أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد مصطفى جابر - القيادة الفلسطينية في موقع المعارضة















المزيد.....


القيادة الفلسطينية في موقع المعارضة


أحمد مصطفى جابر

الحوار المتمدن-العدد: 4903 - 2015 / 8 / 21 - 23:17
المحور: القضية الفلسطينية
    


ثمة موقعين افتراضيين للقائد الفلسطيني، في اللوحة السياسية القائمة الأول هو وضعه في موقع السلطة والثاني في موقع المعارضة.
من الجلي طبعاً أن الوضع الفلسطيني أكثر تعقيداً، لأن مسألة المعارضة والمظلوميات اللاحقة بها هي مسألة نسبية بل ومتعاكسة في وضعية الانقسام، وهي أيضا داخل نسق المعارضة نفسه تبدو هزلية نوعا ما، فثمة لدينا معارضة جذرية مناهضة وعدائية (من حيث الشكل والايدلوجيا على الاقل) تتمثل في طرفي الانقسام اللذان يتبادلان الأدوار ما بين الضفة وغزة، وثمة أيضا تلك المعارضة التي تقول أنها تعترض على الطرفين هنا وهناك، ولكنها تأتلف معهما في اطرهما أيضا، هنا وهناك، الهزل في الموضوع أنهما بهذا الأداء المسرحي الساخر تبدوان كطفيليات قادرة على العيش في ظروف مختلفة!
وعموماً إذا كان سهلاً اختزال الجناح الأول ( السلطة) في رمز يعبر عنه ويمثله، فإنني أجد من الصعب موضوعياً إيجاد رمز للجناح الثاني ندرسه ونكتفي به ثم نعمم، ويعود ذلك لأسباب موضوعية متعددة تخص لوحة ( المعارضة) وتعقيداتها، بتنويعاتها المختلفة، بداية بتنوع التيارات والمدارس مما تجلى موضوعياً في تنوع اتجاهات السلوك السياسي المتبع، وإن كانت تؤدي إلى النتائج نفسها على الأغلب .
ومن الممكن طبعاً تكريس عمل خاص لبحث إشكاليات كل تيار بل كل فصيل، والبحث عن دوره فيما حدث بمعزل عن الآخرين، إلا إنني اخترت في هذه المرحلة من البحث على الأقل، تلمس المشترك من أسباب الهزيمة لدى (المعارضة) ، والسمات التي تتكرر في التنوع، وسبب آخر للصعوبة يكمن في غياب أي وثيقة مباشرة تتحدث عن موضوعنا أعني حال الأزمة، فقد اعتدنا أن نقرأ تجارب الأحزاب المنتصرة المحققة برامجها، بينما تذهب الأخرى إلى الظل دون أن تكتب تجربتها، ودون أن تطلع الناس على ما فعلته ( ماعدا وثيقة علنية واحدة على ما أعلم أصدرتها الجبهة الشعبية في سياق التحضير لمؤتمرها الوطني السادس وقد وزعت على نطاق واسع وجرت نقاشات حولها، وهذه ميزة، لم تكتمل أو تستمر كنهج فيما بعد، وفي ذات الوقت لم يسجل أنه أُخذ بما سجل عليها من ملاحظات أو ما تم إبدائه من أراء إلا بما يخدم طي الحديث عن الموضوع الأزمة والنتائج المحققة اليوم تقول بذلك. والاهم ان هذه الوثيقة (وثيقة المؤتمر) كانت مسبوقة بوثيقة اهم –برأي الكاتب- هي وثيقة المراجعة التاريخية وأطلع الكاتب على فصول منها في مرحلة التحضير إلا انها منعت عن النشر وجرى طيها لأسباب تتعلق بموازين القوى داخل الجبهة للأسف ما أفقد الوثائق اللاحقة لها والمبنية عليها منهجيا جزءا مهما من قيمتها ). وملاحظة أخيرة فإن السمات المبحوثة المشار لها، هي الأكثر عمومية وإشتراكا، والطاغية على الفكر السياسي للإطار المبحوث وإن افتقدت صفة هنا أو زادت أخرى هناك، فلا أعتقد إن ذلك يضر شيئاً من طبيعة الملاحظات الواردة .


