أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مصطفى الحسناوي - مع ماركس















المزيد.....



مع ماركس


مصطفى الحسناوي

الحوار المتمدن-العدد: 5325 - 2016 / 10 / 26 - 14:58
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مع ماركس
مصطفى الحسناوي
عبر ماركس القرن العشرين كطيف، ومبدأ الطيفية في العمق، لا يسم الماركسية فقط على مستوى الممارسة، بل وعلى مستوى النظرية، أيضا، لان ما طرحه ماركس يظل نوعا من الطوبى التحررية الفعالة، المفتوحة على الاتي والمسكونة سلفا بنداءات المستقبل.
كان العبور في العمق كارثيا، بالرغم من أنه لم يمس العمق الفعال للماركسية، الذي
هو مراجعتها باستمرار لذاتها ولأطروحاتها ومفاهيمها وتحليلاتها، تبعا لما عبر عنه ماركس نفسه [ما اعرفه هو انني لست ماركسيا]. تم العبور الكارثي على مستوى الانتظامات السياسية – الدولتية البارانوية والصلبة، التي أسرت النظرية داخل إسمنت ايديولوجي ناظم لكل التوجهات ومنحتنا نوعا من ماركس الرسمي الذي تلبس صورة الاب المؤسس لعلم التاريخ، والمكتشف لقوانين اشتغاله، المشتغل على انماط الانتاج ووسائله، والمنظر لحدث انبجاس الطيف الشيوعي في اوربا، ولليقينات الثورية. باسم هذا "الماركس" الذي تخلق في رحم البارانويا الستالينية، تم اضفاء الشرعية الدوغمائية على انظمة حرمت مواطنيها من الحقوق والحريات والديمقراطية في القرن العشرين، حيث تحول المنظر لتحرر الانسانية الذي خرج من رحم اليسار الهيجلي ومن النقاشات مع فيورباخ، الى مجرد " ايديولوجي نظام الحكم".
يقرر فوكو في [الكلمات والاشياء] (1) بأن الماركسية لم تنجز، على المستوى العميق للمعرفة الغربية، قطيعة فعلية بل سكنت – باعتبارها صورة ممتلئة مريحة ومكتفية بذاتها كافية لزمن معين هو زمانها – داخل جهاز ابستيمولوجي استقبلها بكل عناية واهتمام (ما دام هو الذي منحها المكان تحديدا)، ولم تكن، تبعا لذلك تمتلك الادوات القادرة على قلبه ولا خصوصا القدرة على تغييره، ولو قيد انملة ما دامت في كليتها ناهضة عليه. يشبه فوكو وضعية الماركسية في القرن التاسع عشر، كالسمكة داخل الماء، أي أنها تختنق وتكف عن التنفس خارج مائها، ويحدد اللحظة المعرفية لميلادها أو ما يسميه جهاز المعرفة الذي داخله تتمظهر في الاوان ذاته، تاريخية الاقتصاد (في علاقة مع اشكال الانتاج)، ونهائية الوجود الانساني (في علاقة مع الندرة والعمل)، واستحقاق نهاية التاريخ سواء تمت هذه النهاية ببطء، أو كقلب جذري.
ليست الماركسية، من المنظور الفوكوي، سوى وعد يندغم في الوعود المندمجة والمنصهرة التي افرزها، في القرن التاسع عشر، انخراط الجدل في الأنثروبولوجيا. ان الماركسية من هذا المنظور، ينظر اليها كطريقة معرفية حديثة، عوضت المتعاليات الميتافيزيقية القديمة بأخرى جديدة تتمثل في الحياة والعمل واللغة. لكن مآلية الماركسية كفكر، وكذريعة ايديولوجية للكثير من الانظمة السياسية، تدفع ماركس للتموضع خارج هذا المجال المعرفي، الذي داخله يتحدد ميلادها ونشأتها. يعتقد البعض بأن قيمة الانجاز الماركسي النظري، تظل قيمة وصفية تحديدا للرأسمالية في القرن التاسع عشر، وان فاعلية فكره قد لا تتجاوز حدود عصره، لكن بالنظر الى حجم القراءات والتنظيرات والتطبيقات والتحريفات، التي كان فكره باستمرار موضوعها، يمكن القول بأنه مفكر القرن العشرين بامتياز والقرون الآتية ايضا. يظل فكر ماركس في العمق، مرتبطا براهنه التاريخي، ومفتوحا على الممكن، وتظل راهنيته مرتبطة بالحاجة السياسية التي تستدعيه، من حيث هو فكر ثوري مسكون بطوبى تحررية ضمن عقد تناقضات معينة، وبالحاجة النظرية التي تقود الى التفكير انطلاقا منه، معه أو ضده، لان ماركس شأنه في ذلك شأن كل مفكر أو فيلسوف كبير يمنحنا ايضا امكانية التفكير ضده بأريحية لا تضاهى. لم ينطرح ماركس أبدا كمفكر للدولة أو لنظام سياسي ما خصوصا وأنه لا يمكننا العثور على نظرية للدولة في فكره (لم يكتب ماركس الفصل حول نظرية الدولة في "الرأسمال" كما خطط سابقا لذلك). ليس هناك اذن تصور دولتي ميكانيكي محكوم بسقف معلوم وحتمي، ان فكر الحتمية هذا، المصاحب للتصور الميكانيكي، الذي ارتبط بصيرورة المفكر المسكون بهاجس التحرر الانساني، مفكر دولة في انظمة اوربا الشرقية، التي استندت الى اسمه لتبرير وجودها وشرعيتها، لا يلغي في شيء وجوه ماركس المتعددة، وحركيتها الفكرية وامكانية النظر فيه كمتن نظري وكتجربة سياسية، على خلفية تأثيره الممكن في الحاضر والمستقبل.
