أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق ليساوي - مقومات المملكة المستدامة















المزيد.....

مقومات المملكة المستدامة


طارق ليساوي

الحوار المتمدن-العدد: 5372 - 2016 / 12 / 15 - 15:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقومات المملكة المستدامة ...

د.طارق ليساوي
 
تم في يوم 15 نوفمبر  بمدينة مراكش المغربية، انطلاق الجلسة الافتتاحية لقمة " كوب 22 " بحضور الأمين العام للأمم المتحدة و ملك المغرب و العديد من  الزعماء وقادة الوفود المشاركة .. وتم هذا الافتتاح باستعراض مقطع فيديو قصير بعنوان " المملكة المستدامة"، الواقع أن  مشاهدة هذا الفيديو تعطي انطباعا بأننا في بلد غير المغرب الذي نعرفه،  بحكم جمال و مثالية محتوى هذا الفيديو . و بعيدا عن جمالية المناظر الطبيعية و التنوع الجغرافي للمملكة المغربية، فإن المقال سيسلك منحى تحليلي مغاير لمفهوم الاستدامة كما يصورها الفيديو السالف ذكره.

منهجيا ، تسمية الفيديو"بالمملكة المستدامة" فيه مُجَانَبَة للصواب،  لأن مصطلح الاستدامة في أدبيات التنمية هو أعم و أشمل  من مجرد عرض مناظر طبيعية، فالتنمية المستدامة مفهوم يتسع نطاقه ليشمل كل مستويات النشاط الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و البيئي، لذلك فهي تتمحور حول عدة أبعاد من ضمنها:

- البعد الاقتصادي: يعنى هذا البعد بتحديد الانعكاسات الراهنة و المستقبلية للاقتصاد على البيئة..

- البعد الاجتماعي: لكي تكون التنمية مستدامة فهي ملزمة بجعل النمو الاقتصادي وسيلة لتلاحم و التناغم الاجتماعي، و توسيع مجال الاختيار للفرد و الجماعة. و لابد لهذا الاختيار أن يكون قبل كل شيء اختيار إنصاف بين الأجيال بمقدار ماهو بين البلدان..

- البعد البيئي: تركز التنمية المستدامة على ثنائية الحاجات البشرية و مسألة السلم الصناعي ، فالطبيعة تضع حدودا يجب احترامها في مجال التصنيع، و الهدف هو عقلنة تدبير الرأسمال الطبيعي..

كما أن التنمية المستدامة تمثل مشروع ديمقراطي من خلال تأكيدها على أهمية الحريات السياسية، إلى جانب أنها مشروع للسلام بين الأمم باعتبارها قاعدة للحوار و التعاون بين الشمال و الجنوب من جهة، و  مصالحة بين مكونات المجتمع و فاعليه  من جهة أخرى...

و إذا قمنا بعملية إسقاط هذه الأبعاد على واقع "المملكة المستدامة"، سندرك عدم صوابية هذه التسمية . فأي استدامة في بلد يشهد تفاوت شديد في توزيع الدخل الوطني، و اختلالات اقتصادية و اجتماعية وسياسية  بنيوية...؟. فالمغرب بداية من مطلع هذا القرن يشهد اتساعا متزايدا في درجات الفقر و التفاوت في توزيع الثروة بين الأغنياء و الفقراء، فالسياسات الاقتصادية و الاجتماعية المتبعة متحيزة للأغنياء..

لا نريد أن نحبط من شاهد هذا الفيديو.. فالمملكة "المستدامة" بعيدة كل البعد عن مفهوم  الاستدامة، و لقياس التنمية المستدامة في بلد من البلدان يتم في الغالب الاستعانة  بمؤشر مركب يشمل  كل الأبعاد التي سبق تحديدها في التعريف . وحتى لا نرهق ذهن القارئ بسرد جملة من المؤشرات الكمية ، فإننا سنحاول في تحليلينا للواقع التنموي في "المملكة المستدامة"، الاعتماد على جملة من المؤشرات العامة بعيدا قدر الإمكان عن "الرقمنة":

فالمملكة لا تنسجم مع مبادئ الاستدامة: فارتفاع معدلات الفقر و الإقصاء الاجتماعي و اتساع الفجوة بين شريحة الأغنياء التي لا تكاد تتعدى في أحسن الأحوال نسبة 5 في المائة من ساكنة المغرب و التي تستحوذ  على نحو80 في المائة من الدخل القومي،  بينما  أغلبية المغاربة لا يصلها إلا القليل من عوائد النمو الاقتصادي المتدني أساسا. هذا في الوقت الذي تقلصت فيه القدرة الشرائية  للأغلبية المغاربة بفعل عدم نجاعة السياسات المالية و النقدية التي قادت إلى ارتفاع في معدلات التضخم و البطالة وضعف معدل النمو الاقتصادي...

و إلى جانب ضعف السياسات العمومية في المجال الاقتصادي و عجزها عن صياغة حزمة إصلاحات تدفع بمعدلات النمو الاقتصادي إلى الدوائر الآمنة وتمكن من خلق المجتمع المتوازن . فإن ضعف السياسات الاجتماعية عمق بدوره من حالة اللإستدامة، فانتهاج سياسات ليبرالية متحررة من كل قيود و الحرص "الدوغمائي" على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية و الحد من العجوزات في المالية العمومية قاد البلاد إلى كوارث حقيقية لاسيما في قطاعات كالصحة والتعليم و النقل العمومي ...