في المفهوم :

لماذا أضع الكلمة ( المعارضة) بين قوسين؟ أنطلق بالجواب أن ذلك يعود لالتباس الكلمة، ومفارقة المعنى لواقع الحال، فالأصل في ( المعارضة) هو الاختلاف من الداخل، ويفترض وجود طرفين أحدهما في موقع (السلطة)، وهو يأخذ أشكالاً متعددة، أو مستويات متفاوتة، فهو اختلاف كلي يعكس اعتراضاً شاملاً على منهج أو رؤية مواجهة، وهو هنا يعكس تناقضاً رئيسياً، أو اختلافاً جزئياً على نقاط في الرؤية أو البرنامج، الممارسة أو السلوك، ولكن يبقى الاعتراض من داخل النسق، محكوماً بقوانين السياق العام، أما إذا خرج عنه فيتحول إلى فعل مناهضة ولكن هذه المناهضة في الممارسة تبقى فعل اعتراض إن لم ترتق إلى مستوى رد استراتيجي أو بديل عن النسق الذي جرى التمرد عليه، ويسعى فعل المناهضة هنا إلى إحلال نسق محل نسق في عملية الصراع الشاملة .
وبعد هذان كيف نصنف (المعارضة) الفلسطينية ؟ لعل أولى إشكالياتها تكمن هنا بالضبط بالتباس التعريف بالذات، والقضية هنا ليست شكلية كما يتبادر إلى الذهن، لأن تحديدها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحالة الانسجام الداخلي، بين الشكل والمضمون، كما تحديدها يرتبط بالدور والوظيفة بشكل أساسي وهذه نقطة مهمة، لأن العامل الداخلي مستغرق بالموضوعي في إطار تعريفه لذاته/ وكذلك مدى تمثيل الحوامل الاجتماعية للاطار النظري والتنظيمي والعكس صحيح، فأنت تستطيع أن تطلق على نفسك الصفات التي تشاء، وأن تسمي نفسك ما تشاء من الأسماء، لكن الممارسة وحدها في تجسدها سلوكاً هي التي تحدد صورتك لدى الآخر، ولدى نفسك في وعيك الحقيقي، لذاتك، وهي وحدها التي تعطي الأساس لهويتك كما يقرؤها الآخرون .

