أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مسعد عربيد - مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل















المزيد.....



مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 348 - 2002 / 12 / 25 - 13:51
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


I
مقدمة

لم يحظى بلد بهذا القدر من الاهتمام والجدل والتكهنات بمصير نظامه ومستقبله مثل كوبا. فقد أقامت كوبا الدنيا وشغلت الناس على مدى اربعة عقود.  فما ان مرت اشهر على انهيار الاتحاد السوفييتي حتى أخذت التساؤلات تلح حول صمود كوبا. واجتازت كوبا، منذ ذلك الحين، سنوات عصيبة في تاريخها وخرجت صامدة بفضل مقاومة وتضحيات شعبها. الاّ ان هذا الصمود لم يوقف سيل التساؤلات التي ما زالت تتدفق: الى ما ستؤول اليه كوبا بعد وفاة زعيمها فيدل كاسترو؟ وهل ستقوم لها قائمة؟ وما هو مستقبل الاشتراكية فيها؟

جالت هذه التساؤلات في نفسي عندما وطأت قدماي شواطئ الجزيرة. ما هو "السر" في هذا الصمود؟ هل هو الشعب العنيد والمتمرس في اشكال النضال والصمود والمقاومة؟ كيف استطاعت هذه الجزيرة الصغيرة ان تصمد في وجهة الكارثة التي حلت بها بعد الانهيار السوفياتي وان تستعصي على العدو الامبريالي؟ كيف هوت انظمة تشيكوسولفاكيا وبلغاريا والمانيا الشرقية وغيرها خلال أسابيع او اشهر وصمدت كوبا اربعة قرون ضد العدو الامبريالي القادم من الشمال وعلى مرمي صاروخ من شواطئ ميامي؟ كيف نجت كوبا من براثن الجوع وولجت عقدها الثاني بعد غياب الصديق السوفيتي الكبير الذي رحل تاركا خلفة تلك الجزيرة البعيدة عرضة للعزلة والجوع والفقر؟ 

قامت محاولات عديدة للاجابة على هذه التساؤلات. ولم يتردد بعضها من استغلال الازمة التي وقعت بها كوبا  لاثارة الشكوك والتحريض ضد الثورة الكوبية وانجازاتها ومستقبل الاشتراكية فيها بل والتشكيك بالاشتراكية جملة وتفصيلا كنظام اقتصادي واجتماعي. كما ذهب الكثيرون الى القول بان مستقبل الجزيرة مرتبط بزعيم ثورتها كاسترو ومع رحيله تصبح هذه التجربة برمتها، ثورة وتجربة ونموذجا وانجازات، في مهب الرياح الى ان تسقط ضحية بين فكي العولمة الرأسمالية والحصار الامبريالي اليانكي.

وليس هناك من شك بان الحالة الكوبية معقدة يغلفها الكثير من الاختلاط ويستعصي الوضوح. وربما يرجع بعض ذلك الى قدرتها الفريدة على الاستقطاب والفرز بين معاد التزم الصمت عن الانجازات التي حققتها الثورة ولاذ الى النقد اللاذع لهذه التجربة وكل ما اتت به، وبين مؤيد عجز عن ان يرى المشكلات الجسيمة التي واجهتها هذه التجربة مما افضى به الى افتعال صورة "مثالية" للتجربة الكوبية. تتناول هذه المقالة المسألة الكوبية، ليس للرد على هذه التساؤلات، بل لمحاولة فهم المخاض العسير الذي مرّت به منذ اوئل التسعينينات والتحديات التي واجهتها، لننتقل بعد ذلك الى الحلول والسياسات التي اتخذها النظام الكوبي للحفاظ على الذات ومتابعة المسيرة. ثم نفرد الجزء الاخير من هذه الدراسة لاستعراض واحد من مشاريع الاصلاح الاشتراكي في كوبا عمل على تطويره فريق من الباحثين الاقتصاديين الكوبيين ما يقارب عقد من الزمن. وسوف نقتصر في عرضنا على جهات النظر الكوبية داعين المقرحات القادمة من خارج كوبا (والدخيلة في اغلبيتها) موضوع بحث آخر.

