أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك وردي - العقل بين الكتاب المقدس والتقليد !















المزيد.....



العقل بين الكتاب المقدس والتقليد !


مالك وردي
الحوار المتمدن-العدد: 5439 - 2017 / 2 / 21 - 20:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتاب التقليد والأرثوذكسية - القمص تادرس يعقوب ملطي


التقليد المقدس: مفهومه ومادته
بقى بعض الغربيين ألي فترة طويلة يتطلعون إلى "التقليد" على أنه طاعة عمياء للماضي وتمسك بوديعة سلبية جامدة. بهذا يكون التقليد -في نظرهم- أشبه بفهرس ثمين لمجموعة من التقاليد القديمة والقوانين والطقوس، أو قل متحف يضم ما هو قديم. بهذا يحسبون الكنيسة التقليدية كنيسة جامدة رجعية ترتبط بالقديم لمجرد قدمه.
مفهوم كلمة "تقليد"
كلمة "تقليد" في اليونانية كما وردت في العهد الجديد Paradosis وهي لا تعني "المحاكة imitation"، إنما جاءت مشتقة من الفعل الأصل paradidomiالذي يعني "يعهد بشيء لآخر, أو "يسلم شيئًا يدًا بيد". والفعل المقابل والملازم هو paralambano أي "يتقبل الشيء" أو "يستلمه".
واللفظان اليونانيان السابقان يقابلهما في العبرية التعبيران nasar أو يودع أو يسلم وqibbel أي يقبل الشيء أو يتسلمه[1].
بهذا فأن التقليد لا يعني مجرد "محاكاة الماضي"، بل حسبما جاء في الكتاب المقدس هو تسليم وديعة واستلامها، جيل يودع إيمانًا وآخر يتقبله.
مادة التقليد
ما هي مادة التقليد المسيحي؟ أو ما هي الوديعة التي تقبلتها الكنيسة وحافظت عليها عبر الأجيال؟
في الحقيقة لم يودع الرب "كتابًا" بين تلاميذه ورسله، بل بالحري أعد رجالاً يتبعونه ويقبلونه ساكنًا في قلوبهم. لقد أنصتوا إليه وهو يعلم، وتبعوه أينما حل، رأوه يصلي, يهب راحة للشعب، يعامل الخطاة بلطف، يشفي المرضى ويقيم الموتى، رأوه يقيم العشاء الأخير ويهبهم السلام بعد قيامته. وأخيرًا أرسل إليهم روحه القدوس لا ليذكرهم بكلماته وليسندهم ليكونوا مقتفين خطواته فحسب بل بالحري لكي ينعموا بالاتحاد معه ويشاركوه حياته الإلهية.
هذا هو جوهر تقليدنا: إنه "الاتحاد مع السيد المسيح خلال الروح القدس". فإن الله الآب قدم أبنه لنا، وقدم الابن حياته لنا "غلا 20:2, أف 2:5".
هذا هو التقليد: "الإيمان المسلم مرة للقديسين" "يه3", أو"الإنجيل"مكتوبًا في حياتنا ومنقوشًا في قلوبنا. أنه بالأمر الحي، تسلمناه بواسطة الرسل الذين سلموه لتلاميذهم بعمل الروح القدس، الشاهد للسيد المسيح في حياة الكنيسة, وموحدها مع مخلصها.
بمعني آخر، أن عملية النقل أو التسليم لم تتم بواسطة كتابات الرسل فحسب، بل بالحري قد تحققت بواسطة الروح القدس، الذي قاد مشاعرهم وعبادتهم وسلوكهم وكرازتهم، لقد وهبهم الحياة الجديدة التي هي "الحياة في المسيح" في حياة الكنيسة خلال الأجيال المتعاقبة، إذ هو على الدوام يعيش في الكنيسة ويعمل دومًا فيها- أمس واليوم وغدًا، يوحي لها بحياتها، ويجعل منها استمرارًا للحياة والإيمان والحب، وليس تكرارًا آليًا للماضي[2].
هكذا فان التقليد هو تيار الحياة الواحدة للكنيسة، يحمل الماضي بكل صوره حاضرًا حيًا، ويمتد بالحاضر نحو الغد بغير انحراف.
هذا هو جوهر التقليد الذي نركز عليه عند دراستنا لمحتوياته، التي هي:
رسالة الإيمان بالثالوث القدوس وعمل الله الخلاصي.
أعمال السيد المسيح وأقواله.
أسفار العهد القديم.
المنهج الروحي والسلوكي في المسيح يسوع.
منهج العبادة: مفهومه ونظامه.
×××
الحواشي والمراجع:
[1] F.F. Bruce: Tradition: Old and New, Michigan 1975, p20,21.
[2] O’Brein of The Convergence of Tradition, p22.