( المعارضة) كما ترى نفسها وكما هي في العالم الواقعي:
تطلق( المعارضة) الفلسطينية على نفسها- جميع الفصائل، وكل على حدة صفة البديل الشامل ليس فقط للخيار السياسي للسلطة أو برنامجها، وإنما لكل الآخرين بما فيهم الحلفاء أنفسهم، و( المعارضة) في سلوكها هذا لا تتجاوز في حالتها الراهنة السلوك الكلامي المحض دون تقديم بديل عملي حقيقي برنامجي، للخيار الذي أخذ على العاتق إلغائه، بل على العكس فان نظرة فاحصة لبرامج هذه الفصائل، تثبت أن هذه البرامج بقيت في إطار ردود الفعل على البرنامج المهيمن، دون الارتقاء فعلاً إلى تقديم بديل يقود إلى تحول (المعارضة) ، إلى مواقع (السلطة). بل إن السعي إلى التحول إلى مواقع( السلطة) لم يكن أبداً على جدول أعمالها، فغاصت في لغتها الإصلاحية، وأي وقائع تعاكس هذا الكلام بقيت في مصلحة التحليل نفسه، فالنموذج الوحيد الذي أكد قادته أنهم يسعون إلى ( السلطة) ، كان مأزوما منذ انطلاقه، فهو ممثل سياسي لحركة أكبر لا تكف عن إعلان عدم رغبتها بمنافسة السلطة أولاً، ثم هو حزب يفاخر قادته بأنه الوحيد الذي يعمل بترخيص مع العلم أنهم يرفضون ( السلطة) التي منحتهم الترخيص، ويعلنون أنها لاشرعية وإنها من نتائج أوسلو.. الخ من التناقضات التي العبثية التي أوصلت الحركة الأم لهذا الحزب للانقلاب والإستيلاء على السلطة في غزة.
اللغة الإصلاحية آنفة الذكر انطلقت دائماً من البرنامج الآخر لتغييره دون صياغة بديلة، وليس المقصود هنا أن البرنامج البديل سيكون معزولاً عن الآخر، فالجميع – على ما أظن – يدرك أن كل خطاب ناقض إنما يحمل عناصر المنقوض في داخله، ولكن السلوك الاعتراضي الفلسطيني كما قلنا لم يتجاوز مستوى رد الفعل الذي أخذ شكلاً إصلاحياً لم يتمكن أبداً من تجاوزه، وينعكس هذا جلياً في اللغة السياسية المستخدمة من قبيل وصف البرنامج الآخر بـ" القيادة المتنفذة"، "القيادة المهيمنة" ،"قيادة م.ت.ف" ، مما يعكس اعترافاً ضمنياً بسيادة الآخر وسلطته، وحتى ذلك الخطاب الذي يستخدم مفردات أكثر تشدداً من نوع( خيانة)، (عمالة)..الخ، فهو خطاب مأزوم بعقدة الفشل والبحث عن تعويضها، أي "انظروا كل هؤلاء الأعداء والخونة كيف تريدوننا أن نحرر"!‍‍ ‍(المعارضة) في موقعها، وعدم تقدمها لأخذ مكانها كـ(سلطة)، إنما تركن إلى الوضعية المريحة، فلا تشغل نفسها بوضع استراتيجية شاملة للرد على المشروع العدو، بل تكتفي بلغة مشروع( السلطة) الذي لم يرتق لمشروع العدو.
( المعارضة) الفلسطينية تحولت في علاقتها بـ( السلطة) إلى علاقة الجماهير بالحاكم، فهي في موقعها وموقفها، احتجاجية، ناقدة، معترضة، تمارس ( الحرد السياسي) أكثر مما تمارس النقد الجذري، فهي تريد أن تعود (السلطة) عن غيها وخطئها، ولكنها لا تريد أن تتحول إلى سلطة لأنها مرتاحة في وضعها الحالي، الذي يعطيها الكثير من مبررات هزيمتها وعجزها وفشلها المزمن، والحالات القليلة جداً التي رفع فيها ( كلامياً) شعار البديل الشامل أو أحد مفرداته، كانت حالة محكومة بالفشل سلفاً، لأنها انطلقت من نفس عقلية الخيار المرفوض ولم تكن علاقتها بالآخرين، وبالجماهير سوى تجل بائس لسلوك ( السلطة) وجنوحها نحو الهزيمة والإلغاء، وهذا لا يلغي الخطاب الفوقي العالي الذي يحسم مسألة الحزب القائد لصالح هذا الحزب أو ذاك دون أي ترجمة عملية أو جماهيرية، في تماه مرضي بـ( السلطة)، دون العمل على أن يحل محله بشكل أصيل وصحي، مما يجعلنا نجد أنفسنا أمام نموذج واحد للأداء السياسي والتنظيمي والمالي والجماهيري، نموذج لا يمكن إلا أن يعود إلى الفشل الذي تعيشه وهي في غيابها عن ساحة الفعل الحقيقي، تعيش حالة من الاستلاب متعددة الاتجاهات! أولها الاستلاب نحو العدو: فهي تسلك سلوك المأخوذ بالفشل، المحكوم بردود أفعاله تجاه الفعل الذي يقوم به العدو، فكانت الأفعال هي رد على سلوكات العدو دون امتلاك المبادرة الشاملة، لعل هذا يفسر الفشل في إطلاق مشروع شامل للنهوض في مواجهة المشروع العدو، والاكتفاء ببرامج متفرقة معزولة، غير ممنهجة للرد على هذا المشروع مما قاد إلى استمرار الدوران في فلك ردود الأفعال، بل وأدت إلى ضياع فرص الإمساك بالمبادرة الاستراتيجية في أكثر من محطة وأكثر من موقع، ولعل هذا يرتبط بعلاقة جدلية مع استنتاج أو نتيجة أكثر خطورة بكثير، ترتبط بفقدان أو التبهيت المتعمد للرؤية الأصلية للصراع، وتغييب الأسئلة التاريخية الحقيقية لمصلحة برامج قاصرة تتناسب مع حوامل ضعيفة غير قادرة على تجسيد الهدف الاستراتيجي كما يجب أن يكون، وهذا أدى ونتج في آن معا عن هيمنة لوحة التناقضات الداخلية التي باتت تفرض دائما نوعا من جدول أعمال بديل، ما أنتج في النهاية بحكم تضافر هذه العوامل ذهنية باتت محكومة لمقولة "حتمية الهزيمة".
الاستلاب الثاني الذي تعيشه( المعارضة) هو استلابها نحو ( السلطة) فهي تجد فيها قوة مهيمنة صعبة الاختراق، عكست نفسها في أسلوب مخاطبتها ومطالبتها بالعودة عن طريقها والدعوة للحوار الوطني وغيرها، والتي حولتها من قيمة لها قدسيتها إلى مناورة تصالحيه فاشلة، دون الذهاب أبعد في محاصرة (السلطة) وإسقاطها، ولماذا إسقاطها مادامت (المعارضة) بحاجة إلى مشجب خاص لتعليق أخطائها ومازالت بحاجة إلى الأب الذي هجر البيت فخربه على رؤوس من فيه، فبقيت تعيش حالة من الفصام السلوكي، فهي تجنح للتماهي في ( السلطة) وفي نفس الوقت تعلن رفضها لها مما تركها معلقة في الهواء في مواجهة سؤال لا جواب له عندها: هل أنت أبي أم الشيطان؟!
الحالة الثالثة هي الاستلاب تجاه الجماهير، وهو استلاب يحيل الشعب إلى صفة المقدس تارة، باعتباره المرجعية الأولى والأخيرة، ثم ينزع إلى تحويله إلى قطيع وإن كان مقدساً إلا أنه ليس طليعة، ولم يبلغ سن الرشد بعد، فالشعب يصلح وقوداً للمعركة، ولكن ليس لاتخاذ القرار!!
هذا الالتباس في العلاقة مع الجماهير جعل ( المعارضة) تعيش حالة مزدوجة فهي تعاني خوفاً مرضياً من الجمهور (المقدس) تخشى ردود أفعاله، مما يعيق أي تجديد في السياسة أو العمل خارج غريزة الجمهور، ومن جهة أخرى حولتها إلى نخبة معزولة عن ( القطيع) متعالية عليه، تعيش تجاه الجماهير ثنائية الخوف المزدوج، تخشى تحويل الكم الجماهيري إلى نوع حتى لا ينافسها على طليعيتها، وتخشى تركه كما فوضوياً يجعلها معزولة عن نخبويتها ويضعها في صلب مسؤولياتها، فلم تستطع( الطليعة) التحول إلى حالة شعبوية كاملة، ولا إلى نخبة طليعية حقيقية (دون الخوض في طبيعة الحوامل الاجتماعية للمعارضة وقدرتها فعليا على صياغة أو حمل برنامج معارض وهذا موضوع بحث آخر).
جملة الاستلابات قادت ( المعارضة) في سلوكها السياسي والتنظيمي إلى حالة من ممارسة أفعال أسميها أفعال خارج السياق، وهي ربما نوع من الأفعال الناقصة، تتجاوز حدودها ردود الفعل الاعتيادية ولكنها لا ترتقي أبداً إلى مستوى الفعل الكامل فيبقى السلوك السياسي متأرجحاً يعبر عن نفسه في فوضوية سلوكية عبر اتخاذ مواقف ليس لها معنى، أو إطلاق شعارات غير ذات صلة بالواقع السياسي، بل وأيضاً تجلت في أحد أشكالها في حرب أهلية كلامية بين أطرافها (المعارضة) نفسها.
وبعد ذلك، وبالاستفادة من المؤشرات السابقة، نطرح سؤالاً عن طبيعة الأزمة الشاملة التي تضرب( المعارضة) الفلسطينية كالعاصفة ومستوياتها وتجلياتها، فإذا كانت تتجلى في السلوك السياسي المعلن إلا أنها تذهب في الجذور إلى مستويات التنظيم، بل إلى عمق العقل السياسي التنظيمي الذي يدير العملية الكفاحية بمجملها، وسنحاول هنا تحليل عناصر الأزمة بمستوياتها، السلوك التنظيمي والخطاب السياسي وصولاً إلى تحليل المؤشرات العامة لبؤس التفكير وذهنية التخلف التي تعيشها هذه الفصائل .
وسنبدأ من المستوى التنظيمي لأنه يعكس مواصفات الأداة التي تقوم بالعمل ثم سنذهب في العمق، وعناصر ومؤشرات الأزمة في تجليها التنظيمي تبرز في التالي:
1- تغييب الديمقراطية الداخلية: صفة عامة لمجمل الفصائل وهي غالباً ما تأتي تحت شعار الالتزام بوحدة( الحزب) وحمايته، إلا أنها في الواقع لا تفعل أكثر من تحجيم العضوية ومصادرة قدرات الأفراد وحصار الكفاءات، فيتحول الحزب تدريجياً إلى مؤسسة تلفيقية تتحول تدريجياً إلى جسم طارد للأفكار الجديدة والقدرات الميزة القادرة على العمل والإنجاز، إذا توفر فضاء حرية، وشرط الحياة التنظيمية الصحية، فهنا تقتل المبادرة باسم الالتزام وتخضع الروح المتمردة لنمطية الإذعان، ويصادر الصوت المختلف وإن كان محقاً لمصلحة الالتزام الداخلي الحديدي، وإذا كانت معظم هذه الفصائل والأحزاب تعلن منذ وقت جنوحها إلى الديمقراطية، إلا أن هذا الإعلان بقي في مستوى الشعار في غياب أي آليات لمأسسة الديمقراطية وتعيينها واقعياً كقيم ونظام حياة لحساب تجذير المركزية وتأليه المراكز القيادية ومعصوميتها وتجديد ذاتها واستمرار هيمنتها.

