أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - ماهر الشريف - ستالين والانعطاف الكبير - الذكرى المئوية لثورة أكتوبر















المزيد.....


ستالين والانعطاف الكبير - الذكرى المئوية لثورة أكتوبر


ماهر الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 5482 - 2017 / 4 / 5 - 09:36
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


الذكرى المئوية لثورة أكتوبر(الحلقة الرابعة)
ستالين والانعطاف الكبير


الذكرى المئوية لثورة أكتوبر

د. ماهر الشريف

(الحلقة الرابعة)



ستالين والانعطاف الكبير

في شهر نيسان 1922، أصيب لينين باضطرابات صحية خطيرة أقعدته بصورة تامة، في 9 آذار 1923 عن الحركة، وأدت إلى وفاته في 21 كانون الثاني 1924 في منزله في قرية غوركي الصغيرة. وتشكّلت لخلافته قيادة ثلاثية لم تكن متجانسة على الصعيد السياسي، ضمت كلاً من ستالين، كامنييف وزينوفييف.

كانت الخلافات السياسية والتنظيمية قد بدأت تحتدم داخل قيادة الحزب الشيوعي حتى قبل وفاة لينين. فمنذ صيف 1923، سعى زينوفييف إلى تجميع أنصاره وعقد لهذا الغرض اجتماعاً تكتلياً لهم. وفي 15 تشرين الأول من العام نفسه، نشر 46 عضواً من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي رسالة الى المكتب السياسي يطالبونه فيها بإلغاء قرار منع التكتلات داخل الحزب، كان من ضمنهم عدد من أنصار تروتسكي ومن أعضاء "المعارضة العمالية" القديمة. وفي 4 كانون الأول، نشر تروتسكي سلسلة مقالات في "البرافدا" ينتقد فيها البيروقراطية ويحمّل مسؤوليتها لـ "الحرس البلشفي القديم". بيد أن الكونفرنس الثالث عشر للحزب، الذي التأم في كانون الثاني 1924، أكد رفض أي نشاط تكتلي، ملوحاً بمعاقبة وحتى بفصل كل من يلجأ إليه، وثبّت، بناءّ على توصية من اللجنة المركزية، ستالين في موقع الأمين العام، حرصاً منه على وحدة الحزب (1).

بيد أن الأحداث اللاحقة بيّنت أن تلك الوحدة لم تصمد طويلاً أمام الخلافات السياسية والإيديولوجية التي عادت واحتدمت داخل قيادة الحزب حول العديد من القضايا، ومن أبرزها قضية التصنيع وقضية تجميع الأراضي وتشريكها، بترابطهما مع قضية البناء الاشتراكي.



نتائج متفاوتة تحققها سياسة "النيب"

حققت السياسة الاقتصادية الجديدة "النيب" نتائج جيدة في سنواتها الأولى. إذ شهدت سنة 1924 تسارعاً في وتائر نهضة الاقتصاد، وتواصل النمو الديموغرافي وتحسنت علاقات الاتحاد السوفييتي مع العديد من الدول الرأسمالية. وبغية إنعاش الزراعة، التي عانت كثيراً من تطبيق سياسة "شيوعية الحرب"، بذلت السلطة السوفيتية جهوداً حثيثة لتحسين مستوى حياة الفلاحين، الذين منحوا، ما بين عامَي 1923 و1926، مساعدات بقيمة 400 مليون روبل لتشجيع الأشكال التعاونية فيما بينهم على مستوى التنظيم والإنتاج. كما قدمت الحكومة مساعدات تقنية لهم من خلال تطوير استخدام التراكتورات التي تضاعف إنتاجها. وفي سنة 1925، بلغت قيمة الإنتاج الزراعي 95 في المئة من قيمته في سنة 1913. كما حصل تقدم ملموس في مجال تربية المواشي (2).



