أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مالك ابوعليا - الأيديولوجيا والوهم







المزيد.....



الأيديولوجيا والوهم


مالك ابوعليا
الحوار المتمدن-العدد: 4988 - 2015 / 11 / 17 - 19:19
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدمة:
يصف الدكتور هشام غصيب مسألة (البحث الفكري) في خضم البطولات التي تقودها الجماهير، وينطبق ما يقوله ايضاً على المعاناة التي تعيشها جماهيرنا اليوم، والخطر المحدق الذي يهددها، بطريقة مؤثرة للغاية:
)فكيف نجرؤ أن نخوض معارك الفكر المجرد ونتكلم عن كانط وهيغل ولوكاتش وهايدغر وألتوسير والأرض الفعلية المادية تحترق من تحت أرجلنا وتذكرنا بجذورنا الاجتماعية الغائرة في عمق أعماق المعاناة اليومية! الا تتضائل الأفكار التجريدية جميعاً امام صرخات الحياة العيانية وصوت الجماهير الهادر؟ الا تبدو مضحكةً هزيلةً تستحق الرثاء امام الفلسفة العيانية التي تجسدها الجماهير الغاضبة الظامئة الى الحرية والاستقلال والعدالة؟ ان المفكر يدعي انه في بحث محموم ودائب عن الحق والخير والجمال. ولكن، هل ينفرد ويتميز عن غيره في ذلك؟ وهل أن طريقه هو الطريقة المثلى لتحقيق هذه الأهداف والوصول الى المبتغى المنشود؟ وهل هناك حق وخير وجمال بمعزل عن الحياة الاجتماعية في تناقضاتها وتوتراتها وشروخها الممضة؟ هل يمكن أن يجد المفكر ما يبتغيه في عالم الفكر المجرد وفي معزظل عما تصنعه الجماهير من ايات البطولة والتحدي والتضحية؟)
ومن أجل الرد على الأصوات المحيطة، التي تصدح بالقول، بأن البحث الفكري لا يمت بأية صلة (للعمل اليومي النضالي بين الناس)، هذا الصوت، الذي يخلط بين الفلسفة التأملية المنفصلة عن الواقع المادي، وعملية التجريد الذهنية كلحظة ضرورية من لحظات المعرفة، ان هذا الصوت يأتي من فكرة مشوهة وعقيمة، تقول بأن أية فلسفة- (لا يفهمها هو)- هي فلسفة تأملية.
يقول الدكتور هشام غصيب، في كتابه جدل الوعي العلمي: (وقد لا يرى نفر من الناس في هذا التخلف ما يثير القلق العام. اذ قد يرى اولئك الناس أن الفلسفة تمثل ترفاً فكرياً بعيداً بطبعه التجريدي عن هموم الناس بالمجتمع، ولذلك فلا ضير من تخلفها ولا ضرار، خصوصاً في هذه المرحلة من تاريخنا، حيث تعز لقمة العيش لدى الملايين من ابناء أمتنا. بيد أن هذه النظرة، برغم واقعيتها الظاهرية وعفويتها، تنبع من تصور ايديولوجي معين تعمل على اخفاؤه وستر عوراته، وهو تصور صنمي فيتيشي لاتاريخي ينزع الى اهمال البعد الذاتي لقوى الانتاج والشروط الفكرية لتطور المجتمعات والترابط الجدلي بين مستويات المجتمع وأركانه. وبالتحديد، فان اصحاب هذه النظر لا يدركون العلاقة الوثيقة بين الفلسفة وبين قوى الانتاج والتوزيع، على الأقل فيما يتعلق بالمجتمعات الحديثة التي شكلت النظرة الأوروبية نقطة انطلاقها. فقد نشأت الفلسفة في العصر الحديث تعبيراً عن نشوء قوى انتاج جديدة صاعدة تحمل في باطنها بذور حقبة جديدة وانطلاقة لانهائية لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل.).
اثار بحث الدكتور توفيق شومر المعنون-(الأيديولوجيا والعلم بين ماركس ومانهايم)، في سياق قراءاتي المتواصلة - شغفي من أجل تعميقه، حيث انه وصف بشكل صحيح وجهات نظر المفكرين الماركسيين حول الأيديولوجيا. ولكن النتيجة النهائية لبحثه هي ما نخالفه فيها وجهة النظر.
وباعتبار أن الدكتور توفيق شومر، كان قد قدم مجموعة من الحصص الفكرية المثرية في المدرسة الحزبية للحزب الشيوعي الأردني، فان مناقشة أفكاره-أو النتيجة التي توصل اليها-تعد مسألة مهمة، برأيي.
ويشكل دحض مفهوم (الأيديولوجيا وهم) مهمة، لا اتطلع الى حلها، بل الاشارة، الى النقاط الأساسية التي ينبغي الانطلاق منها. لقد كرس العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاديين والكتاب السوفييت أعمالهم، من أجل نقد هذه النظرية. ولا بد في هذا الحال من ذكر بعض الأسماء مثل روميانتسيف وغليزرمان وزاموشكين وايغور كون وغيرهم.
ومن هنا، فان هذا البحث المعد، ليس موجهاً (كله) وبصورة تفصيلية الى (الرد) على بحث الدكتور شومر.
ان ما هو موجه لمناقشة بحث الدكتور شومر هو التالي فقط:
1- توضيح العلاقة بين الجانب المعرفي والأيديولوجي، في اية نظرية. بالتالي، فانه ليس كل جوانب (اية نظرية)، هي ايديولوجيا.
2- توضيح مسألة احتواء مفهوم الأيديولوجيا على مضمون محدد، طبقي، وليس (وهمي) بالتالي عدم القدرة عن الاستغناء عن هذا المفهوم.
ومن ثم ايضاً، سأقوم بعرض مسائل اخرى-باختصار- من قبيل، الجذور الأيديولوجية البرجوازية لمفهوم (الأيديولوجيا وهم)، والمناخ الفكري السابق والمعاصر لهذا الادعاء. وايضاً سأضيف أو اؤكد على ما بحثه الدكتور شومر، في مناقشة فكر كارل مانهايم.

قبل أن ابدأ في الحديث، يجب أن اتقدم بشكر خاص للرفيق رشيد علي، عضو المكتب الشبابي والطلابي للحزب، الذي اطلع على الموضوع وناقشني فيه، وايضاً اشكر الدكتور عمر اميل عواد والدكتور هشام غصيب على تشجيعهما لي أن انشر هذا الموضوع بعد أن قرأوه.
وأخيراً، أشكر الدكتور توفيق شومر، الذي رحب بما سأكتبه- بعد أن ابلغته هاتفياً- من باب النقاش العلمي والفلسفي، وما يمكن أن يقدمه للفكر والممارسة الثوريتان.

الأيديولوجيا والفلسفة
الفلسفة-كوعي ذاتي بحقبة محددة تاريخياً- هي ايديولوجيا، وتحليل العلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا صعب جداً، لأن الأبحاث عن الأيديولوجيا في الأدبيات الماركسية قليل-على الأقل باللغة العربية- على الرغم من أن حقيقة الفهم العلمي للأيديولوجيا، وخاصة تطور مفهوم (الأيديولوجيا العلمية)، ذو أهمية فائقة في الفلسفة.
ويتفق أغلب الفلاسفة الماركسيين (خصوصاً منهم السوفييت) على أن الفلسفة هي شكل نوعي من الأيديولوجيا، وهذا الاعتراف صحيح، وان كان لوحده، لا يحل المشكلة.
فهل مفهوم الأيديولوجيا (بما في ذلك الأيديولوجيا العلمية) يغطي (كل) مضمون المذاهب الفلسفية، التي لا يمكن ردها الى انعكاس كمجرد الواقع الاجتماعي وحده؟ وانطلاقاً من الفرق بين الوعي الاجتماعي والعلم،، الا تصف الأيديولوجيا (الوعي الاجتماعي) فحسب؟ وهل مفهوم النظرة الفلسفية، والفلسفية-العلمية الى العالم يتطابق مع مفهوم الأيديولوجيا؟ كيف تختلف الأيديولوجيا العلمية عن الأيديولوجيا اللاعلمية؟ وهل يقتصر مضمون الفلسفة وأهميتها على وظيفة الأيديولوجيا؟
يؤكد عدد من الدراسات الماركسية للمسألة أن كارل ماركس وفريدريك انجلز كانا يستخدما الاصطلاح (ايديولوجيا) بالمعنى السلبي الذي اكتسبته تاريخياً في زمانهما، مثلما يخلص الدكتور توفيق شومر في بحثه الى أن: (مفهوم الايديولوجيا حسب الفهم الماركسي لا يمكن إلا أن يكون مفهوم يدلل على تصور خاطئ عن الحقيقة. ولذلك لا يجب – إن أراد الماركسيون أن ينسجموا مع أنفسهم – ولا يصح أن يطلقوا على فكر الطبقة العاملة بشكله الماركسي – اللينيني صفة الايديولوجيا، لأن في ذلك إشراك لفكر الطبقة العاملة مع فكر الطبقة النقيض، في المستوى الثاني للبنية الفوقية عندما تتحول الأفكار والثقافات والفلسفات لأن تشكل نوعاً من الفكر النسقي (Systematic).).
ومع ذلك فانه لا يمكن أن يكون هناك شك أن ماركس وأنجلز لم يقتصرا على هذا التفسير للأيديولوجيا-طبعاً كما اشار الدكتور توفيق شومر- بوصفها وعياً وهمياً وبوصفها اشاعة الغموض المثالي التأملي على الواقع الموضوعي.
ان مؤسسي الماركسية، قد شيدا تفسيراً علمياً للأيديولوجيا.
وينطوي مفهوم الأيديولوجيا كوعي اجتماعي مغترب-الذي نجده في مؤلفات ماركس وانجلز-على معنى ايجابي وعلى معنىً سلبي ايضاً، وهذا المعنى الايجابي طوره لينين على نحو شامل، اذ دعم مفهوم (الأيديولوجيا العلمية) وأدرجه في نسق التصور المادي للتاريخ.
