أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - رفيق الرامي - ميلاد الحزب الاشتراكي الموحد: دلالات سياسية وواجبات المناضلين العماليين الثوريين















المزيد.....


ميلاد الحزب الاشتراكي الموحد: دلالات سياسية وواجبات المناضلين العماليين الثوريين


رفيق الرامي

الحوار المتمدن-العدد: 1419 - 2006 / 1 / 3 - 09:26
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


أدت شدة انعطاف الاتحاد الاشتراكي، بقبول دستور الاستبداد المقنع عام 1996 وحكومة "التناوب"، إلى تشتيت اليسار الإصلاحي البرجوازي، بانقسام منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ثم تشظي الاتحاد الاشتراكي ذاته بخروج حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وتيار الوفاء للديمقراطية، علاوة على تصدع التحالف المسمى زيفا "كتلة ديمقراطية" وتجميد ما تبقى منه.
بموازاة ذلك، انتهى مخاض تجميع حطام اليسار الماركسي اللينيني إلى اندماج قسم من الحركة من اجل الديمقراطية والديمقراطيين المستقلين مع منظمة العمل في إطار حزب اليسار الاشتراكي الموحد.
هذا وحدث اصطفاف جديد بالتحاق قسم من منظمة العمل (جماعة المريني) بالاتحاد الاشتراكي، وتقارب يمينها المنشق [الحزب الاشتراكي الديمقراطي] مع حزب التقدم والاشتراكية، وتشكل تحالف " تجمع اليسار الديمقراطي" بالتقاء حزب الطليعة والنهج الديمقراطي الحليفين مع اليسار الاشتراكي الموحد والخارجين من الاتحاد الاشتراكي.
وأخيرا أعلن الحزب الاشتراكي الديمقراطي التحاقه بالاتحاد الاشتراكي، والوفاء للديمقراطية الاندماج مع اليسار الاشتراكي الموحد.
باستثناء تجمع اليسار الديمقراطي، الذي ما زال عليه ان يبرهن بالممارسة عن مبرر للوجود، تجرى كل تلك المعمعة داخل نفس الوعاء الليبرالي، أي أنها لا تتعدى حركات تقارب وتباعد داخل نفس الإستراتيجية الإصلاحية لأنصاف ديمقراطيين.
°°°°°°°°°°
مثل ميلاد الحزب الاشتراكي الموحد تجسيدا تنظيميا لتلاق سياسي قديم، يتجلى بوضوح من مقارنة وثائق آخر مؤتمر عقدته منظمة العمل [العمود الفقري لليسار الاشتراكي الموحد] في ابريل 2000 بوثائق مؤتمر الوفاء للديمقراطية (أكتوبر 2004): إنهما نسختان من نفس المنظور الفكري والسياسي. ليس الاندماج غير تجاوز لحسابات غير جوهرية ( تنظيمية أساسا) ما زالت تحول دون التئام قوى " إستراتيجية النضال الديمقراطي" كما تطلق القوى الليبرالية على نفسها.
