أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجاهد خالد هلالي - حق الشعب في تقرير المصير والفكرة القانونية السائدة















المزيد.....

حق الشعب في تقرير المصير والفكرة القانونية السائدة


مجاهد خالد هلالي

الحوار المتمدن-العدد: 4964 - 2015 / 10 / 23 - 20:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سلسلة مقالات منجية في الدستورانية الفلسطينية
"العدد الاول"

حق الشعب في تقرير المصير والفكرة القانونية السائدة

إن إثارة الجدل بين الفكرة القانونية السائدة ونشأة الدولة، هو لغاية الوقوف على العلاقة بين ممارسة الشعب لحقه القانوني في تقرير مصيره وتكوين مجتمع سياسي منظم، وطبيعة العلاقات السياسية التي وقفت وراء قيام الدولة، ويبرز تأسيسا على هذا الجدل عند تفاعل العناصر التي تقف وراء النشأة، أمرين اثنين سيمدان التحليل بغذائه وتفكيكهما سبيل لتكييف علمي لأصل نشأة الدولة بهذا الشكل، أما الأمر الأول هو النظر للمبدأ الديمقراطي الذي يقوم عليه حق الشعب في تقرير مصيره عند مناقشة ظاهرة الاختلاف السياسي، والأمر الثاني، هو النظر إلى ذات المبدأ_ القانوني، وتحليله بربطه بطبيعة الدولة الحديثة.
وللوقوف على ذلك، يتطلب في بداية الأمر، التعريف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتوضيح القصد بالفكرة القانونية وعلاقتها بالسلطة، وبعد الربط بينهما، سنبرز التفاعلات الأكثر جدلا في نشأة الدولة الحديثة، والتحديات التي تقف في وجه شعب خاضع للاحتلال ويدافع عن حقه في الاستقلال وبناء دولة حديثة في عصر العولمة.
لقد أصبح مبدأ حق الشعب في تقرير مصيره مبدأ قانونيا بعدما شكل الركيزة التي يقوم عليها التنظيم الدولي المعاصر، وقد نصت صراحة على المبدأ العديد من النصوص والمواثيق والقرارات الدولية ، بما لا يدع مجالا لشك في تجسيدها لحقا قانونيا مؤسسا للحقوق والالتزامات في إطار القانون الدولي العام.
كما أن هذا المبدأ ترجمه تاريخ العلاقات الدولية بصورته السياسية والقانونية، وعد المنطق القانوني والديمقراطي الأساس التي تقوم عليها العلاقات الدولية، لارتكازه على القاعدة التي تقضي بأن الدولة وحدود إقليمها ونظامها السياسي والدستوري يجب أن يبنى على الإرادة الحرة لشعبها، وهو رأيا يميل له غالبية الفقه القانوني الدولي، لما يشكله من انتصار للشعوب المقهورة التي خضعت للسيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي، أو النظم العنصرية.
وقد عرف الفقيه الفرنسي " ALFRED COBAN " هذا الحق بأنه: " حق كل أمة في أن تكون ذات كيان مستقل وأن تقوم بتقرير شؤونها "، أما الفقيه القانوني العربي "رجب عبد المنعم متولي" فقد عرفه: بأنه حق الشعوب أو الأمم في أن تتمتع بالحرية والاستقلال من السيطرة الخارجية والاستعمارية وبأن تختار بحرية حكومتها التي ترتئيها ونظامها السياسي الذي تقبله وأن يقرر الشعب مستقبله السياسي بحرية".
بالنظر إلى التعريفات السابقة، يأخذ هذا الحق مدلوله الضيق معنى حق كل وحدة سياسية متميزة بتكوين دولة مستقلة ذات سيادة، أما في مدلوله الواسع، فيعني حق كل شعب في اختيار حكومته ونظامه السياسي، والإفادة من ثرواته الطبيعية والتمتع أيضا بتراثه الروحي والمادي دونما قيد وعلى النحو الذي يريده.
