أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - محمد زكريا توفيق - الضحية والجلاد، وتلازم الأضداد















المزيد.....

الضحية والجلاد، وتلازم الأضداد


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4838 - 2015 / 6 / 15 - 12:34
المحور: الطب , والعلوم
    



يخبرنا الفليلسوف الاغريقي هرقليطس، في القرن الخامس قبل الميلاد، أن الطريق إلى فوق والطريق إلى تحت، متشابهان، زي بعض. ثم أضاف إلى ذلك قوله: "إنه المرض الذي يجعل للصحة قيمة، والتعب لازم للراحة، والجوع سابق للشبع، فالشر لازم لوجود الخير."

ماذا نسمي هذه الازدواجية بين الأضداد، والتي نراها في كل مكان؟ دعنا نسميها مؤقتا، "تلازم الأضداد". عندما تفتح النافذة في الشتاء، أن لا تدع الهواء البارد يدخل الغرفة فقط، لكنك أيضا، في نفس الوقت، تدع الهواء الساخن يخرج من النافذة.

عندما تدق بالشاكوش على قضيب حديد، القضيب أيضا يدق على رأس الشاكوش في نفس الوقت. هنا يخبرنا اسحق نيوتن، بأن لكل فعل، رد فعل. مساوي له في المقادر، ومضاد في الاتجاه.

ثم نجد المحارة، تحول الجرح إلى لؤلؤة جميلة تبهر الأنظار. ومخلوقات جميلة، تقتل لكي تبقى على قيد الحياة. كل الكائنات، تتأثر بغيرها من الكائنات الأخرى.

العلاقة بين الحيوان المفترس والفريسة، مشكلة من وجهة النظر الإنسانية. القليل من الفلاسفة، قاموا بمناقشتها، وحاولوا إيجاد حل لها.

هي مشكلة، لأن فكرة القتل، تبدو غير مقبولة للقلوب الرحيمة والتي تحب الحياة. ويبقى السؤال، هل هذا ضروري؟ أي ترك الحيوانات تقتل بعضها البعض هكذا؟ وهل ترك الموضوع لقانون الغاب، والبقاء للأقوى، شئ سليم؟

نوع من المخلوقات الجميلة، تسمى الزنابير الحفارة. لونها أصفر، أو أسود، أو أصفر بخطوط سوداء. الأنثى هي التي تقوم بالعمل المرهق كله.

تفقس البيضة، وتخرج منها يرقة تتغذى على اللحوم الطازجة. لا حيلة لها في الأمر. إطعام الأطفال هي وظيفة الأم، التي تقوم بهذا العمل بجدارة وكفاءة عالية.

تبحث أنثى الزنابير الحفارة عن فريستها المطلوبة. فإن وجدت عنكبوتا في حجم مناسب. تقوم بالهجوم عليه مثل طائرة فانتوم، أو كالقضاء المستعجل.

تقوم بلدغه بسمها مع مراعات أن لا يقتله السم. إنما يقوم بشلله فقط. بعد ذلك، تقوم أنثى الزنابير بنزع أرجله الثمانية، وجره إلى الحفرة. ثم تضع عليه بيضة واحدة.

العنكبوت حي يرزق، والقلب سليم والجهاز العصبي سليم. لكنه مشلول وغير قادر على الحركة. موقف صعب مثل حالة العالم العربي اليوم.

عندما تفقس اليرقة بعد عدة أسابيع، تبدأ في أكل جسم العنكبوت. وتترك القلب والجهاز العصبي إلى الآخر، حتى لا يموت العنكبوت ويفسد لحمه مبكرا. أسلوب مبتكر لحفظ اللحوم.

الذنابير ليس لديها ثلاجات لحفظ اللحوم، ولا تعرف طريقة تجفيفها وتمليحها. فماذا تفعل لكي تبقي اللحوم طازجة صالحة للأكل؟ طريقة مبتكرة ولكنها بشعة بمقاييسنا الخلقية.

تجعل أرسطو قلقا في قبره، آسفا على تأليفه كتاب الأخلاق، وتجعل كانط يعيد تعريف مبادئ الأخلاق على أسس جديدة.

في عالم الأحياء لا يوجد شئ أسمه الرحمة أو الشفقة أو الأخلاق، حسب مفاهيمنا وتعريفاتنا نحن البشر. وإن وجدت، تكون بهدف واحد فقط. هو حفظ النوع واستمرار الحياة.