يشير التوسير الى أن التفكير والتفلسف انطلاقا من ماركس، معه وضده، هو استئناف للاوديسا النقدية لماركس لصالحنا، من تم بلوغ مسقط الرأس الوحيد الذي هو التاريخ، لنعثر داخله، عند النهاية، على راحة الواقع والعلم المتوافقان تحت يقظة النقد الدائمة. وحده تاريخ الواقع يوجد، التاريخ الذي بإمكانه أن يثير خفية، في النائم حشد اللا تناسقات المحلومة، دون أن تستطيع احلامه المتجذرة في استمرارية هذا العمق وحدها، التكوين الفعلي لقارة تاريخ ما (2).
لقد انطرحت، حول ماركس العديد من الاسئلة ذات الطابع الفلسفي، وخصوصا تلك المتعلقة بطبيعة الخلفية الفلسفية التي تنهض عليها الماركسية، كنظرية وكممارسة: هل هي نزعة هيجلية أم مضادة للهيجلية؟ هل ماركس جزء من اليسار الهيجلي؟ هل هي مادية طبيعية يبدو التاريخ الانساني داخلها بمثابة امتداد للتطور البيولوجي وتبدو قوانين التاريخ مجرد حالات خاصة لجدل كوني للطبيعة؟ أم أنها فلسفة ذات نزعة انسانية ناهضة على نقد الاستيلاب ومظاهره في المجتمع البورجوازي، وناهضة ايضا على المثال الداعي الى تحرير الانسان، وعلى الوضع الاعتباري الحاسم للممارسة التاريخية؟ هل تنهض تنظيرات ماركس على فلسفة ما؟. يعتبر التوسير، بأن ماركس جسد الموت النقدية للفلسفة، بحيث لم يعد لها كمصير غير استكمال وانجاز موتها النقدية، عبر الاعتراف بالواقعي، والعودة اليه، أي واقع التاريخ الذي يتحكم في مصادر الافراد وافعالهم وافكارهم. إن اعماله النظرية مسكونة بانشغال واقعي يعبر عن الرغبة في نمط فعل يستجيب لبواعث معينة، ويخضع لغايات يبدو من خلال الملاحظة، بأنها فعلا بواعث وغايات الفعل الانساني.
تنهض واقعية ماركس، على فكرة التجريبي الذي يفرزه تاريخ الناس، حين يصير هذا الاخير موضوعا للمعرفة. لنعد الان الى سؤالنا: هل ماركس فيلسوف فعلا؟. ليس هذا السؤال جديدا، لان الكثير من مؤولي المتن الماركسي وشراحه، طرحوه وعلقوا عليه؟، ودرج اغلبهم على الاجابة عنه بالإيجاب قائلين بأن محتوى هذه الفلسفة الجديدة، هو "المادية التاريخية" (3)، وهي العملية التي دشنها انجلز وأكملها لينين.
