أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشار إبراهيم - فلسطينيات بعيون إسرائيلية















المزيد.....

فلسطينيات بعيون إسرائيلية


بشار إبراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 1396 - 2005 / 12 / 11 - 09:55
المحور: الادب والفن
    


الاقتراب من أمر ما، هل يجعلك تفهمه أكثر، أم يجعلك تألفه أكثر؟..
ربما، وبهذه الصيغة تقريباً، هذا هو السؤال الذي بات يشاغلني منذ وقت، والذي ازداد اضطراماً، منذ أن أمعنتُ في الدخول في عالمي السينما الفلسطينية، والسينما الإسرائيلية، كل من جهتها الخاصة، وعلى تناقضهما!..
تحاول بعض الفضائيات العربية الإجابة على هذا السؤال، بطريقتها الخاصة، إذ تعمل (بسوء أو بحسن نية) على خلق الألفة بينك، وبين ما لم تكن تتوقعه أبداً: هكذا يصبح منظر الأشلاء التي تترع بها نشرات الأخبار، الموت والقتل والتدمير، تحطّم طائرة، اصطدام قطارين، إعصار تسونامي.. أمراً «مألوفاً»، إلى حدّ فاجع، حتى أنه لن يمنعك من استكمال تناول طعام العشاء، أو المضي، بعد قليل، إلى متابعة برنامج المسابقات، أو التسالي، أو رصد مفارقات تلفزيونات الواقع..
الفضائيات، تجعلك تألف رؤية جند الاحتلال، على شاشاتها، حتى تصبح (أنتَ) عمّا قليل، تنتبه إلى ملامح بعضهم، فتخذلك وسامة بعضهم، ورقِّة تفاصيل الوجوه، التي تعرف أيَّ معاناة تتولَّد من بين أيدي أصحابها؛ على وقع بساطيرهم، أو فرقعة رصاصاتهم، أو دويّ مدافعهم.. كما تجعلك تألف حضور قادة «العدو الإسرائيلي» ليس على شاشات العرب، فقط.. بل أيضاً على مدرجات مطارات المدن العربية، وقصور حكامها، وفنادقها، ومصافحاتها!..
«الألفة المذهلة» هذه، تتحوّل إلى سؤال، كما عندما ترى صورة الإسرائيلي على شاشات العرب، كذلك عندما ترى صورتك، أو بعض مفرداتها، كما سيقدمها لك الإسرائيلي، إن لم نقل أكثر..
ربما يكون الكلام عن «الألفة» مدخلاً مناسباً للبدء في الحديث عن فيلم «محاصرات»، الذي أنجزته المخرجة الإسرائيلية «أنات إيفين» في العام 2001. هذا الفيلم التسجيلي الطويل (مدته 71 دقيقة)، والذي نال جائزة مهرجان لايبزيغ الشهير للأفلام التسجيلية. فالمثير أنك سترى، في كل لحظة من هذا الفيلم، مدى «التآلف» القائم بين المخرجة، وشخصيات أفلامها، من النساء الفلسطينيات التي يقوم الفيلم بحكايته عليهن.
وإشارات «الألفة» تتوارى، على الأقل، وراء اعتراف ابن واحدة من هؤلاء الفلسطينيات لأمه، بعد شوط من اللعب بالثلج، مع جند الاحتلال، بأنه شعر للحظة أنه يلعب مع «ابن الجيران»!..
تقتربُ من الاحتلال حتى تألفه. ويقترب الاحتلال منك، حتى يغدو تفصيلاً يومياً في حياتك!.. ومع ذلك فلا يمكن القول إن «الألفة» كانت هدف المخرجة الإسرائيلية «أنات إيفين» من وراء صنع هذا الفيلم، على الرغم من اعترافها بنشوء هذا النوع من المشاعر فيما بينها، وشخصياتها، من الفلسطينيات اللواتي أمضت قرابة عام في تصويرهن، ما بين صيف العام 1999، وصيف العام 2000، أي قبل اندلاع أحداث انتفاضة الأقصى، التي اضطرت المخرجة لتصوير بعض المشاهد الأخرى، وإضافتها إلى الفيلم.