II
الازمة الكوبية: السياق التاريخي والسياسي
في أسباب وطبيعة الازمة الكوبية
تقوم اغلب التكهنات حول مستقبل النظام في كوبا والتشكيك بقدرته على الاستمرار في مشروع التحول الاشتراكي على الفرضية التي تقول ان الازمة الاجتماعية ـ الاقتصادية ستؤدي حتما الى ازمة في النظام السياسي، وان تفاقم هاتين الازمتين مجتمعتين سيؤدي الى الانهيار التام للنظام الكوبي. وهكذا تبقى تفسيرات الحالة الكوبية أسيرة لجبرية الاوضاع الاجتماعية وآثارها. وان كنّا لا نقلل من اهمية هذه العوامل الاّ انه يجب الالتفات الى تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية لادراك الدور الكبير الذي تلعبه العوامل السياسية التي ساهمت وشكلت عاملا حافزا لسلسلة التطورات التي تلت ذلك الانهيار.

اما التحليل الموضوعي والامين للحالة الكوبية فيقودنا الى نتيجة مختلفة اذا ما تميز بحسن النية ولم ينطلق من معاداة الاشتراكية والنظام الكوبي، واذا ما اخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي للعملية الثورية الكوبية التي احدثت تغييرات عميقة في المجتمع والانسان ونظم القيم في كوبا اضافة الى الانجازات التي حققتها هذه العملية في التصدي لمعضلات التنمية في كوبا وايجاد الحلول لها.

وبدءا، لا بد من التنويه الى انه لا بد من فهم عملية التحول الاشتراكي في كوبا في سياق مرحلة تاريخية لمجتمع رزح تحت الهيمنة الاميركية ما يقارب من ستة عقود (1901ـ 1959).  وستظل هذه االحقيقة بالغة الدلالة في فهم الاحداث التي تلت انتصار الثورة الكوبية في الفاتح من يناير 1959 وفهم العلاقة بين الطرفين المتصارعين: الامبريالية الاميركية والثورة الكوبية. وحين همت الثورة في القضاء على الهيمنة الامبريالية وتحقيق الاستقلال والشروع في البناء الاشتراكي تصدى لها تحديان كبيران ما زالت آثارهما واضحة المعالم على هذه التجربة. تمثل التحدي الاول في غياب النموذج الاشتراكي الناجح الذي تستطيع كوبا الاستفادة من قدوته. أما ألتحدي الثاني، والذي لا يزال قائما بشكل اكثر حدة من اي وقت مضى، فهو العداء والحصار الامبريالي الاميركي "الازلي" الذي لم يتوقف منذ اعلنتة الادارة الاميركية عام 1961 ضد هذه الجزيرة الصغيرة والمعزولة.  وهكذا لم تقتصر مهمة الكوبيين على بناء المجتمع الجديد فحسب بل وفي الدفاع عنه وعن استقلاله ايضا.

يذهب بعض الباحثين الى أن الازمة الكوبية اقتصادية في طبيعتها تعود في اسبابها الى نقائص العملية الاجتماعية ذاتها
(عملية التطور الاجتماعي). وبعبارة اخرى فانهم يرون ان مرد هذه الازمة هو عجز متأصل في الاشتراكية ذاتها كنظام اجتماعي واقتصادي (انتاجي). أما البعض الآخر فيرى ان الاشتراكية كفكرة ونمط اقتصادي ليست هي المشكلة في كوبا وان العامل الاكثر اهمية في هذه الازمة يكمن تحديدا في انفلات "اللانجاعة الاقتصادية" في عملية الانتاج والتي تعود في جذورها الى غياب او نقص في الحوافز المادية التي جاءت نتيجة السياسات والاجراءات التي اتبعها النظام الكوبي. اضافة الى ذلك فان اصحاب وجهة النظر هذه يعتقدون ان الازمة بحد ذاتها هي نتيجة التقصير في عدم استبدال نظام ادارة الاقتصاد الذي سبق الفترة التصحيحية (عام 1986) بنموذج افضل ومندمج كلية بالعملية الاقتصادية. 