نعثر داخل ما يسمى "الفلسفة الماركسية"، على عدد من التأويلات التي يتم استعادتها باستمرار، وعلى العديد من البناءات النظرية، التي اعتبر بعضها، بأن ماركس لم يترك غير معالم اولية لبناء نظري قيد الانجاز، وأن هذه التأويلات هي التي ستعمل على اكمال تشييده، لتتسم بنوع من الوفاء الشديد لصاحبه. يعتبر تاريخ الماركسية، تاريخ الازمات والهزات والصراعات، التي خيضت باسمها، سواء من طرف معارضيها أو المدافعين عنها وحين يتم الحديث عن "فلسفة ماركسية"، فإن الاسم نفسه يصير في المقام الاول المعين الدال والأول على هذه الصراعات نفسها. لقد تغيرت مواقع هذه الصراعات ورهاناتها على مسار القرن العشرين، ولكن احدى العوائق الموروثة عن هذه النقاشات والجدالات، هو النزوع الدائم الى اسناد اطروحات المؤولين والمعلقين والشراح وفرضياتهم القرائية لماركس نفسه.
ينبغي القول بأن ماركس في الكثير من تجلياته، هو تاريخ القراءات والتأويلات التي طرحته كموضوع لها، تاريخ تلقي النص الماركسي نفسه، وتأويله حتى وان قاد ذلك الى طمس جزء أو اجزاء من الفكر الماركسي، الذي لا يمكن بأي حال من الاحوال، اختزاله كلية في مجموع التفسيرات التي انتجت حوله. [اذا كان ماركس فيلسوفا نوعا ما، فإنه تميز ايضا عن اغلب صانعي الانساق الفلسفية، في أنه اعتبر أن ردود فعله النظرية، مهما كانت عويصة، فإنها ذات بعد عملي اساسا، لان الافكار، في نظره ليست فقط في خدمة القوى السياسية الواقعية ولكن ايضا ذات ثقل سياسي من حيث هي كذلك. تلك فحوى الاطروحة الماركسية الشهيرة حول وحدة النظرية والممارسة حتى ولو توجب علينا الا ننسى بأن نظريته ترنو فضلا عن ذلك، الى الحث على بروز نظام اجتماعي قد لا يلعب الفكر فيه ابدا، أي دور اداتي خالص، وقد لا يرمي فيه، فقط الى بلوغ هذا الهدف أو ذلك، ولكن يمكن اعطاؤه المكانة المميزة له، كممارسة مكتفية بذاتها. ان مذهب ماركس السياسي ثوري في العمق، ومصطلح "ثورة" يحيل هنا بشكل أقل في منظوره، على السرعة والمباغتة أو على عنف سيرورة تغيير اجتماعي (بالرغم من التصور العنيف لبناء الاشتراكية الذي يبدو أنه منخرط فيه، فإنه لا يقصي استعمال قوة التمرد)، لا يمكن أن تنجز بالتأكيد بين ليلة وضحاها] (4).
اذا ما تم تجاوز التراكم الاستيلابي التي آنوشمت به المعرفة، وتم الاضطلاع بمغامرة نقدية جمالية ومفاهيمية خصوصا، في مختلف مجالات العلوم الانسانية، فان ماركس ينطرح كأفق لا يمكن تجاوزه ويمكن التعامل معه كمعلم لاجتراح طريقة ما شريطة الاستيقاظ من الكوابيس الديمقراطية الاجتماعية والستالينية. ستتحقق اذن نوع من العودة الى ماركس اخر، نسيته الاورثودوكسيات المفلسة. لقد أكد جان- بول سارتر، بأن الماركسية فلسفة غير قابلة للتجاوز في عصرنا، وقرر في خصم الحرب الباردة بأن كل ضد شيوعي كلب. اقتسم التوسير التأكيد الثاني مع سارتر، ولكنه لم يومن بوجود "فلسفة ماركسية"،
وقرر بأن الفلسفة الماركسية لا توجد، لأنه ليس هناك سوى موقف ماركسي أو مادي أو ثوري داخل الفلسفة. ان فكرة وجود سياسة ماركسية رفضت من طرف ماركس نفسه الذي لم يكن يرى نفسه "ماركسيا" وان فكرة "سياسة ماركسية" ستكون مضحكة، بالرغم من أنه قضى حياته بنجاح أقل في الدفاع عن موقف مادي أو ثوري في السياسة. كما أنه ليست هناك نظرية ماركسية للدولة أو للطبقات الاجتماعية، بل فرضية للاشتغال، برنامج للبحث والعمل حول تنظيم اثار اللقاء بين النظرية القديمة لصراع الطبقات كما بلورها أوغستان تييري، والعلاقة الرأسمالية مع اثارها السيئة على الدولة والهيمنة. واذا ما طبقنا الحدس الالتوسيري السالف الذكر على الاقتصاد، يمكن القول بأنه لا وجود لاقتصاد ماركسي، لعلم اقتصاد ماركسي، ولكن لوجهة نظر ولموقع ثوري في الاقتصاد أو العلم. إن بقاء ماركس واستمراريته كمفكر، ليست مرتبطة باستمرارية المحتوى الايجابي لمذهب يشيده كمتحف، ولا في دمج الماركسية في المتن الفلسفي الالماني، أو في تاريخ الفلسفة. وبالرغم من هذا، فقد حدث الدمج (وهو أمر جيد)، وخصوصا لدى أولئك الدين دحضوا بقوة وجود موقف ماركسي في الفلسفة والاقتصاد والسياسة.