ومن الجدير ذكره، في هذا الخصوص، أن المخرجة «أنات إيفين» تنتمي إلى تيار (ربما لم يتبلور بعد تماماً) في السينما الإسرائيلية الجديدة، يريد النظر إلى الموضوع الفلسطيني، بعيداً عن القوالب الكلاسيكية، التي أسّسها قادة الصهيونية وروادها العتاة، بل من خلال معطى إنساني يكتشف أزمة الطرفين: المحتل والمحتل (الأول: مُمارسه، والثاني: ضحيته) على السواء!.. حتى لو لم يخرج هذا البعض من المخرجين عن صهيونيتهم تماماً، ولو لم يصلوا إلى المعنى المناسب لحقوق الفلسطينيين. والمخرجة «أنات إيفين»، بهذا المعنى، تنتمي إلى ما يشبه السياق الذي يسير فيه عدد من المخرجين الإسرائيليين، أمثال: عاموس غيتاي، وسيمون بيتون، وإيال سيفان..
درست «أنات إيفين» الفن والمسرح في لوس أنجلوس، منذ عام 1981 حتى 1984، وخلال عامي 1983/1984، عملت مديراً وكاتباً للأخبار والأفلام التسجيلية في محطة تلفزيونية أمريكية إسرائيلية، ومنذ عام 1988 حتى عام 1992 عملت في مجلات وعروض في التلفزيون الإسرائيلي. وكانت قد قدَّمت فيلمها الأول عام 1996، بعنوان «تسوية»، وهو فيلم تسجيلي طويل (مدته 52 دقيقة)، عن مجموعة مشتركة من ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين، يقومون بجولة فنية في أوروبا، قدموا خلالها عرض مسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير.
محاصرات بين يدي قهر الاحتلال..
يتناول فيلم «محاصرات» ثلاث نساء فلسطينيات هن: نجوى، ونوال، وسهام. يجمع بينهن العديد من المشتركات، فهن أولاً: فلسطينيات يعشن في بيئة فلسطينية نموذجية، في مدينة الخليل على الأقل، سمتها البيئة الشرقية المحافظة. وهن ثانياً: أرامل، توفّي عنهن أزواجهن، لأسباب متعددة، ليس بينها المقاومة أبداً. وهن ثالثاً: يقمن في مبنى يقع وسط مدينة الخليل، على الحافة تماماً، ما بين المنطقة المحتلة التي يسيطر عليها جند الاحتلال، والمنطقة التي تديرها السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق الخليل، الموقَّع في عهد نتينياهو، عام 1997.
المبنى يقوم على الحافة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بشكل نموذجي الانتقاء، فواجهة المبنى ومدخلة تتجه نحو المنطقة التي يحتلها الجنود، وخلفية البناء تتجه نحو المنطقة التي تسلمت إدارتها السلطة الفلسطينية، وبالتالي فكل جهة من المبنى تمثل عالماً خاصاً، وكلاهما (مفردين ومعاً)، يختزلان المأساة الفلسطينية بين أيدي الاحتلال، فهذه النساء الفلسطينيات لن تستطيع السلطة الفلسطينية القيام بأي شيء لهن، بل سنرى كيفية التسلل من النوافذ الخلفية إلى المنطقة التي تديرها السلطة الفلسطينية، ولا يقدر على ذلك إلا الأولاد الذين جاوزوا سن الطفولة.
كما أننا سنرى كيف تحوَّل سطح المبنى ذاته، إلى متراس لجند الاحتلال، يطلُّون منه على مناطق السلطة الفلسطينية، ويطلقون نيرانهم حيث شاؤوا، ويسيطرون على المساحات المكشوفة أمامهم. هكذا سنرى الجنود يصعدون درج البناية، فيما النساء منتشرات على الدرج، يكنسنه، أو يشطفنه، أو ينشرن الغسيل على السطح، أو يتبادلن تفاصيل حياتهم اليومية. وأيضاً فيما يمارسن أطفالهن لهوهم العابث على الدرج ذاته الذي بات المتسع المكاني الوحيد لهم، يجلسون أو يلعبون.
