أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير شمشوب - مجموعة لرصاد تراث فني هزم التهميش















المزيد.....

مجموعة لرصاد تراث فني هزم التهميش


زهير شمشوب
الحوار المتمدن-العدد: 5456 - 2017 / 3 / 10 - 21:28
المحور: الادب والفن
    


أشار أحد أعمدة البحث في التراث و الأدب الشعبي، الأستاذ عبد الله كنون، إلى أن تهميش الفنون الشعبية إنما هو حرب صامتة على التراث ، و أن الشعوب التي لا ماضي لها تهتم بالتراث أكثر من تلك التي تتمتع بتراث عميق و تلك مفارقة عجيبة .
إن فعل إقصاء الفنون هذا، نلاحظه كذلك من خلال ما دون عن العلوم و الأعلام في الثقافة الإسلامية، ذلك أن كتابات المرحلة الوسيطية و حتى ما بعدها، نادرا ما تجدها تتناول أخبار المغنين و الموسيقيين، فالمؤرخون للدول و الأنساب يحصون العلوم و روادها، و يعدون فهارس للصالحين و الأدباء و علماء الفقه و الحديث و غيرهما، لكنهم يغفلون عن قصد ـ على ما يبدو ـ الحديث عن الفنون و المشتغلين بها، على اعتبار أن هؤلاء لن يساهم ذكرهم في الرفع من شأن فترة حكم هذا السلطان أو ذاك، و إنما العبرة بما ترك من العمائر و ما مصر من الأمصار و ما خاض من الحروب...
يمكن أن نستثني من هذه القاعدة ما دون عن المغنين و الموسيقيين و آلاتهم في عصر العباسيين في المشرق، ثم في الأندلس إثر انتقال زرياب إليها قصرا من بغداد، و إن لم يكن الغرض هو "التأريخ للفن" بقدر ما كان الغرض إبراز نتائج الانغماس في "اللهو" الذي كان سببا في انهيار هذه الدول، كما أن الإشارة إلى هذا الميدان تبقى شحيحة تستخرج من بين ثنايا الأخبار السياسية ؛ ففي المغرب مثلا، و في إطار نهيه عن المنكر، كسر المهدي بن تومرت "آلات اللهو" التي وجدها منتشرة في الأسواق و بين الناس على زمن علي بن يوسف المرابطي .
كرس واقع المواجهة مع الغرب و الوقوف على التفاوت هذا الواقع. فالاستعمار أصبغ طابع التحضر على كل ما جاء به و صنف ما دونه، خاصة في ميدان الفنون، ضمن خانة الفلكلورالذي ينتجه الانديجين (les indigènes) . وهي الفكرة التي تبنيناها فكان لزاما علينا، تطبيقا لمقتضيات "التشبه و الاقتداء" القطع مع تراثنا الغنائي تحت مسمى التجديد.
اختلفت أشكال القطيعة و أساليبها عبر مراحل، كان فيها التأثر بإحدى النموذجين الغربي أو الشرقي؛ في البداية سبحت الموسيقى المغربية على موج الموسيقى الشرقية، لنخلص إلى ما اصطلح على تسميته "بالأغنية المغربية العصرية"، و هي تسمية صنفت باقي أشكال الغناء ضمن خانة "الأغنية التقليدية" بما فيها الملحون و الأندلسي و الغرناطي و فن العيطة و غيرها، إذ تم التجاسر على هذه الفنون بنعتها بالشعبية قدحا فيها، مع إثارة الانتباه إلى ما في هذه التسمية من تصنيف طبقي يحصر هذه الألوان في فئة دون أخرى. أعطت هذه المرحلة أسماء رائدة منها أحمد البيضاوي و محمد فويتح و عبد الوهاب أكومي و آخرون.
مع مرحلة السبعينيات و ما شهدته من تحولات عالمية و إثر انتشار ظاهرة الهيبيزم بانتشار التيارات اليسارية، كان للشباب المغربي حضه من هذه الظاهرة، و نظرا لما حمله هذا التيار من أفكار تسائل التباين الطبقي و أسبابه، و ترفض سيطرة الرأسمال و مظاهره، فقد طرح سؤال الثورة من أجل التغيير على الأنماط الغنائية المغربية، فكان انطلاق أغنية جديدة من واقع القهر الاجتماعي و من عمق أحياء الصفيح تمثلت في أغنية المجموعات .