أما فكرة القانون أو قاعدة القانون بتعبير" بيردو"، فقد عرفها الدكتور" إسماعيل الغزال" بأنها : هي مجموعة من القواعد المستخرجة من الروابط الاجتماعية، وهي بتطور مستمر، وهي التي تخلق السلطة، ومن ثم، فهي نظام اجتماعي يعكس حياة الشعب ومتطلباته، يختلف باختلاف المجتمعات، ويأتي عندما يعي مجتمع معين الهدف الذي يشد من لحمته وتضامنه وإقامة نظامه الاجتماعي. أما الفقيه "جورج بيردو" قد عرفها بأنها : " هي تصوير المثل الأعلى الجماعي الذي تقوم به، في فترة معينة، فئة منظمة لأحسن ترتيب نظامها الدستوري، هي تصوير موضوعي للمصلحة العامة". وهي تعرف أيضا بأنها: "هدف من أجله أنشأت المجتمعات السياسية، ويترجم إلى الواقع من خلال القنوات المختلفة بعد تنظيمه في الدستور"
لقد وقفنا على تعريف كل منهما، بقصد القول أن حق الشعب في تقرير مصيره مثل الفكرة القانونية للشعوب التي رزحت تحت الاستعمار الأجنبي، ورغبت في تقرير مصيرها والحصول على استقلالها في كيان تجسده دولة مستقلة ذات سيادة، تضم مكوناتها كلها على إقليمها الوطني وتحقق لها مصالحها وازدهارها، ومع أن ميثاق الأمم المتحدة لم يلزم أي وحدة سياسية متميزة بشكل الدولة الحديثة، إلا أنه ومع تميز خصائص الدولة الحديثة، وبالواقع، سنعالج الجدل المحدد أعلاه، تأسيسا على ممارسة الحق رغبة في تكوين دولة مستقلة.
يعود تاريخ مبدأ الحق في تقرير المصير إلى العصور القديمة، وقد لامسته الحضارات المختلفة، وشيد بصورة وأخرى في الفكر السياسي القديم والمعاصر، كما أن هناك دراسات تشير إلى أن هذا المبدأ اخذ إلى النضوج في صورته الحديثة منذ القرن السادس عشر ميلادي في صورة معاهدات ثنائية، وقد تعزز بعد معاهدة وستفاليا عام 1648، غير أنه كفكرة قانونية سائدة ارتبط ظهوره عبر التاريخ بالحروب والثورات، وخاصة حرب الاستقلال الأمريكية لعام 1776، والثورة الفرنسية لعام 1789، والثورة البلشفية عام 1917، وقد ظل مبدأ سياسيا إلى غاية انتهاء الحرب العالمية الثانية وميلاد الأمم المتحدة التي ضمنته في ميثاقها كحق قانوني.
لقد ارتبطت الفكرة القانونية المتمثلة بحق الشعب في تقرير المصير والاستقلال، بالتخلص من الاستعمار الأجنبي، ومن سيطرة النظام الإمبراطوري ومن نظام الإقطاع في داخل الأقاليم، ومن الأنظمة المستبدة بشكل عام، وسنعمل من خلال العلاقة بين هذه الفكرة القانونية والسلطة، على إبراز تأثير وحدتهما في نشأة الدولة عن طريق الاستقلال، فبهذه الوحدة يمكن قراءة الجدل الديمقراطي والقانوني في تنظيم السلطة، بما يسمح تصور ما تستوجبه لحماية الحق القانوني في تقرير المصير، وخاصة عندما تكون القوة بمظاهرها، العامل الأساسي في مواجهته.
إن العلاقة بين الفكرة القانونية والسلطة يقول بيردو: "تظهر باعتبارها قوة في خدمة فكرة نابعة من الوعي الاجتماعي ومخصصة لقيادة جماعة بحثا عن الخير المشترك، وقادرة إذ لزم الأمر أن تجبر الأفراد على الالتزام بمواقفها التي تأمر بها"، ولذا يصف بيردو أن السلطة هي ظاهرة قانونية_ أي القوة الخلاقة لفكرة القانون، كما إنها المجهود لتحقيق القاعدة التي تتضمنها، أي الوعد لانجازها، ففكرة القانون تولد السلطة التي تقوم من أجل تحقيق هذه الفكرة ووضعها موضع التنفيذ.
ولكن القوة الخلاقة لفكرة القانون تستلزم تنظيم السلطة، لان هدف القاعدة الذي يجعلها آمرة يتطلب تنظيم وسائل معينة يمكن بواسطتها تحقيق هذا الهدف، لذا لا يتم تعريف القاعدة القانونية بتعين المبدأ الذي بمقتضاه تنظم العلاقات الاجتماعية، وإنما يجب تحقيق هذا المبدأ بواسطة تدخل وتنظيم السلطة، لأن السلطة تحمل في داخلها مسؤولية تحقيق الفكرة، فالجانب القانوني من السلطة هو القاعدة ذاتها أو الوجه المتحرك لمتطلبات القاعدة أي احتياج القاعدة للوسيلة الفنية لحمايتها.