وقد كتب ماركس وأنجلز في (الأيديولوجيا الألمانية): (اننا ننطلق من البشر، في نشاطهم الواقعي، وعلى اساس سيرورة حياتهم الواقعية نبرهن على تطور الانعكاسات والأصداء الأيديولوجية لهذه السيرورة الحياتية، كذلك فان الأشباح التي تكونت في الدماغ البشري هي ايضاً-وبالضرورة-تصعيدات لسيرورة حياتهم المادية، القابلة للتحقيق تجريبياً والتي تستند الى مقدمات مادية، وهكذا فان الاخلاقيات والدين وسائر الأشكال الأخرى للأيديولوجيا، والأشكال المطابقة لها من الوعي، لا تعود تحتفظ بما يشبه الاستقلال).
هكذا يمضي المطلب المنهجي الذي صاغه مؤسسا الماركسية على النحو التالي: يتعين على المرء-حين يبحث في الواقع الاجتماعي-أن ينطلق لا من الأيديولوجيا، ولا من الوعي بوجه عام، وانما من السيرورة الحية الفعلية التاريخية، التي ينبغي ان يوضح تحليلها ايضاً انعكاساً، بما في ذلك الشكل الأديولوجي لذلك الانعكاس، وهذا المبدأ الايديولوجي-الذي يرتبط عضوياً بالحل المادي-التاريخي للمشكلة الفلسفية الأساسية-هو أمر مطلق لعلم الاجتماع الماركسي بالعودة من التصورات، من الأفكار عن الأشياء الى الأشياء نفسها، حتى يمكننا أن نعرف من خلال تحليل علمي علاقاتها الفعلية، وان نكتشف ميكانيزم انعكاسها الزائف في وعي الناس، وباستبدال هذه الصور المشوهة للواقع بنسق من المفاهيم العلمية، وقد اختلف هذا التناول للمشكلة اختلافاً كبيراً عن (الأفكار الأيديولوجية بوصفها وعياً وهمياً خالياً من مضمون موضوعي)، وهي الأفكار التي كانت واسعة الانتشار في زمن ماركس وأنجلز، وقد برهن مؤسسا الماركسية-بتحليل، لا شكل الأيديولوجيا فحسب، بل بتحليل (المضمون الواقعي) للأيديولوجيا أيضاً-على ضرورة تقدير ايجابي لهذه الظاهرة الاجتماعية، ويوفر هذا-بغير شك-اساساً نظرياً على درجة عالية من الأهمية-من أجل الفهم العلمي للأيديولوجيا.
ولم يكن ماركس وانجلز-في نقدهما للهيغيلية الشابة كضرب من (الأيديولوجيا الألمانية)-قانعين بالبرهنة على البطلان العلمي لأبنيتها المثالية التأملية، انما كشفا، في الوقت نفسه، (مضمونها الاجتماعي) الذين لم يكن الهيغيليون الشباب انفسهم واعين به، يقول ماركس في كتاب (الأيديولوجية الألمانية): (الفلسفة الألمانية نتيجة مرتبة على العلاقات البرجوازية الصغيرة الألمانية).
ويكشف ماركس وانجلز ما وراء الشكل الأيديولوجي المغترب لانعكاس الواقع الاجتماعي-البرنامج الاجتماعي لطبقة معينة، انهما يشرحان أن وهم المعتقدات الأيديولوجية لهذه الطبقة لا ينشأ عن (خيال) الناطقين باسمها، وانما عن (موقعها الفعلي)، وبهذا فان (شكل) الأيديولوجيا وحده هو الوهمي، على حين أن (مضمونها) هو العملية التاريخية-الاجتماعية التي تحدد بشروطها موقع الطبقة المعينة ومصالحها، وكذلك وهم معتقداتها الأيديولوجية.
ونجد في دراسات ماركس الاقتصادية تحليلاً علمياً، لأوهام الأيديولوجية لعلماء الاقتصاد السياسي الانجليز الكلاسيكيين، ويؤكد ماركس باستمرار مع ذلك-وهو يفضح هذه الأوهام-على الطابع (العلمي) للاقتصاد السياسي الانجليزي الكلاسيكي، ويعارض بينه وبين النظريات الفجة للاقتصاديين، الذين استعاضوا عن البحث الحقيقي في العلاقات الاقتصادية للرأسمالية بتبريراتهم الدفاعية. وقد وضع ماركس فارقاً اساسياً بين الأيديولوجيا التقدمية-تاريخياً-للبرجوازية، وبين الدفاعات التبريرية للبرجوازية، التي كانت تعكس تحول البرجوازية الى قوة اجتماعية محافظة. وبالاضافة الى هذا فقد أوضح أنه حتى الاقتصاد السياسي الفج لا يخلو-بأي حال-من مضمون، ما دام يعكس واقعاً موضوعياً-هو مظهر علاقات الانتاج الرأسمالية-وان كان ذلك بشكل غير نقدي.
والتحليل العلمي للدين عنصر على درجة قصوى من الأهمية في النظرية الماركسية. فعلى الرغم من أن الدين يعبر عن مصالح الطبقات الاستغلالية الا انه-أيضاً- نوع من الوعي الاجتماعي كامن في الاستغلاليين والمستغلين على السواء، ولا يعكس الدين الواقع الخاص لهذه الطبقة أو تلك، انما يعكس الواقع المتطاحن للعلاقات الاجتماعية، وسيطرة القوى العضوية للتطور الاجتماعي على جميع الناس. هذا هو بتعبير ماركس (اهة المخلوق، وقلب عالم بلا قلب(
صحيح أن الدين يتغير خلال عملية التطور الاجتماعي، ولكنه- في جميع المجتمعات المتطاحنة-يحقق في الأساس وظيفةً واحدة هي نفسها، وحقيقة أن الاستغلاليين والمستغلين على السواء يدينون-كقاعدة عامة-بالدين نفسه، ليست بالتأكيد شهادة على طابعه فوق الطبقي أو فوق الحزبي، اذ تجد الطبقات الاستغلالية في الدين تبريراً لموقعها ووسيلة محددة للاستعباد النفسي للشعب العامل، اما الجماهير المسحوقة فحيث أنها لم تجد بعد طريقها للتحرر الاجتماعي، فانها تتمسك بالدين لأنه يبدو لها كما لو كان الشكل الظاهر لتحقيق حاجتها الفعلية.
والأيديولوجية-كما يمكن أن نلمس من مثال الدين-ليست دائماً بأي حال من الأحول نسقاً من وجهات النظر (النظرية)، ويصدق هذا على وعي الجماهير السياسي اليومي الذي يتشكل عفوياً، والذي لا ينبغي استبعاده من الأيديولوجيا، طالما أنه هو الوعي (الجماهيري)، وليس شيئاً ينتمي فقط الى منظري الأيديولوجيا. ولقد كان ماركس يرسم خطاً فاصلاً بين المعتقدات الأيديولوجية التي تتكون عفوياً وتلك التي تتطور نظرياً، فالاقتصاد السياسي المبتذل-كما اشار ماركس-يقوم من الناحية النظرية على اساس أفكار الوعي البرجوازي اليومية.
وقد أكد ماركس، وهو يحدد خصائص الأيديولوجيين البرجوازيين الصغار، (أن المرء ينبغي الا يتخيل كثيراً أن الممثلين الديمقراطيين هم في الحقيقة جميعاً من اصحاب المحال أو المدافعين المتحمسين عن اصحاب المحال، فهم طبقاً لتعليمهم ولموقعهم الفردي قد يكونوا متباعدين بقدر تباعد السماء عن الأرض، اما ما يجعلهم ممثلي البرجوازية الصغيرة فهو حقيقة أنهم لا يتجاوزن في عقولهم الحدود التي يتجاوزها هؤلاء في الحياة، حقيقة أنهم يساقون بالتالي-من الناحية النظرية-الى المشكلات نفسها والحلول نفسها التي تسوقها المصلحة المادية والموقع الاجتماعي لاولئك من الناحية الفعلية).
وبطبيعة الحال، فان هذا لا يعني-ضمنياً-أن كل ايديولوجية يمكن أن ترد، في التحليل النهائي، الى أفكار الوعي الطبقي اليومي، فان الاقتصاد السياسي الانجليزي الكلاسيكي، وايديولوجية التنوير البرجوازي، والمذاهب البرجوازية الأخرى المتقدمة تاريخياً-على الرغم من أنها كانت محدودةً من زاوية نظر طبقية- كانت تتناقض بلا شك مع الأفكار البرجوازية اليومية لزمانها، وبقدر ما كانت تتضمن من عناصر فهم علمي للواقع، فانها كانت أكثر تقدميةً من الممارسات الاجتماعية للبرجوازية.
كذلك، فان النزعة النقابية (التريديونيونية) والنزعة الاصلاحية ايديولوجيتان للطبقة العاملة، تكونتا عفوياً في مرحلة من تطور هذه الطبقة عندما كانت لا تزال غير واعية بالتناقض غير القابل للتوفيق في المصالح بين العمل ورأس المال، وتدعم هاتان الايديولوجيتان-في شكلهما النظري-الوعي اليومي الذي تشكل عفوياً للجماهير البروليتارية التي تناضل من أجل مصالحها الاقتصادية المباشرة.
ويشار الى أن مؤسسي الماركسية لا يضعون نسق اراءهم الشيوعية (العلمية) بـ(أيديولوجيا البروليتاريا)، على الرغم من أنهم يشيرون الى أنها تعبر عن المصالح (الأساسية) لبروليتاريا (جميع) البلدان، وصحيح ايضاً انهم امتنعوا عن وصف فلسفتهم بالأيديولوجيا، فانهم في نفس الوقت، يضعان فلسفتهما العلمية للبروليتاريا فعلاً في موضع التعارض مع الوعي البرجوازي، وهما اذ يفعلان ذلك فانهما ينفصلان عن (الأيديولوجيين غير العلميين) الذين كانوا يسيطرون في ذلك الوقت على حركة الطبقة العاملة.
