أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - نوبار الأرمنى : عاشق مصر















المزيد.....

نوبار الأرمنى : عاشق مصر


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 4789 - 2015 / 4 / 27 - 14:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نوبار الأرمنى : عاشق مصر
طلعت رضوان
نوبار باشا (1825- 99) شخصية ذات أهمية كبيرة فى تاريخ مصر الحديث. جاء إلى مصر سنة 1842، أى كان عمره 17 سنة. ورغم جنسيته الأرمنية، فإنه عندما عاشر شعبنا المصرى ، وتعرّف على ثقافتنا القومية ، إذا به يُـحاول دائمًا العمل على كل ما هو فى صالح مصر، وفى نهاية مشوار حياته يكون (دون أدنى مُبالغة) مصريًا أكثر من بعض المصريين ، خاصة الذين دافعوا عن (الخلافة العثمانية) فى زمنه ، أو الذين دافعوا عن (العروبة) بعد كارثة يوليو1952.
عندما كان نوبار صغيرًا قال له خاله ((سوف تلتحق بقلم المُـترجمين ، ولكن عليكَ أنْ تــُـتقن اللغة التركية)) كان خاله يُـدرك أنّ تعليم اللغة التركية مهم بسبب سيطرة الخلافة العثمانية على معظم دول البلقان وآسيا الصغرى ، ومن بين تلك الدول دولة أرمنيا. وبالفعل تعلــّم نوبار اللغة التركية وأجادها مثل أى إنسان تركى، كما أنه أجاد اللغات الفرنسية والإنجليزية واليونانية الحديثة. وفشل فى تعلم اللغة العربية ، وكان يُـفضــّـل التحدث بلغة شعبنا المصرى ، التى أخذت وصفــًا غير علمى لدى المُـتعلمين المصريين عندما أطلقوا عليها (عامية اللغة العربية) وذكر من أرّخوا لحياته أنه كان يُجيد الحديث والكتابة بإحدى عشرة لغة. ومولع بالقراءة وخاصة كتب التاريخ (نوبار فى مصر- تأليف نبيل زكى- كتاب اليوم- عام 91، وهيئة قصور الثقافة- عام 2006- ص15)
وصلتْ شهرة نوبار ودقته فى العمل الإدارى فى مصر لدرجة أنّ بعض القادة السياسيين فى الغرب فكــّروا فى الاستعانة به ليكون أميرًا لإمارة مستقلة فى أوروبا أو فى أرمنيا (موطنه الأصلى) ورغم ذلك فضــّـل البقاء فى مصر. وكتب فى مذكراته ((مصر مثل عظمة كبيرة ثمينة يرغب فيها كلبان (فرنسا وإنجلترا) وبينما هما يتشاجران ويتوجـّس كل منهما من الآخر، يتسرّب سرب من النمل (اليونانيون واليهود الشرقيون) ويصل إلى العظمة وينهشها ويسمن منها)) وكان يرى أنّ مصر تـُعانى من ثلاث مشكلات : الجباية (300 ألف جنيه استرلينى تدفعها مصر سنويًا للسلطان التركى/ العثمانى) التى أخذت اسم (الجزية) وفرضتها تركيا على مصر، الامتيازات الأجنبية ومنظومة السخرة التى هى امتداد لعصور الخلافة الإسلامية. ويعتبره كثيرون أنه ((أول رجل دولة مصرى تحدث (فى القرن19) عن مبادىء الإنسانية والعدل الاجتماعى.
تزوّج نوبار وعمره 24 سنة فتاة أرمنية تتحدث مثله عدة لغات ، ووقفتْ بجانبه تـُسانده فى كل المحن والدسائس التى كانتْ تـُحاك ضده خاصة من العثمانيين أو من الإنجليز والفرنسيين.
