أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد مهدي - (( سمفونية الحزن في مناجاة تتخطى الترتيب ))















المزيد.....

(( سمفونية الحزن في مناجاة تتخطى الترتيب ))


رائد مهدي
الحوار المتمدن-العدد: 5486 - 2017 / 4 / 9 - 15:45
المحور: الادب والفن
    


دراسة نقدية كتبتها عن نص الشاعرة الاديبة العراقية المبدعة - أسماء الرومي -والذي كان بعنوان - مناجاة - .

لم اكن ادري
ان الارض
تحزن او تشيخ
الان ادركت يا عمي
ان كل هذا القصب النابت بقلب بستانك
يحبل بالانين
كل يوم ولا ينجب
اثقله حمل فراقك
ولا ثمة من يصنع النايات هناك
العاقول رفيقه الوحيد
تجمع بينهما صفرة الحديث
اشجار الرمان التي
كنت تحصي ثمارها كل موسم
لا اثر لها
شجرة الزيتون تحتضر
اما النخيل
فليس سوى اجساد خاوية
اكل كبدها الدود
النهر شاب
وجف الدمع ياعمي

منذ فجر الحياة لم ينسجم يوما أن يميل امرء للأسترخاء أو النوم في وقت ينهش روحه الألم ويضربه بأعنف مطارقه بل قد يميل الأنسان بمثل تلك الحالة لرفض النوم والقفز من الألم والأرتماء نحو أي يد تمسح عنه من وجعه شيئا .
لكن الحال لايتطلب الأسترخاء والإرتياح عند النهوض والأفاقة ، وقد يستفيق أحد على كارثة أو على كابوس واقعي .
وتتعدد طرق الإفاقة بين اللطف والحالة الإعتيادية وبين الشدة والزلزال في بعض الأحيان. وقد تكون الإستفاقة مدمرة للإنسان ويتمنى لو أنه ظل نائما لاواعيا أو متخدرا او حتى جاهلا كي لايتزلزل بما أفاق منه اليه .
ومن الطبيعي جدا أن يكون لعنصر المفاجئة الدور الأول في عملية الأستفاقة فيجد المرء نفسه بمفاجئة وذهول وهو في لجة مالم يحتسب اليه أو يتهيأ لملاقاته فعبرت عن ذلك شاعرة النص قائلة :
لم أكن أدري
ان الأرض
تحزن أو تشيخ
لتعرب من خلال ذلك عن تفاجئها بذلك التقابل الواعي بالأرض فكثير مانغفل عن الأرض التي تطؤها اقدامنا ولا نعي بمنبت حضورنا فيها والحال منطبق بعدم شعورنا بالكثير ممن ينبتون معنا من الاشخاص لفترة قد تطول كثيرا وقد يكون ذلك الطول بحجم عمر كامل .
اوضحت الشاعرة هنا ان المفاجئة كانت بحقيقة الأرض التي كانت تتصور أن لها حقيقة غير ماوجدته فيها ولمسته منها فبأفتراضها الأسبق أن الأرض بلا مشاعر لكنها راضية أن تدوس عليها كل الأقدام ورضيت بدور تكون به تحت الكل منبطحة للجميع بقمة الخضوع فلا يعقل ان تلك التي ارتضت لنفسها هذا الدور لمليارات من السنين أيعقل ان لديها مشاعر أصلا أو انها ممكن أن تشعر بالحزن !! هنا كان وجه المفاجئة الأول وهو حزن الأرض والذي من لوازمه أن يتسلل للقاطنين عليها رغما عنهم .
ولأجل ان تكون الإفاقة كاملة لابد أن يرى المستفيق الوجه الثاني ماورائية ما يكتنفه ويحيطه ، فكانت شيخوخة الأرض هي الوجه الثاني للمفاجئة بعد ان كانت شاعرة النص تعتقد بأن الأرض قوية على الدوام بقرينة أنها مااشتكت يوما من ثقل الذين يقفون عليها وماارهق ظهرها من اثقال ثابتتة او متحركة وبينما يكشف لنا مشهد شيخوخة الأرض مقدار مابها من عجز لأن مفهوم الشيخوخة ومحورها هو العجز وإنحسار القدرة والعطاء .
ومن نفي الدراية الحدسية
الى اثبات الأدراك لمشهد المفاجئة والذي يبدو لنا كقفزة نوعية وحركة تركيز مباغتة نحو الحدث فتقول :
ألآن أدركت ياعمي
أن كل هذا القصب النابت بقلب بستانك
يحبل بالأنين
والمقصود بالأنين هو الأستعداد الطبيعي للقصب لأن يكون نايات تبوح بالألم وتعزف ذاتها بذاتها في أشارة للذات الموهوبة المعبرة عن نفسها بكل أمانة لا الذات المخادعة لنفسها والمضللة لغيرها وتواصل قائلة :
كل يوم ولاينجب
وذلك لأجهاض تلك القدرات الطبيعة وعقمها من الوجود وتضيف قائلة :
أثقله حمل فراقك
ولاثمة من يصنع النايات هناك
في اشارة واضحة وجلية لعدم وجود من يفهمك ليجعلك تبدي محتواك وبذلك يجهض الانين ويموت منخنقا بمقابر من قصب .وتواصل قولها :
العاقول رفيقه الوحيد
تجمع بينهما صفرة الحديث
وهنا تبدأ الشاعرة بتلوين المتشابهات بلون واحد اعطته لونا اصفر لتنوع بذلك المدركات بين ماهو صوري متاح للتخيل كألقصب النابت بأعماق البستان والمعبر عنه بقلب البستان . وبين ماهو شفرة ومعنى عبرت عنه بحبل الأنين وماذلك الحبل الا ثمرة لذلك الانغراس المفجع والذي خرج الى الوجود بمظهر
الشكوى المعبر عنها بثقل الحمل الذي هو حقيقة أخرى لوجع الفراق ذلك الذي يقود الى مرارة الأستنتاج المعبر عنه بأنعدام وجود من يستثمر تلك اللوحة ويخرجها من الصمت المميت الى الصوت الشاكي بالحزن المعبر عنه بالنايات .