ومن هنا فان التأكيدات القائلة بأن ماركس وأنجلز كانا يرفضان (كل ايديولوجيا) من حيث المبدأ، هي تأكيدات لا اساس لها على الاطلاق، اذ يمكن للمرء أن يؤكد على الأساس نفسه-مثلاً-انهما كانا يرفضان كل فلسفة، ولكن الحقيقة هي أن الماركسية هي سلب للفلسفة بالمعنى القديم للمصطلح، ذلك هو (نفي النفي)، وبعبارة أخرى، سلب للأيديولوجيا القديمة، أي خلق ايديولوجيا علمية جديدة في اساسها.
اما حقيقة أنه لا يوجد عند ماركس وأنجلز تعبير مثل (ايديولوجية علمية) وأنهما يضعان-مثلاً-الأيديولوجيا الألمانية والأيديولوجيا بوجه عام في موضع التعارض مع العلم الاجتماعي الذي اسساه هم نفسيهما- فان:
1- عدم المعرفة، والجهل بالعملية المركبة والمتناقضة لتطور نظرية علمية جديدة، تختلف اختلافاً اساسياً عن كل النظريات السابقة.
2- ومحاولة وضع ماركس ولينين موضع التعارض- على اساس أن لينين-في تطويره لمذهب مؤسسي الماركسية قد صاغ مفهوم الأيديولوجيا العلمية.
اقول، ان احد هذين الطريقين، او كليهما، هو اساساً ما يقود، الى اعتبار (الأيديولوجيا وهم)، انطلاقاً من ماركس نفسه، ولكن بفهم خاطئ.
اننا نفهم الأيديولوجيا بصيغتها الماركسية، وكما طورها فلاديمير لينين، لا على أنها الانعكاس السلبي للواقع الاجتماعي، وانما على أنها: دعم برنامج اجتماعي محدد مؤسس على البحث في موقع ومصالح طبقة معينة، وعلاقتها مع الطبقات الأخرى، وخصائص التطور الاجتماعي وقواه الدافعة، وبهذا المعنى، فان كل أيديولوجيا هي دليل الى عمل اجتماعي، وبعبارة أخرى الى نسق من الاراء والأفكار والمثل العليا والأوامر الجازمة المنظمة، التي تعبر عن مواقع ومطالب وأماني طبقة أو مجموعة اجتماعية معينة، أو المجتمع بأسره-ان كان اشتراكياً.
وتدلل الأيديولوجيا الثورية على ضرورة تغيير اجتماعي جذري في الاتجاه الأساسي للتطور الاجتماعي، وبقدر ما تكون هناك حاجة فعلية الى التعبير تتضمن الأيديولوجيا الثورية-بصرف النظر عن مدى الوهم في شكلها التعبيري، مثلاً (الأناركية)- على عناصر فهم علمي للواقع الاجتماعي. أما الأيديولوجيا المحافظة أو الرجعية فانها-على النقيض من ذلك- تعطي اساساً لرغبات طبقات معينة في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية التي اصبحت بالية من الناحية التاريخية، وحيث أن مثل هذه الرغبة تتناقض مع الحساب الكلي للتطور الاجتماعي، أو (مع ما يجب أن يكون من وجهة نظر التقدم)- فان مثل هذه الأيديولوجية تكون معادية للفهم العلمي للحياة الاجتماعية، وبالتالي فان نظرية ثورية لا تصبح ايديولوجيا لأنها تعطي انعكاساً مشوهاً للواقع، وانما لأنها تعكس وتقدر الواقع الاجتماعي المعين والعملية التاريخية-الاجتماعية من مواقع اجتماعية محددة.
ان تالكوت بارسونز، يقول بأن هناك ايديولوجيات ثورية وأيديولوجيات لاثورية (وهو لا يعتبر الأخيرة محافظة) وتوصف الأيديولوجيات اللاثورية عادةً بأنها تلك التي تدعم الأفكار والمؤسسات القائمة، أما الأيديولوجيات الثورية فانها تعارض الحالة القائمة وترفض القيم والأعراف السائدة او المؤسسات السياسية في مجتمع معين، وتهدف الى احداث تحول جذري في النظام القائم، ولهذا السبب يسميها بارسونس (يوتوبيات). ومن الواضح أن بارسونز لا يمكن أن يدرك أن الرغبة في الحفاظ على الحالة القائمة وتخليدها، سواءاً كانت رأسمالية أو اية مرحلة اخرى من التطور هو بحد ذاته يوتوبيا، وهو لا يفرق بين اليوتوبيات التقدمية تاريخياً واليوتوبيات الرجعية ولا يعترف-بطبيعة الحال- بحقيقة أن الاشتراكية العلمية قد كفت عن حقيقة أنها كانت يوتوبيا، وأصبحت علماً.
هكذا، فان امكانية ايديولوجية علمية تترافق تاريخياً مع قدرة الطبقة المعينة فعلياً على التعبير عن الضرورة التاريخية المشروطة بالتطور السابق للمجتمع وتحقيقها، ويؤكد فيودور كونستانتينوف في كتاب (ثورة اكتوبر الكبرى والتقدم العلمي): (وحدها الطبقة المهتمة اساساً بالحقيقة الموضوعية، والتي يتوافق موقعها ومصالحها مع المسار الموضوعي للتاريخ وقوانين تطور المجتمع، وحدها هذه الطبقة وممثلوها النظريون قادرون على اجراء بحث متحرر من الخوف، موضوعي، لا يوقفه شيء، ولهذا السبب فان الأيديولوجية العلمية لهذه الطبقة، لا تتناقض مع علم الاجتماع العلمي).
وبطبيعة الحال، فان امكانية خلق ايديولوجية علمية لا يمكن أن تتحقق الا في ظروف تاريخية معينة وبواسطة بحث شامل في حياة المجتمع. لقد كان ملاك العبيد والاقطاعيين والرأسماليين-كل في زمانه-يعبرون عن مصالح التطور الاجتماعي، وعن الضرورة التاريخية التي كانوا هم أدوات لها، ولكنهم لم يخلقوا أبداً ايديولوجية علمية. لقد خلقت البرجوازية التقدمية من خلال أبرز ايديولوجييها علماً اقتصادياً وتاريخياً وقانونياً، وفلسفة مادية. ولكن الاصطلاح (ايديولوجيا) علمية لا ينطبق على أي من النظريات العلمية، فالأيديولوجيا العلمية: تستلزم ادراكاً لمضمونها التاريخي الطبقي الخاص، ولأصلها، ولأهميتها، وعلاقتها بالأيديولوجيات الأخرى والطبقات والحقب الأخرى، وبالتالي فهي متحررة من الأوهام والادعائات المثالية بأن لها أهمية أبدية تتجاوز التاريخ.
وبهذا المعنى يمكن أن يقال أن الايديولوجية العلمية هي الانجاز الأعلى للبحث العلمي في العملية التاريخية-الاجتماعية، لأنها تشتمل ايضاً على فهم علمي لشكلها الأيديولوجي النوعي، هكذا تكون الأيديولوجيا الاشتراكية العلمية.
يشير اليكس روميانتسيف في كتاب (ثورة اكتوبر والتقدم العلمي)-وهو يحدد خصائص علم الاجتماع البرجوازي والأيديولوجية البرجوازية الى أن: (رسم خط فاصل بين العلم والأيديولوجيا شرط جوهري لموقف نقدي علمي صحيح لأي باحث في المشكلات الاجتماعية، بما في ذلك المشكلات الاقتصادية). وعلى حين أنه من الجوهري في الدراسات البرجوازية تمييز العلمي من الأيديولوجي، فانها في الدراسات الماركسية اللينينية مسألة تمييز بين العلمي والأيديولوجي-العلمي، ويمكن تعريف الأخير بأنه التعبير العلمي عن مصالح وحاجات وموقع طبقة معينة، مبني على بحث علمي في العلاقات الاجتماعية.
والتمييز بين العلم والأيديولوجيا العلمية في اطار وحدتهما الجدلية، التي تحققت أول ما تحققت في الماركسية، لا يعطي اساساً لتعارض كل منهما مع الاخر، فهناك قوة معرفة في الماركسية، فهي تقدم توجيهاً منهجياً علمياً نحو فهم التاريخ الماضي، والعصر الحاضر والافاق التاريخية للبشرية.
لقد كانت المذاهب الفلسفية لكل من هرقليطس وديمقريطس وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من مفكري العالم القديم-بغير شك-ايديولوجية في طابعها. وليس من العسير بوجه خاص أن نرى الحدود الاجتماعية عند هرقليطس وتفسيره للجدل كفيض أبدي، وفي تصوره لصراع الأضداد كحرب دائمة، وهكذا. بل أن المضمون الأيديولوجي لنظرية ارسطو في طبيعة الدولة يمكن ادراكه بسهولة أكثر، ومع ذلك فانه يكون من الخطأ القول بأن (جدل هرقليطس)، و(نظرية ديمقريطس الذرية)، ونظريات افلاطون وأرسطو هي في النهاية تفسير ايديولوجي للواقع الاجتماعي أو الطبيعي من مواقع الطبقة مالكة العبيد، اذ لا علاقة لفهم الوظيفة الأيديولوجية للعملية الادراكية بالموقف اللاماركسي الذي يعادل بين عملية الادراك و(خدمة) مصالح الطبقات التقدمية أو الطبقات الرجعية، وليس هذا لمجرد أن موضوع بحث الادراك وخاصة الفلسفة يتضمن الواقع الطبيعي والواقع الاجتماعي بالمثل، انما الشيء الأكثر اساسيةً الذي ينبغي أن نتذكره هو أن الوظيفة الأيديولوجية للادراك، للمعرفة، هي جزء لا ينفصل (وجزء فقط) من العملية الادراكية الشاملة غير المحدودة بأية قيود من حيث مضمونها أو من حيث أهميتها، اذ يعبر الادراك عن حاجات الادراك الاجتماعي، سواءاً الانتاج المادي أو الانتاج الروحي، وهو يكون العالم المتعدد الجوانب لحياة الانسان الروحية، التي لا يمكن-شأنها شأن كل حياة انسانية-أن تكون مجرد وسيلة، وانما هي هدف.