وكتب نوبار فى مذكراته أنّ محمد على هو صاحب الفضل فى انتقال مصر من حال إلى حال أفضل وقال ((إنّ كل ما يتعلق بمصر الحديثة يجب أنْ يُنسب إلى محمد على ، إنه الرجل الذى قام بهذا التحول فى مصر. لقد فتح أبوابها أمام التقدم المادى فى أوروبا. وحكى عن زيارة للريف الفرنسى ومعه إبراهيم ابن محمد على، وأنّ إبراهيم بكى عندما شاهد جمال الريف ونظافة مبانيه والإهتمام بالزراعة. وتمنى أنْ يكون الريف المصرى مثل الريف الفرنسى ، خاصة أنّ التربة فى مصر أكثر خصوبة من تربة الأراضى الفرنسية. كما تمنى لو أنّ التعليم المصرى يكون مثل التعليم فى المدارس الفرنسية. ونقل نوبار فى مذكراته قول إبراهيم باشا ((إنّ الله خلقنى من أجل خير مصر، لكى أجعلها غنية ومُرفـّهة. ولن يكون من العدل أنْ يدعونى الموت قبل أنْ أتمكــّن من إسعادها)) وكان يرى أنّ الدولة المُـحترمة هى (دولة القانون) وعندما تأكــّـد أنّ القانون البريطانى يحترم حقوق الإنسان الإنجليزى قال ((إنّ احترام القانون يُـشكــّـل مضمون العظمة الحقيققة لإنجلترا))
أما والده (محمد على) فكان يرى أنّ إنجلترا تسعى وتشتهى امتلاك مصر. وهو ما عبّر عنه المستشرق والمؤرخ (بوركهارت) الذى كتب ((كان محمد على مُـهتمًا اهتمامًا كبيرًا بالأحداث التى تجرى فى أوروبا. وكان يعتقد أنّ إنجلترا سوف تسعى بعد سقوط نابليون إلى تدعيم سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط بالإستيلاء على مصر)) وأنّ محمد على قال لهذا المؤرخ ((أنا أعرف أنّ إنجلترا تطمع فى مصر. إننى صديق الإنجليز. ولكن الحقيقة أنّ من بين كبار الدول من يعطيك من طرف اللسان حلاوة ، ولا يُضمر لك فى نفسه الإخلاص)) وكتب نوبار فى مذكراته ((فى الوقت الذى كان فيه إبراهيم باشا يضرب الجيش التركى فى قونيه ويقترب من الأستانة ليصبح على مسيرة بضعة أيام منها ، كان يتردد أنّ محمد على يُـريد الاستحواذ على الامبراطورية وإعلان سقوط السلطان العثمانى وتنصيب نفسه سلطانـًا بدلا منه)) وعن المقابلة التى تمّتْ بين ستراتفورد كينج (المسئول البريطانى والحاكم الفعلى للامبراطورية العثمانية) والذى كان وزراء السلطان العثمانى يرتعدون أمامه ، ولكنه عندما قال لإبراهيم باشا أنّ الجيش المصرى لا يجب أنْ يتجاوز عدده الرقم المُـقرر فى الفرمان العثمانى، قال له إبراهيم ((عندى ستون ألف رجل تحت السلاح ، وسوف أحتفظ بهم ، وإذا وجدتُ أنّ هذا العدد لا يكفى لحماية مصر فإننى سأزيده)) ولذلك ((كان الجميع فى الأستانة يعتبرونه خائنـًا للامبراطورية. وعندما شعر أنّ حياته مُـهدّدة من العثمانيين ، واقترح البعض عليه ترك مصر، قال ((سوف أرابط فى مصر)) وانتصر إبراهيم بسبب شجاعته وإصراره على مبادئه ، عندما صدر فرمان 1841 بتنصيبه واليًا على مصر. وكانت آخر كلماته لكبار الوزراء العثمانيين وهو يُغادر الأستانة ((هل ترون هذه التلال والروابى عندكم. إنها جرداء. أما والدى وأنا فقد زرعنا عشرة ملايين شجرة فى مصر، وأنتم تفعلون العكس ، إذْ تـُدمّرون ما أعطاكم الله)) وذكر