و نتيجة لهذه السياسات الليبرالية تم تسليع السلع العمومية كالصحة و التعليم و ربط الولوج لهذه الخدمات بالقدرة على "الدفع من الجيب" الشيء الذي أفرز هشاشة اجتماعية و عمق من مؤشرات الحرمان الاجتماعي و قلص بالتالي من حرية و خيارات الأفراد، وهو دون شك أمر يتنافى مع التنمية المستدامة.. 

فتوجه الحكومة المغربية طيلة عقد ونيف نحو تطبيق أجندة إجماع واشنطن و توصيات المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب غياب الحكم الرشيد، أفرز كوارث اجتماعية و اقتصادية ويكفينا في تأكيد هذا الانحطاط الاستدلال ب"شهداء لقمة العيش" ك"محسن فكري" الذي تم طحنه في حاوية لجمع الأزبال و "أمي كريمة" بائعة "البغرير" التي ماتت حرقا و كلاهما كان يمارس تجارة عادية تكفيه ذل السؤال و تحميه من شبع الجوع و العوز، لكن لم يرق الأمر لأعوان السلطة.

إن الحديث عن "مملكة مستدامة" يقتضي سلسلة من الإصلاحات الجذرية و القطيعة مع أغلب الممارسات الحالية، و في مقدمتها الفساد السياسي و احتكار السلطة و تضييق الحريات العامة و الحجر على الإرادة الشعبية...قد يعتبر البعض أن المملكة تشهد انتخابات بشكل دوري و على قدر من الشفافية، لكن من يصنع القرار السياسي و الاقتصادي الفعلي، هل الحكومة التي عجزت عن فتح بنك إسلامي واحد رغم وجود طلب شعبي على الخدمات المصرفية الإسلامية؟ هل هي الحكومة قادرة على تقليص الفجوة بين الأغنياء و الفقراء و إقرار توزيع عادل للثروة الوطنية؟ هل هي الحكومة القادرة على وضع منظومة تعليمية و صحية تضمن للمواطن المغربي كرامته؟

الواقع أن السياسات التسويقية والدعائية لم تعد تجدي في ظل ثورة المعلومات، فالمواطن في أقصى أطراف البلاد أصبح يدرك أن شعار "المملكة المستدامة " شعار مزيف، المملكة المستدامة في حاجة على إقرار مبدأ العدل في توزيع الثروة الوطنية و محاسبة ناهبي المال العام،و منع الجمع بين السلطان و التجارة، و توسيع مجال مشاركة الناس في صياغة و إدارة السياسات العامة التي تحدد مصيرهم في الحاضر و المستقبل ... وهذه باختصار أهم مقومات المملكة المستدامة...

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي و إعلامي مغربي
t.lissaoui@gmail.com
 
 




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,753,064,530
- الريف الصيني يطعم مليار و 300 مليون نسمة، فكيف نجح..؟
- جدلية الفقر و الاستثمار الأجنبي و العدالة الاجتماعية بعيون ص ...


المزيد.....




- إقامة مستشفى ميداني في حديقة سنترال بارك في نيويورك
- دراسة: الإصابات في إيطاليا ستكون صفرا في شهر مايو
- تركيا ترسل سفناً محملة بالأسلحة سراً الى ليبيا
- محمّد أمين الشعبوني عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الطلاّبية يك ...
- منظمة المانيا للحزب : تحية فخر واعتزاز الى حزبنا بمناسبة عيد ...
- ألمانيا.. تنديد واستياء من شركة أديداس بسبب اتخاذها هذا القر ...
- مواهب الحجر المنزلي.. كشفها كورونا عبر العالم
- عصر كورونا يغيّر عادات الشعوب ويكشف المستور في دول -متقدمة- ...
- DW حصري: قنابل نووية أمريكية في ألمانيا.. كيف وصلت وضد من؟
- أول تعليق من السعودي الذي وضعه ترامب في -منشن- بالخطأ... فيد ...


المزيد.....

- داعشلوجيا / عبد الواحد حركات أبو بكر
- ديوان دار سعدى / قحطان محمد صالح الهيتي
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2019 - الجزء الثامن / غازي الصوراني
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني / زهير الصباغ
- تِلْكَ الدَّوْلَةُ المُسْتَقِيمَةُ: كِيَاسَةُ الإِفْشَاءِ أَ ... / غياث المرزوق
- دفاعا عن حزب العمال الشيوعى المصرى والمفكر الماركسي إبراهيم ... / سعيد العليمى
- القدرة التنافسية للدول العربية مع اشارة خاصة الى العراق دراس ... / د. عدنان فرحان الجوراني
- مستقبل الدولار وما يحدث حاليا / محمود يوسف بكير
- الصهيونية في دولة عربية . يهود العراق في أربعينات القرن العش ... / هشام الملاك
- الأبدية تبحث عن ساعة يد / أ. بريتون ترجمة مبارك وساط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق ليساوي - مقومات المملكة المستدامة