هناك درجات متباينة في الاستقلال النسبي للمعرفة الفلسفية، التي يفترض انها تفسر وجود مذاهب فلسفية مختلفة، وحتى متعارضة، داخل اطار الأيديولوجيا الواحدة نفسها في مرحلة معينة من التاريخ، فالفلسفة المثالية الألمانية في الأساس واضحة ايديولوجيا، ويمكن تعميم بعض مذاهب المثالية الألمانية فيما يتعلق بوظيفتها الأيديولوجية، ولكن ما أكبر الاختلاف الأساسي بين كانط، فيخته، شيللنغ، هيغل وفويرباخ.
من الخطأ مثلاً النظر الى اختلاف الرأي بين الحسيين والعقلانيين في الفلسفة البرجوازية، على أنها اختلافات ايديولوجية، على الرغم من أنها-الى حد ما-ترتبط بالأيديولوجيا. ان الوظيفة الأيديولوجية للفلسفة ليست هي ما يميز الفلسفةعن الأشكال الأخرى من الوعي الاجتماعي- (الدين، الفن، الأخلاق، الحقوق، الخ)- انما هي الشيء المشترك بينها وبين هذه الأشكال.
فعندما تحدث ماركس عن (موقع لوك ايديولوجيا) في كتابه (اسهام في نقد الاقتصاد السياسي) قال بأنه مفكر يمثل البرجوازية الصناعية، ضد العمال، وقد اضفى صفة الاطلاق على طريقة التفكير البرجوازية: (البرجوازية الجديدة بشتى الطرق-لقد أخذ جانب رجال الصناعة ضد الطبقات العاملة والمملقين، جانب التجار ضد الملاك من الطراز القديم، جانب الأرستقراطية الملكية ضد الحكومات التي كانت غارقة في الدين، بل أنه حتى برهن في عمل مستقل على أن الطريقة البرجوازية في التفكير هي الطريقة السوية في التفكير).
هذا التلخيص لموقع لوك الايديولوجي يوضح لنا الأمور فيما يتعلق بوجهات نظره الاقتصادية والسياسية والتربوية، وموقفه ازاء الدين، وتراجعاته عن المادية المتماسكة، وما الى ذلك. ولكنه بالطبع، لا يستطيع أن يقدم اساساً لايضاح الخصائص النوعية لحسية مذهب لوك، ومذهبه في (الأفكار البسيطة والمركبة و(الصفات الأولية والصفات الثانوية)، الخ. فلكي نفهم هذه السمات الخاصة في فلسفة لوك يتعين على المرء أن يدرس العلم الطبيعي التجريبي في زمانه، واعتماد الفلسفة على مستوى تطور العلم في زمانها لا يرتبط ارتباطاً مباشراً بوظيفتها الأيديولوجية كما نفهمها نحن. وعلى سبيل المثال، فانه يكون من قبيل الافراط في التبسيط التأكيد بأن مبحث المعرفة (الابستمولوجيا) العقلاني هو أيديولوجيا.
ان الوحدة الجدلية بين الفلسفة والأيديولوجيا تعني أنه لا يمكن توحيد الواحدة منها مع الأخرى على نحو ميتافيزيقي، وهكذا فانها تساعدنا على أن نفهم الاستقلال النسبي لـ(المعرفة الفلسفية) فيما وراء حدود (تطبيقها الأيديولوجي).
ومن هذه الزاوية للنظر، فاننا قادرون-كما هو معروف للجميع- على رؤية علاقة الاستمرار التاريخية بين المذاهب الفلسفية التي تختلف اختلافاً جذرياً في مضمونها الأيديولوجي. فالفلسفة الماركسية، هي امتداد تاريخي، يختلف نوعياً عنها، بالتالي، اذا كانت النظريات البرجوازية السابقة لها هي (ايديولوجيا ووهم)، فكيف تكون الماركسية قائمة عليها، وتعتمد عليها تاريخياً؟
ان الماركسية تنشأ وتكتسب شكلاً وجوهراً وتتطور في صراع مرير مع الأيديولوجيا البرجوازية. ومع ذلك، فان الماركسية-كما يؤكد فلاديمير لينين- هي الاستمرار المباشر والفوري لأبرز المذاهب الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، التي خلقها ايديولوجيو البرجوازية التقدمية. هذا تناقض في الواقع التاريخي الفعلي، الذي فيه تنجز المعرفة الفلسفية دائماً وظيفةً ايديولوجية، بينما تظل في الوقت نفسه معرفةً لا تعتمد على هذه الوظيفة أو اي وظيفة اخرى. وقد تم التعبير عن موقف ماركس وانجلز ازاء المذاهب البرجوازية اساساً في نقد ضيق الأفق الطبقي لهذه المذاهب في اختيارها وتطويرها ما كان ذا قيمة لها، وفي حلها للأسئلة التي طرحها اسلافها البرجوازيون. ولقد كان يصبح من قبيل المستحيل خلق مادية جدلية وتاريخية لو لم يتم تحرير المعرفة الوضعية التي كانت تشتمل عليها الفلسفة السابقة على الماركسية، على الرغم من شكلها الأيديولوجي الذي كان غريباً على التقدم الاجتماعي.
كذلك، فان للعلم الطبيعي-وأيضاً الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس-درجة معينة من وظيفة ايديولوجية، بالقدر الذي تسقط اكتشافاتها الدوغما الدينية والأوهام الأيديولوجية الأخرى للطبقات الحاكمة، انها تتخلص من اللغو العنصري، ومن تبرير الرأسمالية والحرب الامبريالية، الخ. وهذا يبين أنه في ظل ظروف معينة يمكن حتى لـ(اللاأيديولوجيا)-كما نفهمها نحن- أن تكون لها وظيفة ايديولوجية. فليس هناك شيء اسمه علم طبيعة أو علم كيمياء برجوازي أو بروليتاري، او بهذا المعنى، ولكن هناك تفسيرات فلسفية متباينة للاكتشافات العلمية ذات الدلالة الأيديولوجية.
مثلاً، اعتمد ماكس ديسوار،على قوانين ميكانيكيا الكم وعلم الرياضيات الاحتمالي، في صياغته لعلم لنفس (الموازي) الباراسايكولوجي، وهو يخلص الى نتائج قريبة من الشعوذة في السيكولوجيا.
صحيح أن التطور الفلسفي يسمح بمزيد من امكانية تراكم معطيات علمية وخبرة تاريخية جديدة، ولكن هذا-بالطبع-لا يعني احياء وجهات نظر أصبحت بالية تاريخياً، وتصورات رفضت منذ وقت طويل، ولا يعني ايضاً، تلفيق المذاهب المثالية البرجوازية في الفلسفة، مع الفلسفة الماركسية، يقول ياكوفليف نارسكي في كتاب (حوار فلسفي في موسكو): (أن الفلاسفة السوفييت لا يرفضون المشكلات التي تطرحها الفلسفة البرجوازية، ولكنهم يرفضون الحلول المثالية التي يخلصون اليها).
ان الفلاسفة البرجوازيين يطرحون الأفكار (كاولئك الذين يقومون ببرمجة الممارسة المستقبلية). من الطبيعي أنه لا يجوز تعميم هذه البرمجة وخاصةً انها تقوم في اطار من العفوية. فالمفكرين البرجوازيين ليسوا في وضع يستطيعون معه التنبؤ بالنتائج الاجتماعية لتصوراتهم النظرية الا أنهم عندما يعالجون هذه أو تلك من القضايا والاتجاهات المعاصرة، فانهم يطرحون بشكل مبكر: (الاتجاهات القادمة للأيديولوجيا والممارسة الطبقية البرجوازية). كما يقول الفيلسوف الماركسي ولفجانج هايزه.
ان احدى اشكال (اللأدلجة)، الحديثة، والمنتشرة كالنار في الهشيم، هي (الحيادية في الفكر الأكاديمي)،
وعادةً ما يتم، في الفكر والممارسة الأكاديميتان، من قبل الأكاديميين (تطلع واهم) للوقوف خارج السياسة وحجب انفسهم وعلمهم (الموضوعي) عن المؤثرات الخارجية. وغالباً ما تبدو الحيادية الظاهرية، لعلماء الاجتماع، تجاه القضايا والمسائل السياسية، في الحقيقة، شكلاً مغلفاً (للالتزام البرجوازي) في مجال العلم. كما أن التحزب تحت شعار (الحيادية) و(عدم الاهتمام) بالسياسة، قد اصبح اليوم، وفي كل مكان، من المواقف الواسعة الانتشار.
وينطلق الأكاديميين ، لترويج (وجوب حيادية علم الاجتماع، والعلوم بشكل عام)، من الفكرة التي يستمدونها أنفسهم من الوعي اليومي المبتذل، حول أنه (يجب أن تنظر للقضايا من الأعلى، لكي تراها بشكل أوضح، لا أن تراها بأعين احد الخصوم)، ويمكن، لكل ضيق افق، اوأي شخص ساذج أن يصدق بسهولة هذا الكذب والتدليس.
هل يمكن القول، بأن هذه النظرة الى الأيديولوجيا تشكل ظاهرة جديدة في علم الاجتماع؟
1- يجب علينا أن نشير، الى الجو العام، الذي بدأت فيه النقاشات حول مسائل الثقافة والأيديولوجيا على الخصوص.