نوبار أنه بينما كان إبراهيم باشا فى حالة الاحتضار قال ((اللهم لا تنتزع روحى قبل أنْ أكمل عمل أبى.. واجعل مصر سعيدة وأمتها غنية)) وبعد وفاته كتب عنه نوبار أنه ((أكتسح بلاد الموره وانتقل منها إلى المناطق اليونانية الشمالية. وهذا القائد العسكرى الفذ كان يريد دخول مقر السلطنة لولا اعتراض والده. ولكنه ترك ذكريات لا تـُمحى فى عكا وحلب وطرابلس ودمشق وصيدا والجزيرة العربية والخليج والبحر الأحمر. إنه الرجل الذى لم يحرق الزرع ولم يذبح المغلوبين (إشارة إلى ما فعله العرب والمسلمون الأتراك) بطل معركة مسولونجى ومعركة نفارين ومعركة الدرعة وحمص وقونيه وبطل حرب المورة وكريت))
خاض نوبار عدة معارك مع السلطنة العثمانية وفرنسا بسبب مشروع خط السكة الحديد (الإسكندرية- السويس) وكان محمد على قد طرد كل العمال الإنجليز الذين كانوا يعملون فى السكة الحديد وكانت (مصلحة إنجليزية بحتة) وأحلّ محلهم عمالا مصريين. وفى عام 1845 أصبحتْ مصلحة مصرية. وفى عام 1858تمّ إنشاء خط حديد مصر تحت إشراف نوبار باشا، وهو ثانى خط سكة حديد فى العالم، بعد الخط الحديدى بين لندن وليفربول . وكتب نوبار فى مذكراته ((إننى أعتبر أنّ إقامة خط السكة الحديد (وكنتُ صاحب الفكرة) ومتابعة تنفيذها من جانب عباس ، كان بمثابة مبدأ أو عقيدة يالنسبة لى . وهو المرحلة الثانية للتحول فى مصر. وزاد هذا المشروع من أهمية مصر كمركز تجارى . وكان التحول الأول هو إقرار المساواة بين المسيحيين والمسلمين وتوفير الفرص للجميع وحماية ممتلكاتهم وأشخاصهم . وكان هذا التحول الأول من إنجازات الباشا الكبير محمد على)) ثم معركة ضد تركيا بسبب إصرارها على إخضاع مصر لتنظيمات جديدة بإعتبار أنّ مصر جزء من الامبراطورية العثمانية ، وكانت تلك التنظيمات تعنى ربط مصر بالأستانة من الناحيتيْن الإدارية والقانونية ، وهو ما رفضه عباس الأول بمساندة وتشجيع من نوبار. وقد اقترح وزير المالية على عباس فرض ضرائب جديدة فسأله عباس : هل ميزنيتنا متوازنة ؟ فقال الوزير: الميزانية متوازنة وهناك فائض فى الايراد . فقال عباس : إذن فى هذه الحالة ما ضرورة فرض عبء جديد ؟ إنها جريمة وخطيئة. حذارى من الآن لا تطرح أمامى مثل هذه الاقتراحات.
وعندما حدث خلاف بين نوبار والوالى سعيد الذى قرّر التخلص من نوبار، حدث شىء مهم يدل على اعتزاز المصريين بنوبار الذى كتب ((احتشد جميع الموظفين فى محطة الإسكندرية وكذلك إداريون من المصريين والأوروبيين لوداعى. واتخذ الحشد شكل مظاهرة وهذا جديد فى مصر)) وعن علاقته المُـتوترة مع الخديو إسماعيل ، فإنّ نوبار قال له ((كان والدك العظيم إبراهيم باشا يقول لى ويُكرّر القول فى مرات عدة أنّ محمد على أخطأ عندما أهدر جهوده وأموال مصر فى سوريا بينما لديه السودان ، فالتطور الحقيقى لمصر يجد مجاله فى السودان))
وحدث خلاف بين عباس ونوبار حول مسألة التمثيل الدبلوماسى ، وفقــًا للفرمانات العثمانية ، فقـدّم نوبار استقالته (وكانت سابقة جديدة فى نظام الحكم فى مصر) ولكن انتهى الخلاف بأنْ قال عباس ((إننى يا نوبار لا أستغنى عن خدماتك))
