أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لقاء موسى الساعدي - الهروب الى الداخل في رواية طائفتي الجميلة (دراسة في لغة الرمز الروائية)















المزيد.....


الهروب الى الداخل في رواية طائفتي الجميلة (دراسة في لغة الرمز الروائية)


لقاء موسى الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 23:58
المحور: الادب والفن
    



تمتلك النصوص التي تتوشح بالرمزية جاذبية خاصة, فالرمز يدعو الى تعميق وجودنا, ولايكتفي بأعادة انتاج صور الحياة الواقعية, بل يكون محركا للمخيلة التي تفتح المجال للتأويل الذاتي, بالاعتماد على البنى الذهنية والنفسية للقارئ والناقد. وهذا في تصوري مايجعل رواية طائفتي الجميلة لمرتضى كزار الصادرة عن(دار الجمل, 2016) تستحق التوقف الطويل عندها في محاولة لفك ترميزات الشخصيات والاحداث فيها. هذا النص يربك القارئ لانه لايمنح لذة المعنى بالعفوية الكافية لادراكه، لذا يتطلب ان يقف القارئ عند كل شخصية من شخصيات الرواية ليرسم لها معناً قد يختف من قارئ لاخر.
وأحسب ان النص سيفقد قيمته الفنية وجدوى القراءة ان ضيعنا البعد الرمزي للرواية, لان التفريط بهذا البعد سيدخل القارئ والناقد في دائرة اللامعنى والعبث في مصائر الشخصيات, فضلا عن ان الاحداث ستبدو محدودة ومفككة.
الرمزية في النصوص الروائية هي رمزية نستطيع ان نطلق عليها(( الرمزية الموضوعية التي تقترب من الواقع وتعالجه بقصد بنائه وتفسيره على نحو افضل))1. وقد اشار الدكتور جون توماس هامل الى ان الرمزية تعد مظهرا مميزا من مظاهر اللون القصصي في العراق بل وطبعت الادب العراقي بوجه عام نتيجة لنمط السياسة القائمة2. لذا يلجأ الكتاب الى استخدام اساليب السخرية من الواقع ليصل الكاتب الى ادانة الانظمة التي اوصلت الشعوب الى هذه النتيجة الفاجعة.
بينما يعمد مرتضى كزار الى اللجوء للرمز في روايته هذه لانه يتيح له ((الوقوف عند موضوع معين وجعله مركزا جوهريا لجملة من تمثلات أخرى بعيدة بقدر او بأخر وقادرة على الاعلاء من شأن المضمون المركزي))3، كما انها وسيلة تعبر عن حاجة نفسية لدى الكاتب وهي عدم الاكتفاء بالبسيط والعادي بل الارتفاع والتسامي طلبا لمزيد من العمق. لان خيال الفنان هو الذي يحرك النص وليس الواقع كما هو. فالتخييل يعمل على نقل النص من الواقعية الحرفية الى واقعية تعبيرية تخصب النص وتضيف اليه اشعاع الفن الروائي المعبر4.
لذلك نظر ارسطو الى الفن بوصفه محاكات منقحة للطبيعة تقوم على تغير الواقع وتنقيح الحياة بالتغيير والتشكيل بما يتلائم والاحداث.5 فتكون مهمة الكاتب ان ينتقي العناصر المناسبة لعمله فيحذف ويضيف بما يتناسب والرؤية التي ينطلق منها. وفي طائفتي الجميلة يعمد مرتضى كزار الى تصوير الشخصية الروائية كنمط ودلالة رامزة حيث يلعب الرمز دورا واضحا في الرواية، فالرمز هنا يلتف حول الشخصيات الرئيسية في الرواية بعد ان حدد المؤلف معالمها الفكرية والنفسية والوجدانية والاجتماعية.

