أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد حمدان - في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان االقاتلة















المزيد.....

في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان االقاتلة


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 5228 - 2016 / 7 / 19 - 04:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان القاتلة
افتضاح جرائم تنظيمات الإسلام السياسي ، بث الأمل لدي ، ولدى متابعين ومثقفين ، في إحداث بعض النفور الشعبي من هذه التنظيمات. لكن ارتفاع وتيرة بعض مظاهر التدين في فلسطين مثلا ، كتزايد الإقبال على أداء العمرة ، وعلى صلاة التراويح في رمضان ، يشير لشيء آخر . والحال بدا وكأن هناك متلازمة تجمع بين اتساع دوائر افتضاح جرائم هذه التنظيمات ، وبين غلبة مظاهر التدين وما يرافقها من تدهور للنظم القيمية والأخلاقية . هذه المتلازمة أعادت طرح ظاهرة الإسلام السياسي على طاولة مفكرين ، مثقفين وسياسيين من جديد ، فالبحث في أسباب نشوء ، نمو وتمدد هذه الظاهرة ، بل واكتساحها للشارع العربي خاصة ، والإسلامي عامة .
حتى الآن لم تأت إعادة البحث بأي جديد . فقط عودة لترديد ما كان مفكرون وكتاب كثر ، غربيون وعرب ، قد سبق وعرضوه في تفسير أسباب وتطور الظاهرة . ومنها ما يوصف بانسداد أفق المستقبل أمام المواطن ، ففقدانه الأمل في حياة كريمة ، نتيجة لعقود من سيطرة نظم الفساد والاستبداد السياسي ، وتوطن البطالة ، الفقر والجهل من جهة ، وتواصل مسلسل الهزائم والخيبات من جهة أخرى . ولا ينسى هؤلاء التنويه بضعف وعجز قوى اليسار عن طرح البديل من جهة ثالثة . والنتيجة أن بحث المواطن عن الأمل والأمان قاده إلى السقوط في أحضان تنظيمات الإسلام السياسي ، من خلال القبول بأطروحاته عن أمان الآخرة ممكن التحقيق ، عبر توسيع مظاهر التدين ، بديلا لأمان الدنيا المفقود أو ضعيف احتمال الحدوث .
ورغم شيوع هذا التفسير فقد بات واضحا أنه لمس جانبا من المسألة وقدم جزءا من الإجابة ، فيما ترك الكثير من الجوانب بلا بحث وبلا إجابة . ومنها على سبيل المثال لا الحصر : 1 – تنازل أهل السنة عن مذاهبهم الأربعة لصالح المذهب الوهابي ، أشد المذاهب انغلاقا ومعاداة للعقل .
2- إدارة التجمعات العربية والإسلامية ، في البلدان الأوروبية والأمريكية المضيفة ، الظهر للأفق المفتوح ، وللأمل في حياة حرة كريمة ، والانغلاق على النفس فيما يشبه غيتوات العصور القديمة .
3 – سقوط القضية الفلسطينية ، والتي عزي إليها الكثير من أسباب الظاهرة ، إلى ذيل أجندات هذه التنظيمات السياسية ، وذيل أجندات جماهيرها الآخذة بمظاهر التدين حتى في الأرض الفلسطينية المحتلة .
4 – انجذاب جماهير النساء ، نصف الأمة الأكثر انسحاقا ، وغير المعني في أكثريته بمسائل انفتاح أو انسداد الأفق ، وغير الباحث عن الأمل ، بسبب استلاب مسؤوليته تاريخيا ، لبديل الآخرة هذا رغم أن هذا البديل لا يقدم لهن أملا أو أمانا .
عودة إلى الوراء :
هناك وصف جميل للذاكرة الشعبية بأنها ذاكرة سمكية . لكن إذا جاز أن ضغط الأحداث يحول الذاكرة الشعبية إلى ذاكرة سمكية ، فهل يجوز أن تكون ذاكرة المثقفين والمفكرين كذلك ؟ مشكلة التفسير السابق في التصاق أصحابه بالحاضر ، وخلقهم الانطباع وكأن تنظيمات الإسلام السياسي مثلها مثل الفقع – الفطر- ، الذي نبت ونضج فجأة بعد يوم ماطر . بمعنى آخر يتجاهل مثل هذا التفسير عقودا طويلة من الصراع السياسي فالعسكري ، تذوقت فيها هذه التنظيمات مرارات الفشل ، قبل الوصول لهذا النجاح الذي نراه ونعايشه .