وفى نهاية عام 1867 كان نوبار فى باريس ، فتلقى برقية من الخديو إسماعيل يستدعيه إلى القاهرة. وعندما وصل قال له إسماعيل أنه تقدم ببعض الطلبات للسلطان العثمانى : 1- إلغاء تحديد عدد قوات الجيش 2- حق مصر فى أنْ يكون لها أسطول حربى 3- حق مصر فى وضع التشريعلت الخاصة بها 4- الحق فى إيفاد وزراء مصريين لدى الدول الأجنبية 5- عقد معاهدات تجارية وإدارة كاملة لمصر. وافق نوبار على هذه الطلبات ولكنه قال لإسماعيل ((إنّ ما تـُريده لا يصلح لأنْ يكون موضع طلب بل إنّ مثل هذه المطالب إنما تـُنتزع بالسيف. إنه الاستقلال. ما تطلبه هو الاستقلال فإذا أردتَ أنْ تكون مًستقلا حقــًا فإنّ عليك أنْ تكون سيد نفسك . إنّ حكومتك عبارة عن 17 قنصلا . فهناك 17 قنصلية تتمتــّع كل واحدة منها بسلطة تـُضاهى سلطة حاكم مصر. إنّ ما يلزمنا هو أنْ نخرج من الوضع الذى نوجد فيه الآن . وأنْ نكون أسياد البلاد . وإذا حققنا ذلك نـُصبح مُستقلين حقــًا . إنّ ما يُـضايقنا هم القناصل الذين يشاركونك السلطة . ثم هذه المُستعمرات الأوروبية داخل مصر. هل تريد أنْ تـُحرر نفسك ؟ تستطيع ذلك يا سيدى . إن المائة وخمسين ألف أوروبى الموجودين فى مصر، يمثلون الثلاثمائة مليون أوروبى. والأوروبيون أشبه بالمماليك وعليك أنْ تفعل بهم ما لم يستطع جدك أنْ يفعله معهم. لقد أرغم جدك المماليك على الانصياع للنظام والخضوع له. وهذا النظام هو القانون . ومن أجل إخضاع هؤلاء للقانون يجب أولا أنْ تخضع أنتَ نفسك للقانون))
وهكذا كان نوبار باشا شـُـجاعًا فى مواجهة الخديو إسماعيل . وفى رسالة منه إلى السيدة زوجته كتب ((إننى أحب مصر. ولا أنتِ ولا أنا نستطيع العيش فى مكان آخر. ومع ذلك فما دام الأوروبيون يعيشون بلا قيد يكبح جماحهم وبلا قوانين فى مصر، وليس لدينا محاكم ، فسيكون من المستحيل بالنسبة لى أنْ أعيش هنا. إننى أعانى والظلم يُسبّب لى الضيق. يجب أنْ نـُنشىء محاكم تحمينا من الأوروبيين ومن الوالى ، حتى نستطيع أنْ نحيا فى أمان وكرامة. نحن فى حاجة إلى محاكم حتى تكون مصر هى مصر، ولكى أكون وزيرًا حقيقيًا وليس مجرد حاجب فى محكمة))
انفجر السلطان التركى غضبًا بمطالب إسماعيل وتأييد نوبار. وفى الزيارة التى قام بها نوبار إلى الأستانة وجد كبار الدول العثمانية يتهمون روسيا بأنها وراء مطالب إسماعيل . وكانت روسيا فى ذلك الوقت وراء ثورة كريت المناهضة للسيطرة العثمانية. وقال على باشا (رئيس الوزراء العثمانى) لنوبار ((مصر بلد مقهور بالسيف . أنتم تـُريدون الاستقلال عن الامبراطورية. كيف يتجاسر إسماعيل ويطلب هذه المطالب ؟ واعترف نوبار فى مذكراته أنه تعرّض لاهانات شديدة فى الأستانة. واشتدّ غضب الوزير التركى فقال : أنتم تـُريدون زيادة عدد قوات الجيش وأسطول حربى ، أليس هذا هو الاستقلال؟ ثم ذكــّره بفرمان عام1848 والتهديد بأنه إذا عاد الوالى إسماعيل وكرّر هذه المطالب فإنّ الأستانة ستنظر فى ضرورة اتخاذ إجراءات بشأنه.
