أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين كركوش - السياسة الأميركية في العراق بين الثوابت والمتغيرات















المزيد.....

السياسة الأميركية في العراق بين الثوابت والمتغيرات


حسين كركوش

الحوار المتمدن-العدد: 5325 - 2016 / 10 / 26 - 16:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


NATION –BUILDING

الولايات المتحدة غزت العراق واحتلته عام 2003 ليس للتخلص من صدام حسين ولا لإسقاط نظامه ، لأنها كانت قادرة أن تفعل ذلك بعد حرب الكويت.
وبالتأكيد ، هي لم تشن الحرب دفاعا عن الطائفة الفلانية ونكاية بالطائفة العلانية ، أو مناصرة هذه القومية ومعاداة تلك.
الولايات المتحدة شنت الحرب دفاعا عن مصالحها القومية ، و لتنفيذ مشروع استراتيجي بعيد المدى ، هدفه بناء - الأمة ( nation-building ) ، وليس أن تقضي على صدام حسين ونظامه ثم تعود من حيث جاءت.
مصطلح (بناء-أمة) لا يعني ، فقط ، المعنى (المادي) التعميري وإنما يشمل أحداث تغيرات ، ليس على صعيد الدولة وحدها ، وإنما داخل المجتمع ، و ليس في الميدان السياسي وحده ، وإنما في جميع الميادين.
هذا المشروع كان موجودا في أذهان صانعي القرار الأميركي منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة ، لكن وقوع هجمات أيلول على برجي التجارة ، هو الذي جعله يختمر وينضج ويصبح قيد التنفيذ.

ولهذا الغرض عُقدت ورشات عمل ضخمة رعتها مراكز بحوث أميركية مشهورة ، قُدمت خلالها بحوث من قبل خبراء في السياسة والاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والإعلام والانثروبولوجيا وأديان وأخلاق وعادات الشعوب ، وفي كل مجالات الحياة.
فعلى سبيل المثال ، و بعد شهر من الاحتلال الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين عقدت مؤسسة (راند RAND) ، وهي واحدة من مؤسسات البحوث الأميركية الضخمة ، مؤتمرا حول إعادة بناء العراق بعنوان ( دور أميركا في بناء- أمة من ألمانيا إلى العراق America’s Role In Nation- Building From Germany To Iraq ).
شارك في المؤتمر ، الذي بدأ الإعداد له قبل فترة من وقوع الاحتلال ، خبراء في مجالات مختلفة. وناقش المشاركون الأوضاع العراقية من كل الجوانب. وكانت التجربتان الألمانية واليابانية من بين عدة تجارب ناقشها الحاضرون للاسترشاد بهما و لغرض استخلاص العبر منهما ، فيما يتعلق بخصوصية الأوضاع العراقية ، اختلافا وتشابها وتطابقا.
المؤتمر الذي عقدته مؤسسة (راند) ليس الوحيد في الولايات المتحدة الذي ناقش إعادة بناء العراق بعد الاحتلال ، فقد سبقته واعقبته ، كما قلت ، ورشات عمل بحثية كثيرة لخبراء في كل المجالات.
ويبدو أن فكرة الاهتداء بالتجربتين الألمانية واليابانية في إعادة بناء العراق كانت شائعة لدى صناع القرار الأميركي ، وحتى عند صغار الموظفين في الخارجية الأميركية ، كما يقول جيمس فلوز.
جيمس فلوز JAMES FALLOWS صحافي ينشر في أهم الصحف الأميركية ، و كاتب ، و أستاذ في جامعات أميركية وأجنبية ، و يتمتع بعلاقات وثيقة مع كبار صناع القرار في الأدارات الأميركية ، و كان كاتب خطابات الرئيس جيمي كارتر لسنتين. وكان ، بحكم علاقاته ، على معرفة بالنقاشات التي كانت تدور في أروقة الخارجية والبنتاغون أثناء التحضير لعملية الاحتلال.
فلوز له عشر كتب حول الاستراتيجيا الاميركية منها ، كتاب عنوانه (عميان في بغداد BLIND INTO BAGHDAD ) نشره عام 2006 بعد أن كان قد نشره على حلقات عام 2004 في مجلة (ذي اتلانتك).
فلوز في كتابه ينتقد بشدة عملية الاحتلال الأميركي للعراق ، ليس لأنه ضد الاحتلال ، وإنما بسبب غياب الأعداد المتقن ، و السرعة التي تمت فيها العملية و غياب الاستعداد الواسع لها ، والافتقاد للتنسيق ، وكذلك تفرد وزير الدفاع آنذاك ، رونالد رامسفيلد كبار ومساعديه بالقرارات.
يقول فلوز إن كبار العاملين في أدارة الرئيس بوش عندما كانوا يناقشون ، خلال الأيام التي سبقت احتلال العراق ، عن كيف سيكون الوضع في العراق بعد الاحتلال فأنهم كانوا يناقشون التجربتين اليابانية والألمانية.
وينقل فلوز عن واحد من هولاء العاملين الذين ذهبوا للعمل في العراق خلال الأشهر الأولى بعد الاحتلال ، قول الأخير ( لقد لاحظت وأنا داخل الطائرة العسكرية الأميركية الذاهبة لبغداد أن الكتب التي كان يحملها جميع زملائي الأميركيين الذي كانوا معي على متن الطائرة لا تتحدث عن العالم العربي ومشاكله ، وإنما كانت كلها تتحدث عن التجربتين الألمانية واليابانية وكيف تمت إعادة بناء هذين البلدين بجهود أميركية بعد الحرب الثانية.)

