة فيما بيننا وبين سر المقام، لما أثبتنا لغيرنا أننا أبناء أهل ‏كرام، لثموا وجه الصفاء، وعانقوا روح الوفاء. وهل ستنتهي حبال الوصل بين حارس دير المرام، فيرى سؤر عشقه متواريا بين زهر الأكم.؟ قد يكون شؤما على كاسب ما ‏ليس له مدحا في الاجتهاد، أن يحيد عن طرق السداد، وهو لا يرجو إلا أن يكون موجودا بعرضه الخارجي، وموفورا بكسائه الظاهري، لأنه تخيل القطع فيما حقه ‏الوصل، وزعم القيد فيما حده الفصل، فكان الرمز فيه غامض الأصل، وناقص الأمل، فلم يشهد عليه رقة الشادي، ولا طراوة النادي، فزعم الانفراد برأيه، والانبطاح ‏لجريه، وهو ما كان حريا به أن يفاصل الأصل للخيال المعرور في ذهنه، لأنه بدون أن يتزيى بخلعة أبيه، لن يصير له جمال بين عري الأماكن عن حماسة الهمم الباهرة، ‏والهامات القاهرة. فلا غرو إذا كان هذا إعلانا عن الوصل، لأنه أسند الإسناد إلى فرعه المعلوم الأصول، وهو يجهد في أن لا ينقطع حبل الوصال بين الأجداد والأحفاد، ‏فتكون الديار ناطقة بأحقاد الأكباد.‏







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- موارد العنف -1-
- عقيدة التسويغ -11-
- عقيدة التسويغ -10-
- عقيدة التسويغ -9-
- عقيدة التسويغ -8-
- عقيدة التسويغ -7-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -5-
- عقيدة التسويغ -6-
- عقيدة التسويغ -5-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -4-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -3-
- عقيدة التسويغ ‏-4-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -2-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -1-
- عقيدة التسويغ -3-
- عقيدة التسويغ -2-
- عقيدة التسويغ -1-
- وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -8-
- وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -7-
- وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -6-


المزيد.....




- صدر حديثا كتاب -حجارة قلم-، للكاتب وليد الزهيرى
- الفيلم الروسي -آنا كارينينا- يفتتح مهرجان مونتريال السينمائي ...
- اختتام مهرجان واسط السينمائي الدولي الثاني
- الإرهاب في الثقافة العربية – علي ابراهيم عبود
- الأدباء يستذكرون شاعر العرب الأكبر
- مذكرات الثورة السورية: كتاب جديد بين هوية القارئ وماهية الرس ...
- شرط غريب يضعه بطل ملاكمة لمنازلة بطل الفنون القتالية المختلة ...
- مهرجان الثقافة الحضرية -شوارع حية- في سان بطرسبورغ
- نوال الزغبي للراديو السويدي: فخورة بتمثيل بلدي بمهرجان عالمي ...
- البيت الثقافي – اربيل، دار اثرية تحتضن ارشيف الموسيقى الكردي ...


المزيد.....

- ملحمة العشق والانهيار... / محمد الحنفي
- فيدرالية لليسار... / محمد الحنفي
- عاش الشعب... / محمد الحنفي
- شاعرة أنت... / محمد الحنفي
- مهرجان المساوة عيد... / محمد الحنفي
- بلادي قريبة / بعيدة... / محمد الحنفي
- يا رفاقي... نعيش في زمن الكوارث... / محمد الحنفي
- الحديث المعظم... إلى شعبي المعظم... إلى شعب فلسطين المعظم... / محمد الحنفي
- حكيمة بين فكي الإرهاب... / محمد الحنفي
- ملحمة الانتهازية... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم الوراق - عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-