××××××

التقليد وتفسير الكتاب المقدس
في القرن الثاني أساء الغنوسيون فهمهم للكتاب المقدس لخدمة أغراضهم الخاصة، مستخدمين بعض عباراته منعزلة عن الفهم الكلى للكتاب وتقليد الكنيسة. هذا بجانب ادعائهم استلام تقليد خفي من الرسل[25]، يدعون أنهم يفهمونه أفضل من الأساقفة أو حتى الرسل[26]!! وقد قام آباء للكنيسة أولون يواجهون الغنوسيين ويفندون آراءهم، من بينهم القديس ايرنياؤس، والذي لقب "أب التقليد الكنسي".
يمكننا أن نوجز فكره في "التقليد" في النقاط التالية:
1- بقى التقليد المنحدر إلينا من الرسل محفوظًا خلال تتابع الشيوخ "الكلمة اليونانية Presbyters تعنى كهنة ويقصد بها الأساقفة" في الكنيسة بغير انقطاع[27].
2- يحفظ التقليد في الكنيسة بواسطة الروح القدس الذي يجدد شباب الكنيسة[28].
3- التقليد الرسولي ليس بالأمر السري، بل يستطيع أن يتعرف عليه كل الراغبين في قبول الحق. إنه معلن في كل كنيسة من العالم كله[29].
4- أساء الهراطقة تفسير الكتاب المقدس إذ تمسكوا بعبارات عزلوها عن الكتاب وأعادوا ترتيبها بما يناسب أفكارهم الخاصة[30]،
متجاهلين وحدة الكتاب المقدس. لقد استخدموا نصوص الكتاب لكنهم لم يقرأوها خلال الكنيسة ولا بحسب تقليد الرسل.لهذا فإن الفهم الحقيقي للكتاب يوجد داخل الكنيسة حيث يحفظ التقليد المقدس وتعاليم الرسل. "غرست الكنيسة كفردوس في هذا العالم، كما يقول الروح القدس: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً "تك16:2" أي تأكل من جميع كتب الرب المقدسة، لكن لا تأكل بذهن متكبر ولا تلمس أي فكر هرطوقي مضاد. لقد أعترف هؤلاء "الهراطقة" أن لديهم معرفة الخير والشر، وارتفعوا بأذهانهم الشريرة فوق الله صانعهم[31]".
* إذ نشير "للهراطقة" عن التقليد المنحدر إلينا من الرسل والمحفوظ خلال تتابع الشيوخ "Presbyters أي رجال الكهنوت" في الكنائس نقول أنهم يقاومون التقليد مدعين أنهم أكثر حكمة من الأساقفة "الشيوخ" بل ومن الرسل أنفسهم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأنهم قد وجدوا الحق الأصيل، "ويؤكدون" أن الرسل قد خلطوا الأمور الخاصة بالشريعة بأقوال المخلص... من هذا يظهر أنهم لم يتفقوا لا مع الكتاب المقدس ولا مع التقليد.
أن مثل هؤلاء المقاومين، يا صديقي العزيز، ينبغي أن نقاومهم لأنهم مثل الحيات الملساء يحاولن أن يفلتوا دائمًا من كل جانب. يليق بنا إذن أن نحاصرهم من كل ناحية لعلنا إذ نقطع عليهم كل راحة نستطيع أن نجتذبهم إلى الحق مرة أخرى.
* أنه في قدرة الجميع، في كل كنيسة، أن يرى الراغبون في رؤية الحق وأن يتأملوا بوضوح تقليد الرسل معلنًا في العالم كله...
لو كان الرسل قد عرفوا أسرارًا خفية وكان عليهم أن يعلموها للكاملين في الخفاء بعيدًا عن الآخرين، لسلموها بوجه خاص للذين استأمنوهم على الكنائس ذاتها. فأنهم كانوا يرغبون في خلفاءهم الذين يحتلون مركزهم في رعاية البشر، أن يكونوا هم أيضًا كاملين وبلا لوم في كل شيء، لأن سيرتهم الحسنه يكون لها نفع عظيم "للكنيسة"، أما الفشل في ذلك الأمر فيسبب خسارة عظمى.