إنه شكل من أشكال التداخل المذهل بين جنود الاحتلال، ومجتمع النساء الفلسطينيات الثلاث، وأطفالهن الأحد عشر. ونرجو أن لا يفاجئ المشاهد منظر جنود الاحتلال الصاعدين والهابطين، أو الجنود الجاثمين على السطح، والمصوبين بنادقهم، في هذا الاتجاه أو ذاك، فيما النساء وأطفالهن يحاولون ممارسة حياتهم، بأدنى تفاصيلها، في واقع قهري منقطع النظير.
يبلغ الفيلم ذراه التعبيرية في هذا المجال، عندما نرى النساء الفلسطينيات يقمن بكنس فضلات الجنود، بعد نوبة اشتباك، أو ليلة قصف، بدءاً من أقمصة الطلقات الفارغة التي أطلقوها على فلسطينيين، وبقايا الطعام، وأعقاب السجائر، وصولاً إلى آثار البول الذي أهرقوه بالقرب من خزانات ماء الشرب..
القهر النفسي والجسدي.. في مجتمع محافظ
لا تكتفي المخرجة «أنات إيفين» بالحديث عن الآثار القاسية التي يخلقها الاحتلال، فيحوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم حقيقي، بل ستتوقف ملياً أمام متلازمات القهر الذي تعاني منه المرأة الفلسطينية، على العديد من الأصعدة، خاصة وأنها اختارت نماذج خاصة: أرامل، في مجتمع شرقي محافظ، لا يأبه بحقوق المرأة، ولا بمشاعرها الدفينة، ولا حاجاتها النفسية أو الجسدية.
أن تفقد المرأة زوجها في مجتمع شرقي محافظ، هذا يعني أنها قد أصبحت أرملة. وإذا كانت الشريعة الإسلامية، بنصوصها الواضحة، والتي لا لُبس فيها، تطلب من الأرملة أن تعتزل العالم، مدة تسميها «العدّة»، والتي تنحصر في قرابة المائة يوم فقط، فإن التقاليد والأعراف الشائعة، ذهبت أبعد من ذلك، فوصلت إلى الكثير من المتطلبات التي لا يطيقها بشر، حتى ليبدو في بعض الحالات أن «العدّة» التي يتمناها المجتمع تمتد لتشمل باقي الحياة ذاتها.
سنرى كل واحدة من هؤلاء الأرامل، وهي تصطلي بنار جحيمها الداخلي، الخاص، والمسكوت عنه غالباً. إذ من المطلوب منها أن تكظم مشاعرها وأحاسيسها، وأن تقف حياتها على تربية أطفالها، وأن تضبط حركتها، في الخروج والدخول، وفي الكلام، قبل الضحك، أو التبرج، أو المزاح..
من تراه، في مجتمع شرقي محافظ، لم يسمع أحاديث الإعجاب (التي ترقى إلى منح صفة البطولة والقداسة) عن هذه المرأة، أو تلك، ممن فقدن الزوج، فوقفن حياتهن على تربية أطفالهن، أو بقين متعبدات «مترهبنات» في محراب الزوج الراحل، يعشن على ذكراه، ويتوسَّلن في كل لحظة القدرة على الوفاء لذكراه؟..
ومن تراه، لم يرَ أيَّ نظرة قاسية الحكم، صارمة الأداء، يمتلكها المجتمع تجاه الأرملة، فيضعها دائماً تحت مجهر الاختبار، والرصد والمراقبة، ليس من قبل أقربائها، أو أقرباء الزوج الراحل، بل من عموم المجتمع؟ ..
تضع المخرجة «أنات إيفين» هذه التساؤلات تحت مجهر الكاميرا، وتغتنم فرص البوح المدهش، الذي تنخرط فيه كل واحدة من شخصياتها الثلاث، وكل بطريقتها الخاصة، لتضعنا أمام مأساة إنسانية، يفاقم حال الاحتلال منها، بالطبع.
