أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سامح سعيد عبود - أثر الأيديولوجيات والأنظمة على التعاونيات















المزيد.....


أثر الأيديولوجيات والأنظمة على التعاونيات


سامح سعيد عبود
الحوار المتمدن-العدد: 4823 - 2015 / 5 / 31 - 20:29
المحور: المجتمع المدني
    


يمكن أن نرجع جذور الحركة التعاونية إلى آثار متعددة ممتدة في جميع أنحاء العالم، مثل الزراعة المشاعية فى المير الروسى، ومصانع منتجات الألبان التعاونية المنتشرة فى مرتفعات الجورا فى فرنسا التى تستمد مبادئها وتنظيمها من" مزارع الفواكة الجماعية" التى عرفتها هذه المناطق من القرن الثالث عشر الميلادى، وبالمثل فإن لفظ"زادروجا" فى يوجوسلافيا السابقة يستخدم للدلالة على الجمعيات التعاونية، ويطلق أيضا على الأسرة الكبيرة فى بلاد الصرب، وقد كان هذا الأسم يطلق على جماعة يتساوى فيها الجميع، تملك أرضا غير مقسمة تزرعها بطريق المشاع، وتنتخب لنفسها قائدا، من بين أهلها ، أما فى النطاق البريطانى، فقد ظهرت أشكال ما بعد الاقطاعية فى التعاون بين العمال واصحاب العمل الذي يتم التعبير عنها اليوم ب "تقاسم الأرباح" وترتيبات "تقاسم الفائض"، وكانت موجودة بقدر ما فى زمن يعود إلى عام 1795 .
كان التأثير الأيديولوجي الرئيسي على الفرع البريطانى فى الحركة التعاونية، هو رفض المبادئ الخيرية التي ترتكز عليها إصلاحات وسياسات البر والإحسان للدولة والكنيسة والأثرياء الخيرين، حين تراجعت الحكومة البريطانية جذريا عن القوانين الخاصة بالفقراء والمتسولين والمعدمين في 1834. كما بدأت كل من مؤسسات الدولة والكنيسة التمييز بشكل روتيني بين "من يستحقون" ومن "لا يستحقون" من الفقراء، فنمت حركة الجمعيات الودية التعاونية في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية على أساس مبدأ التبادلية، ملتزمة فى ذلك بالمساعدة الذاتية في رفاهية الشعب العامل.
أنشأت الجمعيات الودية التعاونية على أساس إن لكل عضو واحد، صوت واحد في اتخاذ القرارات المنظمة لأعمال الجمعية. وتحدت بذلك فكرة ديمقراطية النخبة المالكة والحاكمة، القائمة على أن الفرد ينبغي أن يكون مالك للثروة أو من رجال الدين أو من كبار الموظفين ورجال الدولة أولا حتى يتم منحه الحقوق السياسية التى كانت سائدة فى البلاد الديمقراطية فى ذلك الوقت، حيث لم يتم الاعتراف بحق الاقتراع العام إلا بعد ذلك، ونتيجة نضال سياسى طويل حتى أقر فى أواخر القرن التاسع عشر، بعد أن كانت القاعدة هى حرمان غير الملاك من الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية .
و طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان هناك تزايد في عدد المنظمات التعاونية، سواء في الممارسة التجارية وفى المجتمع المدني وفى التشغيل ولتعزيز الديمقراطية حتى تم انتزاع حق الاقتراع العام كمبدأ سياسي .
أصبحت الجمعيات الودية والتعاونيات الاستهلاكية الشكل السائد للمنظمات بين العاملين في المجتمعات الصناعية البريطانية قبل ظهور النقابات الصناعية فى المصانع. وفى تقارير وينبرن ذكر أنه بحلول نهاية القرن التاسع عشر، كان أكثر من 80٪-;- من الرجال البريطانيين في سن العمل و90٪-;- من الرجال الاستراليين في سن العمل أعضاء جمعية ودية واحدة أو أكثر .