* بهذا الترتيب وخلال التتابع "منذ الرسل"، وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وأيضًا الكرازة بالحق. وهذا هو برهان قوى أنه يوجد إيمان واحد محيى، حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى يومنا هذا، وسلم بالحق.
* إذ لدينا مثل هذه البراهين، لا نطلب الحق من الآخرين "الخارجين عن الكنيسة" إذ يسهل الحصول عليه من الكنيسة. لأنه في الكنيسة أستودع الرسل وديعتهم كما يصنع الرجل الغنى "مودعًا أمواله" في مصرف، إذ سلموها كل ما يتعلق بالحق. بهذا فأنه يستطيع كل إنسان يريد أن يشرب مياه الحياة "رؤ17:22". أنها مدخل الحياة! وكل الآخرين هم سراق ولصوص. لهذا يلزمنا أن نجتنبهم، وأن نسعى بكل غيرة واجتهاد في التمسك بما يخص الكنيسة، متمسكين بتقليد الحق. فانه ماذا يكون الموقف لو ثار نزاع فيما يخص أمرًا هامًا يقوم بيننا؟ أما نلجأ إلى أكثر الكنائس قدمًا، التي أودع فيها الرسل حديثهم الدائم، ونتعلم منها ما هو أكيد وواضح في ذلك الأمر؟! فإنه ماذا لو أن الرسل لم يتركوا لنا كتبًا مكتوبة؟ أما كان يلزمنا أن نتبع "قانون التقليد" الذي سلموه إلى الذي استأمنوهم على رعاية الكنائس؟!
إلى أي شيء يلتجئ كثير من البرابرة "الذين لم يترجم الكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين" الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص في قلوبهم بالروح وليس على ورق وبحبر، حافظين التقليد القديم بكل حرص.
* ما دام التقليد المنحدر إلينا من الرسل موجودًا في الكنيسة وهو دائمًا بيننا، فلنرجع إلى البرهان الكتابي الذي أقامه الرسل، الذين كتبوا الإنجيل، وسجلوا فيه التعليم الخاص بالله، مشيرين إلى ربنا يسوع المسيح على أنه الحق "يو6:14" وليس فيه كذب.
* لقد وهبت عطية الله هذه "أي الأيمان بالمسيح الذي تقبلناه خلال التقليد" للكنيسة، وكأنها النسمة التي أعطيت للإنسان الأول، لكي يتمتع الأعضاء جميعهم بالحياة بقبولهم هذه العطية وينالوا "وسائط الشركة مع المسيح" التي هي: الروح القدس، الغيرة لنوال عدم الفساد، وسائط الثبوت في الإيمان، السلم المرتفع نحو الله. فقد قيل إن الله أقام في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومعلمين "1كو28:12". وقدم كل الوسائط الأخرى التي من خلالها يعمل الروح. أما الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة، وكل نوع من النعمة، أما الروح فهو الحق[33].
الحواشي والمراجع:
[25] Irenaeus: Adv. Haer 3:3:1
[26] G.L. Prestige: Father and Heretics, London 1958, p16.
[27] Irenaeus: Against heresies 3:2:2, 3:3:1, 3:4:1.
[28] Ibid 3:24:1.
[29] Ibid 3:3:1.
[30] Ibid 1:8:1.
[31] Ibid 5:20:2.
[32] Probably referring to the in Palestine(ante Nicene frs, vol1, p 331).
[33] Irenarus: Against Heresles 1:10:2---3:2,2:3, 3L:3:1--- 3:3:3--- 3:4:1, 2--- 3:5:1---3:24:1. Ante-Nnicene F.thers, vol 1. j. Stevenson: A new Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.