يظل ماركس حيا حين يصير شيئا اخر لا يختزله مجرد مذهب فلسفي، أو فلسفة للتاريخ. لا يمكن للماركسية أن تظل حية الا اذا توصلت، في مواجهة افيون الشعب الحقيقي الذي صاره الاقتصاد، الى تأسيس وجهة نظر وموقف مادي وثوري في الاقتصاد. إن الاهم هو ايجاد موقف قبل التخندق في خط مواجهة ما.
تكمن احدى عناصر تميز ماركس تحديدا، في الارادة الواعية في التدخل في حقل السياسة، وتجذير الاكتشافات النظرية في تربة الممارسة وزرع دينامية البحث المستمر فيها. ان ماركس وقراءته غير مفصولين اذن عن نوع من التقييم الدائم لراهنيته، ولمدى/أمداء عمله النقدي الذي يظل دوما قابلا للتحيين. لقد نهضت هذه القراءات إما على جوانب معينة أو طمس وكبت جوانب اخرى ضمن الفكر الما بعد ماركسي، لقد عمل هذا الفكر على طمس الذات وكبتها، ونجم عن ذلك بروز اتجاهين نظريين تشكلا في الفضاء الذي خلفه غياب الذات هذا. تحولت نظرية ماركس من جهة، الى وصف علمي لسيرورة طبيعية [بلا ذات]، وتم من جهة اخرى، تبعا لذلك ايضا، كبت الخصوصية التاريخية لنظرية القيمة حين تم تأويلها كوصف اقتصادي ميكانيكي لسيرورة انتاج القيمة، وأعيد تحديدها فقط باعتبارها قانون القيمة، وبدل أن يعاد، داخل هذا السياق، تأسيس لحظة فاعلية الذات تم اقرار ارادة الحزب وتم تثبيتها مع الحزب الاشتراكي الالماني وصولا الى لينين، وتجسد ذلك بشكل أوضح مع الاممية الثالثة. انه التأويل السكولائي الذي تبنته الاشتراكية الديمقراطية والاممية الثالثة و الذي اختزل الذات، الطبقة الى وظيفة بنية لا تاريخية وطبيعية. انطلاقا من عشرينيات القرن الماضي، شهدنا عودة التأثير الهيجلي الرامي الى تحويل نظرية ماركس الى مجرد فلسفة للتاريخ، يتم داخلها حل السيرورة الواقعية بشكل مسبق ومنتهٍ، حسب الضرورة المثالية التي يستلزمها الحل الجدلي الذي لا تكون الحركة "الواقعية" سوى تجسيدا له . ينطرح هنا مفهوم "الوعي الطبقي" - الذي هو مجرد وسيط تجريبي واختباري تفرضه الضرورة المثالية لإيجاد حل للسيرورة التاريخية – لتعويض التأكيد الارادوي للتيار الاخر. ان طرح أقنوم الوعي كوساطة لأقنوم "تاريخ" هو بدوره نتيجة للكبت التاريخي للذات الملموسة للطبقة. هذان الطريقان معا، هما اللذان طرحهما التقليد الما بعد ماركسي كايديولوجية له، عبر التعارضات: بنيوية/ تاريخية، التي يحكمها البعد الاختزالي ذاته، ذاك الذي ينعلن – على الصعيد السياسي- تارة عبر التبعية للمصلحة الواقعية للطبقة وحاجات الذات لحزب – دولة – ذات عليا، وتارة اخرى عبر اختزال المصلحة الفعلية للطبقة في الوعي برسالة تاريخية ينبغي انجازها . ان الاهم في هذا السياق، هو اننا لا نعثر لدى ماركس على فلسفة حتمية للتاريخ، بل بالأحرى على نقد عميق وفعال وجذري لفلسفة كهذه، وليس هناك ما هو أبعد عن ماركس من تلك المحاولة لصياغة "قانون للتقدم" على الطريقة الاقتصادية أو الوضعانية، كما يبرز ذلك بوضوح في كتابات النضج. لقد سخر ماركس في "الايديولوجيا الالمانية"، من التأويل الكاريكاتوري لكل من ماركس بوير وماركس ستيرنر لفلسفة التاريخ الهيجلية، حين اعتبرا الواقع التاريخي متتالية من الافكار تلتهم كل واحدة ما قبلها لتفضي في النهاية