وهناك ايضا الفريق الذي يميل الى تفسير الازمة بالعوامل الخارجية (الانهيار السوفياتي، تضييق الحصار الاميركي، عدم القدرة على الاندماج في السوق العالمية) مستندين في ذلك الى فهمهم للاقتصاد الكوبي بانه كان دوما اقتصادا مفتوحا وان التجارة الخارجية الكوبية اتسمت تقليديا بقلة الصادرات وكثرة المستوردات مع الدول الاشتراكية سابقا والتي منحت السلع الكوبية اسعار مفضلة. 
 
ويظل السؤال التالي موضوع خلاف وحوار في كوبا: هل يشكل الحصار الامريكي ضد كوبا، بطبيعته وشراسته وآثاره المدمرة على الاقتصاد الكوبي، العامل الرئيسي المسؤول عن الازمة الكوبية الراهنة ام علينا ان نبحث عن  اسباب تلك الازمة في الظروف الداخلية والسياسات الاقتصادية المتبعة في كوبا؟ فهناك من يقول ان المبالغة في آثار الحصار  تستخدم لتبرير الخلل ونقاط الضعف وانعدام النجاعة الاقتصادية في النظام الاقتصادي الكوبي وبنيته ذاتها. ويضيفون انه لا يجوز استخدام العوامل الخارجية كذريعة لتبرير الاخطاء في السياسات الاقتصادية وضعف النجاعة الاقتصادية. وبالرغم من انه لا يمكن التنكر لمسألة انعدام النجاعة في الاقتصاد الكوبي الا انه مع بلوغ عام 1991 طغت مشاكل طارئة اخرى اكثر حدة من هذه المشكلة لا يمكن تجاهلها في صياغة المأزق التي عانت منه كوبا.

السياق التاريخي والسياسي للازمة الكوبية
اعتمد الاقتصاد الكوبي تاريخيا (في مرحلة ما قبل الثورة) على استيراد التكنولوجيا (المعدات والاليات وقطع الغيار...الخ) والمواد الغذائية، في حين تخصصت الجزيرة، بفضل العوامل الجوية، بانتاج وتصديرالسكر والتبغ. وقد بقي الاقتصاد الكوبي على هذه الحالة حتى انتصرت الثورة عام 1959 والتي ادت، خلال اسابيع قليلة، الى بتر العلاقات مع راس المال المحلي والاجنبي. ثم تلت ذلك العزلة عن النظام الاقتصادي العالمي ودول اميركا اللاتينية اضافة الى الحصار  الامبريالي الامريكي. 

ويكمن في هذه السمات احد جذور الازمة الكوبية الراهنة والذي يتمثل في ان هذه الازمة قد نشأت وأكتملت في ظل ظروف نوعية كانت فيها الجزيرة معزولة (فك الارتباط) عن النظام الراسمالي العالمي ومؤثراته. أما علاقات كوبا مع الدول الاشتراكية، فقد انحصرت، الاّ فيما ندر، بالعلاقات الاقتصادية والتجارية، في اطار مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل
Council of Mutual Economic Assistance (CMEA) الذي تشكل من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية في اوروبا الشرقية.  وما ان استلم جوربتشوف زمام السلطة في الاتحاد السوفيتي وسياسات البريسترويكا وجلاسنوست حتى اتضحت ملامح الكارثة التي ستحل بكوبا. وعليه يستحيل فهم الحالة الكوبية والاضرار الفادحة التي ألمت بالاقتصاد الكوبي عبر سلسة من التطورات المعقدة والمتزامنة والمتسارعة والتي ادت، في النهاية، الى أزمة بالغة الخطورة، دون اعتبار العوامل التالية وفهم الازمة الكوبية ضمن سياقها: 
1) عملية التوسع الهائل والمتسارع والمعولم للنظام الراسمالي
2) التغيرات السياسية في الاتحاد السوفياتي وكتلة الدول الاشتراكية (1989 ـ 1991) التي انذرت بنهاية هذه الانظمة وغياب القطب الاشتراكي وانتقال النظام العالمي الى نظام احادي القطبية.   
3) ان غياب القطب الاشتراكي وتفكك انظمته ومجتمعاته اديا الى تقوية النظام الرأسمالي وهيمنته على المستوى العالمي. الا ان عملية ضرب وتفكيك المعسكر الاشتراكي،  لم تكن بعيدة عن جوهر، بل كانت في صلب نظام الانتاج الراسمالي الذي  دخل حقبة العولمة. وتشير التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللاحقة في بلدان اوروبا الشرقية الى ان هذه العملية ما زالت قائمة على قدم وساق وهي في الحقيقة بعيدة عن ان تكون قد انتهت أو اكتملت.
4) تصعيد العدوان الاميريكي الامبريالي ضد الثورة الكوبية التي شنته الادارارت الاميركية المتتالية متعاضدة مع مجموعات المهاجرين من الكوبيين ـ الاميركيين والمافيا الكوبية في الولايات المتحدة والذين يكنون عداءا غير متناهي للثورة والنظام والحزب الحاكم والقيادة الكوبية. 