من منتصف القرن التاسع عشر، تبنت المنظمات التعاونية التبادلية، الديمقراطية الاقتصادية، أولا بين تعاونيات تجار التجزئة، وفيما بعد في الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، والمعاهد التعليمية والمؤسسات المالية والشركات الصناعية. وكان الخيط المشترك بينها (الذى شرع بطرق مختلفة، وخضع لقيود النظم والقوانين الوطنية المختلفة) هو المبدأ القائل بأن أى مؤسسة يجب أن يمتلكها ويديرها ديمقراطيا وعلى نحو مستقل، الذين يعملون فيها أوالتى تخدمهم بأنفسهم، وتوزيع أي فوائض اقتصادية بينهم على أساس مساهمة كل عضو فيها سواء بالعمل فيها أو باستهلاك منتجاتها وخدماتها. بدلا من توزيعها على أساس امتلاك رأس المال .
وقد تغذت الحركة التعاونية عالميا بتلك الأفكار المسماه بالديمقراطية الاقتصادية. وهي فلسفة اجتماعية واقتصادية تشير إلى ضرورة التوسع في سلطة صنع القرار، فبدلا من سيطرة الأقلية الصغيرة من المساهمين فى الشركات، فمن الأفضل سيطرة الأغلبية الكبيرة من العمال، ومن أصحاب المصلحة العامة. وهناك العديد من الأساليب المختلفة للتفكير فى بناء الديمقراطية الاقتصادية سواء بالإدارة الذاتية أو ديمقراطية الإدارة التعاونية أو اللامركزية الإدارية، أوالديمقراطية المباشرة، أو ديمقراطية المشاركة.
كل من الماركسية والاشتراكية التحررية، تأثرتا بالاشتراكية الخيالية، التي تقوم على فكرة التعاون الطوعي. ولكن الملتزمون بالاشتراكية التحررية، يركزون على التنظيم المحلي من أسفل، بما في ذلك التعاونيات المدارة محليا، والمرتبطة فيما بينها عبر اتحادات النقابات واتحادات التعاونيات والكوميونات. أما الماركسيون كاشتراكيين دولتين ومركزيين فقد تمسكوا أيضا وعملوا لهدف ديمقراطية العلاقات الإنتاجية وغيرها، ولكنهم غالبا ما وضعوا استراتيجيات تركز بشكل أكبر على العمل فى مقاييس أكبر من المقاييس المحلية والصغيرة، لتنظيم البشر، كالدولة والعالم بأسره. كما نظروا إلى الطبقة الرأسمالية باعتبارها تحشد جهودها سياسيا وعسكريا وثقافيا بغرض الحفاظ على الطبقة العاملة خاضعة للاستغلال، وهو ما لا يمكن مواجهته إلا بتحطيم جهاز الدولة الرأسمالية ليس محليا فحسب وانما عبر العالم، وبناء الدولة العمالية لتحل محلها، وقاتلوا في القرن العشرين من أجل انتزاع السلطة السياسية من أيدى الطبقة الرأسمالية على المجتمع في شكل الدولة الرأسمالية، سواء من خلال الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية التدريجية، أو من خلال ما أصبح يعرف باسم الشيوعية الثورية ومدارسها المختلفة، التى تخلت فى الممارسة العملية برغم الكتابات النظرية عن مبادىء الديمقراطية الاقتصادية، وكذلك عن الديمقراطية السياسية، باستثناء تجربة الإدارة الذاتية فى يوجوسلافيا تحت حكم تيتو، وفى الجزائر فى ظل هوارى بومدين، وعلى الرغم من أن الماركسية فى أصولها الفكرية مثلها مثل الاشتراكية التحررية تماما، تعتبر الدولة مؤسسة قمعية دون داع أو مبرر، وإن مآلها الحتمى إلى الزوال فى النهاية، فقد نظر الماركسيون إلى أهمية مصادرة المؤسسات والموارد الرأسمالية على الصعيد الدولي والوطني (مثل الدولة) لتكون الركيزة الأولى في خلق الظروف المواتية للانتقال للاقتصادات التضامنية والتعاونية فى مستقبل لم يتحقق أبدا على أيديهم.