هناك من يعتبر كل الكائنات على ظهر الأرض، إخوة وأخوات. من العار أن تقتل أخوك وتأكل لحمه على مائدة العشاء. وإذا غالينا في هذا الاتجاه، سنجد أن كل وجبة طعام، جريمة لا تغتفر. ومنا من يزهد ويبتعد عن أكل اللحوم، ويصبح نباتيا. بفرض أن البقرة ألصق لنا في شجرة العائلة من الجزرة.

الواقع يقول بأن الإنسان، مثل باقي الحيوانات والحشرات، وربما الميكروبات والفيروسات، يعيش بالقتل. سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن، هل القتل شئ شرير، بالرغم وجوده منسوجا في رداء كوكبنا؟ كلنا مدانون. حتى لو لم نقم بالصيد أو الفلاحة مباشرة. كلنا مذنبون يا ولدي.

الرئيس الأمريكي تيدي روزفلت، وهو يختلف عن روزفلت بتاع الحرب العالمية، في بداية القرن العشرين، حاول مساعدة غزلان غابة كايباب شمال ولاية أريزونا. فأمر بقتل حيوانات الكوجر والثعالب في الغابة التي تفترس الغزلان.

عدد الغزلان الموجودة بالغابة كان 4 آلاف غزال، هذا عام 1905م. الرئيس الأمريكي كان مسرورا جدا لسماعه تزايد عدد الغزلان بعد القضاء على معظم الحيوانات المفترسة.

في عام 1920م، بلغ عدد الغزلان 60 ألف غزال. لم يعد ما تبقى من الحشائش والخضرة الكثير. وبدأ الشك يتسرب لدي المسؤولين عن حكمة قتل الكوجر والثعالب المفترسة.

في عام 1924م، وصل عدد الغزلان إلى 100 ألف غزال. كانت الغزلان تموت جوعا في كل مكان. وتحولت الغابة إلى صحراء جرداء. مما أجبر علماء البيئة على دراسة الحالة والتدخل لعودة حيوانات الكوجر والثعالب ثانية للغابة.

في عام 1926، نزل عدد الغزلان إلى 40 ألف. وهو لا يزال عشرة أمثال العدد الطبيعي. وبمرور السنين، عاد التوازن للغابة بين غزلانها وحيواناتها المفترسة.

قصة أخرى مشابهة وموثقة، هو ما حدث على جزيرة رويال، البالغ طولها 45 ميل، والتي تبعد 14 ميل عن أرض أونتاريو. قبل هذا القرن، كانت الجزيرة لا تعرف الأيائل، وهو غزال أمريكي ضخم. ولا تعرف أيضا الذئاب.

في عام 1908م، سبحت مجموعة من الأيائل التي تجيد السباحة إلى الجزيرة، هربا من الذئاب في موطنها الأصلي. في عام 1915م، بلغ عددها 200 إيل. منذ ذلك الوقت، وفي بيئة خالية من الذئاب، ظلت تزداد في العدد إلى أن وصل إلى عدة آلاف عام 1920م.

مع قدوم عام 1930م، نفذت كل الحشائش والشجيرات وما يؤكل من أوراق الشجر. وبدأت تموت الأيائل من الجوع والأمراض. وظل ما تبقى منها، 800 إيل، تكابد الجوع والوهن والمرض، طوال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.

إلى أن جاء عام 1948م، حيث تمكن 16 ذئبا من القدوم إلى الجزيرة عن طريق الثلوج التي غطت سطح البحيرة التي تحيط بالجزيرة. وبدأت الذئاب تأكل الضعيف والمريض من الأيائل.

بعد سنوات قليلة، زاد عدد الذئاب إلى 20، ونقص عدد الأيائل إلى 600، وحدث ما يسميه علماء البيئة بالتوازن البيئي بين الضواري وفريستها. وهو توازن حدث بمعدل 30 إيل لكل ذئب.

الآن، الأيائل لم يعد بينها العجوز والمريض. لم يبقى سوى الأصحاء الشباب والأكثر قدرة على الحياة. وأصبح الغذاء وفيرا واختفت تقريبا الأمراض بينها. الذئاب تتغذى على الأيائل، والأيائل على الحشائش والخضرة، وحدث التوازن بينها.

الذئب يأكل مقدار وزنه من لحوم الأيائل في الأسبوع، والإيل والواحد يحتاج إلى خضرة تغطي مساحة من الغابة تبلغ 10 أميال مربعة.

معنى هذا كله، أن هناك علاقة بين الحيوان المفترس والضحية لا نستطيع أن ننكرها. العلاقة هنا ليست علاقة عداء. بمعنى القوي يريد أن ينهي ويبيد الضعيف.