لقد ساهمت هذه التطورات الدولية العميقة (والتي حدثت في اواخر العقد الثامن من القرن العشرين وشكلت جزءا من عملية التوسع المعولم للنظام الرأسمالي)، حسب ما يرة بعض الباحثين الكوبيين، في اخراج النظام الراسمالي من الازمة البنيوية التي اعترته منذ مرحلة الركود في عقد السبعينيات. وفي ظل هذه الظروف، تمكن النظام الراسمالي من الانتقال الى حقبته اللاحقة ـ العولمة، مخترقا الحدود والجنسيات والقوميات ومستخدما تحسينات نوعية في آليات التراكم والهيمنة اضافة الى التقدم التكنولوجي المتسارع الذي تحقق في تلك الحقبة.  

 آثار النمط السوفياتي على التجربة الكوبية
لم يكن اندماج كوبا شبه الكامل في مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل نتيجة اللقاء الايديولوجي فحسب، بل كان، في سياق تلك الحقبة، البديل الوحيد لكوبا في مواجهة الحصار الشديد التي شنته الولايات المتحدة ضدها.  ورغم ان  الاندماج مع السوق الاشتراكية لم يخلو من التوترات والتناقضات، الاّ انه ولّد تدريجيا وعبر عقود ثلاث نمطا من العلاقات الاقتصادية اتاحت لكوبا تجنب الظروف القاسية التي واجهتها الدول النامية الاخرى في السوق الدولية. ويمكن القول بانه قد تم، نتيجة لذلك، نقل نموذج لمجتمع زعم انه اشتراكي وزرعه في كوبا. وقد احضر هذا المجتمع معه مفاهيم وممارسات كانت قد نمت ونضجت ضمن ظروف اجتماعية وتاريخية مغايرة للوضع الكوبي. كما اشتمل هذا النموذج، من ضمن ما شتمل عليه ايديولويجة "ما بعد الثورة" والتي لم تكن تربطها اية رابطة بعملية التغيير العميقة المطلوبة من اجل خلق اسلوب حياة جديدة وانسان جديد يتناقض أساسا مع الراسمالية. 