ولكن نوبار لم يُرهبه هذا التهديد فقال ((مطلبنا الآن الحصول من الباب العالى على وسيلة للدفاع عن خمسة ملايين مسلم ضد تعديات وانتهاكات الأجانب فى مصر. وضد الاستغلال الذى يُمارسه مائة ألف أجنبى ضد سكان مصر. وكل المصريين يساندون الوالى فى هذه المطالب)) وقال فؤاد باشا التركى لنوبار ((مصر شجرة مزروعة فى أرض تنتمى للامبراطورية. ولذلك فإنّ الشجرة تنتمى إليها)) فكان رد نوبار ((ولكن هذا الحق – حق الانتفاع – يُصبح سرابًا إذا لم تكن لدينا سلطة تشذيب الشجرة كما ينبغى . وتقليب الأرض حول جذورها لإشباعها بالهواء. وتخليصها من الأعشاب الطفيلية والحشرات. أى السماح لمصر بأنْ تصنع تطورها بنفسها بحرية. فهى لا تطلب أكثر من ذلك : الفصل التام بين إدارتنا وإدارة الامبراطورية. فالهدف هو الحفاظ على الشجرة وصيانتها لكم ولنا)) وأخيرًا وافقتْ الأستانة على منح مصر حق إدارة شئونها ورفضتْ حق مصر فى وضع ترتيبات جمركية مع الدول الأخرى . فقال نوبار لفؤاد باشا التركى ((كيف إدارة بدون جمارك؟ ما الإدارة إنْ لم تكن مجموع المصالح المادية والمالية والأدبية لبلد ما ؟ إنكَ تعطينى بيد ما تأخذه باليد الأخرى)) وبعد جدال طويل وافقتْ الأستانة على منح مصر حق وضع ترتيبات وعقد اتفاقيات جمركية بشرط أنْ تخضع هذه الترتيبات لموافقة الباب العالى ، ولكن نوبار أصرّ على إلغاء هذا الشرط ، وبعد جدال جديد وافقتْ الأستانة على مطلب نوبار بشرط ألا يكون لهذه الاتفاقيات الجمركية طابع سياسى . وكان من بين إنجازات نوبار فصل القضاء عن الإدارة.
وعندما طلب إسماعيل إلغاء إحدى الصحف الفرنسية التى تـُطبع فى مصر، وتطعن فى الحكومة المصرية ، حدثتْ أزمة بين مصر وفرنسا التى شنــّـتْ الهجوم على مصر، فقام نوبار بدعوة كل القناصل الأجانب إلى اجتماع وطلب منهم أنْ يحكموا فيما إذا كانت قنصلية فرنسا مصيبة أم مخطئة؟ وفى نفس الوقت هدّد نوبار بالقبض على كل فرنسى يحمل سلاحًا . وبعد المناقشة اتفق القناصل على أنّ قنصل فرنسا مُخطىء فى تصرفاته. وتدخــّـلتْ الحكومة الفرنسية لتهديد مصر بمخاطبة الأستانة. ثم طلبتْ تعيين ثلاثة من قناصل الدول الكبرى للتحكيم فى الخلاف وهم قناصل بريطانيا وإيطاليا وألمانيا . وكان السؤال المطروح : هل من حق البوليس المصرى أنْ يستولى على جريدة ممنوعة وتـُباع فى الشوارع ؟ وكان الحكم بالاجماع مؤيدًا لرأى نوبار ضد القنصل الفرنسى. وكتب مسيو دى فوجيه (وهو من مشاهير كتاب فرنسا) ((لقد اكتشفَ نوبار وسيلة المراقبة الوحيدة الفعالة لوضع حد لاستبداد الحكومة فى الشرق . وستبقى ذكراه ملازمة لفكر قوى عظيم . أبرزه إلى حيز الفعل . وهو إنهاض الشرق من خلال عدالة تحمى الذين أرهقهم الظلم . لقد شيّـد المصريون القدماء الأهرام.. والآن يُـشيّـد نوبار فى مصر أثرًا باقيًا)) وفى مارس 1878 تقرّر تشكيل لجنة للتحقيق فى أحوال مصر المالية فطلب إسماعيل من نوبار مواجهة تلك الأزمة. فقال له نوبار ((يجب على سموكم التنازل عن كل ممتلكاتكم ، وإنْ لم تفعل ذلك ستفقد مصر. رفض الخديو طلب نوبار. ولكنه بعد فترة وافق على التنازل عن كل أراضيه للدولة ، على أنْ تـُخصص الحكومة له ولأسرته مبلغـًا سنويًا قدره نصف مليون جنيه.