كلنا نعرف ، وإن كان البعض منا لا يتذكر ، أن تحولا كبيرا طرأ على مسار تنظيمات الإسلام السياسي ، مع نهاية الحرب العالمية الثانية . قبلها نشأ تنظيم الإخوان الوهابيين وضرب جذورا عميقة في الأرض السعودية . وبعده جاء تنظيما عصبة مسلمي عموم الهند ، والتي شقت باكستان عن الهند الأم ، فحركة الإخوان المسلمين في مصر . ثم تتالى نشوء الجديد من هذه التنظيمات فيما بعد .
نهاية الحرب العالمية الثانية وإن دشنت مرحلة أفول الاستعمار وتتالي استقلال المستعمرات ، فإنها دشنت أيضا بداية الحرب الباردة ، وانقسام العالم إلى جبهتين عريضتين ومتصارعتين ؛ جبهة قوى التحرر والتقدم والاشتراكية ، بقيادة الاتحاد السوفييتي كما عرفت آنذاك ، وجبهة الامبريالية وقوى الاستعمار الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية . ثم وفي نهاية الخمسينات وبداية الستينات نشأت جبهة ثالثة باسم كتلة عدم الانحياز من البلدان المستقلة حديثا ، حاولت أن تنأى بشعوبها ، وأن تتجنب نتائج الصراع بين الجبهتين الكبيرتين . والسؤال الذي لم يطرح : أين كان موقع تنظيمات الإسلام السياسي ، العتيق منها والحديث ، من هذه الجبهات ؟
قبيل نهاية الحرب جاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ، ليلتقي بالملك عبد العزيز آل سعود ، على ظهر المدمرة كوينسي الراسية في البحيرات المرة من قناة السويس ، وقبل توجه الرئيس إلى مؤتمر يالطا الذي كان سيجمعه برئيس الوزراء البريطاني ، وينستون تشرتشل ، والزعيم السوفييتي يوسف ستالين . وأسفر اللقاء عن تحول العربية السعودية من التحالف مع بريطانيا إلى التحالف مع أمريكا .
والسؤال: ما الذي دعا رئيس أقوى دولة في العالم ، كما أظهرتها نتائج الحرب ، إلى القدوم ، فاللقاء مع ملك بدوي ، لم يكن لبلاده أي شأن دولي بعد ؟ والجواب : لم يكن الأمر متعلقا بالبترول ، الذي كانت اتفاقيات التنقيب عنه للشركات الأمريكية حصريا ، والمكتشف منه ليس بالكمية والأهمية التي نعرفها اليوم . وإذن لماذا ؟
كانت نذر المجابهة المرتقبة بين كتلتي الرأسمالية والشيوعية ، تزداد وضوحا مع اقتراب نهاية الحرب . ولأن المجابهة الفكرية قد تكون أكثرها سخونة ، فقد توجب على أمريكا أن تسرع في البحث عن حلفاء موثوقين ومعتمدين في هذه المجابهة . ولما كانت السعودية تقوم على تحالف الأسرة الحاكمة مع الإخوان الوهابيين ، الأعداء الألداء ليس للشيوعية فقط ، وإنما لكل فكر يحمل شبهة التقدمية أو الانفتاح على العصر ، فقد تحمل روزفلت عناء القدوم ، ولقاء الملك البدوي على ظهر المدمرة الأمريكية .
دشن التحالف الوهابي - السعودي الأمريكي اندماج تنظيمات الإسلام السياسي ، قديمها وحديث النشأة منها ، في جبهة الاستعمار الجديد بالقيادة الأمريكية . والمراجع لتاريخ هذه الجبهة تدهشه حقيقة أن الالتحاق بها لم يقتصر على نظم الاستبداد والرجعية المعادية لطموحات وحريات شعوبها ، ومنها من كانت تصف نفسها بالإسلامية ، بل وحقيقة عدم شذوذ تنظيم إسلامي واحد عن هذه القاعدة . والخدمات التي قدمتها هذه التنظيمات ، وتحت شعار معاداة الشيوعية ، غنية عن البيان .