تتوغل الكاميرا خلف الأبواب المغلقة، وصولاً إلى غرف المعيشة، والمطابخ، وغرف النوم، حيث علب الماكياج، وأصابع الروج، وأمشاط الشعر.. ستخلع نجوى وسهام ونوال الحجاب الذي لا بد منه خارج البيت، وسينطلقن على سجيتهن الحميمية، في البيجامات، أو ثياب النوم، أو ملابس البيت.. وسيقلن ما لا تتوقع أن لا يُقال.. عن الحريق الداخلي، عن الزوج الراحل، أو الأقرباء..
ستتمنى إحداهن أن تترمَّل كل نساء العالم، ليعرفن أي معاناة تحيق بالأرملة، كما ستتحدث أخت إحداهن (وتستنطق طفلها الصغير) عن تمنياتها بموت زوجها، ليس لأنه تزوج عليها امرأة أخرى (ضرّة)، فقط، بل بسبب ممارساته القاسية ضدها، وضد أطفالها.
التحرر.. أولاً..
في حديثها عن ثلاثية القهر: القهر الناجم عن الاحتلال، القهر النفسي والجسدي، القهر المجتمعي المحافظ. لا تمارس المخرجة الإسرائيلية «أنات إيفين» أي مواربة في الكلام، بل إنها ستبدي شجاعة فائقة في القول إن الخلاص من القهر الناجم عن الاحتلال، هو بداية السير على طريق الخلاص من القهرين الآخرين، فلا يمكن لمجتمع يعاني من الاحتلال أن يفكر في قضاياه الأخرى قبل الخلاص من الاحتلال، أولاً وبداية.
ولعل في المشاهد الأخيرة، التي أضافتها المخرجة بعد اندلاع أحداث انتفاضة الأقصى، اعتباراً من 28 أيلول 2000، ما يدلل بوضوح على تلك المقولة الشجاعة، فبعد فرض الإغلاق ستضطر نجوى وسهام ونوال إلى حمل القليل من أغراضهن، وأقفال بيوتهن، ومغادرة المبنى الذي أضحى منطقة عسكرية، وبالتالي فقد أصبحن «محاصرات» و«لاجئات».. وهذا أقسى ما يفعله الاحتلال..
واسألوا اللاجئين المحاصرين.. إذا لم تصدقوا!..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,788,660
- عطش.. الذات الفلسطينية.. في المرآة السينمائية
- فيلم (ارتجال) لرائد أنضوني.. ميوزيكال دافق من فلسطين إلى فرن ...
- هل تصلح الناقدة السينمائية ما أفسده المدير التلفزيوني؟..
- في «القارورة» لديانا الجيرودي.. «بضع حكايات» عن المرأة والحر ...
- قبلتان.. على اسم برهان علوية
- عن المخرج جان شمعون
- عبد الله المحيسن والسينما السعودية
- عن فيلم «الجنة الآن» للمخرج هاني أبو أسعد


المزيد.....




- هذه هي المناصب المحدثة في قانون المالية القادم
- بالرغم من عامل اللغة.. الوافدون الجدد يشكلون ركيزة العمل في ...
- الفنان سعد لمجرد يحاول الانتحار
- رحيل المصور التركي العالمي أرا غولر
- القاهرة: حفل توقيع ومناقشة ديوان -أم العيون المغفرة-، للشاعر ...
- رسالة ماجستير جديدة عن أديب كمال الدين
- فازت الكاتبة الأيرلندية الشمالية آنا بيرنز بجائزة -مان بوكر- ...
- مصر تستأنف ترميم مسجد الظاهر بيبرس التاريخي (فيديو)
- انطلاق -أيام فلسطين السينمائية- بمشاركة أكثر من 60 فيلما
- بيروت.. القضاء اللبناني يحقق مع الإعلامي هشام حداد


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشار إبراهيم - فلسطينيات بعيون إسرائيلية