خصت الصحافة البرجوازية الموالية 100% للنظام حدث ميلاد الحزب الموحد بتعاليق سطحية مفعمة بعبارات الحقد الدفين على كل من لم ينبطح بالكامل. كان نموذجها منبر فهد يعته - نوفيل تريبون-. انها تعكس انزعاج النظام والملتفين حوله من أي تبلور لقوة سياسية غير مطواعة.
أما اليساريون، فقد استقبل اغلبهم الحزب الجديد بإبداء مشاعر الترحيب الخاوية سوى من المجاملة. كان الموقف السائد هو تهذيب الخطاب رغم ان ثمة قوى يسارية لا تشاطر اليسار الاشتراكي الموحد ولا الوفاء رؤيتهما للوضع السياسي ولا للمهام المترتبة عنه. و بذلك حلت المجاملة مكان المجادلة السياسية الواجبة، أي تلك التي لا تعتبر سوى مصلحة تقدم نضال الكادحين.
وكان اكبر المتضايقين من اندماج الوفاء وحزب اليسار الاشتراكي الموحد هو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. إذا ترك هذا الحزب عادة التغاضي الاستعلائي عن باقي قوى اليسار، وخرج إلى الحرب بفتح صحافته للأصوات المعارضة للاندماج من داخل حزب اليسار الاشتراكي الموحد، أي تياري حرزني والزايدي. بذل هؤلاء ما بوسعهم لعرقلة الاندماج، بالتمترس أولا خلف المساطر التنظيمية. وفي آخر لحظة كشفوا عن تضايقهم من علاقة تيار الوفاء بالأمير هشام ابن عم الملك الذي يقود نوعا من المعارضة باسم الحرص على مستقبل الملكية. كما أبانوا عن جوهر موقفهم الرافض للتقارب مع رفاق الساسي، داعين إلى تغيير الوجهة صوب اليازغي بمبرر انه الأقوى.
رأى الاتحاد الاشتراكي في الاندماج سعيا إلى إيجاد بديل عنه، لاسيما أن الإطراف المندمجة تسعى، تحت شعار " الحزب الاشتراكي الكبير"، إلى توسيع العملية لتشمل قوى أخرى لا تشاطر الاتحاد الاشتراكي رؤيته. هكذا رد اليازغي في جلسة افتتاح مؤتمر نقابة الفيدرالية الديمقراطية للشغل قائلا:" الاتحاد هو بيت كل الاشتراكيين مفتوح لهم إذا كانت هناك إرادة فعلية لتطوير البلاد، لتطوير المؤسسات وللسير انطلاقا من الإصلاحات الحالية إلى إصلاحات أخرى تجعل من الاختيار الديمقراطي اختيارا لا رجعة فيه، فمرحبا بكل الاشتراكيين في دارهم وبيتهم، وبهذه المناسبة نحيي إخوتنا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذين قرروا بشجاعة الالتحاق بالاتحاد الاشتراكي ".
يخشى الاتحاد الاشتراكي ان يستفيد منافسوه على ساحة استجداء الإصلاحات من الإفلاس المبين لما سمي " تناوبا" (هو تناوب في خدمة الاستغلال والاضطهاد)، ويحتلوا الفراغ الناتج عن موقعه الجديد، هذا رغم أن ما يأملون من جهتهم هو عودة الاتحاد الاشتراكي نفسه إلى جانبهم.