××××××
كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها - أ. حلمي القمص يعقوب

هل يمكن فصل الكتاب المقدس عن التقليد الكنسي؟ أو بمعنى آخر هل الكتاب المقدس وحده يكفى؟

ج: لا يمكن فصل الكتاب المقدَّس عن التقليد، لأن الكتاب المقدَّس كان في الأصل تقليدًا شفهيًا ثم كتب، أي إن التقليد أقدم من الكتاب المقدَّس، والكتاب المقدَّس ولد من خلال التقليد إذ تحول التقليد الشفاهي إلى نص مكتوب، ولذلك نستطيع أن نقول إن الكتاب المقدَّس قد أعطى لنا من خلال التقليد، ومجال عمله في الكنيسة، فيقول الأب جورج فلورفسكي "ففي الكنيسة وحدها يحيا الكتاب المقدَّس، ويعلن من دون أن يجزأ ويصير نصوصًا متفرقة وأمثالًا، أي إن الكتاب أعطى في التقليد"(1).
ونستطيع أن نقول أن الكنيسة في نشأتها أسست على التقليد، فيقول القديس أثناسيوس الرسولي "لننظرن إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسست عليه"(2)(3).
حقًا إن الكتاب المقدَّس ولد في الكنيسة، وأخذ شرعيته منها، فالكنيسة سواء في العهد القديم أو الجديد هي التي استقبلت كلماته، وسجلتها بيد أعضاء مقدسين منها وهم الأنبياء والرسل ورجال الله، وهي التي أسبغت على هذه الأسفار المقدسة قانونيتها، كما إن ما كتب من كلمة الله لا يشمل كل شيء، فيقول الأب جورج فلورفسكي عن النصوص المقدسة "فمن الواضح أنه (الكتاب المقدَّس) في مجمله من خلق الجماعة، في التدبير والتقديم (العهد القديم) والكنيسة (العهد الجديد) على حد سواء، فهو لا يشتمل على كل النصوص التاريخية والتشريعية والتعبدية الموجودة، بل على نخبة منها. وهذه النخبة أصبحت ذات سلطان من خلال استعمالها -على الأخص في الليتورجيات- في وسط الجماعة ومن خلال القيمة التي أعطتها لها الكنيسة. لقد كان هناك هدف واحد (لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح) يحدد هذه النخبة "ويعينها {وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب، وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه} (يو 20: 30، 31) ينطبق هذا الهدف على الكتاب كله. فما حصل هو أن بعضا من الكتابات اختير وجمع وسلم بعد ذلك إلى المؤمنين ليكون نسخة من الرسالة الإلهية يجدر اعتمادها.
إن الرسالة الإلهية آتية من الله، بل إنها كلمته، لكن الجماعة المؤمنة هي التي سلمت بصحة الكلمة التي قيلت وهي التي شهدت لحقيقتها... ولأن الكتاب ألف ضمن الجماعة بهدف بنيانها، فلا نقدر أن نفصل الكنيسة عن الكتاب المقدَّس، فالكتاب والعهد متصلان اتصالا وثيقا، والعهد يفترض وجود شعب، ولذلك اتتُمِن الشعب على كلمة الله {فلأنهم استؤمنوا على أقوال الله} (رو 3: 2) في التدبير (العهد) القديم. أما في التدبير (العهد) الجديد فائتمنت كنيسة الكلمة المتجسد على رسالة الملكوت. فالكتاب هو حقا كلمة الله، لكنه يستند على شهادة الكنيسة التي وضعت قانون الكتاب وثبتته"(4).
كما قال الأب جورج فلورفسكي أيضًا "لا نقدر أن نقول الكتاب المقدَّس يتمتع باكتفاء ذاتي، لا لأنه ناقص أو غير تام أو غير دقيق، بل لأنه في جوهره لا يدعى أنه هكذا. لكن نقدر أن الكتاب نظام أوحى به الله.. عندما نعلن أن الكتاب مكتف بذاته نجعله عرضة لتفاسير غير موضوعية وكيفية ونفصله عن مصدره المقدس. فقد أعطيناه في التقليد، وهو (التقليد) مركزه الحيوي والمتبلور.. في أيام المسيحيين الأوائل لم تكن الأناجيل المصدر الأوحد للمعرفة، لأنها كانت غير مدونة بعد. لكن الكنيسة عاشت وفق روح الإنجيل"(5).