ومع حلول العقد الثامن القرن العشرين اخذت كوبا تواجه وضعا اقتصاديا صعبا تميز بازمة مالية حادة حيث رفضت الدول الغربية الدائنة منح كوبا اية قروض. ورافق هذه الازمة تدهور عام في الاقتصاد الكوبي اتسم بانعدام النجاعة الاقتصادية والتي جاءت نتيجة بعض السياسات الاقتصادية التي تم اقرارها منذ عام 1975. وفي عام 1984 اصبح الاختلال في التبادل التجاري الخارجي كبيرا مما ادى بالنظام الكوبي لتبني بعض الاجراءات من اجل ضبط وتجنب هذه المشاكل. الاّ ان الدلائل  أخذت تشير، في عام 1986، الى أن تفاقم الصعوبات الاقتصادية لم يكن نتيجة الاخطاء في السياسات الاقتصادية وانعدام النجاعة الاقتصادية أو بسبب نقص أو عجز في الادارة التقنية والرقابة فحسب، بل لاسباب اكثر عمقا وجذرية تتعلق "بطبيعة  النظام الاشتراكي ذاته وتماسكه الداخليه". وبتحديد أكثر دقة بظهور ايديولوجية اقتصادية مرتبطة بما يسمى "باشتراكية القوى المنتجة" (أو كما يسميها البعض "اشتراكية قوى الانتاج") وهي الايديولوجية التي عمل على اساسها النمط السوفيتي والدول الاشتراكية الاخرى في اوروبا الشرقية. كانت هذه الايديولوجية فد تغلغلت واندمجت في النمط والنظام الاشتراكي في كوبا منذ سبعينيات القرن الماضي مما ادى الى ظهور "بيروقراطية  تنموية" تستمد قوتها وقراراتها من  الادارة البيروقراطية. وكما اتضح لاحقا، كانت تلك هي الايديولوجية التي دمرت الاشتراكية  في اوروبا الشرقية وأدت الى هزيمتها امام قوى الانتاج في العالم الراسمالي. 

لقد ادرك كاسترو والحزب الشيوعي الكوبي مبكرا الانحراف الذي تزعمه جوربتشوف، وكان من نتائج هذا الوعي المبكر ان عمت الجزيرة الكوبية حركة سياسة ناشطة وقوية وناقدة للنهج السوفيتي. وقد اخذت هذه الحركة في التنامي والتماسك حتى تبلورت بما سميّ لاحقا ب "العملية التصحيحية" (1986)   التي تواصلت  وادت الى سحق الدعم النظري والعملي للايديولوجية البيروقراطية التي ادرك الكوبيون مخاطرها وسارعوا الى تجديد النضال والاستمرار في انجاز مهمام البناء الاشتراكي. وقد استهدفت هذه العملية التصحيحية، في حدها الادنى، الحفاظ على الاهداف الاصلية للثورة والنضال من اجل خلق مجتمع جديد تسود فيه القيم الاخلاقية الاشتراكية والتضامن والتعاون بين المواطنين والطبقات الشعبية ومحاربة النزعات الفردية والذاتية والانانية والاستهلاكية: اي مجتمع تتكافل فيه القيم الاشتراكية وتشكل الآليات الاساسية التي تحفز الناس على المساهمة في عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.  وكان في هذا عودة للتناغم مع سمات الثورة الكوبية وانسجام مع أهدافها التي التزمت  بالموقف الذي يقول بان الفعل الشعبي الجماعي والمنظم هو القادر على خلق واقع اجتماعي جديد يشكل المناخ الملائم لخلق الانسان الجديد والافضل وذلك "بدفع التطورات والاحداث الى اقصى حدودها" كما اعتاد تشى غيفارا ان يردد. 

سمات المشروع الاشتراكي في كوبا
جاءت الازمة الكوبية بعد ثلاثة عقود من بداية المشروع الاشتراكي الذي اعلن عنه الرئيس كاسترو في 16 نيسان/ابريل  1961. ويمكننا تقسيم تطور الاشتراكية في كوبا الى اربعة مراحل:
1) المرحلة الاولى (1961-1970): مرحلة البحث عن الذات وبناء النمط الاشتراكي الكوبي.
2) المرحلة الثانية (1970- 1985): مرحلة الاندماج في النمط السوفياتي في البناء الاشتراكي.
3) المرحلة الثالثة (1985 – 1990): محاولة اعادة تحديد معالم الاشتراكية الكوبية ومراجعة التجربة بناءا على شروطها الذاتية وظروف تطورها المحلي بعد التنبه الى اطروحات جورباتشيف والتوجه الاقتصادي والسياسي في الاتحاد السوفيتي خلال فترة حكمه.
4) المرحلة الرابعة ( 1990 – حتى الوقت الراهن): وتميزت بالتكيفات الداخلية والتصحيحات البنيوية في كوبا والمستمرة حتى يومنا هذا والتي استهدف الصمود والحفاظ على الذات والعمل على الاندماج في السوق العالمية وانهاء حالة العزلة التي احكمت الخناق على الاقتصاد الكوبي. وقد تميزت هذه المرحلة بتشديد الحصار الامبريالي الاميركي  الاّ ان كوبا تمكنت، رغم ذلك، من تحقيق العديد من الانجازات الاقتصادية والاجتماعية: استطاعت ان تصمد في وجه هذه التحديات، وان تحافظ على انجازاتها، كما استطاعت ان تحقق قدرا متواضعا من النمو الاقتصادية.  