جاء الترحيب بالحزب الجديد، تعبيرا عن اقتناع سياسي وليس مجرد تهذب، من فئة من "المعارضة" البرجوازية غير الحزبية، متمثلة في مجلة لجورنال الناطقة برأي قسم من النخبة المثقفة "العصرية". فقد خص ابو بكر الجامعي افتتاحية لمؤتمر الحزب الاشتراكي الموحد، حيث ابتهج لميلاد الحزب وعلق عليه الأمل في جبر "الضرر الكبير الذي ألحقه اليسار الحكومي بمبدأ التقدمية والديمقراطية". وأبدى تخوفه "من خيبة أمل في يسار محكوم بالاختيار بين التواطؤ مع الحكم و قصوية مناهضة للنظام عقيمة".
أين يقع ما يشير إليه الجامعي من منزلة بين التواطؤ و "قصوية عقيمة" على حد تعبيره؟ أي ما دور اليسار الحقيقي بنظره؟
يتضح القصد بالنظر إلى تشخيص الجامعي للوضع السياسي. فهو يرى ان"العهد الجديد"موزع بين جناح معارض للتقدم وآخر يبدي "إرادة في تحسين مصير المغاربة". الموقف الوسط إذن هو مساعدة الجناح "الطيب" داخل النظام بالتصدي للجناح الناكص،أي ما يسميه " مواجهات لا غنى عنها يجب ان يخوضها يسار جديد محترم لمبادئ الإنسانية التقدمية ضد الجناح الرجعي من النظام، ستكون خصبة بتطور مستقر لمؤسساتنا وبلدنا ".
ما يريده الجامعي هو يسار يضغط للسير في اتجاه قيام جناح من النظام نفسه بإصلاح الآلية السياسية للحكم بما يضمن مصلحة البرجوازية كطبقة. ففي رسالته المفتوحة إلى الملك محمد السادس بمناسبة استكمال 6 سنوات من حكمه، أعاد الجامعي تلخيص آمال البرجوازيين غير المرتاحين لدور الملكية الحالي في السياسة وفي الأعمال على السواء.
فقد عبر من جديد عن أمنية ما سماه "نزع الطابع الملكي عن عالم الإعمال" وهو تعبير دبلوماسي عما يُعرف في قاموس الليبراليين بإلغاء " المخزن الاقتصادي". وأضاف:" تعلمون ان ملكية في طور الانتقال، لكنها تظل ماسكة بسلطات دستورية واسعة، في إطار نظام قضائي ضعيف وإدارة ما زالت مطبوعة بممارسات الماضي، مرعبة لباقي المقاولين". وخارج الطريق الشعبي إلى الديمقراطية، أي انتزاع سيادة الشعب بالكفاح الجماهيري، يحلم الجامعي بطريق ملكي ملمحا إلى مخاطر الطريق الأول ( على نظام الاستغلال والاضطهاد طبعا) قائلا للملك :" يمكن ان توفروا لمواطنيكم تقلبات دمقرطة تجري ضد المؤسسات القائمة بدل ان تجري معها". ويناشده بقيادة الدمقرطة قائلا:" نعتقد ان موقعكم الامتيازي يضعكم على نحو مثالي لمرافقة هذا البلد نحو غد أفضل".
هكذا يلقى الحزب الجديد، المسمى اشتراكيا، الترحيب من الناطقين باسم البرجوازية المتضررة من مكانة الملكية في عالم الأعمال [ المخزن الاقتصادي] ومن تدبيرها للمعضلة التي يعيشها النظام. وهل ثمة من ضوء اسطع لإيضاح طبيعة الحزب؟