وكما كان للتقليد دوره الهام والخطير في استقبال كلمة الله، وتسجيلها، وتقرير قانونيتها، فإن أهمية التقليد مازالت مستمرة للان وذلك في شرح وتفسير الكتاب المقدَّس، فلو تركنا المجال مفتوحا لكل إنسان يفسر بحسبما يشأ، فإنه بلا شك ستتضارب هذه التفسيرات وتختلف وتتباين، ولذلك فإن الكنيسة هي التي تفسر الكتاب بحسبما تسلمته من الآباء الرسل، وبحسبما عاشته على مدار القرون الماضية، وبحسبما فهمته بالروح القدس الكائن والعامل فيها ويؤكد القديس إيريناؤس إن الآباء الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة وأودعوها في الكنيسة فيقول "فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم (الآباء الرسل) بأكثر وفرة" (ضد الهراطقة)(6) فالكنيسة هي المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي، ولذلك فهي ترفض أي تفسير لكلمة الله يتعارض مع إيمان وعقيدة وتقاليد الكنيسة، ولذلك يقول القديس كيرلس الأورشليمي "تعلم من الكنيسة باجتهاد ما هي أسفار العهد القديم؟ وما هي أسفار العهد الجديد"(7) و"الأرثوذكس يدركون إننا لا نستطيع أن نفهم الكتاب المقدَّس بطريقة كاملة وحقيقية إلا إذا فهمناه من خلال الكنيسة التي كتبته وقررت قانونية تلك الأسفار. إذا الكتاب المقدَّس هو كتاب الكنيسة"(8)(9).
وكما كان للتقليد دوره الهام والخطير في استقبال كلمة الله، وتسجيلها، وتقرير قانونيتها، فإن أهمية التقليد مازالت مستمرة للان وذلك في شرح وتفسير الكتاب المقدَّس، فلو تركنا المجال مفتوحا لكل إنسان يفسر بحسبما يشأ، فإنه بلا شك ستتضارب هذه التفسيرات وتختلف وتتباين، ولذلك فإن الكنيسة هي التي تفسر الكتاب بحسبما تسلمته من الآباء الرسل، وبحسبما عاشته على مدار القرون الماضية، وبحسبما فهمته بالروح القدس الكائن والعامل فيها ويؤكد القديس إيريناؤس إن الآباء الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة وأودعوها في الكنيسة فيقول "فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم (الآباء الرسل) بأكثر وفرة" (ضد الهراطقة)(6) فالكنيسة هي المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي، ولذلك فهي ترفض أي تفسير لكلمة الله يتعارض مع إيمان وعقيدة وتقاليد الكنيسة، ولذلك يقول القديس كيرلس الأورشليمي "تعلم من الكنيسة باجتهاد ما هي أسفار العهد القديم؟ وما هي أسفار العهد الجديد"(7) و"الأرثوذكس يدركون إننا لا نستطيع أن نفهم الكتاب المقدَّس بطريقة كاملة وحقيقية إلا إذا فهمناه من خلال الكنيسة التي كتبته وقررت قانونية تلك الأسفار. إذا الكتاب المقدَّس هو كتاب الكنيسة"(8)(9).
وبينما تفسر الكنيسة الإنجيل فليس معنى هذا إنها فوق الإنجيل، فيقول الأب جورج فلورفسكي "فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره، لكن هذا لا يدل على إن الكنيسة كانت "فوق " الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيدة إياه من دون أن تتقيد بحرفه، فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدَّس وغايته"(10).
أما الهراطقة فقد اعتمدوا على الكتاب المقدَّس أو بعض آياته فقط وقد طرحوا التقليد الكنسي وروح الآباء عنهم، معتمدين على فهمهم البشري، فسقطوا في الهراطقة،