2- غياب النقد: رغم أن العنوان موجود في جميع اللوائح الداخلية للأحزاب والفصائل، إلا أنه بقي في الممارسة بعيداً كل البعد عن جوهر الفكرة ومعناها الأصيل، وبقي محصوراُ في المظاهر الشكلية والممارسات السطحية، بينما المفترض في النقد أنه أساس المعرفة والمفترض أنه الوسيلة للقبض على السياق العام للممارسة وإبقائها تحت السيطرة، وهو النقيض للإذعان الفكري أمام المسلمات، ولكنه في الممارسة أخضع لمنطقين قاتلين، أولهما تحوله إلى آلية تدميرية استخدمت لتصفية حسابات ذات طابع سياسي في الغالب وتنظيمي أحياناً، أما الخطر الثاني فهو تحول النقد إلى آلية للتبرير تريح من عبء معالجة المسائل والإشكاليات في عمقها والاكتفاء بمعالجة ما تظهره على السطح وكأن السلوكيات معزولة بلا جذور تضرب عميقاً في البنية، وبالتالي لم يكن سلاح النقد سلاحاً لتفكيك الأخطار وكشف التناقضات بقدر ما كان سلاحاً للدفاع عن النفس وحماية البنية بما فيها من صواب وخطأ وبالتالي تثبيت حالة الأمر الواقع.