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد صعود الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى على الساحة الدولية بدأ الاهتمام الشديد لنقاش مسائل الوعي الاجتماعي والسيكولوجيا والأيديولوجيا في المؤلفات والمجلات والمؤتمرات الدولية الفلسفية والسوسيولوجية بهدف توجيه وعي وسلوك الجماهير والصراع الطبقي، وخصوصاً في ظل نموذج الاتحاد السوفييتي. أن رغبة الرأسمال الاحتكاري نحو السيطرة الكاملة على تفكير الناس وتشديد فعالية الضغط الأيديولوجي والنفسي على الجماهير، كانت (وما زالت) ذات اهمية قصوى. واحتدت هذه النقاشات بسبب الصراع (الدولي، والاقتصادي و(الأيديولوجي على الأخص)) في المجال الأيديولوجي بين المنظومة الاشتراكية العالمية، والدول الرأسمالية.
2- ويمكن ايضاً ان نقول، بأن هذه النقاشات كان من أحد اسبابها الرئيسية جو التوتر والخوف الذي كان سائداً بين مواطني اوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية بسبب والنتائج البربرية التي أدت اليها (مقولات الأيديولوجيا الفاشية في ألمانيا وايطاليا واسبانيا) وغيرها من البلدان، نقول بأن هذه الأجواء كانت سبباً لتلك النقاشات.
اننا نصادف في علم الاجتماع البرجوازي سابقاً، واليوم ايضاً (بعد الحرب، فترة المنظومة الاشتراكية، وما بعد الانهيار)، خليطاً متنوعاً من التيارات والاراء والأساليب، تقدم الأيديولوجيا كـ(قوة غير عقلانية وعفوية، وبأنها ايضاً وعي زائف). كما نرى الأفكار التي تروج بأن الدول الأيديولوجية يكون مواطنيها في العادة (متعصبين، عنيدين، دوغمائيين). وبالتالي، يتم وضع (الاتحاد السوفييتي، وألمانيا النازية، ونظام بول بوت في كمبوديا، والصين الماوية)، كلها على قدم المساواة كحركات جماهيرية ودول (تقاد عن طريق الأيديولوجيا)، وهذه الحركات والدول تشكل خطراً على النظام والسلام. فهل بعد وضع الاتحاد السوفييتي في مصاف المانيا الهتلرية من صفاقة أشد؟
3- ان أوهام الوعي اليومي، الناتجة عن حقيقة السطوة السياسية على الانتاج الثقافي، تؤدي، الى رفع تلك التصورات وأوهام الوعي اليومي لمجمعات وفئات اجتماعية معينة حول (ذلك التسلط) الى مستوى الاتجاه السوسيولوجي في علم الاجتماع.
واليوم، وكما هو سابقاً، يؤدي الشكل الخاص للتنظيم البيروقراطي في الدول الرأسمالية- والنظم التسلطية في منطقتنا وبيروقراطية الحياة الذهنية وكذلك العلم والثقافة والأيديولوجيا- بالمثقفين المعارضين الى المطالبة بفصل الأيديولوجيا عن الثقافة، (الأيديولوجيا بوصفها وهم، وسياسة، ولعبة قذرة).
4- هناك ايضاً، وهم وضعي، يستند اليه بطريقة غير مباشرة مدعي (وهمية الأيديولوجيا) وهو أن النظريات الشاملة غير ضرورية وغير ذي فائدة، ويصبح مطلب (التخصص)، مطلباً ايديولوجياً ثقافياً، وهنا، وحسب هذا التصور، يتم استبدال التوصيات الادارية والاجرائات التفصيلية بـالتقييمات الأيديولوجية الشاملة، هذه التقييمات التي يفترض أن تقوم بدور المرشد لذلك النشاط الاداري نفسه.
5- ان عملية انهيار الاتحاد السوفييتي، وتقييم التجربة نفسها، من منظار (شيوعيي ما بعد الانهيار)، اي من منظار ليبرالي، قادت ايضاً الى توسيع مفهوم (الأيديولوجيا وهم)، حيث أنه كان من المطلوب بوجهة نظر هؤلاء تحويل (الماركسية الى علم)، والقضاء على (الدوغما الأيديولوجية). ان هذا المطلب صحيح، ولكنه ليس صحيحاً بطريقة هؤلاء، بل صحيح من وجهة نظر الماركسية نفسها. ان شيوعيي ما بعد الانهيار قاموا باعادة انتاج الدوغما، المبنية على اساس ليبرالي.
انظر كتاب (دفاعاً عن الماركسية)، هشام غصيب.
الجذور الوضعية لمفهوم (الأيديولوجيا وهم)
يمكن ايجاز السمات العامة لطرح هذا المفهوم لدى مختلف المؤلفين الوضعيين الذين ظهروا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية-فيما يخص مفهوم الأيديولوجيا، كما يلي:
1- حاولات الاتجاهات الفلسفية وضع نفسها فوق (صراعات الاتجاهات الفلسفية والسوسيولوجية في عصرها) وحاولت أن تتجاوز ما يدعى (أحادية الجانب) للمادية بشكل عام والماركسية بشكل خاص.
2- حاولت هذه الاتجاهات وصف موضوعي الحقائق وظواهر الواقع من خلال التنازل عن تفسير القوانين العامة لتطور المجتمع ومعنى وقيمة وأهمية الأحداث التاريخية.
3- اعتبرت كل المصالح الطبقية والتصورات والتقديرات الأيديولوجية عواملاً غير علمية تخفي حقائق الأشياء.
4- ابتعدت عن التحليل الواعي والمباشر للقيمة الاجتماعية والطبقية لعملية المعرفة وأهميتها الأيديولوجية.

ان مجمل الفكر الوضعي بدءاً من أوغست كونت وانتهاءاً بكارل بوبر، وحتى من اتوا بعده ومن الوضعية والبراجماتية حتى الفلسفة اللغوية، وفلسفات ما بعد الحداثة تتميز بهذه المحاولات. فالوضعية التقليدية تنطلق من تصور واهم حول امكان الانسان الانفصال والابتعاد عن أية اشكال-مهما كان اسلوب تقديمها-من السياسة والأيديولوجيا والحزبية. انها تدعي، من الاطار الأكاديمي، بأنها موالية للعلم الخالص وتقوم بخدمة الحقيقة الخالصة، على الرغم من أن مثل هذا الموقف لا يخدم في الحقيقة سوى الأيديولوجية البرجوازية والسياسة البرجوازية.
ان لنظرية ريكرت، حول طبيعة المعرفة التاريخية الكلمة الفصل في علم التاريخ البرجوازي الحديث، حيث اثرت تأثيراً منهجياً ضخماً على ممثلي علم التاريخ وممثلي جميع الاتجاهات الأخرى لعلم الاجتماع البرجوازي. وتكمن مهمة نظرية ريكرت في أن على المعارف العلمية أن تستلهم مبدأ الشمول والتعميم الموجود في المعرفة العلمية الطبيعية،أما بالنسبة لظواهر التاريخ، فمهمة علم التاريخ يجب ان تنحصر في تصوير(الشيء الفردي)، غير المكرر في التاريخ، الذي ينفي أي نوع من التعميم.
تهدف ادعاءات ريكرت هذه الى اثبات أن معرفة القوانين واكتشافها ليس أمراً ممكناً وانها ليست من مهام البحث العلمي. ومن المنطقي ان يتم من خلال جميع معالجات ريكرت استخلاص البديل التالي: اما معرفة العام، القانون، القانوني، اللجوء الى المجرد، الى الدوغما، التي لا صلة لها بالواقع واما معرفة (الخاص) و(الفردي) اي الوحيد، الذي يمكن أن يكون هدفاً وموضوعاً لعلم حقيقي. ويكتسب رفض علم التاريخ الذي يتضمن قوانين تطور المجتمع لدى ريكرت، معنىً واضحاً ومحدداً، الا وهو رفض القوانين الموضوعية نفسها، والعداء المتعمد، الذي ذكره هو، للمادية التاريخية. ففي الوجود، وجود المجتمع البشري، كل شيء (فردي) و(صدفة) لا يمكن تكراره أو التنبؤ به. ويتم كذلك دعم هذا المفهوم وتطويره من خلال المجال الذي يحدده ريكرت لعلوم الثقافة بواسطة (نظرية القيم(.
ويكمن مفهوم نظرية القيم في كون أن كل شيء يحتوي على قيمة سياسية أو خلقية أو جمالية أو أية قيمة أخرى يشكل قيمة ويمكن دراسته بالتالي من قبل علم التاريخ. الا أن هذا لا يعني، كا يرى ريكرت، أن علم التاريخ هو علم قيم فهو يشق هوة لا يمكن عبورها بين: (التاريخ كعلم تجريبي)، وبين (اي حكم تقييمي) معين يطبق من قبله على مجال (نظرية القيم). يدعي ريكرت بعدم وجود امكانية لأية تعميمات في التاريخ، كما لا يجوز من جهة أخرى أن يكون هناك أي مكان للتقييمات ايضاً. فمجال التاريخ هو تثبيت الموضوع (الخاص) و(الفردي) ووصفه، حيث يراعي ريكرت علاقة هذا الموضوع بالنسبة لقيم عامة معينة. ان العلاقة بالقيم تبقى على صعيد تثبيت الحقائق وليس على صعيد التقييم، فعلم التاريخ يثبت اذاً، فقط ما هو قائم.
هكذا يحول ريكرت علم التاريخ الى مجرد وصف ما جرى في التاريخ البشري. لا يجوز لعلم التاريخ، في رأيه، تحديد قوانين التطور المجتمعي، كما لا يحق له أن يصدر أحكاماً حول معنى الحياة الانسانية وحول تحديد الانسان، كما لا يحق له أن يقيم الأحداث التاريخية التي جرت أو تجري. يتم وضع جميع هذه القضايا في اطار (الميتافيزيقية) وخارج حدود العلم!!، ويمكن أن الخص أن ريكرت يقول بأن التاريخ العلمي يقتصر فقط على تثبيت الوجود الممكن رؤيته تجريبياً في خصوصيته التي لا تتكرر.