وإذا عدنا للوراء فسنجد أن مشروع إعادة بناء العراق شرعت الولايات المتحدة بتنفيذه ، عمليا ، خلال حرب الكويت عام 1991 ، عندما دمرت البنى التحتية ، ثم فرضت الحصار الاقتصادي ، وتركته مخربا حتى لحظة غزوه واحتلاله عام 2003.
يقول رئيس مجلس العلاقات الخارجية حاليا والمسؤول السابق عن تخطيط السياسية الأميركية في وزارة الخارجية ، ومستشار وزير الخارجية الأسبق كولن باول ، الدبلوماسي والمفكر ريشارد هاس ، في كتاب نشره بعد ثمان سنوات على حرب الكويت ، أي عام 1999 بعنوان (تدخل : استخدام القوة العسكرية الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة Intervention: The Use of American Military Force in the Post-Cold War World) إن تغيير نظام ما غالبا لا يمكن إنجازه إلا بغزو عسكري واسع النطاق يترك الأمة المحتَلة أنقاضا وتصبح بحاجة إلى إعادة بناء.)
ما يطالب به هاس نفذت الولايات المتحدة قسمه الأول عام 1991 وظلت تواصل تنفيذه لاحقا من خلال الضربات العسكرية خلال حقبة أدارة كلنتون ، وجاءت عام 2003 لتنجز القسم المتبقي.