ويقول العلامة أوريجانوس "فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان يزرعون فمحا ويحصدون شوكا"(11) وقال ج. ل. برستيج G. L. Prestige "إن صوت الكتاب يسمع بوضوح إذا ما فسرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخية للمسيحية، فالهراطقة هم الذين عولوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصليون تنبهوا أكثر إلى المبادئ الكتابية"(12).
وبسبب ارتباط الكتاب المقدَّس والكنيسة كلاهما معا رأى العلامة ترتليان في بحثه الشهير "معارضة الهراطقة " De praescirptione haereticorum إنه ليس من حق الهراطقة الاعتماد على آيات الكتاب المقدَّس، لأن ملك الكنيسة بينما فصلوا أنفسهم عن الكنيسة المقدسة، ولذلك فإن احتكام الهراطقة لآيات الكتاب احتكام غير شرعي، كما ربط ترتليان بين الإيمان المسيحي والكتاب والتقليد فقال "حينما يتضح التعليم المسيحي الحق والإيمان المسيحي القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي"(13) وقال الأب جورج فلورفسكي "فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يفهم بشكل واف ويفسر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أما الهراطقة، أي الذين خارج، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب"(14) ويؤكد على نفس المعنى القديس ايريناؤس "إن مركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين.. لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يملكون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشر به إنسانيا.."(15)"(16). وعندما هاجم القديس ايريناؤس استخدام الهراطقة لآيات الكتاب بصورة خاطئة أعطى تشبيهًا رائعًا فقال "صنع فنان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجواهر الثمينة، لكن شخصا آخر فك هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدم صورة كلب أو ثعلب. ثم زعم إن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنان الأول، وتعلل قائلا إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية والحق أن التصميم الأول قد تهدم و(ضاع نموذج الإنسان الموضوع) هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس. فهم يتجاهلون ويمزقون (الترابط والترتيب) الموجودين في الكتاب المقدَّس (ويقطعون أوصال الحقيقة) إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصلية، لكن قياسهم (أو تصميمهم Hypothesis) كيفي وخاطئ"(17)(18). كما أورد تشبيها آخر إذ قال "كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافًا وبعيدًا عن سياقها وأعيد ترتيبها بشكل كيفي، فكانت الأبيات كلها هوميروسية، ولكن القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبدًا، وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة هذا الأسلوب الذي يبدو هوميروسيا"(19)(20)
ويرى القديس باسيليوس الكبير إن هجوم الهراطقة على التقليد الهدف منه هدم الإيمان فيقول "الإيمان هو موضوع الهجوم فإن الهدف الوحيد لكل جماعة المقاومين أعداء التعليم السامي.... هو تحطيم أساس إيمان المسيح بهدمهم التقليد الكنسي حتى النهاية وإزالته كلية... يطلبون البرهان الكتابي محتقرين تقليدات الآباء غير المكتوبة كأنه أمر ليس بذي قيمة"(21).
وكان القديس بابياس في القرن الثاني الميلادي مثله مثل بقية الآباء العظماء يفهمون ويفسرن الكتاب بحسب فهم الآباء الرسل، فيقول "ولكنني لا أتردد أيضًا أن أضع أمامكم في تفسيري كل ما تعلمته بحرص، ضامنا صحته، لأنني لم ألتذ -كالكثيرين- بمن يتكلمون كثيرًا، بل بمن يعلمون الحق لم ألتذ بمن يقدمون وصايا غريبة، بل بمن يقدمون وصايا الرب للإيمان الصادر عن الحق نفسه.