كان الفلاحون المتوسطون، الذين كانوا يشكّلون، في سنة 1925، حوالي 64 في المئة من مجموع عدد الفلاحين، والفلاحون الأغنياء (الكولاك)، الذين كانوا يشكّلون في السنة نفسها 9 ، 6 في المئة من مجموع عدد الفلاحين، هم أكثر المستفيدين من سياسة "النيب"، بسبب دورهم في تسويق المنتجات الزراعة، بينما لم تساعد تلك السياسة كثيراً في تحسين مستوى معيشة الفلاحين الفقراء والفلاحين المحرومين من الأرض. وفي سنة 1927، وبسبب الأحوال المناخية السيئة، تدنى مستوى الإنتاج الزراعي إلى حد كبير، ووقفت البلاد على حافة مجاعة جديدة، وانخفض تسويق المنتجات الزراعية إلى ما دون مستواه في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وسارع "الكولاك"، بما امتلكوه من فائض زراعي، إلى استغلال تلك الأوضاع، لا سيما في مجال المضاربات (3).



أما تطور الصناعة، فقد تسارعت وتائره اعتباراً من سنة 1925، إذ أقيمت مصافي تكرير النفط في باكو، وجرى تحديث مناجم الفحم في مناطق عديدة من البلاد، وبرزت مصانع القطن، وتزايد عدد العاملين في الصناعات الكبيرة، التي بقيت تشكو من نقص العمال المؤهلين، والكوادر التقنية، ومن قلة رؤوس الأموال المستثمرة وسوء وسائل المواصلات (4). وبقي التخلف الثقافي لشعوب الاتحاد السوفييتي يمثل عقبة كبيرة أمام تطور الاقتصاد، إذ ظل عدد الأميين كبيراً وكذلك عدد محدودي الثقافة، ولم يطبّق مرسوم سنة 1919 الخاص بالقضاء على الأمية سوى بصورة جزئية بسبب نقص الموارد المادية والبشرية. ومع ذلك، كانت سنوات "النيب" مرحلة مهمة على طريق تطوير التعليم الأساسي، وإغناء الحياة الثقافية والإبداع الأدبي، إذ أقيمت، خلالها، العديد من المكتبات، ونوادي العمال ومدارس البالغين، بفضل الجهود التي بذلتها منظمة الشبيبة الشيوعية والنقابات العمالية. كما تشكلت في تلك السنوات جمعيات ثقافية واجتماعية عديدة، مثل "جمعية النجدة الحمراء"، و"جمعية أصدقاء الراديو"، و"جمعية أصدقاء الطفولة"، و"جمعية تسقط الأمية" (5).



بيد أنه طوال تلك السنوات، بقي الزعماء البلاشفة يفكرون بمستقبل الاشتراكية، ويتساجلون بشأن طرائق بنائها. وقد تبلورت، على قاعدة السجال الذي دار في تلك الفترة، اتجاهات رئيسية ثلاثة، كانت مواقفها متحركة ومتداخلة في بعض الأحيان، وهي الاتجاه الذي عُرف باسم "المعارضة اليسارية"، وتزعمه تروتسكي، والاتجاه الذي عُرف باسم "المعارضة اليمينية"، أو "الانحراف اليميني"، وتزعمه بوخارين، والاتجاه الثالث الذي قاده ستالين نفسه، الذي جعل، منذ كانون الأول 1924، من موضوعة "بناء الاشتراكية في بلد واحد" عقيدة جديدة، مبرراً تبينها بإخفاق الثورة خارج الاتحاد السوفييتي، وراح ينحو، منذ المؤتمر الرابع عشر للحزب في كانون الأول/ديسمبر 1925، في اتجاه فرض سيطرته الكاملة على الحزب والدولة، ونجح في تصفية معارضيه الواحد تلو الآخر.

تروتسكي و"المعارضة اليسارية"