وعند إقامة العلاقة بين المبدأ الديمقراطي الذي يقضى بممارسة الشعب حقه في تقرير المصير، بالنظر إلى العلاقات السياسية التي سادت قبل حرب الاستقلال الأمريكية، والثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، سيظهر أولا وقبل كل شيء، التناقض بين المبدأ الديمقراطي وبين الاختلاف السياسي كأصل عام وراء نشأة الدول، ولكن عند بحث العلاقات السياسية التي كانت سائدة، يتضح أن السبب الذي أحال دون تنظيم السلطة بما يسمح تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هو ممارسة كيان سياسي آخر السلطة على شعب أخر، و تجميع سلطات الكائن السياسي في شخص أو طبقة، وهذين السببين يقفان في وجه الطبيعة القانونية للدولة الحديثة.
ففي المستعمرات الأمريكية كانت بريطانيا الاستعمارية هي المتحكمة بالحياة الاقتصادية والسياسية للمستعمرات، وقبل الثورة الفرنسية كان الحكم الملكي المطلق هو السائد، وقبل الثورة البلشفية ساد حكم القياصرة والاستبداد، وبناء عليه، فالفكرة التي سادت عن المبدأ الديمقراطي هي طبيعته القانونية التي تنسجم مع خصائص الدولة الحديثة المتمثلة بالاستقلال والسيادة، أم المضمون الديمقراطي لممارسة الشعب تقرير مصيره داخليا، فقد خضع للإرادة الخلاقة للسائد، وقد عرف حركية فيما بعد مثلتها نقل السيادة إلى الشعب وجدل الحرية والمساواة.
فالفكرة التي سادت قبل التحرر من الاستعمار والاستبداد، تحيل على أن العنصر الأساسي الذي طغى على العناصر المتفاعلة والتي ساهمت في قيام الدولة الحديثة، هو العنصر السياسي، لما كان يمثله الاستقلال السياسي بالنسبة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها الشعوب التي أول من مارست حقها في تقرير مصيرها وبناء دولتها الحديثة، ولما كان لنقل السلطة من شخص الحاكم إلى الشعب، أهمية في التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وبما أن السلطة هي تعبير عن المجتمع الذي ستخلقه، كما أنها تعبر عن طاقة فكرة القانون، فإنها تعبر عن طبيعة الكائن السياسي التي ستخلقه، فعندما تنشأ سلطة تعبر بانسجام عن العلاقة بينها وبين السكان والإقليم، نكون بصدد نشأة دولة حديثة بسيطة، أو قد يفضى التفاعل بين هذه المتغيرات، إلى الإتحاد في دولة فيدرالية، أو كونفدرالية، أو إلى حكم ذاتي لها بالاتحاد مع دولة مستقلة بواسطة اتفاقية.
فهذا الأمر، يؤكد لنا أهمية العناصر المتفاعلة الأخرى وعلاقتها بمسألة التنظيم والتمثيل)الخصائص القانونية(، فميثاق الأمم المتحدة يمنح هذا الحق لشعوب ذات هوية تمثل وحدة سياسية متميزة غير متمتعة بحقوقها، وعليه تبرز أهمية تحديد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما تمثله من مشاريع وطنية كانت وراء اندلاع الثورات والحروب، وتحديد المبادئ والقيم والقضايا التي ناضلت من أجلها الشعوب، وشدت لحمتها، في إبراز مركب السلطة الذي عبر عن هذه التوجهات وبين طبيعة الكيان السياسي التي ستخلقه.
لقد نضجت السلطة من رحم هذا التصور للمجتمع السياسي القائم على الاستقلال والسيادة، فيما تفاعل كل من مبدأي الحرية والمساواة {الذين يشكلان الوجه الأخر الديمقراطي للمبدأ القانوني}، مع العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه البلدان، وعبرت عن تصورات مختلفة للمجتمعات السياسية التي تجسدها الدولة الحديثة، فتباينت شكل الدول والأنظمة السياسية والحكومات، واختلفت طبيعة العلاقات السياسية.