الى "الارض الموعودة"، أي الى "الوعي بالذات". يدحض ماركس بوضوح هذا "التصور الديني" الذي يعتبر المراحل التاريخية السابقة ناقصة ودالة على مراحل تالية لها. ان من شان تصور كهذا، دفعنا للقبول المجرد والبسيط بالأمر الواقع. لربما تأسف ماركس لوجود "تاريخ كوني" مثالي، واذا ما كان التاريخ يتكون فليس ذلك لنزوعه نحو غاية موجودة سلفا،(الوعي بالذات، الفكرة المطلقة كتوافق بين الفكر والعالم الموضوعي، المجتمع البدون طبقات)، بل لان الرأسمال يتعولم، بحيث أن الوجود الملموس للناس، يتم على الصعيد العالمي. ان الرأسمال عند ماركس كائن عضوي وحي . ان العضو هو زمن اعادة انتاج الرأسمال انتاج القيم السلعية والدورة الرأسمالية، انه زمن ديمومة الرأسمال عبر دورات وانعطافات القيمة المنتجة. بهذا المعنى يصير زمن الحياة الاجتماعية. ان الرأسمال هو الزمن الاجتماعي والتاريخي الذي ينظم ذاته خلل حياتنا المستلبة.
تكمن احدى عناصر تميز ماركس تحديدا في الارادة الواعية في التدخل في حقل السياسة، وتجذير الاكتشافات النظرية في تربة الممارسة وزرع حركية البحث المستمر فيها. ان ماركس اذن وقراءته غير مفصولين عن نوع من التقييم الدائم لراهنيته ولمدى/ أمداء عمله النقدي الذي يظل دوما قابلا للتحيين. بناء على هذا الطابع المركب والمعقد لفكر ماركس، ونظرا لأنه يجسد المجهود المتواصل لاستعادة الافكار والمفاهيم والفرضيات، يصعب الاخذ، كما لو أن الامر يتعلق بيقين مطلق، بمسألة القطيعة الجذرية التي رآها ألتوسير بين ماركس الايديولوجي وماركس العالم وذلك بالرغم من أن التحقيب الذي يميز بين اعمال الشباب واعمال النضج يظل مشروعا. حافظ ماركس على اغلب الموضوعات ومحاور البحث التي بلورها في شبابه ولم يتخل عنها كالدين والحق والديمقراطية والثورة والعمل واستيلابه والمادية والفلسفة وهي التيمات المرتبطة في ما بينها بمسألة الانعتاق والتحرر الانسانيين. عبر الاقرار بهذه القطيعة الابيستيمولوجية بالذات واعتبارها العامل الحاسم والشارط لقراءة ماركس وانفتاحه على افق التلقي الصارم والنظر الى ذلك كما لو أنه النقطة العمياء، أو الجانب اللاواعي واللامفكر فيه في فكر ماركس الذي يصير مطروحا على المؤول/ المعلق تحقيق الوعي به عبر انجازه واعادة بناء معمارية هذا الفكر وتصنيف مفاهيمه المؤسسة، انبرى ألتوسير مثلا للقول بأنه يروم تفكير ماركس داخل ماركس، لأن فلسفته في الجزء الكبير منها، ما زالت قيد التكون ولأن أحجار الزاوية وحدها التي وضعت. ان تطبيق الفلسفة الماركسية على ماركس نفسه يبدو كشرط أولي ومطلق لذكاء ماركس وفي نفس الوقت كشرط لتكون وتطور الفلسفة الماركسية، وهذا امر واضح كما يقرر التوسير الغارق في يقينه العلموي/ النظراوي Théoriciste . يبدو هذا الامر مثيرا نوعا ما للجدل ان لم يكن غيرمسبوق، اذ لا نكاد نعثر في تاريخ الفلسفة الغربية، على فيلسوف تمت عملية البناء النظري والمفاهيمي لفلسفته ما بعد الوفاة (قد نرى ذلك أيضا بصدد علاقة لا كان Lacan بالنظرية الفرويدية). [لا نختار ولادتنا] هذا ما كتبه ألتوسير عن ماركس (5)، مضيفا بأن هذا الاخير ولد في مكان، ويقصد هنا الولادة النظرية لا البيولوجية.