كانت "المعارضة اليسارية" بزعامة تروتسكي، التي وقفت ضد موضوعة " بناء الاشتراكية في بلد واحد"، تعتقد بأن الدولة العمالية التي يمثّلها الاتحاد السوفييتي ستكون في حاجة، إلى حين انتصار الاشتراكية انتصاراً كاملاً على الصعيد الأوروبي، إلى تعزيز قاعدتها الاجتماعية ممثلة في الطبقة العاملة، وتمتين قاعدتها المادية ممثلة في الصناعة، لا سيما الصناعة الثقيلة، وذلك كي تكون قادرة على حماية التحالف العمالي-الفلاحي في الداخل والنضال ضد الرأسمالية العالمية في الخارج. ومنذ سنة 1923، لاحظ تروتسكي أن "النيب"، وإن كانت قد ساهمت في تطوير القوى المنتجة، إلا أن هذا التطوّر لم يكن في مصلحة الدولة العمالية لأنه لم يساهم في تطوير الصناعة الثقيلة أصلاً، وإنما كان في صالح الإنتاج الفردي الصغير، الزراعي والحرفي. وفي سنة 1925، اعتبر تروتسكي أن السياسة المعتمدة من قبل محور ستالين-بوخارين، القائمة على تشجيع البرجوازية الصغيرة الفلاحية وأصحاب المؤسسات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، تشكّل تهديداً خطيراً للقاعدة السياسية –الاقتصادية التي تستند إليها الدولة العمالية. وفي مواجهة هذه السياسة، دعا تروتسكي إلى التركيز على التصنيع باعتباره السلاح القادر على حماية الدولة العمالية، وتعزيز قاعدتها المادية وتصفية ما أسماه بالتشوه البيروقراطي الذي أصاب جسمها، وشدّد على ضرورة مكافحة الفلاحين الأغنياء (الكولاك) في الريف، والعمل على تحسين مواقع ومستوى معيشة الفلاحين الفقراء من خلال تخصيصهم بالقروض الزراعية وتطوير الأشكال الاجتماعية للإنتاج الزراعي. أما بخصوص وتائر التصنيع، فقد انتقد تروتسكي بشدة موضوعة بورخارين القائلة بضرورة التوجّه نحو الاشتراكية بـ "خطى السلحفاة"، من خلال ربط نمو الصناعة بنمو الزراعة، معتبراً أن تطوير القوى المنتجة في الاتحاد السوفييتي يجب أن يتحقق بوتائر أسرع نسبياً من وتائر تحققه في اقتصاديات البلدان الرأسمالية المتقدمة، وذلك كي يكون في وسع الدولة العمالية أن تُظهر بصورة ملموسة تفوق الاشتراكية على الرأسمالية، وتحول دون انجذاب قطاعات البرجوازية الصغيرة نحو الرأسمالية. وإلى جانب تشديدها على ضرورة تسريع وتائر التصنيع الثقيل، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد "الكولاك"، انتقدت "المعارضة اليسارية" ضعف الالتزام بالديمقراطية داخل الحزب وعدم فعالية التدابير المتخذة لمكافحة البيروقراطية، وظلت تروّج فكرة "الثورة الدائمة" التي أقلقت أعضاء الحزب وقطاعات واسعة من السكان لكونها تنطوي على خطر اندلاع الحرب من جديد (6).

ومنذ سنة 1925، انتقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي مواقف تروتسكي هذه، ووجّه له توبيخاً بصفته "تحريفياً مناهضاً للبلاشفة"، وعزله عن منصب مفوض الشعب لشؤون الحرب، لكنه حافظ على عضويته في المكتب السياسي. وفي سنة 1926، حاول تروتسكي التحالف مع كامنييف وزينوفييف ومع زعماء "المعارضة العمالية" القديمة وعلى رأسهم شيليابنيكوف، فتقرر، في تشرين الأول من ذلك العام، فصل تروتسكي وكامنييف من المكتب السياسي وإنهاء مهمة زينوفييف كممثل للحزب الشيوعي الروسي في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية (الكومنترن). وفي كانون الأول 1927، اتخذ المؤتمر الخامس عشر للحزب قراراً بفصل تروتسكي وعدد من أنصاره من الحزب، وذلك رداً على قيامهم بتنظيم مظاهرات حاشدة في لينينغراد وموسكو وخاركوف في ذكرى الثورة العاشرة، ثم تقرر، في كانون الثاني 1928، نفي تروتسكي إلى مدينة آلما آتا، وطرده في شباط 1929 إلى خارج الاتحاد السوفييتي. وبذلك، أُسدل الستار على "المعارضة اليسارية" التي قادها (7).