غرضي من كل ما كتبته من سطور سابقة هو ، أن أقول إن الولايات المتحدة لم تحتل العراق لإسقاط النظام السياسي القائم وقتذاك ، فقط.
سياسة إسقاط الأنظمة السياسية أو التخلص من القادة الحكام غير المرغوب فيهم كانت الولايات المتحدة تطبقها ، بطريقة المؤامرات والنقلابات ، عن بعد و على طريقة الرموت كونترول ، خلال حقبة الحرب الباردة. وقتذاك كان ميزان الرعب بينها وبين الاتحاد السوفيتي قائما ويمنعها أن تفعل ما تريده وترغب به.
بعد الحرب الباردة بدأت الولايات المتحدة تفكر وتتصرف ، وتصرفت باعتبارها القوة الأعظم والأوحد القادرة بمفردها على كتابة تاريخ العالم ، وليس تاريخها وحده.
وما كان الرئيس الأميركي بوش يعبر عن تهور ورعونة سياسية عندما قال عشية تنفيذ عملية غزو واحتلال العراق ، أي في 26 شباط 2003 : ( إننا نلتقي هنا في مرحلة حاسمة من تاريخ أمتنا ، وتاريخ العالم المتحضر. إن قسما من ذاك التاريخ كتبه آخرون غيرنا ؛ وما تبقى من التاريخ سنكتبه نحن ( Part of that history was written by others the rest will be written by us) . إن إعادة بناء العراق ستتطلب التزاما متواصلا من قبل أمم عديدة ، بما في ذلك أمتنا الأميركية : سنبقى في العراق ما كان ذلك ضروريا ، وبعد انقضاء هذه المدة الضرورية لن نبقى في العراق حتى يوما واحدا.)

وما كان بوش يتحدث بأسمه أو أدارته وبأسم حزبه ، وإنما بأسم الولايات المتحدة. قرار الحرب لم يتخذه الحزب الجمهوري وحده.
قرار الموافقة على شن الحرب حظى وقتها بدعم أكثرية الديمقراطيين
في مجلس الشيوخ ، ودعم قيادة الحزب الديمقراطي في مجلسي الشيوخ
و النواب.
ومن الديمقراطيين الذين أيدوا بقوة قرار الحرب و تضامنوا مع رامسفيلد وديك شني وبول فولفيتز وبقية صقور الحزب الجمهوري و جماعة المحافظين الجدد هم ، هيلاري كلنتون وجون بايدن وجون كيري الذين كافئهم أوباما واختارهم في مناصب رفيعة في أدارته بعد فوزه.
فالرئيس أوباما عارض الحرب ، ليس لأسباب مبدأية وإنما لحسابات فنية كان يجدها شخصيا غير دقيقة ، خسائرها أكثر من أرباحها.
وقبل وصوله للرئاسة ، و في خطابه الشهير في اكتوبر 2002 الذي أعلن فيه معارضته للحرب على العراق ، أوضح أنه يعارض الحرب على العراق ، فقط لأنه يراها ( حرب خرقاء و غبية a dump war ، a rash war).
وعندما أصبح أوباما رئيسا نسى تماما ذاك الوصف وبدأ يتحدث عن كيفية ضمان المصالح الأميركية في العراق ، وسار على طريق أتمام ما بدأته إدارة سلفه بوش.
وخلال محادثة له مع رئيس الوزراء العراقي ، حيدر العبادي ، قال الرئيس أوباما ، بفرح ، إن العراق الآن لا خوف عليه ، فهو بلد ديمقراطي يعاني من مد وجزر في أوضاعه السياسية الداخلية شأن أي نظام ديمقراطي آخر في العالم.
إنه لعبث ما يقوله البعض بإن الولايات المتحدة (غسلت يدها) من العراق ، على اعتبار أن مشاكل العراق ومنطقة الشرق الأوسط لا شفاء لها ولا حلول !
فقد واجهت الولايات المتحدة صعوبات كارثية أثناء تواجد قواتها داخل العراق قال على أثرها البعض أنها ستسحب قواتها وترحل مهزومة أشبه بهزيمتها في فيتنام ، لكنها واصلت احتلالها ولم تنسحب من العراق إلا بعد سنوات ، أي بعد انتهاء المدة (الضرورية) التي تحدث عنها الرئيس بوش.
فهل من المعقول ، وقد تحسنت الآن الأوضاع الأمنية كثيرا ، أن تترك الولايات المتحدة العراق.
يقول كثيرون ، وهم على حق كبير ، أن السياسة الأميركية في العراق اتسمت طوال الفترة الماضية بالحيرة وبالتخبط وبالعشوائية وبالرعونة. لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة عندما احتلت العراق لم يكن في ذهنها مشروع متكامل عملت على تطبيقه منذ الأيام الأولى ، بل منذ الساعات الأولى لدخول قواتها بغداد. وهي ما تزال تواصل تطبيقه ، لكن بتعديل ، وحتى تغيير (السياسة) المتبعة ، مستفيدة من نقاط فشلها ونجاحها ، وخبرتها التي تتراكم عن العراق.