يرى التوسير بأن الماركسية هي الفلسفة الوحيدة القادرة على ابراز طبيعة التكوينات النظرية وتاريخها أي أنها قادرة على إظهار تكونها الذاتي حين تتناول نفسها كموضوع، إنها الوحيدة القادرة على مجابهة هذا المحك نظريا والاضطلاع به. [هذا الاشتغال النقدي كله ضروري اذن، لا فقط للتمكن من قراءة ماركس بطريقة مغايرة للقراءة المباشرة، المورطة سواء في المسلمات الخاطئة لمفاهيم الشباب الايديولوجية، أو في المسلمات الخاطئة التي كانت ربما أخطر للمفاهيم المألوفة على ما يبدو لأعمال القطيعة. هذا الاشتغال الضروري ن أجل قراءة ماركس هو في آن المعنى الصارم اشتغال البلورة النظرية للفلسفة الماركسية. ان النظرية التي تسمح بالنظر بوضوح في ماركس والتمييز بين العلم والايديولوجيا وتفكير اختلافهما داخل علاقتهما التاريخية وتفكير لا استمرارية القطيعة الابستيمولوجية داخل السيرورة التاريخية، إن النظرية التي تسمح بتمييز كلمة عن مفهوم،
وتبين وجود مفهوم عبر وظيفة كلمة داخل الخطاب النظري وتحديدا طبيعة مفهوم عبر وظيفته داخل الاشكالية واذن عبر الموقع الذي يحتله داخل نسق "النظرية" التي وحدها تسمح بقراءة اصلية لنصوص ماركس، قراءة ابستمولوجية وتاريخية في ان ، ليست بالفعل شيئا آخر غير الفلسفة الماركسية نفسها] (6).
العودة الالتوسيرية الى ماركس هي، حسب ما أعلنته القراءة، عودة ماركس الى ذاته ليقف على طبيعة الثورة النظرية التي انجزها والتي تمثلت في تأسيس عنصر جديد للفكر النظري محرر من العنصر القديم المتجسد في الفلسفة الهيجلية والفيورباخية، ولقد أنجزها دون أن يعيها.
لقد ظل ماركس ورشا فكريا مفتوحا طيلة القرن العشرين وسيظل ربما لعقود أو قرون بعد ذلك، شأنه في ذلك شأن كل مفكر حاسم وضروري لإضاءة سيرورة التاريخ الانساني وتحولاته. تعددت وجوه ماركس كما تعددت سمات الماركسية ومفاتيحها التي تمنحنا امكانية اكتشاف النصوص. ان قراءة ماركس سواء نهضت على أولوية العودة للنصوص أو على أطراس التعليقات والتأويلات تظل في مجملها غير وفية له، نظرا للعوائق النظرية والسياسية التي تنطرح داخل فكره بالذات، وعلى سبيل المثال العلاقة بين النظرية والممارسة التي هي في آن احدى أهم الاسئلة التاريخية المطروحة في القرن العشرين، وايضا احدى المشكلات الداخلية في فكر ماركس وذلك منذ لحظة تكونه الاولى. نحن في العمق لا نقرأ ماركس بل نقرأ التصورات والتأويلات التي سيجت تحليلاته، فرضياته، أطروحاته ومفاهيمه، نقرأ سيرورة تخلق فكر أو فلسفة أو نظرية لا النظرية في ذاتها، وانطلاقا من هذا بالذات تبدو مسألة العودة للنصوص نفسها كضرورة وكوهم أو خدعة في آن . يلزم القول في ما يخص الوضع الاعتباري الالتوسيري، بأن تاريخ القراءة يرمي الى أن يكون تاريخ النص الماركسي بالذات دون القدرة على تمييز عملية البناء وتاريخها، أولوياتها ومنهجها عن ماهية المقروء. وليست هناكـ في العصر الحديث، فلسفة خضعت للرغبة العميقة في التماهي هذه اكثر من الماركسية، لان حشد شراح المتن على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم، اعلنوا بشكل أو باخر بأنهم يعملون على اعادة ترتيب عناصر المتن الماركسي تأتيثه أو استكماله الكتابة معه، داخله أو وراءه . لم يكن ماركس بالتأكيد فيلسوفا كأرسطو أو سبينوزا أو هيجل لكن هذه الصفة تنطبق عليه، كما يرى ايجلتون، لان العديد من نصوصه ذات صيغ فلسفية واضحة من جهة ولأنه سخر أيضا من جهة أخرى من الروح الفلسفية معلنا مثلا في الاطروحة الحادية عشر الشهيرة حول فيورباخ بأن [الفلاسفة لم يعملوا سوى على تأويل العالم بطرق متنوعة، بينما الاهم هو تغييره]. ما اقترحه ماركس تحديدا هو نوع من الممارسة الفلسفية الجديدة التي تسمح بتغيير ما نروم فهمه أو تأويله أي العالم، والتي تؤكد بأن التغيرات الاجتماعية والفكرية تسير بشكل متوازن، فالفلسفة عنده لا يمكنها أن تصير واقعا بدون زوال البروليتاريا والبروليتاريا لا يمكنها أن تزول بدون أن تصير الفلسفة واقعا. إنه التأكيد على فاعلية نظرية موجهة نحو الفعل، من حيث هي معرفة تحررية. لا تنطرح المسألة المتعلقة بشرعية النظرية أو اجرائيتها الا على مستوى الفعل هذا لان ماركس لا يطرح نظرية التاريخ الا في افق تملكه والتحكم في مآليته جماعيا أي عقلنته.