ستالين والتحوّل عن سياسة "النيب"

والمفارقة في الأمر –وما أكثر المفارقات في تاريخ الاتحاد السوفييتي – أن مؤتمر الحزب الخامس عشر نفسه، الذي أقرّ فصل تروتسكي، تبنّى، إلى حد ما، الأفكار ذاتها التي طرحها ممثلو "المعارضة اليسارية"، إذ دعا ريكوف، رئيس مجلس مفوضي الشعب، في كلمته أمام مندوبي ذلك المؤتمر، إلى إعطاء الأولوية، في اهتمامات مجلس مفوضي الشعب، إلى مسألة تطوير الصناعة الثقيلة، معتبراً أنه لا بدّ من انتزاع رؤوس الأموال اللازمة لإنجاز هذه المهمة من الفلاحين. أما مولوتوف، فقد دعا، في كلمته، الشيوعيين إلى إيلاء اهتمام أكبر لعمليات التمايز الاجتماعي الجارية في الأرياف، وشدّد على ضرورة تعزيز تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين الفقراء والمتوسطين في مواجهة "الكولاك"، وتقديم دعم أكبر للتعاونيات الفلاحية في الريف (8).

والواقع، أن المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي شكّل منعطفاً على طريق تصفية سياسة "النيب"، استناداً إلى موضوعة الاقتصادي بريوبراجنسكي بشأن "التراكم البدئي الاشتراكي"، الذي حدد "قوانينه العامة" في كتابه: "الاقتصاد الجديد"، معتبراً أنه من الضروري، بغية مقاومة القوى الرأسمالية، أن تركّز الدولة في المقام الأول على تصنيع وسائل الإنتاج، من دون التردد في الضغط على الاقتصاد الفلاحي والحد من الاستهلاك بهدف ضمان الحصول على الاستثمارات اللازمة. وكتب: "إن فكرة أن الاقتصاد الاشتراكي في وسعه أن يتطور بنفسه من دون أن يلمس موارد البرجوازية الصغيرة، بما فيها الاقتصاد الفلاحي، هي فكرة رجعية، وطوباوية برجوازية صغيرة" (9).

ومنذ مطلع سنة 1928، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، مستندة إلى الظروف المناخية القاسية وإلى تراجع حجم مشتريات الدولة من الحبوب، توجيهاً إلى المنظمات الحزبية تدعوها فيه إلى تنظيم حملة واسعة لإرغام الفلاحين على بيع فوائض إنتاجهم من القمح إلى الدولة، ألحقته بقرار يقضي بإرسال 30 ألفاً من أعضاء الحزب إلى الأرياف، وذهب ستالين بنفسه إلى سيبيريا لقيادة حملة جمع الحبوب (10). كما اتخذت اللجنة المركزية للحزب مجموعة من الإجراءات للضغط على "الكولاك"، صارت تطاول فيما بعد قطاعات واسعة من الفلاحين غير الأغنياء، وظهرت في بعض مناطق البلاد، في صيف ذلك العام، بطاقات خاصة لتقنين عمليات توزيع الخبز. وفي التاسع من تموز 1928، ألقى ستالين خطاباً أمام اللجنة المركزية للحزب كان جوهرياً لفهم أسباب السياسات التي انتهجت في سنوات 1928-1934. فأكد في البداية أنه نظراً إلى عدم إمكانية تمويل التطور الصناعي باللجوء إلى الاقتراض من الخارج، فإن الحل الوحيد هو تصنيع البلاد بفضل التراكم الداخلي. أما الموارد الرئيسية لهذا التراكم فيجب تأمينها من خلال "تصعيد الهجوم على الكولاك"، بالاستناد إلى نقاط ارتكاز الطبقة العاملة في الأرياف، أي مزارع الدولة (السوفخوزات) والمزارع التعاونية (الكولخوزات) وتعاونيات التموين والبيع ومجالس السوفييتات الريفية والفلاحين الفقراء. أما فئة الفلاحين المتوسطين فقد وصفها بالفئة "المترددة"، ومن هنا ضرورة تعزيز نشاط الحزب بين الفلاحين الفقراء. ومنذ ذلك الخطاب، بدأ ستالين بتطوير موضوعته القائلة بأن الصراع الطبقي يتعاظم في مرحلة بناء الاشتراكية، التي وفرت له مبرر اللجوء إلى السياسات الإكراهية في الريف (11).