وعلى الرغم من انحدار نفوذ الاتحاد السوفياتي، واستراتيجيات وأيديولوجيات اشتراكية الدولة للجناحين الثورى الشيوعى فى شرق أوروبا، والإصلاحى الاشتراكى الديمقراطى فى غرب أوروبا، بعد ستينات القرن العشرين، فإن أنصار الديمقراطية الاقتصادية لم يشكلو بعد أى تحدي أساسي لهيمنة السياسات الرأسمالية النيو ليبرالية فى العالم.
وثمة نقاشات تاريخية كبرى في الاقتصاد التعاوني بين التعاونية الاتحادية والتعاونية الفردية، فلو افترضنا وجود قرية تعاونية أو كوميون تعاونى، من المنتجين والمستهلكين لمنتجاتها. وبالتالى، أصبحت لدينا مجموعتين مختلفتين من الناس مستهلكين ومنتجين، فلمن يجب أن تكون الأولوية والسيطرة؟ ومن هنا ظهر الاتجاهان الاتحادى والفردى فى الحركة التعاونية. ونتيجة للإجابة، سوف يمكننا تحديد وضعين مختلفين من التنظيم التعاوني: تعاونية المستهلكين، حيث تتكون من المستهلكين للسلع والخدمات التى تقدمها التعاونية، وتعاونية المنتجين، والتي تنتج السلع والخدمات للتعاونيات الاستهلاكية. (يعتبر البعض التعاونيات العمالية، التي يملكها ويديرها حصرا مالكيها من العمال نوعا ثالثا، والبعض الآخر يعتبرها تعاونية منتجين).
وهذا بدوره أدى إلى نقاش بين أولئك الذين يدعمون أولوية وسيطرة تعاونيات المستهلكين (المعروفين باسم التعاونيين الاتحاديين) وأولئك الذين يفضلون سيطرة وأولوية التعاونيات الإنتاجية (المعروفين باسم التعاونيين الفرديين) .
الاتحادية التعاونية هي مدرسة الفكر التعاونى التى تنحاز لصالح أولوية وسيطرة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية.. ويؤكد الاتحاديون التعاونيون على أن المستهلكين المنضمين للتعاونيات الاستهلاكية ينبغي عليهم أن يشكلوا جمعيات تعاونية استهلاكية للجملة أو الاتحادات التعاونية بين الجمعيات التعاونية، وأفضل مثال تاريخي لذلك النوع في المملكة المتحدة، تعاونية (cws ) لتجارة الجملة، وأن هذه التعاونية الاستهلاكية للجملة أنشأت المزارع أو المصانع التى تستهلك منتجاتها. وهم يرون بأن الأرباح (أو فائض) هذه الجمعيات التعاونية ينبغي أن يدفع للأعضاء المتعاونين المستهلكين، بدلا من عمال التعاونيات .
أما التعاونية الفردية فهي مدرسة فكرية تفضل أولوية الجمعيات التعاونية العمالية.التى تنشأ سوق استهلاكها بنفسها من التعاونيات الاستهلاكية، والأنصار الأبرز لهذا الكيان الأخير، في بريطانيا، الاشتراكيون، الذين تناولوا هذه الفكرة باعتبارها الطريق إلى الدولة الاشتراكية لاحقا .
وتعاونيات موندراجون فى أسبانيا هي نموذج للتعاونية الإنتاجية، التى أسست لاحقا سوقها الاستهلاكى التعاونى، ويستشهد بها عادة من قبل الفرديين التعاونيين. ويرجى ملاحظة أن هاتين المدرستين من الفكر التعاونى ليستا بالضرورة في معارضة تامة مع بعضهما البعض، فالمواقف الهجينة بينهما ممكنة . فبالإضافة إلى تعاونيات المستهلكين وتعاونيات تجار التجزئة يمكن أيضا الاستفادة من المنظمات التعاونية التى تشكل بالفعل من المنتجين جماعيا.
ومن ناحية أخرى فالاشتراكيون التحرريون يعرضون تصور للمجتمع كتعاونية واحدة كبيرة، ويرون أن التعاونيات التي تنتج كل شيء يجب أن توزع منتجاتها بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع، وليس بالضرورة من خلال السوق. ويعتبرون إن جميع أفراد المجتمع يجب أن يكونوا من المنتجين والمستهلكين. أما الاشتراكيون الدولتيون فيميلون إلى تفضيل إدارة الحكومة للاقتصاد عبر ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، وأن يظل القطاع التعاونى إن وجد مجرد امتداد لجهاز الدولة، في حين أن الاشتراكيون التحرريون يفضلون التنسيق غير الحكومي بين التعاونيات، إما محليا أو من خلال النقابات العمالية والاتحادات التعاونية.