يتعلق الامر بإيجاد تمفصل بين أفق التغيير والتجاوز الثوريين وتحليل قوانين اشتغال نمط الانتاج الرأسمالي وتناقضاته. اذا استثنينا نظرية المعرفة الحاضرة بعمق في قلب المادية التاريخية المحددة من حيث هي تحليل لشروط امكانية تصور جديد للتاريخ بلوره ماركس، وهي النظرية التي اشتغل عليه انجلز ثم لينين من بعده وأسنداها الى ماركس نفسه تحت اسم "نظرية الانعكاس"، فإننا لا نكاد نعثر على عناصر ما يمكن تسميته "فلسفة ماركس" وهو أمر اجمع عليه الدارسون والمؤولون.
يتحدث التوسير عن "ثورة نظرية عند ماركس" ،؟ ويرى بأنه حتى في نصوص النضج التي هي "الايديولوجيا الالمانية" و "بؤس الفلسفة" و"الرأسمال" .. إلخ، لا نجد عرضا نسقيا لموقف ماركس النظري قابل للمقارنة مع عرض فلسفة هيجل، الذي نعثر عليه في "فينمنلوجيا الروح" أو "الانسيكلوبيديا" أو "المنطق الكبير" أو عرض فيورباخ في "مبادئ لفلسفة المستقبل". [ان الوضع النظري لماركس الذي قد يمكن بكلمة جد مبهمة تسميته" فلسفته" يشتغل بالتأكيد داخل اعمال النضج لكنه مطمور تحت عمله نفسه، ومتماه مع فاعليته سواء كانت نقدية أو استكشافية ونادرا ان لم نقل أنها لم تعلن أبداَ من أجل ذاتها بشكل نسقي متطور وهي الحالة التي لا تسهل مهمة المؤول] (7). بالرغم من أن ماركس أهمل التأمل المجرد ومنح الاولوية لتحليل العالم الواقعي، فانه لم ينس أبدا بأن معرفة هذا العالم الواقعي تفترض مفاهيم مجردة، وهنا بالذات تكمن بعض سمات تميزه لان بعض المعالم الفلسفية الذي آنوشم بها مساره لم تكن ناتجة فقط عن نشاطه السياسي. يعتبر ماركس الحياة الفلسفية مشوهة لان الفيلسوف يعيش نوعا من العلاقة المجردة والتأملية مع الفلسفة، لذا ارتأى ماركس اختيار طريق مغاير، طريق الحياة والفعل، يقول في احدى خلاصات [الايديولوجيا الالمانية/ 1845] : [هنا ينتهي التأمل ويبدأ العلم الواقعي، الايجابي الذي هو تمثل الفاعلية العملية وسيرورة التطور العملي للناس داخل الحياة الواقعية، تكف العبارات الجوفاء حول الوعي لتعوضها المعرفة الفعلية].