3- تغليب السياسي على التنظيمي: إذا كان نشاط الحزب وصورته الخارجية ينعكس أكثر ما ينعكس في وحدة موقفه السياسي، إلا أن هذه الصورة لا تكون حقيقية إلا إذا كانت انعكاساً للبنية التنظيمية في وحدتها وانسجامها وديمقراطيتها، ولكن ما يحدث أن المعايير التنظيمية في بناء الحزب واختيار القادة والارتقاء بالكادر تغيب قسرياً لمصلحة الرؤية السياسية التي غالباً ما تكون إحدى وجهات النظر داخل الحزب، وليست وجهة نظر شاملة، وإن كانت مبرراتها أنها وجهة نظر الطرف الأقوى داخل التنظيم، الطرف الذي يستطيع عادة التحكم بمجريات العملية التنظيمية ، وجذب عناصر الأغلبية الحيادية في الحزب والتي هي عادة أٌقل وعياً، لذلك لا يكون غريباً أن الكفاءات الحقيقية يتم إبعادها عن مواقع القيادة، وهي الأكثر كفاءة وانفتاحاً وقدرة على إحداث تغيير جذري في السياق العام، المشكلة الحقيقية أيضاً هنا أن الموقف السياسي الذي يتم الاستناد إليه والاختباء خلفه عادة لا يكون سوى واجهة لإخفاء النزعات السلطوية الطموحة إلى المناصب وحماية الامتيازات دون أي أساس مبدئي لا سياسي ولا تنظيمي وكل هذا يحدث بواسطة أول مبادئ الديمقراطية: التصويت !
4- تغليب نسق الحامل الاجتماعي المهيمن على أي جديد أو محاولة للاختراق، وهو موضوع شائك يحتاج بحثا أشمل، ولكن من المعروف أن مجتمعا متخلفا سينتج مفاهيم متخلفة للنخبة والطليعة وفكرة القيادة بحد ذاتها، وهذه العناصر المتسللة المهيمنة على الأحزاب تحت مبررات الإنحياز الطبقي والقواعد الجماهيرية المشوهة تعيد إنتاج نفسها وتستقطب نوعها بالذات طاردة كل مختلف وجديد.
5- الفئوية التنظيمية ومحاباة الذات: فكل حزب هو الطليعة الوحيدة والخيار الأفضل للجماهير والصوت الوحيد للحقيقة "أثبتت الأحداث صحة توقعاتنا"!، أما الآخرون فهم ببساطة الشياطين ذاتها ! يتجلى في ذلك النزوع للسيطرة والهيمنة والتفرد وصولاً لإلغاء الآخر إرتكازاً على عقدة التفوق والحق بالسيطرة لأنه "الحق" ومعه "الحقٌ" .