- الهروب الى الداخل
احسب ان ( الهروب الى الداخل) هي العبارة المفتاحية للنص فهي تشمل زمني الرواية الاول، وقت الحكم الدكتاتوري الذي كان يحبس الناس تحت جبة اوامره واضطهاده, وزمن الاحتلال وزوال النظام الذي فتح اعين الجميع على مدى العجز لصناعة داخل جديد ينقذ الجميع من الدمار, الذي عرضته الرواية عبر الشخصيات والاحداث فيها. هذه الرواية لاتتحدث عن الطائفية في العراق كما يوحي العنوان بذلك, بل تتحدث عن الهامش الاجتماعي الذي تسبب بكل هذا الخراب, والكلب خاكي الذي خرج من جوف الرئيس مع جميل يحترمني الذي اقترن به في الرواية , يمثل هذا الهامش الذي خرج بعنف ومشقة, فتراه يتخبط ليجد له موطأ في الاحداث لكنه أخيرا دمر كل ما حوله من الحضارة لانه ببساطة بديل غير صالح ...بديل لم يسهم في صنع الحضارة في البلد لذا هو يرى نفسه خارجها ويتعامل بانتهازية وعنف, لانها الوسائل الوحيدة التي يدركها.
بينما يقضي أكثم بطل الرواية وراوي الاحداث ويرمز الى الطبقة الوسطى المسحوقة، فهو طبيب بيطري يقضي وقته بحثا عن العمل ولا يوفق لايجاد مايناسبه, نجد جميل يحترمني الممرض في المستشفى التي يعمل بها أكثم يعمل وزوجنة بعد قتلهم للكلب خاكي , في الاعلام وبرامج تفسير الاحلام في اشارة لوصول الجهلة وتسيدهم على المشهد الاعلامي بعد الاحتلال الذي يعد منبر التنوير في العالم. وحين يشرع أكثم بتحقيق حلمه في انشاء السلالة المميزة من النحل التي كان يحلم بها, يسرقها عديسة الغجري العنيف المتسرطن كما تصفه الرواية.
هذه الرواية جعلت من الحيوانات شخصيات رئيسية مشاركة في اكتمال معنى الرواية, وهي العالم الذي ارتبط به الراوي والشخصية الرئيسة (أكثم كلافة ) في عمله كطبيب بيطري في مستشفى البيطرة الخاصة التابعة لديوان الرئاسة حيث تبدأ الاحداث قبل سقوط النظام في عام 2003, ويأتي مفتاح الربط بين أكثم كلافة وعالم الحيوانات ليس فقط من مهنته كطبيب بيطري , ولكن من تعلقه منذ صغره بكتاب (كليلة ودمنة) الذي ترجمه الى العربية عبد الله ابن المقفع يقول اكثم:(( تأثرث كثيرا بكتاب كليلة ودمنة للفيلسوف الهندي بيدبا. عشت معه أيام طفولتي فاذا به يسيطر على فتوتي وصباي ويظل نديمي وصاحبي في الشباب))6. فكتاب كليلة ودمنة يروي قصة استعارية يكون دالها الحيوان ومدلولها الانسان لان ابن المقفع او مؤلفها الاصلي وظف الشخصيات الحيوانية لنقد الواقع الفكري والاخلاقي والسياسي, لكن في نص مرتضى كزار تشترك الحيوانات والناس في مدلول واحد هو ضياع الجميع في العراء والعزلة أمام قوى خفية غير محددة وسقوط الجميع في لاجدوى الفعل والوجود والكينونة, فاكثم كلافة انسان عادي لا يلفت الانتباه مهمل في المستشفى البيطري التي يصفها اكثم أنها شيدت أواخر الثمانينيات على ضفاف دجلة, كملحق بكلية الطب البيطري, لكنها تحولت لاحقا الى دائرة خاصة تدار من جهات عليا(الرواية ص 23 ), هذا المكان هو الداخل الذي رمز الى عراق ماقبل 2003 وهو اشبه بالسجن الذي تحبس فيه الحيوانات لاجراء الاختبارات عليها, ويكون الانسان والحيوان فيه خاضعين لسلطة البساطيل والشوارب المجنحة التي بأمكانها أن تضع بساطيلها على رأس من تشاء وقتما تشاء.