لحدود الآن، إن الخلاصة الأكيدة التي تظهر عند تكيف حق الشعب في ممارسته لتقرير مصيره وتكوين دولة مستقلة، تتمثل في أن الجدل الذي عبرت عنه حركية فكرة القانون بين البعد القانوني والديمقراطي لحق تقرير المصير، ظل قائما على اعتبار أن الاختلاف السياسي هو المتغير الأساسي وراء النشأة، وأن الخصائص القانونية للدولة الحديثة وضرورة تنظيم السلطة هي التي استوعبت هذه الظاهرة وحركيتها.
فيما يظل شكل الدولة عاملا مهما لأصل نشأتها_ هذا الأمر يبرز في الجدل بين فكرة القانون والسلطة، وطبيعة الوحدة القائمة بينهما؛ ولأنه في الأفق البعيد ما يطرح في ظل التحولات السياسية والاجتماعية، وخاصة في عصر العولمة التي تحتكم لتوازنات النظام العالمي، هو مصير خصائص الدولة الحديثة، التي إذا ما مست تؤثر على البعد الديمقراطي الذي قام عليه مبدأ القومية، والاستقلالية، وسيادة الشعب، وعليه، تظهر مسألة تنظيم السلطة والتعبير عن الإرادة العامة كجزء لا يتجزأ من الأسباب التي تتوقف عليها نشأة وسلامة عملية ومسار بناء الدولة الحديثة.
وذات الأمر، يطرح ضرورة متابعة التحولات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية التي تقف وراء ظاهرة الاختلاف السياسي، وبنفس الوقت لا يمكن تصور خروج هذه التحولات عن تجسيد الإرادة العامة للمصلحة العامة، ما لم يحدث تحولا في مفهوم الإرادة العامة يغير من طبيعتها القانونية، تقتضيه التحولات السالفة الذكر، ومع ذلك يظل هذا الجدل مؤسسا على الأسس القانونية وضرورة تنظيم السلطة؛ لأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نشهدها، قوتها ليست ذات منحى داخلي، بل تكاملي، ولا تسير باتجاه اختفاء وظيفة السلطة داخل المجتمعات، وان أضحت تطرح أحيانا شكلا مختلف لحق تقرير المصير، قد يضرب بعمق مبدأ سلامة ووحدة إقليم الدولة الحديثة.
ومن ثم، لا يمكن النظر إلى السلطة كنظام خارجي وأجنبي من القاعدة، لان هذا هو الجانب التاريخي للسلطة باعتبارها مجسدة في مجموعة من الأفراد تبدو قوة من الخارج تسند فكرة القانون، وتحتضنها خصائص الدولة الحديثة.
ومسألة التنظيم القانوني، تطرح لحظة تدبير السلطة لبناء الدولة، والتي تتم بالمأسسة، وذلك يكون بوضع الدستور، والذي هو ذاته انبثاق من سلطة خاصة هي الإرادة الخلاقة للسائد_ التي تقرر ما هي الفكرة القانونية الصحيحة في الجماعة، فالقابض على فكرة القانون هو الفاعل في الفئة السياسية، والسيد الأعلى لمفهوم النظام القانوني الذي تهدف الدولة إلى تحقيقه، "فللسائد وحده هو الذي سيقرر ما إذا كانت فكرة القانون بعد السلطة التي تماسست ستدخل في الدولة، هي في الحقيقة فكرة القانون التي وفقا لها تنوي الجماعة العيش" يقول بيردو..
وتأسيسا على ما سبق، يتبقى لنا صياغة زاوية النظر المنهجية التي ستسمح بمعالجة متماسكة فيما بعد، للتحديات التي تقف في وجه شعب لازال خاضعا للاحتلال ويدافع عن حقه في الاستقلال وبناء دولة حديثة، في عصر العولمة.
وهي رؤية تتأسس على التصدي للعوامل التي تحول دون وحدة فكرة القانون السائدة لدى الشعب والسلطة التي تتحمل مسؤولية تحقيق هذه الفكرة، خاصة وأن هذه الوحدة تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على تميز الوحدة السياسية التي يتوقف عليها تقرير المصير، إذ أن تنظيم السلطة وخاصة في عصر العولمة، يتطلب أن تعبر الفكرة القانونية السائدة لدى الحاكمين عن طموحات الأغلبية، وتماسك مقومات الدولة الحديثة، وأن أي انقسام في التعبير عن الفكرة القانونية سينعكس على تنظيم السلطة، وهذه الإشكالية كفيلة بالزمن بأن تعيق لوحدها بناء دولة مستقلة، خاصة وأن هذا الأمر يطرح في سياق مواجهة احتلال قام باغتصاب أرض شعب أخر، وقسمها وهجر سكانها، وأقام وحدة سياسية متميزة على جزء من الأرض المحتلة، وحقق استقلاله، وسلاحه في ذلك لا يقتصر على القوة، بل على تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والإقليمي والسياسي، ومن ثم القانوني.