طبيعة المكونات المتحدة في الحزب الجديد

كما هو شأن الأشخاص، لا يصح الحكم على القوى السياسية بناء على ما تطلق على نفسها من نعوث. فما حقيقة اشتراكية القوى المتحدة في الحزب الجديد؟
منظمة العمل الديمقراطي الشعبي:
يضم الحزب الاشتراكي الموحد قسما من منظمة العمل التاريخية، أي المتمسكين بخطها لما انزاح آخرون يمينا مع الاتحاد الاشتراكي.
كانت منظمة العمل ذاتها ثمرة تحول إصلاحي لمنظمة 23 مارس الثورية. فقد أسقطها المنظور المراحلي لعملية التغيير في اعتبار المرحلة التاريخية الراهنة مرحلة نضال من اجل الديمقراطية، ووضعت هذا النضال في الدائرة التي رسمها خط المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي. وظلت شقيقا اصغر لهذا الحزب محكوما بنفس المنظور المسمى " نضالا ديمقراطيا"، أي وهم مراكمة الإصلاحات بالعمل في المؤسسات الممنوحة. وسايرت المنظمة العملية السياسية التي أطلقها الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال منذ مطلع سنوات 90، والتي استهدفت تحسين الموقع في اللعبة السياسية للنظام.
ولم يتميز نشاط نقابيي منظمة العمل يوما ما عن مضمون ما يقوم به الاتحاديون في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل باحثين عن موقع لهم في ظل هؤلاء.
باختصار اندرجت منظمة العمل في نفس النمط الحزبي الاتحادي، وهذا جوهر التقائها اليوم مع الوفاء للديمقراطية.
حطام اليسار الماركسي اللينيني :
إلى جانب منظمة العمل يضم الحزب الاشتراكي الموحد جماعات، ناتجة عن تفكك اليسار الماركسي اللينيني، منها قسم من سديم الطلبة القاعديين الذي سمى لفترة بـ"الديمقراطيين المستقلين"، وقسم مما كان يعرف بـ"الحركة من اجل الديمقراطية" وهي تجربة تشبه منظمة العمل الديمقراطي في الانحطاط من الماركسية إلى الليبرالية. وتمثل القاسم المشترك في بقاء هذه العناصر تائهة طيلة سنوات، افقدها انهيار العالم البيرقراطي المسمى اشتراكيا أي بوصلة، وجذبها الخط الليبرالي(=الديمقراطي الزائف).
تردت هذه العناصر لدرجة ان اندماجها مع منظمة العمل لم يكن موضوع أي نقاش فكري وسياسي حقيقي. إذ تساوت البرامج ولم يبق غير التفاهم على المواقع التنظيمية.
اما ما يسمى بالفعاليات فهو شتات من الحالات الناتجة عن تفكك اليسار السبعيني، لا يختلف جوهريا عن النمط الاتحادي، ولعل اعتبارات شخصية غير سياسية هي التي منعت التحاقها منذ زمان بالاتحاد الاشتراكي او منظمة العمل.
الوفاء للديمقراطية:
تيار اتحادي يتبنى الثرات البوعبيدي بحذافيره، ولم يضعه خارج الاتحاد الاشتراكي غير زيف الديمقراطية الداخلية التي لا تطيق وجود تيارات منظمة.
(لمزيد من توضيح طبيعة الوفاء للديمقراطية، راجع جريدة المناضل-ة العددين 2 و3).
التقت هذه المكونات حول قاسم مشترك: خاصيات حزب إصلاحي لا يتخطى مشروعه إطار الرأسمالية التابعة القائمة، حزب ذو نزعة إصلاحية برجوازية.
==========
أولى المميزات الجوهرية لمكونات الحزب الاشتراكي الموحد هي اعتبار تحقيق الديمقراطية مرحلة تاريخية قائمة بذاتها، وبالتالي اعتبار الاشتراكية مشروعا مؤجلا على المدى التاريخي البعيد (يوم القيامة ).
يترتب عن هذا التصور العمل مع كل القوى السياسية التي تبدى اعتراضا مهما كان على سياسة الملكية، وهي بذلك لا تستثني غير النظام نفسه وتوابعه السياسية (ما يسمونه الأحزاب الإدارية ). ويعني ذلك عمليا إمكان تحالف من قبيل "الكتلة الديمقراطية " أي قبول قيادة برجوازية ليبرالية للنضال لاجل الديمقراطية. هذا مع العلم ان " النضال الديمقراطي " هو التحرك في الإطار الذي ترسمه الطبقة السائدة والمراهنة على تحقيق الممكن بالاستجداء وانتظار انصياع الخصم، مع الضغط المضبوط، لاسيما عبر التلاعب بالنضالات العمالية من خلال الهيمنة على المنظمات النقابية ( نموذج الفترة الفاصلة بين 1989 و1996).
اما اعتبار العمال القوة الرئيسية والقائدة للنضال من أجل الديمقراطية فقد تخلى عنه من كان يتبناه من تلك القوى في سياق الردة المؤدية إلى التنكر لمشروع الاستقلال السياسي للشغيلة .
اما القوة البورجوازية الشعبية الكفيلة بنضال فعلي لاجل الديمقراطية، عنينا البرجوازية الصغيرة ،لاسيما القروية ، فلا تدخل في حساب تلك القوى.
وان كان تصور تلك المكونات للديمقراطية لا تاريخيا يجردها من مضمونها الطبقي ( اعتبارها قيمة كونية دائمة متجاوزة للأشكال التاريخية الملموسة )، فانه مع ذلك غير حازم حتى في السعي إلى الديمقراطية البرجوازية، اذ ان تلك ديمقراطية تستبعد القطيعة وبالتالي تسعى إلى التعايش مع النظام القائم، و العيش بوهم توسيع تدريجي لما يمنحه من حيز للمعارضة البرجوازية أي الحصول على تعديلات دستورية مجهرية لا تمس جوهر السلطة .