ونظراً إلى قلة عدد "السوفخوزات"، التي لم تكن تشغل أكثر من 2 ، 1 في المئة من مجمل مساحة الأراضي المزروعة، و"الكولخوزات"، التي لم تكن تشغل سوى 7 ، 1 في المئة من مجمل مساحة هذه الأراضي، كان يعيش ويعمل فيها حوالي مليون مزارع (12)، تقرر تسريع وتائر عمليات تجميع الأراضي وتشريكها، بحيث انتقل عدد "السوفخوزات"، خلال أشهر قليلة، من 14000 في نهاية سنة 1927 إلى 23000 في أيار 1928. وفي نيسان 1929، تبنّى الكونفرنس السادس عشر للحزب الشيوعي برنامجاً طموحاً لتغيير طبيعة البنية الاجتماعية السائدة في الأرياف، نتج عنه، خلال صيف ذلك العام، ظهور "كولخوزات" ضخمة تضم عشرات الآلاف من الفلاحين التعاونيين. وفي الخطاب الذي ألقاه أمام اجتماع عدد من الخبراء الزراعيين، في السابع والعشرين من كانون الأول 1929، اعتبر ستالين أن التحدي المطروح أمام السلطة السوفيتية يكمن في اختيارها أحد طريقين لا ثالث لهما: التراجع إلى الوراء نحو الرأسمالية، أو السير إلى الأمام نحو الاشتراكية، مضيفاً أن على "المدينة الاشتراكية" أن تضمن سير الريف وراءها على طريق الاشتراكية، من خلال تحويل الريف على أساس اشتراكي. وفي الخطاب ذاته، دعا ستالين إلى تصفية فئة "الكولاك" بصورة نهائية، مؤكداً أن لينين رأى في "النيب" سياسة لمرحلة طويلة لكنه لم يرَ فيها "سياسة أبدية" (13).

تصفية "المعارضة اليمينية" التي تزعمها بوخارين

كان ستالين، في موقفه هذا، ينتقد ضمناً ما سمي بعد أشهر بـ "المعارضة اليمينية" مستهدفاً أربعة من أعضاء المكتب السياسي هم: بوخارين، رئيس الأممية الشيوعية (الكومنترن) ورئيس تحرير "البرافدا، وريكوف رئيس مجلس مفوضي الشعب، وتومسكي رئيس النقابات، وأوغلانوف سكرتير اللجنة المركزية. وكانت الخلافات داخل قيادة الحزب قد بدأت تبرز إلى العلن منذ أواخر شهر أيلول 1928، عندما نشر بوخارين مقالاُ نقدياً في "البرافدا" بعنوان: "ملاحظات اقتصادي"، اتبعه بخطاب له في 21 كانون الثاني 1929 في الذكرى الخامسة لرحيل لينين (14).

فقد كان بوخارين يعتقد أنه من الممكن التوفيق بين حكم الحزب الواحد والاستمرار في انتهاج سياسة اقتصادية معتدلة ومرنة، مؤكداً أن تصنيع البلاد يجب أن يتمّ على قاعدة الادخار، وتحسين مستوى العمل، وتطوير النشاط التعاوني بين الفلاحين، وذلك بالطرق اللينة ومن دون اللجوء إلى القوة إزاء الفلاحين المتوسطين بغية استخراج الرساميل اللازمة للاستثمارات منهم، مؤكداً ضرورة أن يمنح هؤلاء الفلاحون إمكانية المراكمة، بحيث يساعد النمو الاقتصادي في الريف على توفير الأسواق والرساميل اللازمة للتصنيع، على أن تحتفظ الدولة بروافع الاقتصاد وقيادته. كما كان يرى أن التصنيع، والتطوير الطوعي للتعاونيات الفلاحية، والثورة الثقافية، وإصلاح جهاز الدولة، كلها تشكّل مهمات مترابطة بصورة وثيقة، سيستند تحقيقها إلى استمرار تحالف العمال والفلاحين. ومع أنه كان يعي أن السير على هذا الطريق سيكون بطيئاً، إلا أنه كان مقتنعاً بأن السير نحو الاشتراكية "بخطى السلحفاة" سيكون أقل صعوبة من اللجوء إلى تصنيع قسري تفرضه الدولة فرضاً (15).