وأكثم شاب محبوس في ذاته لايغادرها ويعجز عن اقامة علاقة خارج هذه الذات السجينة, لان كل ما هو خارج مؤطر بالشر, ادرك منذ طفولته ان عالم الكبار عالم مشوه وبغيض, فوالده كلافة ظهر في النص بصورة ضابط يعامل ولده بفضاضة ويصطحبه الى عيادة عشيقته راجحة طبيبة الاسنان ويتركه في مواجهة مع ولدها خارج الباب المغلق على الاب والعشيقة.
والطبيب سركوت الذي رافق طفولته وكان لطيفا معه وعالجه حتى بعد ان صار رجلا, يموت برصاصة طائشة تخترق صدره عبر شباك عيادته. أكثم محاط بكل ماهو غير منطقي وغير مفهوم لذا يحبس نفسه في ذاته ويتعلق بالامبالاة مع من لاعلاقة لهم بما يحدث او يجري, وامعانا في صورة العجز الذي يمثله اكثم والجيل الذي ينتمي اليه فهو غير قادر على التفاعل مع امرأة بشكل سوي, ((البنات بالنسبة لي يقعن في الجزء المحذوف من احلامي. وجودهن معي يبدد عشقي بنفسي. بل يهز نفسي ويرعبها. لاشيئ غير الاستمناء ومضاجعة نفسي لنفسي يجدد ولائي لنفسي وهيامي الكبير بها))7.
هذا الهيام بالذات هو محض رعب داخلي يمنع اكثم من فهم معادلات الحياة البسيطة, ورفض لتكرار ايقاع الحياة الاعتيادية ، لذا فرفضه للنساء ناجم من عجزه عن فهم الاخر الذي يمثل العبئ المشتت عن الانغماس بالذات وتحولاتها المضطربة. لذا نصحته راجحة(عشيقة والده السابقة) بأن يجد فتاة تقبل الزواج به, ساخرة من عجزه واوهامه. وحين يشرع بتحقيق حلمه بأنشاء طائفة النحل الخاصة به ثم ينجح اول الامر, لكن حلمه ينتهي بأن يسرقه (عديسة) الصبي الاقرع المتسرطن العنيف الذي تعرف عليه في مقبرة الحمير حيث تعيش عائلة البتران الغجرية. ضياع الحلم يقترن برمزية هذا الحلم وهي انشاء طائفة النحل المهجن التي تحمل جينات الشعوب التي عاشت بجوار دجلة, لعلها تكون متكيفة ومتطورة اكثر من اهلها الاصليين الذين تدفعهم طوائفهم للاقتتال, فيصف طائفته من النحل ((والنحل الذي يعيش بجواره دجلة مستجيب أكثر للتغيرات الجينية الطارئة عليه. غير متمسك باسلافه وصفاتهم. هذا مع بضع صفات عضوية أخر تجعل من هذا الصنف اذا ما اجريت عليه تجاربي ..فتحا عظيما في عالم النحل والملل, النحل عفوا))8 . تبدولي هذه الطائفة التي حلم بها اكثم هي الانسان الذي يعيش مواطنته وانتماءه لدجلة منذ ولادته وينتمي لبعضه ولا يتقاتل ولا يتصارع, لكن هذا الحلم يسرقه العنف والمرضى المحملين بحقد قلوبهم المسرطنه بالكراهية, كما سرق عديسة قفير النحل وتاجر بعسله, وهنا يتشوه الحلم ويفقد منطقيته. ويعيدنا الى منطق اللعنة التي تحاصر شباب هذا الجيل دون ذنب منهم فقد افترض أكثم ان ثمة أمرأة تؤمن بالسحر قد كتبت اسمه على جدار مرحاض عمومي, ولعنته الى الابد، وهي فكرة سادت الادبيات الدينية اليهودية التي لعنت كل الحضارات التي مرت بها كنوع من العصاب الديني ومنها الحضارة العراقية و ويبدو ان استعانة كزار بهذه الفكرة هي سخرية من تكرار الاقدار التي يمر بها سكان هذا البلد من جيل لجيل.