وكلما آتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيليبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى، أو أي واحد آخر من تلاميذ الرب، لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلى من الصوت الحي الدائم"(22).
وقال القديس إيلاريون "الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه"(23)(24) فالالتزام بروح الكنيسة وإيمانها وعقيدتها في فهم وتفسير الكتاب يصل بنا إلى الفكر الواحد والروح الواحد، وهكذا قبل أغسطينوس الإنجيل من الكنيسة الجامعة فيقول "لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل"(25)(26).
والأب جون وايتفورد الذي كان خادمًا بروتستانتيًا ثم قام بدراسات عميقة أدت إلى انضمامه إلى الكنيسة الأرثوذكسية وصار كاهنا في كنيسة الروم الأرثوذكس يقول "في دراستنا للكتاب المقدس ليس على الشخص أن يبتكر، ولكن عليه أن يفهم ما هو موجود في تقليد الكنيسة، وليس علينا أن نتعدى الحدود التي حددها آباء الكنيسة، ولكن علينا أن نسلم بأمانة التقليدات التي تسلمناها، ولكي تفعل هذا تحتاج إلى دراسة وتفكير كثير، ولكن بالأكثر لكي نفهم الأسفار بالحقيقة يجب أن ندخل بعمق إلى الحياة السرائرية الكنسية. لذلك ففي كلام القديس أغسطينوس عن كيفية تفسير الأسفار(27) يتكلم عن نوعية الشخص الذي يستطيع تفسير الأسفار...
1- شخص يحب الله بكل قلبه، وخال من الكبرياء.
2- يريد معرفة إرادة الله من خلال الإيمان وإلهامه، وليس من خلال الكبرياء أو الطمع.
3- قلبه خاضع بالتقوى، وفكره نقى ومائت عن العالم، ولا يخشى أو يحابى الإنسان.
4- لا يبحث عن شيء إلا عن معرفة المسيح والإتحاد به.
5- جائع وعطشان للبر.
6- مجتهد في أعمال المحبة والرحمة.
وإذا نظرنا لهذا المستوى الروحاني الرفيع، فيجب أن ننصت بأكثر خضوع لإرشاد الآباء القديسين، الذين عاشوا هذه الفضائل، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ولا نوهم أنفسنا بأننا أكفاء أو أقدر منهم في تفسير كلام الله...
يخطئ الدارسون البروتستانت حين يحاولون تخطى حدود ما تقوله الأسفار المقدسة، وإضافة معان جديدة عليها للدرجة التي فيها تتعارض مع التقليد الكنسي... هل الحصول على درجة الدكتوراه يعطى بصيرة للأسرار أكثر من الحكمة الكاملة التي لملايين المؤمنين والآباء وأمهات الكنيسة، الذين خدموا الله بأمانة وكابدوا التعذيب والحبس لأجل الإيمان؟ هل تختبر المسيحية في جلسة مريحة على المكتب، أم أثناء حمل الصليب للموت عليه؟!
فالكبرياء هو في هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم أكثر فهما وأنهم الآن فقط قد فهموا المعنى الحقيقي للأسفار المقدسة، وكل ذلك دون أن يحاولوا أن يفهموا ما هي حقيقة التقليد المقدس(28).
وكان على الكنيسة أن تسلم التقليد بأمانة كاملة من جيل إلى جيل، ولذلك يقول القديس أثناسيوس الرسولي "إنني سلمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئا من الخارج. تسلمته مثلما تعلمته من الكتب المقدسة"(29)(30) وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان على آباء الكنيسة تقديم التفسير الصحيح لما فسره الهراطقة خطأ فيقول "لنصلح نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان المعنى الصحيح لما فسروه (الأريوسيون) بشكل خاطئ. (31) (32).