والآن هل كانت مجرد مصادفة أن الحركة الصهيونية ، في ذات الفترة، نقلت هي الأخرى تحالفها من بريطانيا إلى الولايات المتحدة ؟ لقد وقعت نكبة فلسطين بعد سنتين فقط من بدء تفعيل الدخول الوهابي السعودي في الجبهة الإمبريالية . فهل كانت صدفة هي الأخرى أن نأى الإخوان الوهابيون ، كما العربية السعودية ، بأنفسهم عن أي شأن يتعلق بالقضية الفلسطينية ؟ صحيح أن القضية ظلت حاضرة في الدعاية الإعلامية والإعلانية ، لكنها في الحقيقة غابت عن أي فعل يحتمل أن يؤدي إلى شكل ما من المواجهة مع الصهيونية وإسرائيل .
وصحيح أيضا أن القضية الفلسطينية ظلت حاضرة في الفعل الدعوي والدعائي لجناح آخر من الإخوان ، وهم إخوان مصر وفروعهم . لكن تاريخ الفعل في القضية يقول أن مشاركة الإخوان في الدفاع عن فلسطين وقف عند حدود المشاركة في كتيبة المتطوعين ، والتي دخلت مع الجيش المصري ، وخرجت معه أيضا . ومنذ ذلك اليوم اقتصر دور الإخوان على اللعب على عواطف الجماهير . وحتى بعد احتلال 67 صمت فرعهم في فلسطين 20 سنة قبل أن ينطق بكلمة ضد الاحتلال ، ولكنه في ذات الوقت وقف موقفا نشطا وعدائيا من الثورة الفلسطينية ومن منظمة التحرير . ووصل الأمر حد بحث التنسيق مع الاحتلال للمواجهة مع فصائل المنظمة ، كما اتضح من مفاوضات قيادات الإخوان مع قيادة الاحتلال ، والتي امتدت لسنوات ، في عقد الثمانينات من القرن الماضي .
أكثر من ذلك تحالف الإخوان ، والتنظيمات الإسلامية الناشئة ، ومباشرة بعد وقوع النكبة ، مع النظم العربية التي كان لها دور كبير في وقوعها ، والتي انتظمت في جبهة الإمبريالية . وضمن هذا التحالف ، ولأن هذه التنظيمات كانت مدركة لأهمية دورها في المواجهة مع فكر الاشتراكية والتحرر الوطني ، فقد انتبهت مبكرا لخطورة التطور الذي حدث في حقلي التربية والتعليم . فبعد انتهاء عهد الخلافة العثمانية السعيد دخل النظام المدرسي بديلا لنظام الكُتَّاب ، ودخلت الفلسفة ، علم الاجتماع ، العلوم الطبيعية والرياضيات إلى المناهج . وكان من شأن تدريسها بصورة صحيحة حدوث ثورة في العقل العربي المغيب والراكد منذ قرون عدة .
إذن ونتيجة لإدراك الإخوان ، والتنظيمات الإسلامية الناشئة ، لخطر التربية والتعليم ، وتصعيب مهام المواجهة مع الفكر الاشتراكي والتحرر الوطني ، فقد اشترطت على النظم العربية الحليفة تسليمها وزارات التربية والتعليم ، وكان لها ما أرادت . بعد ذلك عملت بجهد ومثابرة على تحييد فعل تأثير العلوم المذكورة آنفا على العقل العربي . بداية نجحت في حذف علوم الفلسفة من المناهج ، وتلتها باعتماد نهج التلقين في العلوم الطبيعية والرياضيات ، الأمر الذي حولها إلى علوم تعمل لصالح تغليب النقل على العقل . وذلك غير حشر الدين في ثنايا كل المواد المدرسية الأخرى ، وحتى في العلوم الطبيعية ذاتها .
وفي العام 67 وقع حدث بالغ الدلالة ، وإن واصل الغياب عن تحليلات المتابعين . قادة الإخوان والأعضاء ، وليس المتولي الشعراوي الموصوف بالعلامة وحده ، وقادة وأعضاء تنظيمات إسلامية أخرى ، صلوا لله ركعتي شكر على الهزيمة المذلة التي ألحقتها إسرائيل بمصر وجيشها وقائدها جمال عبد الناصر . وغاب السؤال عن الألسنة : هل كانت الصلاة مجرد تعبير عن كره الإخوان وأضرابهم لعبد الناصر ونظامه ؟ أم هل دللت ركعتا صلاة المتأسلمين على عمق تحالفهم مع الجبهة الإمبريالية ؟ وهل أشارت لموقع القضية الفلسطينية في الذهن المتأسلم ، ولنزولها بالتالي ، رغم صخب الضجيج الموجه لابتزاز عواطف الجماهير ، إلى ذيل قوائم الاهتمامات ؟ للأسف لم يحدث شيء من ذلك .