ولو انتقلنا الى مشهد تحرير الكلب(خاكي) المحشور في جوف تمثال الرئيس, وهو المشهد الذي يفتتح به كزار روايته وفيه تجتمع كل شخصيات الرواية والحيوانات المقترنه بها, الجنود اصحاب الشوارب المجنحة كانوا يريدون اسكات نباح خاكي, هذا النباح الذي رافق تجليات الرئيس زمن حكمه في خطبه التي لم تكن تنقطع, فيبدؤن بحفلة تعذيب للطبيب أكثم ولحكم نحات تمثال الرئيس, ولجميل يحترمني الممرض في المستشفى البيطري, ينتهي المشهد السادي بخروج الكلب خاكي من جوف التمثال, الكلب خاكي يخرج الى الداخل ويمارس مثليته الجنسية في المستشفى وفي بيت جميل يحترمني, ويظل مقترنا بجميل الذي يستغل مثلية خاكي كي يناشد المنظمات الدولية لاخراجه من البلد اي الى الخارج مع خاكي الذي يضطهه الجميع بسبب ميوله الجنسية. الكلب وجميل لا يفلحان في الهرب ويظل هروبهما الى الداخل دائما كما انهما يضطهدان على يد (زغلة) زوجة جميل التي تقوم بأخصاء عشاق خاكي, ويغرق جميل في الاهمال وينتهي محاولا النوم او الغياب على سجادة غرفة الضيوف, بينما يلجأ خاكي وعشاقه الى نصب الحرية. خاكي وجميل شكل من اشكال الاحتجاج على قوة المجتمع وعنفه تجاه اي مختلف ومغاير, ذلك العنف الذي يحاصر الجميع ويصدر من الجميع دون استثناء.
أما شخصية (حكم) الذي وصفه أكثم بأنه أعمى يحمل الة الطابعتة ويسير في الشوارع والحروف تتناثر من أصابعه, ولا يلقى سوى استهجان الناس وطردهم له لانزعاجهم من نقرات اصابعه المتتالية على الة الطباعة حتى اهتدى الى مكان يمارس فيه هوايته بعيدا عن الاخرين في مرحاض عمومي, وحكم هو نحات تمثال الرئيس الذي انحشر فيه الكلب خاكي , الحزن الذي غلف شخصية حكم وجعله مثل حيوان القنفذ ملتما على نفسه ((يجلس القرفصاء عاقدا ذراعيه على قنفذ. يحتضنه وينامان معا. يغطان في عالم واحد حلم طويل متصل))ص:112 .حكم يرمز للثقافة العراقية وقت الدكتاتورية وهي تنثر اوهامها في كلمات وحروف تتناثر ولا تحضى بقيمة حتى صار مكانها المراحيض, وقد اجرمت بسكوتها وخضوعها, أما بعد الاحتلال فان حكم يتحول الى حيوان راجحة المستأنس وعشيقها الذي تمارس عليه انحرافاتها والذي ترافقه وهو يتتبع الانفجارات واحدة تلو الاخرى وهو غارق بعماه وعجزه وظلامه, كما يفعل المثقفون بعد الاحتلال حين يكتفون بالتفجع على الضحيا بعد كل انفجار, ويذرفون الحبر والدموع ويدينون النتائج بينما يغضون ابصارهم عن الاسباب.