الاشتراكيون الخياليون يرون إنه يمكن تحقيق الاشتراكية دون الانغماس فى الصراع الطبقي على نطاق المجتمع بأسره، والاكتفاء ببناء التعاونيات والكوميونات فقط من قلب وعلى هامش المجتمع، وأولئك الذين يختارون طوعا المشاركة فيها. وهؤلاء هم المشاركين في حركة الكوميونات العالمية (أنظر أنواع التعاونيات).
في بعض أدبيات الاقتصاد التعاوني، يكون الهدف من تعاون التعاونيات واتحاداتها هو التوصل إلى الكومنولث التعاوني. وهو مجتمع قائم بالكامل على المبادئ والقيم التعاونية. ويقدمون هذا النموذج الاقتصادي كهدف لهم يتوسع تدريجيا من أسفل لأعلى. وفى أوائل القرن العشرين تم تأييد هذا النموذج على نطاق واسع فى الأوساط اليسارية فى الولايات المتحدة وكندا. وكان هذا المثل الأعلى، وراء تشكيل اتحاد الكومنولث المركزي التعاوني في عام 1935، والذي أصبح أكبر حزب سياسي يساري في كندا، والمستمر حتى يومنا هذا باسم الحزب الديمقراطي الجديد. وشكلوا إلهاما للمبادئ الاقتصادية لحزب المزارعين والعمال في الولايات المتحدة، ولا سيما في ولاية مينيسوتا، حيث كانت الدعوة للكومنولث التعاوني قد شكلت الموضوع الرئيسي لبرنامج الحزب منذ عام 1934.
وقد صاغ وليام موريس أفكار الكومنولث التعاونى أيضا في بريطانيا العظمى وأيرلندا من ثمانينات القرن التاسع عشر الذي ألهم أيضا الحركة الاشتراكية الديمقراطية النقابية.
وقد أنشأت العديد من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية علاقات وثيقة مع التعاونيات التي ساعدت في تعزيز موقف الحركة العمالية على نطاق أوسع. وساعدت التعاونيات تلك الأحزاب على تلقي عدد متزايد من الأصوات في الانتخابات البرلمانية والبلدية. وتحت تأثير التعاونيات تم تقديم مساعدات مادية هائلة للعمال عند الإضرابات، وإغلاق المنشئات والطرد من العمل وشكلت التعاونيات وصناديق الإضراب والزمالة الأساس المادى والتمويلى الذى استندت عليه حركة الطبقة العاملة، وأكسبها نفوذها السياسى والاجتماعى من نهاية القرن التاسع عشر، وحتى السبعينات من القرن العشرين.
وفيما يتعلق بالماركسيين فقد كتب كارل ماركس : " ان التعاون اداة يجب استخدامها لتغيير المجتمع الرأسمالي القائم على الصراع بين الطبقات، ويجب أن ينظم على أساس قومي يشمل كافة أفراد الأمة، ويستخدم كافة مواردها أما لينين فيعتبر التعاون الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تدفع بالفلاحين إلى الانضمام إلى الاقتصاد الجماعي .