مؤشرات الأزمة في الخطاب السياسي:

1- تغليب الخطابية والنزوع إلى الثرثرة وانفصال الأقوال عن الأفعال: فالقانون السائد هو قليل من العمل وكثير من الكلام، وتنعكس هذه السمة جلياً في وفرة البيانات و البرامج والحملات الإعلامية التي لا تنتهي، بدون أي انعكاس عملي أو ترجمة، وهذا يعود بالتأكيد إلى أن هذه الممارسات ليست وليدة منهج في التفكير ضمن سياق شمولي للعملية بقدر ما هي سلسلة غير منتهية من ردود الأفعال أو الأفعال الناقصة الغير قابلة للتحول إلى أفعال كاملة .

2- انحطاط المعايير أو غياب المعيار الحقيقي في التقييم: فتقييم الذات هنا يأتي عبر المقارنة مع الآخر – الشقيق- مع تغييب الآخر- العدو- يصبح المعيار هنا أنا ناجح بقدر ما هو فاشل، وليس بقدر ارتقائي إلى مستوى العدو في نجاحه، وهذا نوع من الهروب من مواجهة الحقائق والركون إلى معايير ضيقة ومنخفضة للتعويض عن العجز عن الإرتقاء إلى المعيار العالي الذي يطرحه العدو في المواجهة .