×××
الحواشي والمراجع:
(1) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 58.
(2) إلى سرابيون 1، 28.
(3) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 105.
(4) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 20، 21.
(5) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 58، 59.
(6) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 114.
(7) أورده القس بولا عطية... التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 2 ص 10.
(8) مقال عن الكتاب المقدس والتقليد- إصدار أكاديمية أثناسيوس بكاليفورنيا.
(9) هل الكتاب المقدس وحده يكفى؟ ترجمة أسرة القديس ديديموس بكنيسة مار جرجس اسبورتينج ص 15.
(10) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 106.
(11) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 114.
(12) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 101.
(13) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 97.
(14) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 96.
(15) في تفسير غلاطية 1، 1، 2.
(16) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 115.
(17) ضد الهراطقة 1، 118.
(18) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 98.
(19) ضد الهراطقة 1، 9، 4.
(20) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 98.
(21) أورده القس بولا عطية في كتابه التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 1 ص 42.
(22) يوسابيوس القيصري - تاريخ الكنيسة ك 3، ف 39: 3، 4 -ترجمة القس مرقس داود- دار الكرنك طبعة 1960 ص 159.

×××××

وإلى لقاء آخر مع معركةالنص والتقليد ! .








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,862,762,491
- إغتصاب القاصرات بين الحكومة وسماحة المفتي
- الموقعون عن الله في الإسلام والمسيحية
- المرأة والمال والجهاد ومشايخ السعودية
- المرأة والدين بين الشيخ الفوزان والأرثوذكس


المزيد.....




- فيديو.. سفير فلسطين بالقاهرة يهاجم قانون اعتبار إسرائيل دولة ...
- أسوشيتد برس: مؤشرات على احتجاز تنظيم جيش الإسلام رزان زيتون ...
- شاهد: استمرار عملية ترميم الجامع الأموي الكبير في حلب
- انقسام في تونس حول الإرث والمثلية والتكفير
- شاهد: استمرار عملية ترميم الجامع الأموي الكبير في حلب
- سيميوني يعول على الروح المعنوية لحسم السوبر الأوروبي أمام ري ...
- في ذكرى -رابعة-.. الإخوان تدعو إلى إخراج مصر من -النفق المظل ...
- آلاف الأقباط يشاركون في احتفالات العذراء
- جريمة تهز المجتمع المسيحي في مصر.. -أكبر من حادث قتل-؟
- جماعة -الإخوان المسلمين- تطرح مبادرة لـ-إخراج مصر من النفق ا ...


المزيد.....

- العلاقة العضوية بين الرأسمالية والأصولية الدينية / طلعت رضوان
- أضاحي منطق الجوهر / حمزة رستناوي
- تهافت الاعجاز العددي في القرآن الكريم / حمزة رستناوي
- إشكالية التخلف في المجتمع العربي(2من4) / سعيد مضيه
- عصر علماني – تشارلز تايلر / نوفل الحاج لطيف
- كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- ( العذاب والتعذيب : رؤية قرآنية )، الكتاب كاملا. / أحمد صبحى منصور
- التجربة الدينية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / إسلام سعد
- الحزب الإسلامي العراقي الإرث التاريخي ، صدام الهويات الأصول ... / يوسف محسن
- المرأة المتكلمة بالإنجيل : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك وردي - العقل بين الكتاب المقدس والتقليد !