يقوم نمط الإنتاج الرأسمالى على تحقيق الربح على حساب كل من العامل والمستهلك والمقترض والمستأجر لصالح مالك رأسالمال الذى لا يكتفى بذلك فحسب، بل يستند على ملكيته للثروة، لاحتكار سلطة اتخاذ القرار الاقتصادى والاجتماعى والسياسى حارما من لا يملكون من السلطة والثروة والحرية على السواء، كما يهمل الناحية الاجتماعية، مسببا البطالة والفقر والبؤس للغالبية، ويؤدي إلى زيادة أرباح الأقلية على حساب الأكثرية، ويركز رؤوس الأموال في أيدي الأقلية، ويقود إلى الاحتكارات. ومن جراء هذه السيطرة والتحكم، عانت الأكثرية دائما فى ظل الرأسمالية كما فى ظل الاقطاع، من الحرمان من الملكية والحرية والسلطة، وشهدت مآسى مروعة من القمع والبؤس والاضطهاد عبر عصور التاريخ الرأسمالى، وعبر العالم، ودفعت بنفسها ثمن التنافس الدموى على الأسواق العالمية بين الرأسماليين وحكوماتهم الاستعمارية، باعتبارهم يشكلون الجنود فى الجيوش المتحاربة. اما التنظيم التعاوني للإنتاج والاستهلاك فيختلف عن ذلك لأنه يأخذ بعين الاعتبار الناحية الاجتماعية، فالبشر فى الفكر التعاونى لهم الأولوية على الأرباح، ومن ثم يهدف التعاون إلى سيطرة البشر الفعلية على وسائل الإنتاج،و ظروف حياتهم وعملهم، التى يتحكم فيها الرأسماليون، والحد من سيادة أفكار وقيم الجشع المادي، ومن التنافس الدموى، ومن الروح الفردية الأنانية، ومن الرغبة في الاستغلال والاحتكار، ومن النزعات الاستهلاكية المهدرة للموارد، والمدمرة للبيئة، ويسعى لسيادة قيم التعاون القائمة على المساواة والديمقراطية والتضامن والتكافل الخ.
ولما كانت الجمعية التعاونية شكلاً من أشكال التنظيم الجماعي، نشأ تمشيا مع العصر الحديث المستند على الإنتاج الآلى الذى أدى لتكتيل جهود المنتجين والحرفيين الأفراد، أو إفقارهم وتحولهم لعمال مأجورين، فهى تتبع في تكوينها وتطورها قوالب النظام السائد الذي تعيش فيه. لهذا نرى الأسلوب التعاوني المطبق في البلدان الرأسمالية التقليدية يختلف عن الأسلوب التعاوني في بلاد اشتراكية الدولة، وكليهما يشوه التعاون إما فى اتجاه الرسملة أو فى اتجاه الدولنة.
فالأسلوب التعاوني قائم بالفعل في المجتمعات الرأسمالية للحد من المساوئ الاقتصادية والاجتماعية التي تخلقها الرأسمالية. وفي هذه الحالة تكون الجمعية التعاونية اما لشراء وبيع المواد الاستهلاكية للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، والتخفيف من سيطرة المحتكرين، أو لتأمين المواد الضرورية للإنتاج الزراعي وللحرف اليدوية وتصريف منتجاتها لتأمين سعر عادل للمنتجين ثمناً لمنتوجاتهم، او لجمع مدخرات الأفراد في سبيل تحقيق أغراض معينة كبناء المساكن والمستشفيات والمدارس وشراء وسائط النقل وغيرها من الخدمات. وفي كل هذه الأحوال تدخل المنشآت التعاونية في ميدان المنافسة مع باقي المنظمات الاقتصادية، كالشركات والاحتكارات التجارية والمصانع. مما يؤثر على طبيعتها فى اتجاه الرسملة، ولهذا يبقى تأثيرها محدوداً ضمن قطاع معين، على حد تعبير الدكتور فوكيه. فهي لا يمكنها ان تسيطر كليا على الحياة الاقتصادية او تعدِل من شكل النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي القائم، أي النظام الرأسمالي .