ما الذي يميز الحزب الاشتراكي الموحد؟

لا يختلف الحزب الاشتراكي الموحد عن الاتحاد الاشتراكي سوى حول تقييم المرحلة السياسية وما تمليه من سلوك سياسي. فالاتحاد الاشتراكي يرى ان مستوى ما بلغه الوضع الاجتماعي من احتقان، مع نشوء قوة سلفية إسلامية ذات ثقل اجتماعي متنام، يجعلان مواصلة مناوشة النظام محفوفة بمخاطر النكوص عما تحقق من" ديمقراطية" في ظل الملكية، لذا وجب الانضواء تحت لوائها بقصد صون المكاسب وتحسينها من داخل النظام. بينما تجادل مكونات الحزب الاشتراكي الموحد في مدى نجاعة الإقدام على المشاركة في " حكومة التناوب" بالشروط التي وضعها مهندسوها. وحتى ما تنادي به من أولوية تعديل الدستور فلا يتجاوز بعث مذكرات الاستجداء إلى الملك، ومحاولة إقناعه بفائدة التوافق بالتلميح إلى مخاطر الانفجار الشعبي، وهي الطريق التي سلكتها الكتلة منذ تأسيسها، ولم تقبل دستور 1996 الا بعد ان لمست مأزق الاستجداء والخوف من نضالية الجماهير.
ليس ثمة في نقاشات الحزب الجديد، ولا في ما دأبت عليه مكوناته، ما يدل انه سيسلك طريقا آخر. فمن جهة يهيء الحكم مراجعته للدستور وفق عادة در الرماد في الأعين، وقد أوحى إلى "القوى الديمقراطية " بحدود ما سيقبل كي تطالب به. وتلك قاعدة من قواعد عمل " التوافق مع الملكية" سبق ان فضحها الاموي في مقابلته الشهيرة مع جريدة حرية المواطن عام 1992.
ومن جهة أخرى يراوح التقدميون غير الحكوميين مكانهم. ففي اليسار الاشتراكي الموحد ُيستبعد المطلب الديمقراطي غير المبتور، والكفيل بحشد القوة القادرة على انتزاع الديمقراطية، مطلب الجمعية التاسيسية. وُيعتبر مطلب دستور ديمقراطي ناجز والملكية البرلمانية غير ممكنين واقعيا. انهما حسب ابراهيم ياسين من قيادة الحزب-طرح نظري مقطوع عن الواقع. وبتفعيل المنطق المراحلي يُخلص إلى ان المطلوب دستور انتقالي لفترة انتقالية إلى الملكية البرلمانية. وهذا عين ما ذهب اليه تيار الوفاء للديمقراطية وسماه ملكية نصف برلمانية. تقول عنه وثيقة اكتوبر 2004 المعروضة على المؤتمر:
" الملكية نصف البرلمانية تمثل مرحلة حركة ووصل ما بين الملكية التنفيذية، كنقطة انطلاق والملكية البرلمانية كنقطة وصول. هذه المرحلة الوسطى، يجب أن تُبنى على نوع من الشراكة في القرار بين موقعين. واحد متأت من صناديق الاقتراع، والثاني متأت من التاريخ والأعراف، ليشكلا أساس تعاون على تعبيد الطريق نحو مرحلة ثالثة، وصياغة أساس تعاقد يحضر لهياكل البناء المؤسسي المقبل، المطابق للإرادة العامة والممثل لآليات الدمقرطة الكونية."