ظهرت في نفس المرحلة محاولات للإجابة عن سؤال التغيير الموسيقي في المغرب، لكنها اتخذت النمط الغربي نموذجا، فاستعارت آلاته و ألحانه بلغة مغربية. اشتهرت في هذا الإطار تجربة الإخوان مكري. لكن يبدو أن هذه التجربة، في شكلها البرجوازي، لم تلق الانتشار و القبول الكافي داخل مجتمع غالبيته من الفئات الشعبية المقهورة، فاستمرت ظاهرة المجموعات قوية و منتشرة إلى أن ظهرت أغاني الراي التي استطاعت أن توجد لها معجبين داخل أوساط الشباب.
لم تنل ظاهرة المجموعات الغنائية ما تستحق من العناية من طرف الدارسين و المهتمين بالشأن الفني بالمغرب، ولعل الاهتمام الذي لقيته ظاهرة ناس الغيوان لم يكن سوى موجة عابرة ذهب زبدها جفاء، فما قيل عن الحي المحمدي بالدارالبيضاء و الكاريان سنطرال و انطلاق مجموعة ناس الغيوان، تم اجتراره في الكثير من الأحيان ليضيع على إثره الاهتمام بمجموعات غنائية أخرى كانت رائدة أيما ريادة.
ساهم نجاح ناس الغيوان في تحول ظاهرة المجموعات إلى موضة فنية شبابية خلال مرحلة السبعينات، فظهرت المشاهب و جيل جيلالة و السهام و مجموعات أخرى بمسميات عدة ، لم يكتب لأكثرها البقاء، فظهر نمط غنائي جديد قدمه مبدعون رواد على رأسهم الأخوان باطما و الشريف لمراني و محمد الدرهم و محمد السوسدي، كلها أسماء بصمت المشهد الفني المغربي و العربي كلمة و لحنا، و انتشر ذكرها شرقا و غربا.
إذا كان الإعلام المغربي قد واكب انتشار المجموعات المذكورة، فإنه لم يواكب لا ظهور و لا مسار مجموعة جادة و متفردة ظهرت في نفس الفترة هي مجموعة لرصاد.
تعتبر مجوعة لرصاد بحق فلتة من فلتات الزمن الفني بالمغرب، فقد ظهرت في أواخر السبعينيات متخذة شكلا متميزا مكنها من الاستمرار إلى يومنا هذا في تألق فريد.
استفادت مجموعة لرصاد من عوامل ذاتية أهلتها لإحقاق وجودها على الرغم من وضعية التهميش و التغييب المتعمد و واقع المنافسة، لعل أهم هذه العوامل الحس الفني الراقي الذي توفر في عناصرها.
على مستوى المواضيع استفادت مجموعة لرصاد من كاتب كلمات مقتدر، تمكن من زمام المعجم الشعبي المراكشي بمعانيه الفنية و صوره البلاغية الثرية و تراكيبه ذات الحمولة الثقافية العريقة.
يعتبر ميلود الرميقي حجر الزاوية في تحقيق نجاح مجموعة لرصاد، فقد كتب هذا الرجل الذاكرة في مختلف الأغراض الشعرية فنظم زجلا عن العلاقات الإنسانية و مختلف الظواهر الاجتماعية و ساءلت أشعاره أصحاب القرار، كما كتب عن العروبة و قضايا الأمة خاصة القضية الفلسطينية، فكان أسلوبه على بساطته خاليا من التكلف عميق المعنى صادق التعابير.
انحاز الرميقي في كتاباته إلى أسلوب التورية و الكناية، كما استعمل في الكثير من الأحيان أسلوب الخرافة les fables فجاءت أشعاره ثرية بالمعاني مضيفة إلى محتواها الزجلي متعة الحكي القصصي.
لكن هذا الإبداع الأدبي ما كان ليستحيل غناء مطربا لولا الإبداع الموسيقي لعازف المجموعة الأول الأستاذ عبد الله شفيرا، فقد استطاع ابن حي سيدي يوسف هذا، أن يمزج المقامات المغربية بمقامات موسيقى الشرق الأدنى و الموسيقى الغربية، ليبدع شكلا موسيقيا متفردا عن السائد في الساحة.