ولو انتقلنا للشخصيات النسوية في رواية طائفتي الجميلة فلم يكن اقل تشوها من رجالها, وابرز تشوه نلاحظه في شخصية (زغلة) زوجة جميل يحترمني التي وقعت في الاسر اثناء الحرب العراقية الايرانية , فتقرر قيادة الجيش تغيير اسمها الى (زغل) واعتبارها ذكرا (( حتى لاتستخم قصتها لتثبيط الروح المعنوية الرسمية والشيمة البطولية عند المقاتلين الاشاوس))9 , فصار جميل يدعي انها اخاه وليس زوجته, زغلة التي سلبت انوثتها تتحول الى دور الجلاد وتسلب عشاق خاكي ذكورتهم, وتمارس اخصائهم في طقس وحشي (( أنا ضغطت على رأس الكلب ثم طعنته.غرزت السكين في ظهره ومات قبل ان يتم أخي جميل المهمة, جميل لايصلح لهذه الامور . كان ابي يقول بأني عمود البيت))10.
الانموذج النسوي الثاني هي شخصية (راجحة) طبيبة الاسنان التي بدأت الرواية عشيقة (كلافة) والد أكثم وانتهت عاشقة (لحكم), أما مصرع ابنها في نهر دجلة فلم يكن واضحا هل ابتلعه النهر أم انتحر هو لانه لم يحتمل أن يظل جالسا خلف الباب الموصد على أمه وعشاقها..!!.
يبقى مقبرة الحمير التي اكتشف أكثم أنها مقبرة للبنات العاشقات المقتولات غسلا للشرف, لكن مرتضى كزار يضعنا امام انموذج للنساء اللواتي يساندن الظلم والقتل ويدافعن عن استلابهن, فالام تأتي بصحبة زوجها ليدفن ابنتها الشابة (ضحى) ثم تفتعل مشهدا دراميا من البكاء والندب على جثة هذه الشابة المغدورة بعد ان تكون السيارة قد غادرت والجريمة اكتملت والام شاهدة ومساهمة فيها, ((أتفرج على صورة المرأة وهي تعنف زوجها وتلعن نفسها, تؤدي ما عليها في دور الام الندمانة وتقضي ما في ذمتها من البكاء لكي تواصل الحياة من دون ندم يذكر, وشعور بالاسى في تفويت طقس بكائي يلزم ليلة دفن البنت الخاطئة))11.
طقس جلد الذات يمنح المساهمين في الجرائم التوازن النفسي في ادارة دفة الجريمة فيتحول الباكي على المقتول غدرا الى ضحية بينما تنسى الضحية نفسها.
أكثم كلافة هو جيل يمثل طائفة ترى نفسها ضحية لادور لها فيما يحدث, جيل مجبر على أن يعيش في الظل, ونص طائفتي الجميلة يقدم رؤية مفادها القادم أسوء كمعادلة أكثر واقعية للمستقبل, وأكثم يقر بدوره كمشاهد, وشاهد على الأحداث, فيلتزم بنصيحة الطبيب سركوت بالتدوين((هاأنا ذا أكتب لكم, أجد سعادة في مراسلتكم. أكتب لسفلة واوغاد وطيبين وخائبين وفائضين عن حاجة التأريخ, ...كل هذا يجعلني أنسى))12.فعل الكتابة هو رمز البقاء والاستمرار الذي يختم به كزار روايته وهي البقاء الاخير الذي يتمسك به اكثم من الشخصية الفاعلة الوحيدة التي ظهر في حياته وهي الطبيب سركوت.
لكن أكثم الذي استسلم لضياع حلمه, تذكره نحلة تحط على شباكه بأن الطبيعة تتجاوز يأس الانسان من جدوى القادم وفوضى الحاضر, فينهي الرواية منتظرا" للعدالة التي تلقى مصيرا مأساويا ولا تحتكم الى عقل اومنطق. وهي الرسالة التي حملها كتاب كليلة ودمنة في نصه الاصلي. فكان دور كتاب كليلة ودمنة ان يحقق ارصادا مبكرا لاحداث الرواية ورؤيتها الكلية.