فوفقا لهذه الوقائع، وعند إسقاط تحديات العولمة عليه، يغدوا تمثل حق الشعب في تقرير المصير كفكرة قانونية سائدة لدى المجتمع الفلسطيني، خاضعا لإكراه تصريف البعد الديمقراطي والتوافقي والاستراتيجي في التنظيم القانوني للسلطة التي تقود بناء دولة الاستقلال. فالفكرة القانونية أضحت معرضة لانقسامات متميزة عن التحديات الاجتماعية التي تحول دون تعبير السلطة عن هوية وطنية متماسكة، كالتعدد الإثني أو العرقي أو اللغوي أو الديني، في المقابل أصبحت الهوية الوطنية بسبب واقع اللجوء والتشتت تطرح نوعا من التحديات، يتطلب من السلطة التصدي لها عبر آليتي الإدماج والتمثيل، هذا إلى جانب ضرورة التعبير القانوني عن الحقوق المرتبطة بحق تقرير المصير.
ناهيك عن المصدر الأساسي الذي يغذي الانقسام، وهو خضوع مقومات المشروع الوطني للتجاذب الإيديولوجي، وتأثير السياسيات القومية للاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي جعل من الحركية القائمة في العلاقة بين السلطة والسكان والإقليم، تدفع بضرورة التصدي الديمقراطي التي يستوجبه المنطق القانوني التي قامت عليه الوحدة السياسية الفلسطينية المميزة، كوحدة دولية.
وهذه كافية، ناهيك عن تحديات العولمة التي تهدد الهوية الثقافية والوعي الجماعي بالاختراق، لأهداف اقتصادية وسياسية دولية، بإضعاف الكيانات السياسية الموحدة والمركزية، للحد من إمكانية استقلال دولة فلسطين.
وهذه التحديات تجعل من مسألة تنظيم السلطة، لا تتصدى فقط لحماية الأهداف الداخلية لاستعادة السيادة وتحقيق الاستقلال، وتنظيم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، بل تتوقف لذلك، على مواجهة بنية سياسية فرضت وجودها بالاحتلال على الواقع والمقومات ذاتها، وهو ما ينعكس على تنظيم السلطة بما يساعد على حماية الطبيعة القانونية لحق تقرير المصير، فعلى سبيل المثال إن قامة حق تقرير المصير يتطلب أن يكون الشعب متواجدا ويشكل أغلبية على إقليم الدولة، وهو الأمر الذي أنصدم به الشعب الفلسطيني، جراء تعرضه للتهجير القسري من قبل الاحتلال الإسرائيلي. فالأصل هو التوفيق المستمر بين الحركة التي تحدثها فكرة القانون في الأفراد والتصورات وبين التحقيق المادي للفكرة الذي تقوم به السلطة، وهذا يؤكد بأن الفكرة لا قيمة لها دون القوة التي تدفعها لأن تصبح موضوعية، عبر آلية التمثل والإدماج ومسلسل التوافق والتنظيم، للحفاظ على الوحدة السياسية الفلسطينية.
كما قد تظهر في الواقع حالة من الازدواجية بين السلطة وفكرة القانون )على سبيل المثال: منظمة التحرير، والسلطة الوطنية الفلسطينية(، وذلك عندما تقوم السلطة، فإن الهيئات التي تتوزع عليها وتتحمل مسؤولية ممارستها يكون لها شخصية متميزة عن القاعدة، غير أن هذا الازدواج في الواقع لا يعكس ازدواجا يقول بيردو، وتكون السلطة هي المجهود الذي يبذل لتحقيق المبدأ الذي تحتويه والوعد الذي قطعته على نفسها بانجازه، فالسلطة هي طاقة فكرة القانون، فالوحدة بين فكرة القانون والسلطة ضرورية، فبدون هذه الوحدة تفقد فكرة القانون معناها، لأنها بدون القوة لا تكون محمية من الاعتداء عليها. وتفقد الازدواجية معناها.