وبعد أنْ تواطأ توفيق مع الإنجليز، وتمّ خلع إسماعيل سافر نوبار إلى باريس فسأله الصحفيون : ماذا حدث فقال ((إنّ ما يشغلنى الآن شىء آخر. هو أننى أتمنى العودة إلى مصر. لأننى أتلهف على رؤية القاهرة وأتطلع إلى مآذنها وأضوائها التى تنعكس على جبل المقطم فتتحول إلى ومضات خافتة وردية. وأرى الأهرمات والنيل وأهل مصر الذين أحبونى وأطلقوا علىّ اسم (أبو الفلاح) وكتب فى مذكراته ((كانت مصر تبدو أمامى عظيمة. تستحق أنْ تكون مُرفهة مستقلة. تـُقرّر مصيرها بنفسها. وشعبها المُـتعطش للعدالة. ومن أجل تحقيق هدف العدالة كنتُ مستعدًا للتضحية بكل شىء.. ثروتى وحياتى نفسها))
فى عام 1903 أقيم تمثال من البرونز فى جنينة عامة بالإسكندرية لنوبار. ظلّ التمثال فى مكانة إلى أنْ حطــّتْ على مصر سحابة يوليو1952 السوداء ، حيث تمّ رفع التمثال ودفنه فى متحف غير مشهور. ونشرتْ صحيفة الجمهورية (صحيفة الضباط) الخبر يوم 29 نوفمير1966 وقال مُحرّر الخبر ((وهكذا أسدل الستار على مؤسس المحاكم المختلطة فى مصر)) فهل كان هذا الصحفى يشيد بالمحاكم المختلطة التى أوجبتْ محاكمة الأوروبيين على أى جرائم يرتكبونها ضد أى مصرى ، أم يسخر منها (ومن نوبار الذى أنشأها) كما تعلــّم (هذا الصحفى) فى مدارس الناصرية الدرس الأول : أنّ كل ما سبق يوليو52 يجب مُـهاجمته لأنه من (العهد البائد) فى تقليد فج لما أطلقه محمد على الفترة السابقة على دعوته للإسلام وأطلق عليها (العصر الجاهلى) وبينما الإسلام أخذ الكثير من هذا (العصر الجاهلى) فإنّ ضباط يوليو رفضوا أخذ أهم منجزات الفترة السابقة على عهدهم الأسود ، رفضوا الليبرالية الفكرية التى ساهم فيها جيل عظيم من المصريين ، ورفضوا الاعتراف بفضل الأجانب الذين كانوا (مصريين) أكثر من (مصريين بالاسم فقط) وكان نوبار باشا أحد هؤلاء المصريين (بحق وحقيق) رغم أصوله الأرمنية.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,355,558
- الأرمن : صراع الإبادة والبقاء
- شركات السلاح والمؤسسات الدينية
- تقدم الشعوب وتخلفها ونظرية التكيف
- العلاقة بين العروبة والإسلام
- خصوم لويس عوض والعداء للغة العلم
- الصهيونية أعلى مراحل اليهودية
- آفة الولاء السياسى والدينى
- الهوان العربى والفكر الأبوى
- اليمن بين الماضى والحاضر
- العروبة والجحيم العربى
- الشخصية القومية والدين (3)
- الشخصية القومية واللغة (2)
- الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية
- الجثة : قصة قصيرة
- العروبيون والحضارة المصرية
- التواصل الحضارة : الموسيقى المصرية نموذجًا
- أخناتون : الفرعون المارق
- بورتريه لحفيد جدتى (ص. م)
- أدونيس من شاعر إلى داعية إسلامى
- الاستشراق والاستشراق معكوسًا


المزيد.....




- أكاديمي بريطاني: الإمارات تستغل الصوفية لإيجاد قاعدة أيديولو ...
- مصر تكشف مخطط قيادات جماعة الإخوان الموجودة في تركيا لضرب ال ...
- الأمن المصري يعلن الكشف عن مخطط لقيادات جماعة الإخوان المتوا ...
- تدنيس وتجريف مقبرة إسلامية تاريخية بيافا بقرار صهيوني
- بيت لذاكرة التعايش بين يهود المغرب ومسلميه
- السراج: أبو ظبي والقاهرة تدعمان حفتر لأوهام تتعلق بمخاوفهم م ...
- الأردن رفض استقبال هنية... والملك غاضب من -الإخوان-
- وثائق وتسريبات تكشف :الإخواني معتز مطر يحصل على 60 ألف دولار ...
- شيخ الأزهر: نبذل جهودا مكثفة لنشر المنهج الإسلامي الصحيح في ...
- خلاف حاد داخل أغلبية العثماني بسبب المعهد الملكي للثقافة الأ ...


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - نوبار الأرمنى : عاشق مصر