لم يعزف عبد الله شفيرا بآلة البوزوق إيقاعا، كما هو الحال في عزف الأستاذ علال يعلا عازف مجموعة ناس الغيوان، كما لم ينسق نحو تغليب المقامات الغربية، على غرار المرحوم الشريف لمراني عازف مجموعة المشاهب، الذي بلغ به الأمر إلى إضافة وثر خامس يقرب الألحان أكثر إلى النمط الغربي، كما و لم ينصرف عازف لرصاد في نفس الآن، إلى الاكتفاء بالإيقاعات المغربية كما هو الحال مع المرحوم حسن مفتاح عازف مجموعة جيل جيلالة، لذلك تجد ألحانه مشتبهة عن باقي الألحان و غير متشابهة .
تنوع الإبداع الموسيقي بإدخال آلة المندولين على أغاني لرصاد. وقد كان الملحن و الموزع و العازف الأستاذ مصطفى جرويح واضح البصمة في العديد من الأعمال الإبداعية التي أبان فيها عن علو كعب قل نظيره.
لم تتأثر مجموعة لرصاد بما كان يعترض مسارها من مشاكل و عقبات، ذلك أن أهم أسباب فشل مجموعة من التجارب الغنائية لهذا النمط، ما أصابها من لعنة الانقسامات التي تطفو على السطح بمجرد ما تخطو هذه المجموعة أو تلك أولى خطوات النجاح، تتعدد أسباب هذه الانقسامات لكنها كثيرا ما ترتبط بحب الزعامة و رغبة أحد عناصر المجموعة في فرض رؤيته على الجميع بشكل يؤثر على الإبداع الفني الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالانسجام التام لجميع عناصر المجموعة .
لم تسلم مجموعة لرصاد من هذه الآفة، إلا أنها استطاعت أن تستمر إلى غاية اليوم مجددة مسارها و إبداعها مضيفة طاقات صوتية جديدة لم تزد المجموعة إلا تألقا، محافظة بذلك عما تحظى به من تقدير و إعجاب لدى شريحة واسعة من المحبين داخل المغرب و خارجه.
تفخر مجموعة لرصاد اليوم بتوفرها على ربيرتوار غنائي ثري، صدحت بأغانيه حناجر طروبة لم تؤثر فيها عوادي الزمن و لا تطاول السنون، نذكر على الخصوص صوت مولاي الحسن زرابة و عبد المجيد الحراب و الغرباوي ميلود الشهير بمومود، فهذه الحناجر لا زالت على حالها، و كما سمعتها في أواخر القرن الماضي تسمعها اليوم بنفس القوة و الطرب.
تعرف مجموعة لرصاد اليوم انتشارا كبيرا إذ لم تؤثر وضعية الإقصاء و التهميش الإعلامي على مسارها، بل إن هذا التهميش كان أحد أسباب انتشار أغانيها خارج المغرب؛ فمجموعة ديسيدنتن" الألمانية استغلت ضعف انتشار أغاني لرصاد في مرحلة من المراحل لتتولى إصدار مجموعة منها بعد إعادة توزيعها على النمط الغربي، فحققت بها نجاحات كبيرة، الأمر الذي تكرر مع الفنان المصري محمد منير الذي أعاد أداء أغنية "حكمت لقدار" و قدمها للجماهير، كما أن الإعلام البديل اليوم أصبح يقدم فرصا أكبر للانتشار تسقط معه كل محاولة للتآمر على الفن الجميل و الإبداع التراثي الأصيل.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- مشاكل الشباب في «فاميليا» للمؤلفة نورهان أبو بكر
- السبت: حفل توقيع كتاب للدكتورة ريما دروبي -أنا.. أنا-
- تأملات فى الثورات العربية والعالمية
- تسونامي ثقافي يعصف بمنطقة الخليج
- كيف تساهم الهند في تشكيل صناعة السينما في هوليوود؟
- لفتيت يتباحث بإشبيلية مع وزير الداخلية الفرنسي
- دراسات عن أعلام من الحلة في الفكر والثقافة والأدب – 3
- -إلفيس بريسلي الأوبرا- يحتفل بعيد ميلاده الـ 55
- فيديو طرد مذيعة تونسية لفنانة لبنانية يشعل مواقع التواصل الا ...
- انطلاق مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير شمشوب - مجموعة لرصاد تراث فني هزم التهميش