مجاهد هلالي
باحث جامعي في الشأن الدستوري الفلسطيني





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,545,250
- ثوابت على طريق التحرر: تشييد دولة أم تحرير نمط انتاج- الجزء ...
- مقدمة في نمط الانتاج الفلسطيني- الجزء الثاني: الوفد الفلسطين ...
- -مقدمة في نمط الانتاج الفلسطيني-: صورة لجدلية السياسة الفلسط ...


المزيد.....




- زاخاروفا تهاجم زوكربيرغ
- هل تستحضر العلاقات المصرية الروسية روح -المساعدة السوفيتية- ...
- لاتخاذ خطوة ضد إيران... السعودية تجتمع برؤساء أركان جيوش 16 ...
- 5 قتلى وجرحى من القوات العراقية في هجوم لـ-داعش- شمالي البلا ...
- الجبير: نطالب إيران بـ-أفعال بدلا من الكلام-
- أنصار الله-: التحالف يصعد عملياته على الحدود وينفذ 30 غارة ج ...
- بومبيو: ترامب مستعد لاستخدام القوة العسكرية ضد تركيا حال تطل ...
- بريطانية حبلى بالطفل رقم 22
- البحرين.. مؤتمر لحماية الملاحة بالخليج
- ملك تايلاند يجرد زوجته الجديدة من ألقابها الملكية ورتبها الع ...


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجاهد خالد هلالي - حق الشعب في تقرير المصير والفكرة القانونية السائدة