انشاء يتغاضى عن التناقضات الطبقية في المجتمع ويتخيل حلولا سهلة لكنها طوباوية.
فبافتراض ان الملكية ستنصاع وتتنازل عن جزء من السلطة، ما الذي سيجعلها تنتحر سياسيا وتسلم على طبق من ذهب كامل السلطة لممثلين منتخبين ونصل بذلك بكل وداعة ونعومة إلى ملكية برلمانية؟
هل يجهل ديمقراطيونا تاريخ الملكيات البرلمانية؟ ليس الأمر جهلا . ان تصور الملكيات نصف البرلمانية، وغدا ربع البرلمانية، مخرج واهم يتخيله العاجزون عن تحقيق أي شيء.
يسندون أوهامهم إلى واقعية زائفة، تكتفي بتسجيل حالة ميزان القوى، ولا تطرح سؤال سبل تغييره.وقد كانت منظمة العمل تعج بالخبراء في تلك الواقعية الكسيحة.
إن عسف الديكتاتورية وتفاقم التفاوت الاجتماعي يولدان عناصر ديمقراطية جديدة في كل مكان من مختلف شرائح السكان، انظروا إلى طاطا وايفني وايتزر يعطيكم صورة أولية على ما تدل كل القرائن انه يخترق كامل القاعدة الشعبية للمجتمع المغربي. هذه الطاقات يجب تربيتها بروح دبمقراطية حازمة، وبناءها في منظمات نضال جماهيرية وحزب سياسي ثوري. هذا هو سبيل الديمقراطية والاشتراكية.
جلي أن الحزب الاشتراكي الموحد لا يستفيد شيئا من دروس ممارسة مكوناته . فقد سلكت هذه نفس الطريق بمعية الكتلة وسجلت مرارا مناورات وأحابيل النظام . والأمثلة بالعشرات: في مهرجان الكتلة الديمقراطية باكادير قبل عشر سنوات (11 يناير 1996) قال بنسعيد كلمة:" بلورنا كقوى شعبية شعار التوافق مع جلالة الملك ... فبلورنا مقترحات لإصلاحات دستورية وسياسية ... وقدمنا عربون حسن النية بقبول تمديد ولاية البرلمان السابق ... واعتمدنا الواقعية المفرطة في صياغة الإصلاحات ... فكيف تعامل المسؤولون مع هذه النظرة المتبصرة للقوى الوطنية الديمقراطية ؟ ... اعتمد المسؤولون على التسويف والمماطلة وتجزئة الملفات ومحاولة شق الصف الوطني بالاستدراجات والاغراءات وانتهاء بفرض الامر الواقع على مستوى التعديلات الدستورية وكل شيء . وختم قائلا :"نؤكد من جديد على ضرورة التوافق الوطني بين الملك والقوى الوطنية الديمقراطية" .