بيد أن ستالين، مدعوماً من غالبية أعضاء المكتب السياسي، رفض مواقف بوخارين هذه. وفي اجتماع اللجنة المركزية للحزب في تشرين الثاني 1928 تم التحذير من خطر "الانحراف اليميني". وكان تفاقم الأوضاع الدولية قد بدأ يقلق العديد من زعماء الحزب الشيوعي، لا سيما بعد أن بدأت تبرز عوارض أزمة اقتصادية كبيرة تلوح في أفق الاقتصاد الرأسمالي، ما قد يمهد الطريق أمام نشوب حرب عالمية جديدة، ربما تطاول الاتحاد السوفييتي أيضاً. ومن هنا كان لا بدّ، في تصوّر غالبية أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، من تسريع وتائر التصنيع وتجميع الأراضي (16).

وفي الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب في نيسان 1929، أدينت "المعارضة اليمينية" بشدة؛ ومع أن بوخارين بقي عضواً في المكتب السياسي، إلا أنه عُزل من رئاسة الأممية الشيوعية (الكومنترن) ومن رئاسة تحرير "البرافدا"، كما أُعفي تومسكي من رئاسة النقابات، بينما بقي ريكوف رئيساً لمجلس مفوضي الشعب. وأقر ذلك الاجتماع نص الخطة الخمسية الأولى وبرنامج تجميع الأراضي وتشريكها (17).

تغيّر البنية الاجتماعية للأرياف

ومنذ شتاء سنة 1930، دخلت حركة تجميع الأراضي وتشريكها مرحلة جديدة، عقب قيام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بإرسال مجموعات عمالية إلى الأرياف، فرضت على عائلات الفلاحين الأغنياء (الكولاك) بالقوة الانتقال إلى المناطق الأكثر فقراً في سيبيريا والشرق الأقصى، أو نفتها إلى معسكرات خاصة، بعد أن جرى تضخيم حجمها بإدراج أعداد من الفلاحين المتوسطين في عدادها. كما لجأت تلك المجوعات العمالية إلى أساليب قسرية لإرغام هؤلاء الفلاحين المتوسطين على الانضمام إلى "الكولخوزات"، التي شهدت، خلال سنوات قليلة، زيادة هائلة في أعدادها. وراحت البنية الزراعية للبلاد تتغيّر بصورة جذرية، بحيث انتقل الاتحاد السوفييتي من نظام الاستثمار الفردي في الزراعة إلى نظام الاستثمار الجماعي، ونجح ستالين في فرض سياساته، التي صارت تحاط بعبادة شخصيته، وهو ما تجلّى بوضوح لدى انعقاد مؤتمر الحزب، سنة 1934، الذي أُطلق عليه اسم "مؤتمر المنتصرين" (18).

وقد اعترفت الدراسات التي صدرت عن الأكاديميين الروس، فيما بعد، بالتجاوزات التي ارتكبت خلال حملة تجميع الأراضي وتشريكها، إذ أُقرّ في "موجز تاريخ المجتمع السوفييتي"، الذي صدر سنة 1973 بإشراف الأكاديمي لوكيانوف، بأن تلك الحملة "جرت دون تحضير تمهيدي، ولم يكن كافياً عدد القادة المجربين المهرة، وخُرق، في بعض الأحيان، مبدأ انضمام الفلاحين الطوعي إلى الكولخوزات، واعتُبر الفلاح المتردد، أو الذي لم يكن يريد بعد الانضمام إليها، شخصاً ذا ميول معادية للسلطة السوفيتية، وليس نادراً أن أُدرج الفلاحون المتوسطون ضمن فئة الكولاك" (19).

الهوامش

1- إيلنشتاين، جان، من روسيا إلى أخرى. حياة وموت الاتحاد السوفييتي، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1992، ص 186-187 .

2- بورتال، روجيه، "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، إشراف جاك دروز، الجزء الثالث من 1919 إلى 1945، باريس، المطبوعات الجامعية في فرنسا، 1977، ص 38 .

3-إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 192-193؛ "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، الجزء الثالث، المصدر المذكور، ص 39 .

4- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر نفسه، ص 196-197 .

5- المصدر نفسه، ص 201-204 .

6- دالمانيّه، ج. ل، "تصوّر التصنيع في تحليل تروتسكي"؛ في: تاريخ الماركسية المعاصر، الجزء الخامس، باريس، الاتحاد العام للمنشورات، 1979، ص 137- 177 .

7- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 214.

8- إيلينشتاين، جان، تاريخ الاتحاد السوفييتي، في أربعة أجزاء، الجزء الثاني، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1975، ص 104-105 .

9-"بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، الجزء الثالث، المصدر المذكور، ص 42 .

10- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 217 .

11- المصدر نفسه، ص 220-221 .

12- بورتال، "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، الجزء الثالث، المصدر المذكور، ص 39 .

13- أورده أيلينشتاين، تاريخ الاتحاد السوفييتي، الجزء الثاني، المصدر المذكور، ص 159 .

14- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 220- 222 .

15- المصدر نفسه، ص 223 .

16- المصدر نفسه، ص 225 .

17- المصدر نفسه، ص 226-227 .

18- بورتال، "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، الجزء الثالث، المصدر المذكور، ص 42 .

19- بولياكوف، يوري (تحت إشراف)، موجز تاريخ المجتمع السوفييتي، موسكو، دار التقدم، 1973، ص 227 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب): استراحة محارب - الذكرى ا ...
- الثورة تنتصر على أعدائها الداخليين والخارجيين وتثبّت أقدامها ...
- لينين أمام إشكاليات الثورة الاشتراكية في روسيا - الذكرى المئ ...
- الإسلام السياسي لم يكن امتداداً للإصلاح الديني بل شكّل قطيعة ...
- أمام تزايد مخاطر الخطاب الذي يوظف الدين في السياسة (2)
- أمام تزايد مخاطر الخطاب الذي يوظف الدين في السياسة (1)
- لماذا يجب أن تطالب منظمة التحرير الفلسطينية بريطانيا بتحمل م ...
- فلسطين في الكتابة التاريخية العربية
- قضية القدس بين بعديها الديني والسياسي
- كلمات لكن من دون التزامات
- اتفاقية سايكس - بيكو وعلاقتها بوعد بلفور
- يوم وطني يحييه الشعب الفلسطيني في أماكن تجمعه كافة
- يسار أميركا اللاتينية.. حتى تبقى نافذة الأمل مفتوحة
- قرار التقسيم والخيارات الفلسطينية
- الغاز في شرق المتوسط: التحديات والإمكانيات
- انتصرت فلسطين لأن إسرائيل عجزت عن كسر إرادتها
- إضاءات على فكر -المثقف الشغيل-
- عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً
- انطفاء نجم مضيء في سماء الثقافة التنويرية والتقدمية العربية
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد الع ...


المزيد.....




- هل هذا أغرب متجر للنظارات في العالم؟
- ما سر تسمية النرويج أسعد بلد في العالم؟
- إيمرسون منانغاغوا يؤدي اليمين الدستورية رئيسا لزيمبابوي خلفا ...
- وزير خارجية قطر: المنطقة فيها حالة استبداد هي بين أسباب التط ...
- ثبتت براءته بعد سجنه 38 عاما!
- آبل تستعد لإطلاق -أرخص آيفون-
- بعد 10 أيام.. مناورات أمريكية -غير مسبوقة- لـ-ردع- بيونغ يان ...
- سوبارو تطرح رباعية دفع جديدة
- من قمرة الطيار.. كيف يعمي -الجبل الأقرع- رادار العدو ويقطع ا ...
- ماي: روسيا دولة معادية


المزيد.....

- ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست / قحطان المعموري
- الاشتراكية والذكرى المئوية للثورة الروسية: 1917-2017 / دافيد نورث
- الاتحاد السوفييتي في عهد -خروتشوف- الذكرى المئوية لثورة أكتو ... / ماهر الشريف
- ثلاث رسائل لمئوية ثورة أكتوبر / حارث رسمي الهيتي
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ... / الهادي هبَّاني
- هل كانت ثورة أكتوبر مفارقة واستثناء !؟ الجزء الأول / حميد خنجي
- الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى / سمير أمين
- جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير / صديق الزيلعي
- مائة عام على الثورة البلشفية: صدى من المستقبل / أشرف عمر
- عرض كتاب: -الثورة غير المنتهية- / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - ماهر الشريف - ستالين والانعطاف الكبير - الذكرى المئوية لثورة أكتوبر