أما في اشتراكية الدولة، فان التعاون والجمعيات التعاونية صالحة بقدر ما تخدم مخطط الاقتصاد الاشتراكي، وتكون عادة موجهة من قبل الدولة توجيهاً كاملاً كغيرها من المنشآت الحكومية مما يفقدها ديمقراطيتها واستقلاليتها، ومن ثم لا تسير وفق الأسس والقواعد التعاونية التي خطتها لنفسها الجمعيات التعاونية في البلدان الرأسمالية. فقد تركز التنظيم التعاوني في الريف السوفياتي على أساس الكولخوزات، وهي عبارة عن مزارع تعاونية تجمع المزارعين في وحدات زراعية مختلفة الحجم، حيث يعملون بشكل مشترك في زراعة قطع الأرض التي تمنحها الدولة إلى الكولخوز، وفقاً للمخطط الزراعي الذي ترسمه الدولة في ميدان العمل والإنتاج الزراعي. كما يقوم التنظيم التعاوني في المدن على أساس الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي أوكل إليها أمر تصريف فائض حاصلات الكولخوزات، وتوزيع السلع الاستهلاكية حيث كانت نسبة أعمال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية عام 1922 تعادل 10.3 % من الرقم الكلي للتجارة الداخلية في الاتحاد السوفياتي، وكانت نسبة مخازن الدولة 14.4 % ونسبة التجارة الخاصة 75.3 %. وفي عام 1931 استطاعت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ان تقضي على التجارة الخاصة، وحصلت على 72.3 % من رقم التجارة الداخلية. عندئذ شعرت الدولة بخطر هذه الجمعيات وقوتها فعملت على اضعافها وتقوية المخازن الحكومية، فألغت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في المدن وأحلت محلها مخازن الدولة، واقتصر نشاط الجمعيات التعاونية الاستهلاكية على الريف فقط، فهبطت نسبة ارقام أعمالها في عام 1940 الى 45.6 %. غير أن الدولة سمحت في سنين الحرب العالمية الثانية لبعض الجمعيات الاستهلاكية باعادة فتح مخازنها في المدن لمساعدة المخازن الحكومية في التوزيع والتموين .
يرى البعض أن الجمعيات التعاونية هي وسيلة تسهم في النهوض بالمجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافيا. غير انها لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر الإنسانى والقضاء على الاستغلال والاحتكار وبناء مجتمع يتمتع أفراده بالحرية والمساواة. فقد خفف تطبيق الأسلوب التعاوني في البلدان الرأسمالية من مساوىء النظام الرأسمالي من دون إحداث تغيير جذري في طبيعة هذا النظام. اما في البلدان الاشتراكية فبقي الأسلوب التعاوني أداة من أدوات الدولة. ولذلك إذا أردنا ان يكون للأسلوب التعاوني أكثر فعالية فى تغيير الواقع، فعلينا ان نستكمل العمل التعاوني بمستلزمات اخرى تسير جنبا الى جنب مع المنظمات التعاونية، فلابد من إحداث تطوير فى مبادئها، وفى ممارساتها اليومية، وأهدافها الاستراتيجية، ومقاومة عوامل تشويهها وانحرافها، ومقاومة رسملتها أو دولنتها، من أجل أن تتحول من مجرد بديل مأمول عن الرأسمالية لبديل ممكن بالفعل، ولعل أهم شروط نجاح التعاونيات، هو أن تصان الحريات العامة والخاصة،وكامل الحقوق الإنسانية، وخاصة حريات التجمع والتنظيم والمبادرة الشعبية المستقلة، وأن تحد الدولة من تدخليتها الاقتصادية والاجتماعية لتصبح مجرد دولة حارسة لا دولة تدخلية، وأن تدار التعاونيات، وفق منهج علمي سليم، بحيث يستعمل الأسلوب التعاوني لتنظيم الإنتاج والخدمات للقضاء على أسلوب الإنتاج والتوزيع الرأسمالى الذي يتيح للأقلية استغلال الضعفاء في المجتمع واحتكار مواردهم. عندئذ، وفي مثل هذا المناخ، سوف يساعد الأسلوب التعاوني بفاعلية أكثر في بناء مجتمع تعاونى تسوده العدالة والحرية والديمقراطية .

الهوامش
د. أحمد حسن البرعى مصدر سابق ص 41
Gates, J. (1998) The Ownership Solution, London: Penguin
Rothschild, J., Allen-Whitt, J. (1986) The Cooperative Workplace, Cambridge University Press
Weinbren, D. & James, B. (2005) “Getting a Grip: the Roles of Friendly Societies in Australia and Britain Reappraised”, Labour History, Vol. 88
Ridley-Duff, R. J. (2008) “Social Enterprise as a Socially Rational Business”, International Journal of Entrepreneurial Behaviour and Research, 14(5): 291-312
Cliff, T., Cluckstein, D. (1988) The Labour Party: A Marxist History, London: Bookmarks
http://www.uk.coop/what-co-operative. Co-operatives UK what is co-operative
Lewis, p. 244
This analysis is based on a discussion by Gide, Charles-;- as translated from French by the Co-operative Reference Library, Dublin, "Consumers CoOperative Societies", Manchester: The Cooperative -union--limit-ed, 1921, pp. 192-203.
a b c This analysis is based on a discussion by Gide, Charles, pp. 192-203.