3- تغليب الخطابية في الحوار البيني: على حساب الرؤية والبرنامج والقيم مما يفتح باب المزايدة السياسية ويعيق أي تقدم نحو طرح يرتقي إلى مستوى البديل.

4- سيادة خطاب التخوين: تبدو هذه اللغة هي السائدة في الخطاب السياسي للمعارضة، وتكفي أي مراجعة عشوائية لافتتاحيات بعض مجلات ( المعارضة) وصحفها لتصطدم مباشرة بنزعة تمجيد الذات والطهارة الشخصية، وتبرير الوجود عبر نعت الطرف الآخر بكل المواصفات التي تحط من شأنه وتظهر وجوده كمجرد خطأ، فالمختلف سياسياً (خائن) ومن يدعو إلى حوار وطني (متساوق) مع (اليمين) ومن يقول بضرورة مراعاة المستجدات على الواقع هو محض ( أوسلوي).

5- تغييب سؤال الهزيمة: فالمهزوم هو صاحب البرنامج المختلف "لو استجاب لما قلناه لما حدث ما حدث" إنه (السلطة)، المتنفذ، المهيمن، المتفرد بقدرات م.ت.ف. الخ.

أما الذات فهي بريئة، لم تتح لها الفرصة "لو كنا مكانهم لأدرنا المعركة بشكل مختلف" فالذات لم تساهم في صنع الهزيمة ولم تطلها أيضاً، قافزين دفعة واحدة فوق الفرق بين الفاعل ( كيفما قيمناه) والمتفرج، البديل والمندمج.

بعد هذه الملاحظات التنظيمية والسياسية سنحاول الآن بحذر التقدم نحو فحص الذهنية الفكرية التي تحكم السلوك الفلسطيني المعارض، ولا أظن أننا سنفاجئ إذا وجدنا أن هذه البنية الفكرية تتقاطع في عناصرها الأساسية التي من الممكن ملاحظتها في بحثنا عن (السلطة)، ونذكر باختصار أنها تمثل نسقاً من التفكير ينتمي إلى جملة الخصائص الذهنية للمتخلف وأهمها- حسب مصطفى حجازي –اضطراب منهجية التفكير التي تبدو الصفة الأساسية للتفكير والمتمحورة حول سوء التنظيم في التصدي للواقع ويمكن تحليلها إلى عناصرها الأساسية التالية:

1- سيادة الفكر الأصولي ( ليس فقط بالمعنى الديني): ويتجلى ذلك عبر:

أ: ممارسة العقيدة المانعة وتبني الأفكار المسبقة الخاضعة للتعصب.

ب: مناهضة التطور ورفض التغييرات ومحاربتها وإلغاء وظيفة العقل الناقد.

ج: إطلاق الأحكام الجاهزة القائمة على التحيز للذات والقطيعة مع المختلف، وهي أحكام متسرعة ونهائية تصنف الناس في فئات جامدة، سالبة كلها أو إيجابية كلها.

2_ التكتيك مقابل الاستراتيجية: والعملية هنا معكوسة، بينما تقوم (السلطة) بتغييب الاستراتيجي والركون إلى التكتيكي، يتم هنا العكس، وباستخدام نفس الوسيلة: تحطيم الارتباط الجدلي بين المسألتين والقفز على ضرورات العمل التكتيكي مما يحول الاستراتيجي إلى مجرد شعار معلق في الهواء غير قابل للتنفيذ ويخرج من نسق الفعل الممكن .

3- الإغلاق على الكلية بدلاً من الانفتاح على الإمكانات المتاحة: فبينما يقوم تفكير( السلطة) على القطع مقابل التكامل والفصل والعزل، نجد أن ذهنية ( المعارضة) تمارس العكس، فالهدف جامع مانع مغلق على ذاته، إما أن يتحقق دفعة واحدة أو لا ، مما يضيع أي إمكانية لتركيم إنجازات صغيرة أو تحقيق انتصارات جزئية في جبهات متفرقة.