هكذا تفقد الفلسفة المستقلة الوسط الذي يميز ويبرر وجودها بفعل تمثل الواقع. يعلن ماركس في [الايديولوجيا الالمانية] الموت النقدية للفلسفة. لقد أبدع ممارسة فلسفية جديدة نوعا ما عبر فلسفة علم التاريخ أو المادية التاريخية ولم يبدع فلسفة جديدة، بالرغم من اعتقاد الكثير من شراح المتن ذلك، عبر التمييز التقليدي الذي يؤسسونه بين "المادية التاريخية" التي يعتبرونها "العلم الماركسي" والمادية الجدلية التي يعتبرونها "الفلسفة الماركسية". يذهب نيكوس بولانتزاس الى أن المادية الجدلية ليست عموما وفي أحسن الاحوال غير عرض يريد أن يكون نسقيا للمبادئ الابستيمولوجية والمنهجية المتحكمة في المادية التاريخية. تشكل هذه المبادئ جزءا لا يتجزأ إما من المادية التاريخية وإما من علم المنطق، أما في ما يخص التصور المادي للعالم فانه اخترق القارة الفلسفية منذ تكونها الاول عند الماقب سقراطيين، الارة التي تخلقت الخلل الصراع بين تياري المثالية والمادية. لا يمكن أخذ إعلان "موت الفلسفة" بالمعنى الحرفي، لان ما تغيا ماركس قوله حسب لينين، هو تغيير ممارسة الفلسفة، للاسهام الجذري في بلورة ادخال إيديولوجيا بروليتارية لطبقة مستقلة من خارج البروليتاريا. يتجسد هذا الاسهام في وحدة المفهوم بالتجربة حيث عثر الانخراط الشيوعي لماركس على وحدة ابعاده النظرية والعملية وخلف نوعا من الانصهار الحميمي بين نقد الفلسفة والمسروع الثوري. [ليس ماركس فقط منظرا سياسيا للحاضر، لان وصف التناقضات التي تشكل من منظوره، عائقا امام انطلاق تاريخ "فعلي" أكثر ملاءمة للتعبير عن الغنى والمتعة والتنوع الفردي/ يندغم لديه في لوحة ذات أمداء واسعة جدا، انطلاقا من ذلك يكون تحديد ماركس جوهريا كاقتصادي وسياسي أو كسوسيولوجي خاطئا تماما كما هو خاطئ القول بأنه شيد أولا وقبل كل شيء عملا فلسفيا، حتى ولو كان فعلا "فيلسوفا" بل أنه يقترح علينا بالاحرى، نظرية للتاريخ، أو بشكل أكثر تحديدا نظرية لدينامية التحولات التاريخية الكبرى التي عبرت نحو الاجيال من بعده تحت اسم "المادية التاريخية"] (8). إن ما طرحه ماركس نوعا ما هو سياسة جديدة للفلسفة، تمتاح شرعيتها من كون المشكلات النظرية متجذرة دوما في شروطها الاجتماعية التي وحدها السياسة، لا الفلسفة نفسها تسمح بإيجاد حلول لها، وهنا بالذات يكمن نمط الاستنتاج الفلسفي الذي أعاد موضعة الفلسفة لإبعادها عن الخطاب المكتفي بذاته، باتجاه خطاب يكون تشخيصا لعوارض نص تاريخي فعلي كامن في اعماق النص الفلسفي أولا مقوله.





هــــــــــوامش
Michel foucault, les mots et les choses, Gallimard, 1966.p 274.
Louis Althusser, Pour Marx, François Maspero, 1965. p20
نحت هذا التعبير جوزيف ديتزجن عامل الدباغة الالماني الذي كرس نفسه لنشر فكر ماركس ونشر سنة 1887 كتاب (مداخلات اشتراكي في مجال المعرفة) الذي قرأه لينين.
Terry Eagleton , Marx, Seuil, 2000. P. 77-78
Pour Marx, op,cit, p. 60
Ibid, p. 31-32
Ibid, p. 41
Terry Eagleton, Marx, op cit. p. 57





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,499,364
- الشعب يريد...


المزيد.....




- السيسي.. أتتمسكون بعبد الناصر في عز الهزيمة وتطالبون برحيلي ...
- مجلس الوزراء الجزائري يصادق على قانون المحروقات رغم الاحتجاج ...
- بيان إدانة حزب التقدم والاشتراكية للعدوان التركي على الأراضي ...
- الاشتراكي اليمني في ذكرى ثورة 14 أكتوبر يدعو الجميع لاستلهام ...
- لنهزم التشرذم النقابي
- العدد 328، من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً
- رحل البوعزيزي وتغيرت البلاد.. محطات من تاريخ تونس
- ترامب: تركيا تعتبر حزب العمال الكردستاني -أسوأ الإرهابيين عل ...
- القضاء العراقي: إجمالي المتظاهرين الموقوفين 21 في ثلاث محافظ ...
- شهادات من ناخبين تونسيين: -نختار اليوم رئيسا يكون في مستوى م ...


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مصطفى الحسناوي - مع ماركس