Reeves, Joseph, “A Century of Rochdale Cooperation 1844-1944”, London: Lawrence & Wishart, 1944
: a b c This analysis is based on a discussion by Gide, Charles, pp. 192-203.
كراشينكوف الموسوعة السوفيتية الكبرى من الأنترنت ترجمة جوجل ترجمة عن الروسية بتصرف من الباحث.
" التعاون في روسيا السوفياتية، مكتب العمل الدولي، سلسلة مستندات، ص. 3، التعاون، جنيف 1925.
جابر جاد عبد الرحمن، اقتصاديات التعاون، ص. 94ديسمبر.2011
Dr. G. Fauquet , The Cooperative Sector K tr. From the French by L.P. Weaver Cooperative -union- LTD. Holyoake House , Hanover Street. Manchester 4. 1951 , P 12.
د. عدنان شومان، مصدر سابق.
د. عدنان شومان، التعاون والتعاونية بين المذهب والاسلوب نشر المقال في تموز / يوليو 1961، العدد التاسع، الرائد العربي http://al-hakawati.net/arabic/civilizations/raedindexb40.asp





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اتجاهات الحركة التعاونية
- مبادىء التعاون وقيمه وأهدافه
- التعاونيات ومشاريع الدولة والمشاريع الرأسمالية
- الملكية (التعاونية والخاصة والعامة)
- التعاون والتنافس فى الكائنات الحية
- تعريف الجمعية التعاونية
- مقدمة كتاب التعاونيات أداة للتقدم والتحرر
- هل تحولنا لباعة جائلين هو قدرنا فى ظل الرأسمالية؟
- حول التعاونيات وقواعدها
- اقتراحات تعاونية لمشاكل واقعية
- كيف تنجح التعاونية فى الانتصار على الرأسمالية من داخل اقتصاد ...
- العمال والشيوعية والماركسية
- قضية من أجل التعاونية الثورية
- ملاحظات على مسودة دستور الاستبداد المطروح للاستفتاء
- مقدمة حول معايير الديمقراطية كنظام حكم
- الخلافة الإسلامية (النظام السياسى الذى يناضل الإسلاميون ويحل ...
- خرافة-إذا الإيمان ضاع فلا أمان،و لا أمان لمن لم يحى دينا-
- كل السلطة للخيال!.. ! دفاعا عن الخيال
- التعاون الإسكانى والحق فى السكن
- أهمية أن تعيش وسط مجموعة من البشر


المزيد.....




- الاتحاد الإنجليزي مطالب بفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان والمث ...
- اعتقالات في زيمبابوي بسبب شهادة دكتوراه مزورة لزوجة موغابي
- الإعدام لمغتصب وقاتل طفلة في باكستان
- اعتقال 25 شخصا في المالديف طالبوا بالقبض على الرئيس
- إدانة لاعتقال أبو الفتوح والشرطة تقتحم حزبه
- السويد تمنح الجنسية لعالم إيراني محكوم بالإعدام في بلاده
- العراق.. السفير الأميركي يؤكد دعم واشنطن جهود إعادة النازحين ...
- الإعدام لسفاح لاهور.. اغتصب وقتل ثماني طفلات
- محكمة باكستانية تقضي بإعدام رجل اغتصب وقتل طفلة
- تبرئة مغربي ببلاده بعد 14 عاما بغوانتانامو


المزيد.....

- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة
- العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه / ماثيو سنو
- يعني إيه كلمة وطن ؟ / محمد دوير
- الضمير الانساني يستيقظ متأخراً متعاطفاً مع مذبحة اطفال هيبان ... / ايليا أرومي كوكو
- منظمات المجتمع المدني في البحرين / فاضل الحليبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سامح سعيد عبود - أثر الأيديولوجيات والأنظمة على التعاونيات