وبخلاف رغبته في ايجاد (مثودولوجيا) لعلم التاريخ، تنطبق على كل التصورات غير العلمية، فان ريكرت يأتي بنظرية تعكس تماماً مصالح فئات اجتماعية معينة، ان ريكرت الذي لا يعترف بالقول فقط، بالتزام العلوم الاجتماعية ويرغب ذاتياً بعدم تأثره المسبق، يطور نظرياً وجهة نظر اولئك الذين لهم مصلحة اجتماعية في تقديم التاريخ البشري بشكل مجرد وبأهمية مجردة فقط.
ان ما ورد ذكره يشير الى الادعائات الوصفية لتبرير ما يسمى (بالعلم الخالص) غير الملتزم والحيادي تجاه التقييمات والقيم والأحكام، ليست الا محاولات واتجاهات للقضاء على الأيديولوجيا في العلم. مثل هذه المحاولات موجودة في الفسلفة والسوسيولوجيا البرجوازية.
نظرية كارل مانهايم حول الأيديولوجيا
العلم، بالنسبة لمانهايم موضوعي لأنه (حيادي) وبعيد عن العاطفة، بينما تبقى الأيديولوجيا لتحزبها ولطابعها الطبقي ذاتية ومشوهة للعلم الحقيقي حول الواقع.
ان الهيكل المفاهيمي عند كارل مانهايم: مثله مثل أسلافه، ريكرت وفيبر، نجده يفصل فصلاً كاملاً بين المعرفة العلمية الطبيعية والمعرفة العلمية المجتمعية. انه يدعي أن نمط المعرفة التي يمثلها علم الطبيعة، يختلف جذرياً عن نمط المعرفة التاريخية. هدف العلوم الطبيعية هو معرفة العام الضروري القانوني، الأمر الذي يجعل اسلوب هذه العلوم يكمن في التعميم والتعبير بصورة اجمالية عن ظواهر وعمليات محددة بمصطلحات ونظريات عامة، بالتالي يكمن هدف علوم المجتمع والعلوم التاريخية في اكتشاف (الفردي) و(الخاص) و(الوحيد) وعدم جواز استنباط اية قوانين عامة منه.
ان الفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، هو مهرب من: (انكار قوانين الطبيعة الفيزيائية والكيميائية)، ومهرب ايضاً من (الاعتراف يقوانين المجتمع وامكانية الاستفادة منها)، وكلا الأمرين لا يتفقان مع النظرة البرجوازية للعالم.
لا يجوز للنظريات الاجتماعية حسب مانهايم-أن تدعي (الحقيقة المطلقة) التي يمكن قبولها من جميع الفئات الاجتماعية. ان النظريات الاجتماعية ما هي الا تعبير عن وجهات نظر خاصة بطبقات اجتماعية بحيث لا يمكنها، لهذا السبب بالذات، الا أن تقدم علماً نسبياً، أي علماً مرتبط (وظيفياً) بالوضع الاجتماعي للطبقات وعلى مصالحها الاقتصادية والسياسية، ان مثل هذا العلم في رأي مانهايم، ليس صالحاً، وهو علم فاقد الجذور، ان تاريخ المعرفة الاجتماعية عنده ما هو الا سلسلة من الأخطاء والالتباسات، والماركسية ليست استثناءاً في هذا المجال!

الأيديولوجيا واليوتوبيا في فكر كارل مانهايم:
يفرق مانهايم بين نوعين من الفكر الاجتماعي المشوه: الأيديولوجيا واليوتوبيا.
ان الأيديولوجيا الفردية هي التشويه بدءاً من الكذب الى التحريف الواعي. اما الأيديولوجيا الجماعية فهوالفكر الجماعي الكامل المشوه لفئة اجتماعية أو مرحلة تاريخية كاملة.
ويرى مانهايم، بأن الأيديولوجيا بكل أنواعها تهدف الى الحفاظ على الوضع القائم.
اما اليوتوبيا في نظر مانهايم، هي النظريات الاجتماعية للفئات الاجتماعية المعارضة أو المضطهدة. واليوتوبيات ثورية وهي تهدف الى ازالة الوضع القائم، ولكن هذه اليوتوبيات تنشأ من خلال (الماضي) أو من خلال (المستقبل)، اي من خلال ما هو ليس قائماً في الواقع.
ما يميز فكر كارل مانهايم على صعيد معرفي، انه يصل الى فكرة أن مصالح جميع الطبقات، تدمر العلم الاجتماعي.
وقد اشار الدكتور توفيق شومر الى نقطة، بأن كارل مانهايم لا يعترف بأية حقيقة نسبية، فالحقيقة مطلقة عنده، وبما أن كل طبقة لا يمكن أن تمثل الحقيقة الموضوعية، فانه بالتالي، لا يوجد أي حقيقة اجتماعية موضوعية.
عندما يعرض كارل مانهايم وجهة نظره في دور المثقفين في التوصل للحقيقة الاجتماعية، فانه يقول بأن العلم الصحيح ممكن فقط في حالة واحدة فقط، وذلك عندما يتم وضعه من قبل ما يسمى بالمثقفين الذين (يعملون بحرية، ولا يرتبطون بأي مصالح اقتصادية أو سياسية أو غيرها ويقفون خارج الطبقات وخارج الصراع الطبقي). فالمثقفين، يتوصلون الى مركب من النظرات الحزبية والطبقية، مما لا تستطيع كل طبقة على حدة ان تنجزه. وهكذا يريد كارل مانهايم ان يصل الى الحقيقة الموضوعية، القيام بعملية (التلفيق)، تلفيق وجهات النظر، هو الذي سيكتشف الحقيقة الموضوعية، اي سينقذ المجتمع.
وحسب رأيه، ينحدر المثقفين من جميع الفئات الاجتماعية، وتستقبل الجامعات البروليتاريين والبرجوازيين والمدنيين والريفيين، وما يجمع كل هؤلاء، هو أن العلم يربطهم جميعاً!!، ان التعليم حسب رأيه يضعف التوجهات المتحزبة لقضايا الواقع الاجتماعي ويأتي بمفهوم يتميز بالتنوع والشمول حول الواقع.
أعطى مانهايم، كمثقف برجوازي، للعلم صفة مطلقة في عملية معرفة الظواهر الاجتماعية. من الطبيعي أن تؤدي الدراسة الجامعية الى توسيع أفق الانسان وأن تجعل منه مختصاً في مجال معين من مجالات المعرفة والعمل، الأمر الذي يقارب بين ذوي الثقافة الجامعية (على الرغم من أن التعليم الجامعي، قد يعزز مفاهيم "الحيادية، والتلقين، الخ،" في احيان كثيرة أيضاً). الا أن مانهايم لا يرى الطبيعة الطبقية والاتجاه الطبقي للتعليم مثلاً.
اريد أيضاً أن أنوه الى مسألة هامة جداً هنا، راودتني عند اطلاعي على منتديات الملحدين والعلمويين العرب، وهي ان الحديث حول الأيديولوجيات يقود ضيقي الأفق الى تصور الأمر وكأن نشوء وتطور ووجود الأيديولوجيات مرتبط بحركات جماهيرية خاصة. النازية، النازية الجديدة، القومية، حركات التحرر، اليمين، اليسار، الحرب الباردة، الاشتراكية، الخ، وفي هذا التصور يتم الاعتقاد بأن الحياة العادية اليومية في المجتمع البرجوازي، لا ترتبط بأية ايديولوجيا.
يستطيع الانسان، المطلع، بسهولة، أن يكتشف أن هذه الصورة النمطية لا تتفق بأي حال من الأحوال مع الواقع القائم في البلدان الرأسمالية الرئيسية. ان الالة الأيديولوجية والدعائية الجبارة التي تستهدف تشويه الوعي المجتمعي والقهر الأيديولوجي الذي يمارس ضد الجماهير، والحرب الأيديولوجية ضد الدول التي لا تنصاع للولايات المتحدة الأمريكية كجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، والنزاعات الأيديولوجية والخلافات في الاراء بين فئات البرجوازية المختلفة-كل هذا لا يترك مجالاً للشك لدى (الفرد العادي) حول عدم واقعية تصورات الوعي اليومي، والسوسيولوجية البرجوازية، التي تريد أن تثبت لنا أن الأيديولوجيا (كانت تسيطر فقط في عهد دول المنظومة الاشتراكية).
يرتبط بالتصور النمطي للوعي اليومي الوهمي بأن الأيديولوجيات مرتبطة بالدوغما دائماً.
حسناً، ان هذه الصفة واحدة من الصفات الأساسية للأيديولوجيا الدينية، وبعض الأيديولوجيات الأخرى، الا انها ليست من صفات جميع الأيديولوجيات وليست دائماً وفي كل وقت. هل كانت الأيديولوجيا البرجوازية في القرنين الخامس والسادس عشر التي قادت صراعاً ضد دوغما الكنيسة وضد اللاهوت دوغمائية؟ هذا أولاً. وثانياً فان من الممكن لعلوم المجتمع بل والعلوم الطبيعية أن تشتمل على بعض التصورات الدوغمائية. الا أن هذا لا يؤدي بأي حال من الأحوال الى تحول هذه العلوم الى أيديولوجيات انطلاقاً من وجود هذه التصورات. يعني هذا أن سمة (الدوغمائية)، لا تستطيع لوحدها تحديد جوهر الأيديولوجيا. وعلى العكس من ذلك، فهي تخفي الطابع الطبقي للنظرات والتصورات الأيديولوجية
-----------------------------------------------------------
برغم أن الدكتور توفيق شومر، قد عرض بشكل صحيح وجهات نظر كارل ماركس وفريدريك انجلز وفلاديمير لينين حول الأيديولوجيا، الا أنه خلص الى وجهة نظر تقول بأن (الأيديولوجيا وهم)، وهو بهذا قد عرض وجهات نظرهم وصفياً، وعارض ماركس وانجلز ولينين مع بعضهم، ولم يميز ايضاً بالفارق بين (المعرفي والأيديولوجي) في النظرية، اية نظرية كما عرضناه انفاً.