وعودة :
ونعود لعلاقات قيادة جبهة الإمبريالية مع حلفائها . ولعله من نافل القول التذكير بأشكال الدعم ، السياسي ، المالي ، العسكري ، الإعلامي ...الخ الذي قدمته أمريكا وجبهتها ، للنظم الحليفة ، وبما في ذلك إيصال من وصفت بنظم إسلامية إلى سدة الحكم في أكثر من بلد إسلامي ، كباكستان وإندونيسيا على سبيل المثال لا الحصر . نُظم غدت أكثر فسادا واستبدادا من مثيلاتها المحسوبة على العلمانية . لكن ، وفي المقابل ، ماذا عن ضرورة التذكير بتنوع وتعدد وسعة أشكال المساندة والمساعدة المقدمة للحركات والتنظيمات الإسلامية الحليفة ، لتمكينها من القيام بمهماتها في مناهضة الشيوعية ، وأفكار التحرر الوطني ؟ وعقب الطفرة النفطية تحول جانب من مهمات الدعم هذه إلى العربية السعودية وحليفاتها الخليجيات . وفي أقل من عقدين تحولت هذه التنظيمات إلى منظومة كبيرة تملك مالا بلا حساب ، وكماً هائلا من المنابر المتنوعة والفاعلة .
لم يظهر أثر هذا التحول ، بالصورة المقاربة لما نراه الآن ، في فترة انتعاش حركة التحرر العالمية . فلو أخذنا فترة قيادة جمال عبد الناصر لحركة التحرر العربية كمثال ، لرأينا كيف أن هذه الحركة كانت تملك من منابر الفكر ، الإعلام والإعلان ، ما ظل يتفوق على مثيلتها الإسلاموية ، الأمر الذي لم يجعل مهمة الأخيرة ليس شديدة الصعوبة فقط ، بل وأقرب إلى الفشل الذي ظهر في صورة محاصرتها شعبيا . لكن التطورات اللاحقة قضت بقلب المعادلة السابقة ، وبغياب منابر التحرر وانفراد المنابر الإسلاموية بالشارع الشعبي كما سنرى .


خطوة فاصلة :
ففي مطلع الثمانينات استغلت أمريكا نزول السوفييت إلى المستنقع الأفغاني لتوسيع وتعزيز دور تنظيمات الإسلام السياسي الحليفة . أعطتها دفعة كبيرة ، ونقلتها نقلة كبرى ، بفتح المجال أمام العمل الجهادي وإضافته إلى نشاطاتها . ولم تقف النقلة عند حدود التحشيد ، التعبئة ، التدريب ، التسليح ، فالمساندة والدعم ، بل تعدتها إلى ذرى جديدة من الدعم المالي ، وهو مهمة السعودية والخليج بالأساس ، فالدعم السياسي ، المعنوي ، الأدبي ، الدعوي ، الإعلامي ...الخ . وجاءت النتيجة بهزيمة الاتحاد السوفييتي ، ومن ثم سقوط وتفكك جبهة الاشتراكية والتحرر الوطني . وقفزت أمريكا لاحتلال مركز القطب العالمي الأوحد . وفي غضون أقل من عقدين ، وقد غابت جبهة الاشتراكية والتحرر الوطني ، ومعها كل منابرها السياسية ، الفكرية ، الثقافية ، الإعلامية ، الدعائية ...الخ ، تحولت مجموعات الإسلام السياسي إلى منظومة عالمية هائلة القوة والتأثير ؛ تمويل غير محدود ، وما لا يحصى من المنابر فالمخاطبة المباشرة لجماهير غيب التعليم وعيها ؛ مراكز إسلامية ، جمعيات إغاثة ، معاهد ثقافية وفكرية ، جامعات ، اتحادات علماء ، كليات دعوية ، فضائيات وإذاعات ، كتب وصحف ودوريات ، منابر مئات آلاف المساجد التي تلف الكرة الأرضية بكاملها ، ومئات آلاف الأئمة المتفرغين ، وشراء ذمم علماء علوم يحورون علوم الطبيعة والطب والفلك والفضاء ..الخ لتبرير ما يصفونه بالإعجاز العلمي للقرآن والدين ....الخ الخ ، وكل ذلك في مواجهة خصم مفكك القوى ، وبات مجردا من كل شيء ، وحتى من ملكية ولو منبر واحد ، يمكن أن يوصل صوتا ذا تأثير إلى الشارع الشعبي . لا مال ، لا كتاب ، لا صحف ، لا دوريات ، لا فضائيات ، لا إذاعات .....الخ . وأكثر من ذلك تحولت منابر الاشتراكية وحركة التحرر القوية السابقة ، إلى منابر مضادة ، انضم مجهودها لمجهود المنابر الإسلاموية ، وحتى أن بعضها تفوق في نفاقه عليها . ببساطة خلا الميدان لحميدان كما يقول مثلنا الشعبي .