- البناء الفني للرواية
كما تتناص رواية طائفتي الجميلة مع كتاب كليلة ودمنة في الرؤية فانها تتناص ايضا في بنائها الفني, اذ يقوم النص على نمط سردي قديم هو نمط الحكاية الاطارية, frame tale والتي يتفرع عنها مجموعة من حكايات وهو تركيب ((بسيط جعلها تتصف بميزة القدرة على احتواء حكايات كثيرة فيها, اذما تتسم به الحكاية الخرافية عامة هو وجو أجزاء رخوة في الفعل القصصي, يسمح باندراج أفعال قصصية ثانوية في سياقها))13
والقصص المضمنة ((اما تكون أجنبية عن القصة الاصلية أو تكون ذاتية ناشئة من القصة الاصلية نفسها))14 .
وفي نصنا هذا فان القصص تكون ذاتية وناشئة من القصة ومكملة لها ولاحداثها, فلم ينشأ اي تنازع بينها. فانقسم النص الى وحدات سردية أو موضوعات صغيرة تطورت فيما بعد الى الاحداث الرئيسية في النص. وبأسلوب السرد المتناوب الذي يقوم على التناوب في سرد القصص داخل النص فيحكي عن قصة ثم يعود لاكمال اخرى بدأها قبلها.
هذا تماما مثل حكاية أكثم كلافة وما تضمنته من استرجاعات عن حياته الشخصية وهي الحكاية الاطار التي تتنوع عليها قصص مضمنة اخرى لشخصيات الرواية كقصة جميل وراجحة وحكم وعائلة البتران, والطبيب سركوت, وتكون الحكايات المضمنة لهذه الشخصيات ببناء النص من الداخل وملأ فراغاته وتبادل الادوار, فيصير النص كتلة واحدة متشابكة من مجموعة حكايات.
وان كان نص طائفتي الجميلة نهض على ذات النمط السردي الذي بنيت عليه قصة كليلة ودمنة ويتشابه معه في ان كليهما يناقض قوة المنطق وانتصار العقل, الا ان الفارق يثمل في ان نص طائفتي الجميلة لم يقم على مفهوم الجدل الحجاجي الذي تميز به نص كليلة ودمنة, فقد اكتفى بتقديم الرموز وترك مهمة اكتشاف المعبر عنه أو الموصوف الى القارئ بطريقة حث اللاشعور على المشاركة لأن هذا الرمز ينطوي في ذاته على الحياة ويحفز تطورها15.
وبحسب تصنيف بروب لوظائف الشخصيات ودلالة كل وظيفة على مجرى سيرورة الحبكة في النص لا سيما والوظائف هي العناصر الثابتة والدائمة في الحكاية, فقد استند نص طائفتي الجميلة الى ثلاث وظائف للشخصيات مثلت الثابت الوظائفي للنص16, الاولى هي (اكتشاف الخديعة ) وهي الوظيفة التي نهضت بها شخصية أكثم, فهو من كشف اسرار الشخصيات الاخرى ومدى الخديعة التي وقع ضحيتها هو وجيله من جيل الكبار الذي مارس الخيانة والغدر. اما الوظيفة الثانية هي (ارتكاب المحرم) وهذه الوظيفة اشتركت بها شخصيات الرواية الاخرى مثل كلافة والد أكثم وراجحة وعائلة البتران. اما الوظيفة الثالثة فهي (وظيفة التواطؤ) التي كانت من نصيب شخصية حكم وجميل يحترمني. أما عن اسلوب تقديم الشخصيات داخل الحكاية فقد تم تقديم الاحداث بواسطة راوي متمثل حكائيا هو أكثم وبأسلوب التقديم الذاتي اذ قام اكثم بالتعريف بنفسه وبالشخصيات الاخرى في النص.بينما كانت الشخصيات الاخرى شخصيات مصاحبة لم يكن لها دور في الحكي وانما ظهرت من خلال علاقتها بالراوي.