وتتوسع الصورة الشعرية بحزنها فتكشف عن رفقة بائسة عقيمة لابديل عنها ولابديل لأطرافها فيرافق العاقول القصب في مشهد البؤس فكلاهما ضحية الأهمال فلم يعد احد يكترث للقصب وليس هناك من يغريه الإلتفات لذلك العاقول الذي من لوازم القرب منه الوخز الدامي والذي لايتطلب سوى هزة خفيفة من الريح فتجعل منه اداة وخز وتعذيب وعدوان على كل الذين بقربه وتواصل الشاعرة تفصيل مشتركات تلك الرفقة البائسة في ذلك البستان مستعينة باللون وقد لبى ذلك اللون المطلب فتلك الصفرة كانت منسجمة كثرا مع غبار الحزن الذي يعم اجواء ذلك البستان ، وكانت تلك الريح التي تحرك العاقول نحو الوخز والأدماء هي عينها التي تحرك التراب البسيط ذلك المتأثر بأدنى حركة وتجعل منه يثار ويهتاج عاليا فيصطبغ المشهد بصفرة العاقول وصفرة القصب وصفرة الأجواء وصفرة الحديث المتأثر من كل تلك العوامل ، ولعلها قصدت بصفرة الحديث ان يكون حديثا مغطى بأتربة الشك وغبار الظنون الصفراء .
وتواصل الشاعرة سرد تفاصيل تلك الإفاقة فمن حالة العثور والأيجاد تمضي بنا نحو الأفتقاد قائلة :
أشجار الرمان التي
كنت تحصي ثمارها كل موسم
لا أثر لها .
وهنا نستشف حقيقة للكشف عند الشاعرة فبعد ان جعلت من اللون سمة للأيجاد وهوية للحضور هي الآن توظف العدد معيارا للأثر وللأيجاد ومن خلاله ترسم علامة للأفتقاد
وتصطحبنا الشاعرة لتفاصيل أخرى من افاقة الحزن تتفاوت بين الزيتون المعبر به عن الطراوة وامكانية إنسيابية محتواه والذي بلغ مرحلة الاحتضار وشارف على الفناء الى حيث النخل الذي يرجى منه ثمرا طيبا لكن بدلا من التقابل مع ثماره الشهية كانت المفاجئة عبر خوائه واختراق مشروعه من قبل الدود سارق الثمر والطامع بالموتى ذلك الدود الذي يعيش على موت الأجساد وخواء المحتويات .
معبرة عن ذلك بقولها :
شجرة الزيتون تحتضر
أما النخيل
فليس سوى أجساد خاوية
أكل كبدها الدود
وبعد ذلك الأسى العميق وبارقة الحزن ومع أحتداد صواعق يأس لم تبقي من الرجاء شيء الا واضرمت فيه نيرانها لم يبقى لصاحبة الإفاقة الا ان تهرع صوب النهر عسى أن تجد به من الماء مايروى لظى الضمأ لذلك القصب او يطفئ نيران الهموم المحاصر بها والمحيطة به من كل جانب فتجد في النهر الرامز الى الامتداد الطبيعي لذلك الشخص الذي تناجيه بكلمة عمي فتجد أمتداده قد شاب معلنا عجزه وإنحسار عطاءه واضمحلال دوره وقد خيب الآمال فلم تجد شيئا يجدي خارج ذاتها فعادت لنفسها بأعتبارها المعقل الأخير الذي تستند اليه وترتكز عليه لتكتمل المفاجئة بجفاف الدمع في نهر عينيها في اشارة منها للعين التي قد تخذل صاحبها يوما فلا تجود معه في وقت يكون هو احوج مايحتاج اليها وقد يرمز الدمع الجاف الى محتوى الأسى الغائر في أذهاننا والرافض للظهور والخروج لعلمنا المسبق بعدم جدوى ذلك وعبرت عنه الشاعرة قائلة :
النهر شاب
وجف الدمع ياعمي
وبعد ذلك التوسع بتأمل معالم الموضوع نعود للقبض على أطرافه بفكرة تؤدي بنا لمعرفة أن الشاعرة استخدمت أدوات متنوعة لرسم معالم فكرتها منها الإدراك بنوعيه المحسوس والمستنتج . وكان للرمز حضور باذخ بل اعتمدت على عنصر الرمز لأن الفكرة لاتحتمل المباشرة أو قد تمر سريعا بالمباشرة لكنها حين تسري مرمزة فذلك يعطي للمتلقي فرصة أوفر لتأمل النص وان يعلق بمراحله كلها فلا يتخطى منها شيء او يغفل عنها .ولم تغفل الشاعرة أدوات اللون والعدد بل استعانت حتى بأدوات من الطبيعة بنباتها واشجارها وحتى الحشرات بل ضمنت بذلك النهر . وهناك نقطة قد يصعب على الكثير معرفة سبب استخدامها لمفردة (عمي) موجهة خطابها نحو عمها وكان الأجدر بها أن تقول ياأبي لأن اباها اقرب اليها من عمها لكونها الأمتداد الطبيعي لأبيها لا لعمها لكن يخيل الي أنها ارادت بذلك أن تشير الينا بأن تلك المفاجئة التي قد أستفاقت عليها تفرض عليها أن تتخطى قانون الأقرب أو قد تكون تلك الإفاقة في لحظة من زمن لايخضع للترتيب كزمن الأحلام التي تجري أحداثها في زمن متداخل مع اللحظة التي بها تنفصل مدركاتنا عن الوعي بزمن الحياة التي نحن مغروسين فيها على شاكلة القصب الذي تحدثت عنه الشاعرة ونتشارك مع ذلك القصب بالوجع الذي يطالنا من تراب الحياة وبستانها الكبير . وقد نجحت الشاعرة بتوثيق الحزن عبر ممرات رمزية لكنها أسرفت بمسافة الحزن الموثقة فقد بلغ الى مرحلة جفاف الدمع فكانت كمملكة تحتلها الجيوش الى نهاية اطرافها فلم يبق منها شيء يمكن أن تلوذ اليه صاحبة الجلالة . ومع أن فكرة الأستسلام التام للحزن تبدو سلبية في هيئتها لكننا نحتمل أن الشاعرة قد وثقت الحزن لذلك الحد سعيا منها للثورة على الحزن الذي إجتاح اعماقها وتجاوز كل الحدود وبذلك تكون لها مشروعية توثيق الحزن إبداعيا كما في نصها الذي طالعناه واستمعنا لأنين نايات لم تعد من قصب بل من الكلمات .
لشاعرة النص أسماء الرومي أطيب الأمنيات بالتوفيق ومزيد من العطاء والتألق .