الحزب الاشتراكي المطلوب

ضّمن الحزب الجديد اسمه نعث الاشتراكي، واعتبر نفسه خطوة نحو بناء حزب اشتراكي كبير، هذا دون ان يكون قد استخلص شيئا من مسار ذلك الحزب الاشتراكي الآخر الكبير منذ زمان. سيؤدي عدم استخلاص الدروس هذا إلى البناء على نفس أسس الاتحاد الاشتراكي وبالتالي إلى نفس الخيبة. يوم يتغير الوضع السياسي ويخرج الاتحاد الاشتراكي من الحكومة، سيزول مبرر بقاء جماعات اخرى خارجه. و ستكون له قوة جذب لا تقاوم على أقسام واسعة من الحزب الاشتراكي الموحد. وقد يؤدي إلى تفككه وتحقيق الحزب الكبير داخل الاتحاد الاشتراكي.
لا بناء لحزب اشتراكي حقيقي دون استجلاء أسباب مأزق " النضال الديمقراطي" المزعوم وعلاقته بالطبيعة الطبقية للحزب.
لا نجد في أدب مكونات الحزب الجديد من تفسير غير ان التوافق مع الملكية، المفترض ان يؤدي إلى الديمقراطية، لم يتم. ونظرية التقدم بالتوافق هذه هي ما اهتدى اليه من تخلوا عن الديالكتيك وصراع الطبقات. وقد كان مناضلو منظمة العمل راهنوا في مؤتمر 2000 قائلين :" وفاة الحسن الثاني بدلت المعطيات الأساسية التي تحكمت في توجيه مسيرة المغرب طوال عهد الملك السابق وبدلت بالخصوص الأسس التي أدت إلى ما أصاب معالجة الملفات الدستورية والانتخابية والحكومية من اختلالات." (...)" صار من المطلوب ومن الممكن في المرحلة الجديدة إقامة قاعدة جديدة لتوافق تعاقدي بين الملك والشعب وقواه الديمقراطية يؤسس لمرحلة انتقالية حاسمة ...". وها قد انضافت 6 سنوات على ما ضاع في انتظار الانصياع المستحيل.
أما تيار الوفاء للديمقراطية فيفسر ما آل إليه الاتحاد الاشتراكي بتهافت كوادر الحزب على الاندماج بالمخزن، وباستشراء الانتفاع من العمل في المؤسسات التمثيلية الزائفة. لكن هذا من تجليات ما يراد تفسيره وليس تفسيرا. ويحافظ إخوان الساسي على نفس الفلسفة الليبرالية: إستراتيجيتنا السياسية تسعى إلى تعاقد تاريخي على أسس النظام الملكي الدستوري الديمقراطي البرلماني الذي يؤمن لصناديق الاقتراع سلطة القرار...
يتضخم الحديث عن التوافق مع الملكية بقدر العجز عن تحقيق أي شيء، فلا نضال حقيقي من اجل الديمقراطية دون تنظيم سياسي للقوة الديمقراطية حتى النهاية: الطبقة العاملة، وإلى جانبها باقي الفئات الشعبية الكادحة. فبدون وعي الجماهير ودون شجاعتها وعزمها واستقلالها لا يمكن مطلقا تحقيق أي شيء. وهما تكمن مهمتنا نحن الاشتراكيون الثوريون.
و يتمثل واجبنا إزاء الحزب الاشتراكي الموحد في مشاركته النضال إن كان سيناضل فعلا من اجل المطالب الديمقراطية، ومن اجل مناهضة العولمة الرأسمالية كما ورد بوثائقه.
اما اذا اكتفى بالمناوشة الليبرالية المعهودة ، فعلينا أن نستعملها من اجل تربية الوعي السياسي لدى الشغيلة وعموم الكادحين.
يجب الا ننسى ان لعب الليبراليين الكلامي بالديمقراطية يسدي أحيانا للشعب البسيط خدمة إيقاظ فكر ديمقراطي صادق وعميق لديه. وهذا ما يلقي على عاتق الاشتراكيين الثوريين، كما اوضح لينين منذ زمان، مهمة أن يحسنوا استعمال كل جملة ليبرالية منافقة تدعي الديمقراطية 1: لابراز تناقض الأقوال والأفعال عند الناطق بها ثم 2:لابراز القيمة الفعلية والحيوية والآنية للديمقراطية بالنسبة لتلك الشرائح " الدنيا" التي تصلها جمل الليبراليين.