وهيمنة الراوي بضمير المتكلم جاء بمثابة محاولة لرد الاعتبارللجيل الذي يمثله أكثم الذي سلب حقه في اضفاء معنى على حياته, فضاع في دوامة العنف والفوضى, يستعيد عبر الامساك بزمام الحكاية, حقه في كتابة الوقائع وكيف مرت عبر وعيه واحساسه في سعي لاستعادة انسانيته.










الهوامش
1- الرواية في الادب الفلسطيني(1950- 1975 ), احمد عطية ابو مطر, المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت، ط1، 1980 ،334 .
2- جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة, جون توماس هامل، بغداد، دار الحرية للطباعة، ط1، 1972 ،32 .
3- الفن الرمزي، هيغل، ت: جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت، ط1 ،1979 ،164 .
4- ينظر: قضايا في النقد الادبي ك.ك.رونفن، ت:الدكتور عبد الجبار المطلبي، مراجعة الدكتور محسن جاسم الموسوي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1989 ،13 .
5- ينظر : مشكلة الفن، زكريا ابراهيم، مكتبة مصر للطباعة والنشر، القاهرة،د.ت،27 .
6- رواية طائفتي الجميلة , منشورات الجمل, بيروت, 2016 .ص: 116 .
7- الرواية :ص127 .
8- الرواية :ص 118
9- الرواية :ص 104 .
10- الرواية :ص 109 .
11- الرواية: ص81 .
12- الرواية : ص157 .
13- السردية العربية بحث في الموروث الحكائي العربي, د. عبد الله ابراهيم ,المركز الثقافي العربي, ص97 .
14- ينظر البناء الفني في الرواية العربية في العراق, د. شجاع مسلم العاني, دار الشؤون الثقافية, بغداد,ص 18 .
15- ينظر الوحدات السردية في حكاية كليلة ودمنة – دراسة بنيوية, ادريس كريم محمد , ص 14 .
16- المصدر السابق: ص18 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قراءة نفسية في رواية اسد البصرة لضياء جبيلي
- رواية الفتنة لكنعان مكية ما لها وما عليه
- وضع الدراسات النسوية والجندرية في الجامعات العراقية


المزيد.....




- واحة الغروب تدور أحداثها أواخر القرن التاسع عشر أثناء ثورة ...
- منتج -حرب النجوم- يبني متحفا بمليار دولار في لوس أنجلوس
- صدور -عناقيد- لأماني محمد
- فتح باب التقديم إلكترونياً للمشاركة في جائزة اتصالات لكتاب ...
- اختيار إمارة الشارقة عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019
- طبعة جديدة من رواية -جرسون- للكاتب باسم شرف
- كتاب -الحياة التي ندفنها - The life we bury- للمؤلف ألين إسك ...
- -ما بعد الحداثة- ماتت... لم تمت!
- فنانون ينعون الممثل السويدي الراحل مايكل نيكفيست
- في لبنان.. لوحات فنية تعيد الحياة لحي عشوائي


المزيد.....

- ديوان الحكايا / إبراهيم مشارة
- فن الرواية / ميلان كونديرا
- الأدب المقارن الظهور والنشأة / أكثيري بوجمعة
- وهج الأربعين دراسات في الأدب والنقد ومجموعة كتب / إبراهيم مشارة
- انا زهرة برية / لويس ياقو
- عتمة الرؤيا لصنم الكتبة - 08 - / نجيب طلال
- نصوص عابثة / ماهر رزوق
- جسد ضيق / هويدا صالح
- عشق البنات / هويدا صالح
- القرآن كتاب الشيطان الأخير Freedom Ezabel / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لقاء موسى الساعدي - الهروب الى الداخل في رواية طائفتي الجميلة (دراسة في لغة الرمز الروائية)