 


تكمن قوة ومصداقية المشروع الاشتراكي في كوبا في عاملين اثنيين هما: اعادة توزيع الموارد والخدمات الاجتماعية والاقتصادية أولا واعادة توزيع القوة (السلطة) السياسية ثانيا. ويشكل هذان العاملان مجتمعان الاساس الذي تقوم عليه المشاركة الشعبية وتؤمّن دورها في عملية التطور الاجتماعي. وهذه العملية ليست منفصلة عن الممارسة السياسية للديقراطية.   

لقد ركز النظام الكوبي جهوده على التوزيع العادل والتمكافئ للخدمات الاجتماعية والاقتصادية مستندا الى مبادئ التنمية الاجتماعية والانسانية والاخلاقية والتي تجمع ما بين التقدم والتطور المادي وتحسين الاوضاع المعيشية والاجتماعية والثقافية. ويعتبر التوزيع العادل للخيرات الاجتماعية والاقتصادية في كوبا من اكبر واهم انجازات الثورة التي تقدمها الدولة الكوبية من خلال صياغة وتطبيق سياسات اقتصادية تقدمية.

III
كوبا في مواجهة الازمة

 التحولات الجديدة في الاقتصاد الكوبي
واجه الاقتصاد الكوبي منذ عام 1990 تدنيا كبيرا في الانتاج الذي كان نتيجة الشلل القسري لقطاعات اساسية في الاقتصاد الوطني. وفي مواجهة الاوضاع الداخلية العصيبة والضغوط الخارجية (الحصار الاميركي وانهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية وانعدام القدرة على الاستلاف من المؤسسات الدولية)، اتخذ النظام الكوبي مجموعة من الاجراءات الاقتصادية شملت، بشكل اساسي، تعديلات في القطاعات الاقتصادية اتنجهت الى معالجة المحاور الاساسية في الاقتصاد الكوبي 
وأعادت ترتيب اولوياته. وقد توجهت الاستثمارت نحو القطاعات الاستراتيجية بناء على تلك الاولويات: (1) الصادرات التقليدية مثل السكر ومعدن النيكل، (2) الصادات غير التقليدية مثل السياحة، التكنولوجيا الحيوية والطبية وصناعة المعدات الطبية الالكترونية، والتي كانت ثمرة للتطورات العلمية والتكنولوجية التي رعتها كوبا طيلة السنوات التي سبقت، (3) قطاعات انتاج المواد الغذائية والمحروقات لتفادي الاعتماد الكامل على الاستيرادات والتعويض عن نقصها.  وقد تبنت الحكومة الكوبية، في معرض مواجهتها لاختلال التوازن المالي الداخلي خلال الفترة الحادة من الازمة وفي وجه شحة الموارد، سياسات تهدف الى: الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية (التعليم والرعاية الصحية المجانين)، وضبط البطالة ضمن حدودها الدنيا، وضبط الاسعار والحيلولة دون ارتفاعها. وقد استلزم تحقيق ذلك  "نظام توزيع حصص" لضمانة التوازن والعدالة في توزيع الموارد لكل الفئات الاجتماعية. وفي حين ضمن هذا النظام عدم ارتفاع الاسعار، الاّ انه بالمقابل لم يستطع ان يقدم الاّ كميات محدودة  من هذه الخدمات والمنتوجات كي حتى تتوفر لكافة فئات المجتمع الذي اصبح مجموعة من الشركاء باسعار منخفضة ومتساوية. 