دخل تعبير (الأيديولوجيا) كتعبير سوسيولجي من قبل كارل ماركس وفريدريك انجلز بمعنى التعبير الخاطئ المهزوز عن الواقع الاجتماعي. وقد اشير بتعبيري (الأيديولوجيا) و(الأيديولوجي) لدى ماركس وأنجلز الى أن البنى النظرية المعنية، ليست صامدة علمياً. لقد عبروا بكلمة أيديولوجيا عن المفهوم المثالي لتاريخ المجتمع البشري، المفهوم الذي يتم به تفسير المجتمع والبنية المجتمعية والعلاقات الاجتماعية من خلال الأفكار وليس العكس، أي تفسير الأفكار من خلال شروط وجود المجتمع المادية.
لقد استعمل ماركس وأنجلز تعبير الأيديولوجيا، عندما ارادا تبعية حياة المجتمع الفكرية على العلاقات الاقتصادية، اعتبرا الفلسفة وجميع التصورات السياسية والحقوقية والفنية وغيرها ككل أو لطبقة معينة (ايديولوجيا).
نظر ماركس وانجلز الى أفكار المجتمع من خلال اشتراطها بالواقع المادي كما حددا أهمية الأفكار بالارتباط مع دورها في الصراع الطبقي. هكذا كتب ماركس في مقدمة كتابه (نقد الاقتصاد السياسي) ما يلي: (مع تغيير الأساس الاقتصادي تتغير جميع البنى الفوقية اما بصورة بطيئة أو سريعة. وعند النظر الى مثل هذه التغيرات يتوجب على الانسان التفريق دائماً بين التحول المادي والعلمي الطبيعي ضمن شروط الاقتصادية المثبتة وبين التحولات الحقوقية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية أي باختصار الأشكال الأيديولوجية التي يعني الناس من خلالها هذا الصراع ويحركوه).
وقد قام لينين بتعبير الأيديولوجيا بوصف أفكار ونظرات طبقات وفئات اجتماعية معينة. فقد وصف علم الاشتراكية العلمية، بصورة مباشرة بالأيديولوجيا البروليتارية.
في الأدبيات الماركسية السوفييتية يتم استعمال تعبير (الأيديولوجيا) بمعان عدة. ولكن يمكن تركيزها الى معنيين رئيسيين:
1- فعندما يجري الحديث عن الأيديولوجيا بالمعنى الواسع للكلمة في (التحليل السوسيولوجي له) فان المقصود بذلك أن الوعي الاجتماعي ينقسم الى وعي منظم، ونفسية الجماهير، وفي هذه الحالة تبرز الأيديولوجيا على جزء من الوعي المجتمعي المنظم. فهناك العلم، وهناك الفن، والعلم والأيديولوجيا، وتبرز الأيديولوجيا هنا: (منظومة أشكال الوعي.... وفقاً لأنواع العلاقات الأيديولوجية الموجودة في المجتمع منذ تفسخ نظام المشاعية البدائية، يمكن التمييز بين ستة أشكال من الوعي الأيديولوجي المنظم: الوعي السياسي، الوعي الحقوقي، الوعي الأخلاقي، اىلوعي الديني، الوعي الجمالي والوعي الفلسفي.) الوعي الاجتماعي والعلوم الاجتماعية ماتفي كوفالسون
2- ويتم استعمال هذا التعبير بمعنىً اخر، أي مجمل النظريات والنظرات التي تعكسها طبيعة العلاقات الاجتماعية المعنية التي تفسر ضرورة وجود هذه العلاقات أو استبدالها بعلاقات اخرى، و(مثل هذا النظام من النظرات الذي يقدم تفسيراً لعمليات التاريخ وتعليلاً لوجود نظام المجتمع والدولة المعين والذي يعكس بوضوح مصالح طبقة معينة وخصائص وجميع اشكال وعيها المجتمعي الأساسية، هو ايديولوجيا بالمعنى الضيق للكلمة) تشيسنوكوف المادية التاريخية.
)ان الأيديولوجيا انما هي ذلك القسم من الادراك الاجتماعي الذي يرتبط مباشرةً بأداء المهام الاجتماعية التي تجابه المجتمع والذي يشكل اداة لتغيير أو لتوطيد العلاقات الاجتماعية. وفي المجتمع الطبقي تتسم الأيديولوجيا بطابع طبقي، اي أنها تعبير روحي، وتثبيت روحي للمصالح المادية لطبقات معينة.) فلاديسلاف كيله وماتفي كوفالسون المادية التاريخية.

ويمكن مناقشة ماهية الأيديولوجيا من ناحية نظرية المعرفة، حيث تعتبر نظاماً من الأفكار والنظريات مشترطة بصورة معينة، لهذا المجتمع أو ذاك أو لهذه الطبقة او تلك الفئة الاجتماعية، وتتضمن أية ايديولوجيا تفسيراً شاملاً لطابع ومجرى التطور التاريخي للمجتمع الانساني وقواه المحركة، ان اية أيديولوجيا-سواءاً كانت صحيحة أم خاطئة-تكون شمولية.
وتشير الأيديولوجيا ايضاً الى وسائل النشاط العملي، السياسي بالدرجة الأولى، للطبقات والفئات الاجتماعية، وتقدم تفسيراً لمختلف المثل الاجتماعية، الدينية، والفنية والأخلاقية، الخ.
ومن الناحية الوظيفية تقوم اية أيديولوجيا بوظيفتين رئيسيتين:
أ- الأيديولوجيا المحافظة: وهي ( الأيديولوجيات الهادفة بالدرجة الأولى الى تكييف الانسان مع اليات عمل هذا النظام الاجتماعي الموجود بصورة واقعية وملموسة أو ذاك، والى الحفاظ عليه وتجديد انتاجه)، كما يقول زاموشكين، سولوفيوف وموتروشيلوفا في كتابهم الفلسفة والعملية الثورية
ب- الأيديولوجيا الثورية: وهي (الأيديولوجيات الهادفة بالدرجة الأولى الى التغيير الجوهري لهذا النظام الاجتماعي الموجود واقعياً أو ذاك، والى تحويله الجذري أو تدميره، والى اقامة نظام اجتماعي جديد يتميز كيفياً عن النظام القائم) كما هو وارد في المصدر السابق ذكره.
---------------------------------------------------------------------
العلموية الحديثة:
تشكل العلموية احدى اشكال مظاهر الوضعية لجديدة السوسيولوجية، وترتكز هذه العلموية على الأسس الرئيسية التالية:
1-يتم تقديم المعرفة في العلوم الطبيعية كنموذج ومثال يجب على العلوم الاجتماعية أن تحتذي به، وهنا يتم القول بأن على الأساليب الدقيقة للفيزياء والرياضيات الخ، يجب أن تطبق على الأبحاث الاجتماعية، وهكذا فقط، حسب وجهة النظر هذه، يمكن أن يصبح علم الاجتماع علماً حقيقياً.
ان هذا الموقف نابع من رد الفعل على موقف الكانتية الجديدة المتمثلة في (فندلباند وريكرت) تجاه العلوم الطبيعية والثقافية. ان الوضعية في القرن العشرين، ولا زالت، تنكر القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، وهي تنتقل من هذا المجال، الى مجال الوصف التجريبي المحض، للوجود الاجتماعي العياني. (ان الوضعية الجديدة، بعدم استيعابها السمة النوعية المتمثلة بحركة المجتمع يطمسون الفروق القائمة بين المجتمع والطبيعة.) كما يقول الفيلسوف الماركسي السوفييتي ايغور كون، في كتابه (الوضعية في السوسيولوجيا).
2- يتوجب أن تكون المعرفة الاجتماعية، حسب اراء اتباع العلموية خالية من اي توجه قيمي، وهي تفصل بشكل حاد ونهائي بين (الأحكام العلمية) و(الأحكام القيمية). فالأحكام العلمية هي أحكام حول الحقائق قادرة أن تصمد أمام الاختبار التجريبي، اما الأحكام القيمية فانها تستند الى الموقف الذاتي الخلقي والسياسي أو الديني، انها أحكام حول ما يتوجب أن يكون وما لا يجب أن يكون، وهذه الأحكام، برأيهم، هي التي تشكل اساس (الأيديولوجيا).
3- ان السوسيولوجيا الخالية من القيم، تشكل نظاماً (حيادياً)، وهو يقف خارج الأيديولوجيا والسياسة. وينبغي على هذه السوسيولوجيا، أو السوسيولوجيا (العلمية) أن تخدم جميع الناس بغض النظر عن وجهات نظرهم السياسية والدينية ، الخ-كما تفعل العلوم الطبيعية.
هل الادعاء بحيادية الطبقات، واللاحزبية، و(الخلو من القيم)، هل هذه الادعاءات تتطابق والواقع الموضوعي للأمور؟
ان هذا الادعاء ليس الا مجرد (وهم) أيديولوجي. ان المراعاة الدقيقة لمبدأ الخلو من القيم في السوسيولوجيا تؤدي الى مجرد وصف الظواهر والعلاقات السطحية بينها، وهذا الخلو، يقود الباحث-حسب المنظرين البرجوازيين-بعيداً عن الأيديولوجيا، الا أنه تتخلل الأحكام القيمية في (أي) بحث سوسيولوجي تجريبي.