أي اشتراكية؟

لا يقدم الحزب الاشتراكي الموحد أي تعريف لاشتراكيته، سلطة من هي؟ وما هي محددات الأولويات الاقتصادية والاجتماعية فيها ؟ لكن وصفاته تضعه في خانة ما عرف تاريخيا الاشتراكية-الديمقراطية، والأصح الاشتراكية-الليبرالية التي ينتسب إليها الاتحاد الاشتراكي ذاته. وقد ابرز التاريخ مرارا المضمون الفعلي لهذه الاشتراكية، وما بلغت من إفلاس لا يقل عن إفلاس الستالينية.
انها "اشتراكية" تدبير أزمات الرأسمالية باستلهام وصفات كينزية لإنعاش الاقتصاد بتدخل الدولة التي تزيد بشكل مصطنع الطلب بواسطة العجز في الميزانية. إنها خرافة الاقتصاد المختلط حيث يستند الرأسمال على الدور الاقتصادي للدولة للتخفيف من حدة التناقضات الملازمة للاقتصاد الرأسمالي، اقتصاد مراكمة الربح باستغلال قوة العمل.
انها "اشتراكية" لا تقيم أي اعتبار للتحرر الاقتصادي، بل فقط حماية اجتماعية من افراطات الرأسمالية أي اعطاؤها مضمونا اجتماعيا بحفز من "الدولة الارادوية".
اشتراكيتهم تعني افضل مواكبة ممكنة للتقويمات الاقتصادية التي يفرضها النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. اوضح البرنامج المرحلي للحزب الاشتراكي الموحد هدفه كما يلي:"
بناء اقتصاد وطني قادر على الإنتاج والمنافسة ومواجهة تحديات العولمة عن طريق بناء أسس نظام اقتصادي مختلط يعتمد على الشراكة التعاقدية بين الدولة والقطاع العام والاستثمار الخاص والمنتج، وعبر تحديث وعقلنة كل النسيج الاقتصادي وقواه المنتجة وتأهيل الرأسمال البشري وإنصافه وإعادة الاعتبار لدوره الحاسم في الاقتصاد."
انهم أنصار الحفاظ على الرأسمالية التابعة القائمة بالمغرب معتبرين أن تسييرها "بطريقة أخرى " سيجعلها قادرة على الاستجابة لحاجات المجتمع، وعلى هذا النحو يفهمون شعار" المغرب الآخر الممكن".
ما أبعدهم عن الاشتراكية أي استبدال نظام مبني على قوانين السوق والمنافسة بتنظيم عقلاني للإنتاج موجه نحو تلبية الحاجات الأساسية، بناء على سلطة المنتجين المتشاركين بحرية.
انهم فقدوا الأمل في البديل الاشتراكي الحقيقي الذي تصنعه الطبقة العاملة وكافة الكادحين بنضالهم خارج المؤسسات بالدرجة الاولى . لا مكان في تفكيرهم للنشاط الذاتي والتنظيم الذاتي للعمال وباقي الكادحين .
ان استعمال لفظ الاشتراكية ناتج عن كونها، رغم ما لحقها من فقد اعتبار بسبب الستالينية والاشتراكية-الديمقراطية على حد سواء ، تحافظ على وقع إيجابي في بلد لا يتزايد فيه غير الفقر والإقصاء.
اشتراكيتهم لا تتجاوز حدود إصلاح الممكن في النظام الاقتصادي- الاجتماعي القائم.
بصفتنا اشتراكيين ثوريين نؤيد الإصلاحات . يجب ان ندعم بكامل قوانا كل النضالات للدفاع وتحسين مستوى عيش الأجراء بوجه هجمات الرأسماليين لكن في نفس الوقت يجب ان نشرح ان الانتقال إلى اقتصاد اشتراكي هو الذي سيتيح الحفاظ نهائيا على المكاسب الاجتماعية . وحدها الاشتراكية ستتيح تسييرا ديمقراطيا للاقتصاد بما فيعه مصلحة المجتمع برمته .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,591,878
- عملية -الإنصاف و المصالحة-: بين أضاليل الديمقراطيين الزائفين ...
- مشروع قانون تأسيس الاحزا ب : قانون حزب التسبيح بحمد النظام ا ...
- الوضع السياسي بالمغرب :المستقبل للنضال العمالي والشعبي


المزيد.....




- اليمن... -أنصار الله- تسيطر على مناطق غرب الضالع وتقطع إمداد ...
- مادورو يؤكد سيطرة حكومته الكاملة على فنزويلا
- دوتيرتي يهدد كندا بالحرب
- استمع إلى صوت المريخ
- لماذا خططت -جماعة أمريكية مسلحة لاغتيال باراك أوباما-؟
- حرب اليمن.. ربع مليون قتيل وثلاثة سيناريوهات
- ترامب يقرر عدم حضور مسؤولي إدارته حفل العشاء السنوي لمراسلي ...
- قطار زعيم كوريا الشمالية المصفح يعبر الحدود الروسية
- الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِقَةِ
- سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِم ...


المزيد.....

- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - رفيق الرامي - ميلاد الحزب الاشتراكي الموحد: دلالات سياسية وواجبات المناضلين العماليين الثوريين