قد ادّى نقص المواد الغذائية الى ظهور "اسواق سوداء غير شرعية". الاّ انه اعادة توفر المواد الغذائية وقدرة المستهلك على شرائها بالعملية المحلية (البيسو)، تدنى الحافز للتبادل بالدولار الاميركي الذي اصبح مسموحا به منذ اكتوبر 1993 مما ادى الى هبوط معدل تبادل الدولار من 130 بيسو للدولار الواحد (سبتمبر 1993) الى25 بيسو (يناير 1996) الى 26 بيسو (يوليو  2002). عالجت الحكومة شحة المستوردات (قطع الغيار، مضادات الحشرات، الوقود والمحروقات، والسمادات الكيماوية) باعادة توزيع الانتاج وزيادة الحوافز للعمال وتحسين ظروف الانتاج الزراعي بتشجيع التبادل التجاري المباشر بين وحدات الانتاج.  

تبنت الحكومة الكوبية منذ اوساط عام 1993 سلسلة من الاجراءات تشير الى بداية التغييرات في السياسات الداخلية للاقتصاد الكوبي. وتكمن ألاهمية البالغة لهذه الاجراءات في أنها لم تقتصر على مجال التبادل التجاري مع الاسواق الخارجية (التجارة والسياحة والاستثمارات الاجنبية) بل تجاوزته الى التوسع الحذر للاسواق المحلية. كما شملت هذه الاجراءات فتح الباب اما الاستثمارات الاجنبية وتوسيع الشركات ذات الملكية المشتركة (بين الحكومة الكوبية والشركات والاستثمارت الاجنبية) وانتقال هذه من قطاع التصدير والاستيراد الى قطاع التمويل الاستثماري والقطاعات المحلية في الاقتصاد الكوبي.  وقد أدت الازمة الاقتصادية الى التعجيل في علمية الاصلاع الاقتصادي الذي شمل العناصر التالية:
على مستوى التجارة الخارجية:
ـ انفتاح متزايد على راس المال الاجنبي وازدياد عدد الاستثمارات المشتركة بين الحكومة الكوبية والشركات الاجنبية  وتنشيط الاستثمارات الاجنبية (السياحة الدولية، صناعة الادوية، تطوير البيوتكنولوجيا، انعاش انتاج السكر). وقد لاقت هذه الاجراءات نجاحات كبيرة في معالجة الازمة والتصدي لآثارها المدمرة على المستوى الداخلي، كما شكلت محاولة منتظمة ومثابرة في انعاش الاقتصاد الكوبي وادخاله الى السوق العالمية.
ـ ازالة احتكار الدولة للتجارة الخارجية
ـ السماح (شرعنة) بالتداول العملات الاجنبية وتحديدا بالدولار الاميركي وافتتاح المزيد من مكاتب صرف العملات الاجنبية تحدد سعر صرف هذه العملات على اساس العرض والطلب. وقد صرّح للمشاريع الخاصة بالتداول بالدولار وتمويل ذاتها مقابل تحويل جزء من دخلها (بالدولار) الى خزينة الدولة. وتشكل الدولارات التي يرسلها المغتربون الكوبيون في الولايات المتحدة الى ذويهم في كوبا الجزء الاكبر من الدولارات التي غزت السوق الكوبية. اضافة الى ذلك، فقد سمحت الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الكوبية مع الشركات الاجنبية العاملة في كوبا، ان تدفع جزءا من رواتب الموظفين الكوبيين العاملين في هذه الشركات بالدولار.
ـ تعديلات في الهيكلية التنظيمية للدولة من اجل ضبط العلاقة في التعامل مع  الشركات الثنائية والاستثمارات الاجنبية
ـ التعديلات القانونية التي صاحبت هذه التطورات الاقتصادية والتي كان من اهمها التعديل الدستوري في يوليو 1992 والذي اعادت تعريف "الملكية الاشتراكية"، الاقرار بظهور شكل جديد من الملكية، وتحديد الملكية وتغييرات اخرى داخل نظام التخطيط الاقتصادي.
ـ اصلاحات جزئية في أنظمة المحاسبة وتحديد الاسعار.