تطورات عاصفة :
ولما كانت أفغانستان قد شهدت ولادة وتطور المجموعات الجهادية ، فقد شهدت أيضا تضخيما هائلا لدور هذه المجموعات ، وبالتحديد لفعل العقيدة الدينية في إسقاط وتفكيك جبهة الاشتراكية والتحرر الوطني . وبات قائما في ذهن المجموعات الجهادية ، رغم سرعة وقوع صراعات فتتها ، أن من أطاح بدولة عظمى شكلت على مدار عقود أحد قطبي العالم ، قادر على تكرار ذلك مع عدو آخر مماثل . وما دام الأمر كذلك فقد آن الأوان لإقامة دولة الخلافة العظمى واستئناف مسيرة جلب شعوب العالم لحظيرة الإسلام .
وهكذا ، وكما حدث في كل مراحل التاريخ ، كان أن الانتصار على العدو المشترك أعاد ما هو غير مشترك بين أعضاء الجبهة إلى واجهة الصراع . وكما حدث مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، تحول حليف الأمس إلى عدو اليوم . وهكذا انتقلت أمريكا والغرب عموما إلى موقع الشيطان الأكبر عند بعض التنظيمات ، محتلة المكان الذي شغله الاتحاد السوفييتي طوال سنوات الحرب الباردة .
وأخيرا نصل إلى القول : لقد وقعت أكثر من محاولة لإقامة الخلافة ؛ انطلاقا من أفغانستان ومرورا بالصومال ، الشيشان ، الجزائر ، السودان وصولا إلى العراق ، سوريا ، مالي ، نيجيريا ليبيا ، سيناء ...الخ . والنجاح الوحيد المتحقق كان إشعال حروب أهلية ، نجم عنها قتل وتشريد وخراب يستعصي على الوصف . ومن كل ذلك بدا واضحا أن هذه المنظومة ، وبالإمكانات الهائلة التي تملكها ، لم تتحول إلى جبهة واحدة ومتراصة . وعلى العكس ، وفي غضون هذه الفترة القصيرة من عمرها ، وكما حدث في كل مراحل التاريخ الإسلامي ، برزت إلى العلن الخلافات العقائدية ، فتباين المصالح ، فالانتقال للصراعات الدموية . وعلى سبيل المثال لم يُشَرْ إلى تناقض المصالح بين دعاة إقامة الخلافة ، وبين النظم الحاضنة والمساندة ، والسعودي في المقدمة . هذا النظام التي تقول كل المؤشرات أنه يطمح ، إلى جانب نظم أخرى كالباكستان ، تركيا وإيران ، إلى أن يكون هو مركز الخلافة ، تكرارا لتاريخ واحدة من الخلافتين الأموية والعباسية . يغذي الطموح السعودي هذا، ذلك النجاح المذهل بتحويل أهل السنة عن مذاهبهم الأربعة إلى المذهب الوهابي وحده . يضاف إليه نجاح آخر ، تمثل في فصل التجمعات العربية والإسلامية عن مجتمعات البلدان التي استقبلتها ، ووفرت لها فرص الأمل التي افتقدتها في بلدانها وجاءت تبحث عنها في تلك البلدان .
وأيضا لم تكتمل حتى الآن استدارة كامل المنظومة الإسلاموية الهائلة لفض التحالف فالعداء مع جبهة الإمبريالية . هناك ما زالت قطاعات كبيرة منها تواصل مسيرة التحالف مع هذه الجبهة . وحتى تلك التي توصف بعدائها الشديد ، مثل داعش ، النصرة ، بوكو حرام ، أنصار بيت المقدس ...الخ ، ما زالت تحتفظ بعلاقات مع أطراف من هذه الجبهة ، هي من يمدها بترياق الحياة حتى الآن .