لكنها علاقة تعاون. كل منها يحتاج الآخر. الذئاب تحتاج الأيائل، وصدق أو لا تصدق، الأيائل تحتاج الذئاب أيضا. فالأيائل لا تعرف طريقة لتحديد النسل وحبوب منع الحمل.

الذئاب لا تقتل إلى بقدر حاجتها إلى الطعام. وهي تحرص أكثر من الأيائل نفسها على بقائها وعدم انقراضها. لأن هذا يعتبر نوعا من الانتحار. الذئاب هنا، تسلك سلوك الفلاح الذي يقوم بتربية الماشية. يوفر لها الغذاء، ويضيف إليها بقدر ما يستهلكه منها.

لا يعني هذا أن الذئب أو الأسد يعي ما يفعل. وأنه يتوقف عن القتل لأنه يخشى المستقبل. فالصيد بالنسبة للضواري، ليس شيئا سهلا. عندما يقف الإيل في مواجهة الذئب، ينصرف الذئب في عدة دقائق. لأنه يعرف قوة رفس الإيل المميته.

فقط الأيائل الهاربة، هي التي يتم صيدها. ودائما الضعيفة والصغيرة والعجوزة وصاحبة العاهة. كل 13 هجوم للذئاب، ينجح أحدها في المهمة. وهذه النسبة، تقريبا صحيحة بالنسبة لبقية الضواري: الأسد والضبع والنمر والصقر وغيرها.

الحيوانات تعرف وقت الصيد ووقت الراحة. قطيع من الغزلان، تجده يقترب بشكل ملحوظ وهو يرعي، 50 قدم، من الأسود. فهو يعرف عن طريق الغريزة، أن الأسود بعد أن تشبع، تنام. ولن تقوم بالصيد في هذه الحالة حتى لو جابوا الطبل البلدي.

لكنها عندما تشعر بالريبة، كأن يقوم الأسد ببرم شواربة وهز ذيله والوقوف، أو تفوح منه رائحة الأدرينالين وتعبق المكان، فيكون:
هذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتِدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسوّاقٍ حَطَمْ

هذا شئ طبيعي مثل التنفس بالنسبة للحيوانات. لا تفكر فيه، ولا تخاف الموت. عندما يأتي، ياتي. آدي الله وآدي حكمته. نحن فقط المرعوبون بحقيقة الموت هذه.

وللحديث بقية، فإلى اللقاء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,026,556
- علم الرياضيات..هو علم التجريد
- من نحن؟ البداية، فكرة مجردة
- أساطير السماء – برج الجاثي (هرقل)
- فريدريك نيتشة – هكذا تكلم زرادشت
- السجن 5 سنوات لاسلام بحيري
- أساطير السماء – برج العقاب
- أساطير السماء – برج الدب الأصغر
- أساطير السماء – برج الميزان
- الست كاملة وعيالها الستة
- أساطير السماء – برج التنّين
- أساطير السماء – برج الحوّاء
- أساطير السماء – برج ذات الكرسي
- أساطير السماء – برج الجوزاء
- أسماك تعيش في الصحراء وأميبا تبني بيوتا بدون عقل
- أساطير السماء – برج الجدي
- أساطير السماء – برج الثور
- ملوك هندسة البناء: النمل الأبيض (التيرمايت)
- فريدريك نيتشة – رأيه في الدين والعلوم
- أساطير السماء – برج الجبار
- أساطير السماء – الدب الأكبر


المزيد.....




- وفاة مخترع كلمة مرور أجهزة الكمبيوتر!
- وجبات حلال على متن محطة الفضاء الدولية من أجل أول رائد فضاء ...
- حظك اليوم مع الأبراج الأربعاء 17 يوليو / تموز 2019
- التطبيق الذي حول وسائل التواصل الاجتماعي إلى دار مسنين.. لا ...
- 3 علامات على فساد الأدوية.. فما هي؟
- كيف ينقذ الدم الأزرق البشرية؟
- بيانات تظهر اختفاء ناقلة نفط إماراتية في المياه الإيرانية من ...
- أول تعليق من ترامب بشأن اتهام غوغل بالخيانة
- تفسير لغز مستعصي من الفضاء
- صدق أو لا تصدق.. هناك مخلوقات بحرية سكنت الصحراء في يوم من ا ...


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - محمد زكريا توفيق - الضحية والجلاد، وتلازم الأضداد