4- الانتظارية مقابل المبادرة: وهي صفة تتكرر، وتعني العجز الدائم عن التقدم بمعزل عن آليات ردود الفعل على ما يقوم به الطرف الآخر، والافتقار إلى المبادرة والركون إلى انتظار أفعال الخصم، وهذه صفة ملازمة للطرف الضعيف والأقل قيمة في العملية الصراعية .

5- الفوضى والعشوائية والتخبط مقابل التنظيم والتدقيق والمنهجية كما تبرز في الفشل المتواتر في معالجة المشكلات والعجز عن الرد على طروحات الطرف الآخر .

أخيراً : ربما يبدو صادماً للبعض أن ( المعارضة) الفلسطينية مثلها مثل ( السلطة) تنتمي إلى ذات المدرسة وخرجت من عباءة الساحر ذاته، ولكن هذا اجتهاد شخصي اعتماداً على مؤشرات الواقع نفسه، المؤشرات التي أحصيتها بالعشرات دون حاجة لإدراجها هنا ، ومن الممكن طبعاً أن تكون الاستنتاجات السابقة- بعض منها أو كلها – خاطئة، ولكن لاشيء الذي يبقى صحيحاً هو واقع الهزيمة الشاملة التي يعيشها الفلسطيني، هذه الهزيمة التي تطرح نفسها على الفلسطينيين ، تطلب رداً منهم أنفسهم أولاً، ولنا أن نتساءل عن شكل البديل السياسي الذي سيحل المعضلة. لا أنكر إن ثمة مشاريع هامة مقدمة لكنها للأسف في مجملها اكتفت بالجواب عن جزء من المسألة فإما تناولت المنهج الفكري بعمق وجاملت السياسي وأهملت التنظيمي، وإما العكس ، وهي بكل الأحوال تحتاج إلى دراسة مستقلة.

نحن بحاجة إلى رد شامل منهجي فكري، سياسي، تنظيمي، يشكل الرد الحسم على المشروع الصهيوني، فهل من الممكن تقديم هذا الرد؟ السؤال مطروح ليس فقط على الطلائع السياسية والفكرية للشعب الفلسطيني، بل على الشعب نفسه، الذي أثبت أنه لم يعد قطيعاً مقدسا، وأثبت في محطات عدة، أنه أكثر وعياً ونضجاً من قياداته وأكثر جرأة وإقداماً على التضحية من نخبه وطلائعه .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,510,418





- مجلس النواب الأمريكي يصوت على قرار لإدانة -التصريحات العنصري ...
- مجلس النواب يصوت على قرار يدين تعليقات لترامب
- الخارجية الأمريكية: واشنطن تعول على تقدم -مفاوضات الكواليس- ...
- المسماري: قواتنا طورت عملياتها الهجومية في محاور القتال بطرا ...
- انهيار سقف جامع في حلب خلال صلاء العشاء
- السعودية ترفض مجددا -الادعاءات- القطرية بعرقلة قدوم مواطنيها ...
- واشنطن لا تزال تأمل باستئناف الحوار مع كوريا الشمالية
- الحوثيون يقولون إنهم استهدفوا مطار جازان السعودي وقوات التحا ...
- 12 قتيلاً على الأقل في هجوم جوي سوري على سوق شعبي في قرية يإ ...
- المعارضة السودانية ترفض الحصانة المطلقة للحكام العسكريين


المزيد.....

- وثائق مؤتمرات الجبهة بوصلة للرفاق للمرحلة الراهنة والمستقبل / غازي الصوراني
- حزب العمال الشيوعى المصرى - ضد كل أشكال تصفية القضية الفلسطي ... / سعيد العليمى
- على هامش -ورشة المنامة- -السلام الاقتصادي-: خلفياته، مضامينه ... / ماهر الشريف
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ / سعيد العليمى
- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد مصطفى جابر - القيادة الفلسطينية في موقع المعارضة