ان الأبحاث التجريبية التقليدية تبدأ من تحديد المهمة التي يجب بحثها، اي تحديد موضوع البحث، ومن ثم، يتم تحديد الحقائق، او الفرضيات التي يتوجب بحثها. انه من الواضح تماماً ان (تحديد الموضوع) الذي يتوجب بحثه يدخل في مجال القيم، لأن تحقيق هذا البحث في ذاك الموضوع يتطلب حد معين، (قليلاً أو كثيراً، صحيحاً أو خاطئاً) من النظرات العامة، الفلسفية والسياسية والخلقية والدينية، الخ.
ان الباحث (الذي يحاول أن يخلو بحثه من القيم)، عندما يتهرب من أحكام قيمية معينة، فان هذا سيؤدي به تلقائياً الى احلال أحكام قيمية أخرى بدلاً عنها. ان نتائج البحث ايضاً تشمل وظيفة اجتماعية (الوظائف الأيديولوجية كما ذكرنا وظائفها انفاً)، ان هذه الوظيفة التي ستشغلها نتائج البحث لن تكون خالية من القيم. وحتى لو حاول الباحث بأقصى درجة ممكنة يتحرر من تلك القيم في نتائج بحثه، فانها ستشمل قيماً معينة، وهنا، لا يمكن أن نغض النظر ايضاً عما سيفعله اولئك الذين (يستغلون نتائجه). وهذا (الفعل) اياً كان، يعتبر وظيفة (ايديولوجية) لذلك البحث، المدعي خلوه من القيم. إن اجتماعية الإيديولوجيا ليست خاصية مرتبطة بإنتاجها فقط ، ولكن تهم استهلاكها أيضاً.
-------------------------------------
يجب ان نوضح عدداً من النقاط المهمة في مسألة (التحزب) في الفلسفة الماركسية:
في الفلسفة الماركسية عندما نتحدث عن مبدأ التحزب، فنحن نعني بأن كل باحث في مجالات العلوم الاجتماعية يقف موقفاً متحزباً، بصرف النظر اذا وعى ذلك أم لم يعيه.
نتيجة أن العلوم الاجتماعية والانسانية في الاتحاد السوفييتي كانت تتبع منهجاً واحداً في البحث (المادية الجدلية)، فان عدداً من الفلاسفة البرجوازيين، وشيوعيي ما بعد الانهيار، كانوا يهاجمون مبدأ (التحزب).
ان التحزب ينبع من (الشرطية الطبقية) لموقف كل علم اجتماعي والمتمثل في موقف معين على صعيد النظرية، وهو (التحزب) يشير ايضاً الى أن الباحث أو المنظر يختار بين الجهات المتحاربة على الصعيد النظري، فوجهة نظره ستصب في مصلحة هذه أو تلك من الفئات أو الطبقات.
ان موقف عدد من الفلاسفة السوفييت في حقبة جوزيف ستالين، الذين ذهبوا الى أن علم الفيزياء في الغرب هو علم مثالي، لا يعني أن هذا هو الموقف الصحيح للتحزب. ان العلوم الاجتماعية، اي العلوم التي تبحث وتمس المصالح الحيوية للطبقات، هي العلوم المتحزبة فقط، وليس صحيحاً الحديث حول تحزب (الرياضيات، الفيزياء، علم الفضاء، البيولوجيا). ولكن لهذه العلوم دور ضخم جداً في استخلاص نظرة كونية وشمولية عامة، تتخذ طابعاً ايديولوجياً متحزباً.
ولقد تحدثنا انفاً، حول أن هناك فرق بين المضمون الموضوعي لهذه العلوم والاستنتاجات الفلسفية المستخلصة منها.
-------------------------------------
يجب ان اقول عدداً من الأمورالأخرى- (ليس لها علاقة مباشرة بموضوع البحث)- التي اعتقد ان عدداً منها صحيح تماماً، والاخر يحتاج الى بحث اكبر، واجابات شافية أكثر:

الصراع النظري في اطار الأيديولوجيا:
لا يجوز النظر الى الصراع بين الماركسية وبين هذه النظريات البرجوازية على أنه مجرد نقاش اكاديمي حول صحة أو خطأ هذه الفكرة أو تلك. انه صراع ايديولوجي تكمن أهميته الاجتماعية في كسب الناس. فالمنظرون البرجوازيون يرغبون في وضع العراقيل امام انتشار الرؤية العلمية المادية الجدلية لعالم، ويسعون الى تشويهها والحط من قيمتها في أعين الناس.
وسيكون في نفس الوقت، نوعاً من التبسيط فيما اذا اراد المرء أن ينظر الى هذه النظريات على أنها مجرد أوهام لا صلة لها بالعمليات التي تجري في الواقع العملي أو بالمشاكل التي تواجهها البشرية. فلو كانت كذلك، لما كان لها مثل هذا الصدى الواسع ولما استطاعت ان تجد طريقاً لانتشارها. هذه النظريات هي احدى اشكال الصراع الذي يعكس العالم الواقعي بصورة مشوهة. لا يقوم علماء الاجتماع والاقتصاديون البرجوازيون عند قيامهم بدورهم الاجتماعي، بتقديم الاتجاهات الأساسية والحاسمة للتطور المجتمعي المعاصر بشكل صحيح وعلمي، انهم لا يقدمونها بالشكل الموضوعي الموجودة فيه، انما بالشكل الذي تريده طليعة الدول الحاكمة.
أما بالنسبة للفلسفة الماركسية في الغرب، فهذه ليست هي الماركسية، تلك الماركسية الثورية، بل هذه (الماركسية)، هي ماركسية المكاتب، والتي لا تستقي من فكر ماركس، الا التجليات النظرية وفصل الفكر النظري عن الممارسة الثورية.
وأؤكد، انه لدى الحديث عن الشعبية التي تزايدت للماركسية في علم الاجتماع الغربي، لا يتم أخذ المحدودية الطبقية لعملية هضم الأفكار الماركسية من جانب كل ممثلي العلم الأكاديمي،في الحسبان. الانقطاع عن نضال الطبقة العاملة، وعن نشاط الأحزاب الشيوعية في الدول الرأسمالية، وكذلك التفسير الاعتباطي للكثير من القضايا الأساسية لنظرية ماركس الاجتماعية (قضايا الطبيعة والدياليكتيك، قضايا نظرية الدولة، قضايا الصراع الطبقي، الطبقة العاملة وتعريفها)، الأمر الذي كان يفضي دائماً الى الجمع التخيري لهذه الأحكام مع احكام علم الاجتماع البرجوازي. ان قوة الماركسية في الغرب مختلطة بنزعة معاداة الماركسية التي ضربت جذورها عميقاً في الفكر الاجتماعي والفلسفي الغربي، في صراعها مع الماركسية في الاتحاد السوفييتي.
باعتقادي، ان ماركسية الغرب، الأكاديمية، او التي تدرس ايضاً في الجامعات هي محاولات متأنقة لايجاد مخارج ضمن اطار الأيديولوجيا البرجوازية نفسها، والتي يستحيل حلها الا عن طريق استخدام ادوات المعرفة الجدلية، ولكنها، تبقى، وستبقى، كما قلت، في اطار علم الاجتماع البرجوازي، وتستخدم وظيفة تثبيت وتبرير المنظومة السائدة
ليست الماركسية مجرد (أداة أكاديمية) لتفسير الظواهر، واسعافات لانقاذ ما لا يستطيع علم الاجتماع الغربي تفسيره، بل اداة للتعرية وكشف النظام الرأسمالي، و(أداة تغيير) اجتماعي جذري..
ان الماركسية في الجامعات الأكاديمية في الغرب، ليست ماركسيةً ناقدة، ولا تعتبر الصراع الفكري (كسر عظم) ومعركة اجتماعية من أجل كسب الجماهير، بل تتخفى في حيائها، وراء المصطلحات والمفاهيم النظرية المفرغة من مضمونها الواقعي.
انا هنا اتسائل، هل هذه الماركسية، هي ماركسية النضال الأيديولوجي الضاري ضد المذاهب الفلسفية البرجوازية؟ انا أجزم بأنها ليست كذلك.
وانا الحظ ظاهرةً-على أن اشير لها- وهي أن الماركسيين، سواءاً الغرب منهم، أو العرب، لم يعودوا يعتمدون على المبدأ الحقيقي الذي يقول بأن الماركسية هي أكثر الفلسفات تقدميةً في التاريخ الانساني، بل صارت توضع مثلها، مثل غيرها من التيارات الفلسفية والاجتماعية على مستوىً واحد، في اطار (تفاهم نظري)، و(تصالح اراء، واحترام وجهات نظر).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حول مؤتمر التطوير التربوي، والعملية التربوية التعليمية ما بي ...
- ابواق الدعاية الدينية المحافظة فيديو (قانون الأرزاق)


المزيد.....




- 76% من الأسر النازحة تحت خط الفقر!
- -اللبنانية-: طرف سياسي يعرقل تعليم طلاب العلوم الطبيعية
- العدد 253 من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً
- الرأسمالية تُجمِّل العدم
- رحيل نوال حفيظ خليل
- طلاب -العلوم الطبيعية- في -الجامعة اللبنانية- يغرقون في بازا ...
- الصحة الفلسطينية تطالب بالكشف عن الغازات التي استخدمتها -إسر ...
- كوريا الديمقراطية: سنصبح أكبر قوة نووية وعسكرية عالميا والول ...
- إضراب 14 دجنبر 1990: المجريات والدروس
- ندوة حوارية حول قانون الانتخابات للشيوعي في لبايا


المزيد.....

- الشيوعيّة ليست - طغيانا طوباويّا - بل هدفا قابلا للتحقيق و ه ... / شادي الشماوي
- الاشتراكية والمثلية الجنسية - توماس هاريسون / عايدة سيف الدولة
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (1- 2) / حسين علوان حسين
- تقرير المصير للقوميات فى الدولة الواحدة: حق داخل حق / محمود محمد ياسين
- مقالة فى الاسس المادية (2). تقسيم العمل فى المنشأة والتقسيم ... / خالد فارس
- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مالك ابوعليا - الأيديولوجيا والوهم