بمعنى أخر ، أن المصالح الأميركية هي نفسها ، لكن (سياسة) ضمان وحماية المصالح هي التي تتغير.
ولعل من المفيد هنا أن نعيد التذكير بصور الجنود الأميركيين المعلقين على جسر الفلوجة عام 2003 ، وكيف اختفت تلك الصورة وظهرت بدلا عنها الآن صور المهجرين من ديارهم من سكان الفلوجة ، و صور ساسة الفلوجة أنفسهم وهم يذهبون للولايات المتحدة يطالبون بالدعم الأميركي !





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,575,479
- عراق ما بعد داعش هو (الجوهر) ومعركة الموصل (تفاصيل)
- القبائل في العراق لا مساهمات لها في بناء الحضارة المدينية
- العشيرة منزوعة الدسم
- هل المجتمع العراقي عشائري أولا و حَضَرَي ثانيا أم العكس ؟
- جماهير التيار الصدري : الفتات المبعثَر على موائد أثرياء الشي ...
- ( لي سان كيلوت ) : نار الثورة الفرنسية و رمادها
- عراقيون مظهرهم تقدمي و أفكارهم رجعية
- ماذا يحدث بالضبط للتحالف الوطني هذه الأيام ؟
- هل يكتب العراقيون معاهدة ويستفاليا جديدة خاصة بهم ؟
- هل تصح المقارنة بين مقتدى الصدر وبين المرشح للرئاسة الأميركي ...
- حكام آل سعود يعيشون هذه الأيام في رعب وتنتظرهم أيام عصيبة
- روحاني يؤكد أن إيران تقاتل في العراق دفاعا عن مصالحها القومي ...
- الأزمة التي تتعمق في العراق: السبب في (السايبا) وليس في سائق ...
- (الهمج الرعاع) في العراق يحولون حياة النخب السياسية والدينية ...
- العراق في غرفة الإنعاش والعبادي يروي نكات عن التكنوقراط
- مَن يتذكر (رجل من العراق) أسمه وصفي طاهر ؟
- أصبحت (مقاتل) الشيعة العراقيين في زمن حكم الشيعة تُبث على ال ...
- - أنفسنا السنة - لكن - لعن الله الواثق - !
- طوفان الدم والجثث المتعفنة وخيبات الأباء في قصائد سيغفريد سا ...
- الشاعر الإنكليزي العراقي الأصل سيغفريد ساسون


المزيد.....




- تذكرة عودة إلى قصبة الجزائر
- -سانا-: مسيرات احتفالية في الحسكة السورية بإعلان تحرك الجيش ...
- الأكراد يتفقون مع دمشق على انتشار الجيش السوري على الحدود مع ...
- من الحياة الأكاديمية إلى دهاليز السياسة ومتاهاتها .. من هو ق ...
- شاهد: مظاهرات هونغ كونغ تتحول إلى أعمال شغب
- مؤشرات أولية على تقدم ساحق لقيس سعيد في انتخابات الرئاسة الت ...
- الأكراد يتفقون مع دمشق على انتشار الجيش السوري على الحدود مع ...
- من الحياة الأكاديمية إلى دهاليز السياسة ومتاهاتها .. من هو ق ...
- دور رئيسي للأسرة.. تعرف على أسباب وأعراض مرض الشلل الدماغي ل ...
- مع تصعيد العملية التركية.. ترامب يأمر بسحب مئات الجنود الأمي ...


المزيد.....

- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين كركوش - السياسة الأميركية في العراق بين الثوابت والمتغيرات