نقد : رائد مهدي / العراق





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,916,192,106
- (( ألواجد والموجود في نص الشاعرة العراقية صفا الهلالي ))
- (( غادة ))
- أمهات
- الفكرة الإنسان
- لماذا أنا إنسان ؟؟؟
- إبتسامة من أزمنة الفرح
- لك الحب والسلام


المزيد.....




- مهرجان الأقصر السينمائي يعلن تونس ضيف شرف لدورته الثامنة
- -KISS- تودع جمهورها بـ-قنبلة- أخيرة!
- الخارجية الأمريكية: المغرب بلد -مستقر- و-يشيع الأمن- في إفر ...
- وزير الشؤون الخارجية الموريتاني في زيارة رسمية للمغرب
- أفيخاي أدرعي يحتفي بحصول مادة كتبها باللغة العربية على 75 مل ...
- مبيعات كتاب الصحفى بوب ودوورد -الخوف- يتخطى المليون دولار
- صدر حديثا كتاب «المهارات الاتصالية والإعلامية لممارسي العلاق ...
- سجن المخرج الكوري الجنوبي لي يون-تيك للاعتداء الجنسي على تسع ...
- بالفيديو.. تشييع جنازة الفنان المصري جميل راتب
- شاهد.. فنان الكاريكاتير السوري نجاح البقاعي يوثق تجربته في ا ...


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد مهدي - (( سمفونية الحزن في مناجاة تتخطى الترتيب ))