أما النجاح الوحيد المؤكد لهذه المنظومة حتى الآن ، فهو استفرادها بالشارع العربي ، وصبها في أذنه سيلا هائلا من الأفكار التي لم تفعل شيئا غير سلبه آماله وأمانه في الدنيا ، وإقناعه بأنها دار عبور إلى الآخرة ، حيث الجنة وثمارها . لكن ورغم ما تبدو عليه هذه المنظومة من قوة ، ورغم ما تملكه من وسائل وإمكانيات هائلة الضخامة ، فإن العين الخبيرة لا يفوتها أن ترى ما تقوم عليه من الهشاشة . والدليل أنها ترى في صفحة فيسبوك واحدة خطرا قد يزلزل كيانها .
خاتمة :
في 2/6 / 2013 كنت قد شاركت في حوار مفتوح على الحوار المتمدن بموضوع تحت عنوان :" الإسلام السياسي ومعركة الدفاع الأخيرة " ، ختمته بالعبارة التالية : " أمامنا حقيقة ساطعة وهي أن هجمات الإسلاميين على الجبهات المتعددة ، والفظائع التي يرتكبونها باسم الدين ، تعبر عن ، وتعكس حالة من اليأس أكثر من كونها حالة تفاؤل بالنصر ، كما يبدو على السطح . هذه الهجمات والدعوات إلى الجهاد ، واستقطاب المتطوعين من أربعة أقطاب الأرض ، والاستعجال في التمكين ، تقول بصورة واضحة ليس فيها أدنى لبس ، أنها معركة الدفاع الأخيرة وقبل سقوط آخر قلاعها " . وأضيف اليوم أن هذا الجنون الذي يتلبس بعض تنظيمات الإسلام السياسي ، وما يقترفه من جرائم في مختلف ساحات العالم ، لا يقول غير شيء واحد وهو أن أوان استرداد الناس لعقلهم ، والخلاص من هذا الجنون ، قد حان .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,115,683
- تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية
- الإستراتيجية الفلسطينية .....وضرورة التغيير 3/3 البديل تقصير ...
- الإستراتيجية الفلسطينية ......وضرورة التغيير 2/3 الحركة بفعل ...
- الإستارتيجية الفلسطينية .......ضرورة التغيير 1/2 النشأة والأ ...
- في السياسة ......حديث ذو شجون
- الحجاب بين الاجتماعي والفرض الديني 2/2 القرآن ومجتمع المدينة
- الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2
- أوروبا ، الغرب .....والإسلاموفوبيا 2-2 تشخيص النبي ومفهوم ال ...
- أوروبا ، الغرب ......والإسلاموفوبيا 1-2
- قراءة في ثورة الشباب المصري 19 براءة مبارك
- ياحضرات المثقفين .....لطفا بتاريخنا السياسي 2 هل نحن أمام سا ...
- يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل
- حوار أملاه الحاضر 18 عدالة الإسلام 2 العبودية


المزيد.....




- منها دبي والقاهرة..دليل -لونلي بلانيت- للسفر يُعلن عن أفضل 1 ...
- رجال يرتدون أغطية رأس ضخمة كالصقور.. فما هي الرسالة؟
- ألمانيا: هناك انزعاج لدى شركائنا في الناتو من مقترح إقامة من ...
- منظمة إنقاذ الطفولة: 1.2 مليون طفل إيطالي اليوم يعيشون في فق ...
- بوتين يلتقي أردوغان في سوتشي قبيل ساعات من إنقضاء مهلة وقف إ ...
- ترامب: السعودية دفعت 100% من تكاليف قواتنا لحمايتها في عملية ...
- شاهد: الأسد يصف أردوغان باللص خلال زيارة مفاجئة لمدينة إدلب ...
- بريطانيا تلغي حظر الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ
- العراق: تقرير حكومي ينشر عدد ضحايا الاحتجاجات ويدعو إلى إقال ...
- مظاهرات لبنان: كيف رد اللبنانيون على ورقة الحريري الإصلاحية؟ ...


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد حمدان - في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان االقاتلة