على مستوى الاقتصاد المحلي:
ـ ترخيص الاعمال الحرة:  قامت الحكومت الكوبية (1993) بالغاء مركزية ملكية الدولة للمشاريع الزراعية كما صرحت ببعض الاعمال الحرة وتوسيع العديد من القطاعات الاقتصادية من تجارية وصناعية وخدماتية وسنت القوانين الجديدة لتسهيل نمو هذه القطاعات.  
ـ ادخال التغييرات التنظيمية في قطاع الزراعة والتي سعت الى دعم وتشجيع الاشكال التعاونية للانتاج الزراعي والتي يمكن اعتبارها الخطوة الاولى في عملية بالغة الاهمية في الاصلاح الاقتصادي في كوبا: انشاء "الوحدات الاساسية للتعاونيات الانتاجية الزراعية" بهدف زيادة انتاج المواد الغذائية والتي هي عبارة عن شبكة من التعاونيات التي يديرها العمال  (سبتمبر 1993).
ـ على المستوى المالي تبنت الحكومة قانون ضريبة جديد وفرضت نظام الضرائب التصاعدية وزيادة الرسوم على الخدمات التي تقدمها الدولة بهدف زيادة واردات الدولة والقطاع العام وبالتالي القدرة على الوفاء بالنفقات الاجتماعية التي يوفرها المشروع الاشتراكي في كوبا.
ـ تعديلات في بنية المشاريع الاقتصادية شملت الغاء المركزية في التمويل وتحميل المشروع نفسة مسؤولية تمويل ذاته دون معونة الدولة وتوفير الموارد اللازمة لادارة شؤونه وتغطية تكاليفه. أما مساهمة الدولة في التمويل فقد اخذت تضمحل وتقوم على اساس زيادة الانتاجية وتوفير التشغيل وزيادة النجاعة الاقتصادية. 

الفترة الخاصة في كوبا: الفوارق في التصحيحات البنيوية بين كوبا وأميركا اللاتينية
هل تشكل "الفترة الخاصة" (حالة الالطوارئ التي اعلنت عنها الحكونى الكوبية في بداية عام 1990) والتصحيحات البنيوية التي اتسمت بها، طبعة كوبية للتصحيحات  البنيوية على غرار تلك التي تم تطبيقها على نطاق واسع في دول اميركا اللاتينية؟ تشكل "الفترة الخاصة" في كوبا نوعا خاصا من سياسات التكيف والتصحيحات البنيوية التي جاءت للرد على الظروف القاسية التي خلفتها الازمة الاقتصادية الكوبية منذ عام 1990. ومع ان النظام الكوبي قد اعلن منذ البداية ان هذه الفترة الخاصة ستكون "برنامج طوارئ" لمعالجة المستجدات العاجلة، فان الهدف منها كان الحفاظ على البقاء أولا والتنمية ثانيا. وفي حين نجد ان هذا الهدف الاولي (الحفاظ على الذات والبقاء) كان قصير المدى ودفاعي في طبيعته، فاننا نرى ان الهدف الثاني (التنمية) كان متوسط بل طويل المدى وذا طبيعة هجومية من حيث انه شكل استراتيجية اقتصادية للتنمية في ظل ظروف متغيرة متيحا بذلك استمرارية عملية التحول الاشتراكي.

وفي هذا السياق، تصبح التباينات النوعية واضحة بين تعديلات الفترة الخاصة في كوبا والتصحيحات البنيوية الاخرى في بلدان اميركا اللاتينية والتي يمكن ايجازها فيما يلي:
ـ ينطلق النموذج الكوبي من الارضية السياسية والايديولوجية الاشتراكية ولذا تأتي التكيفات متناغمة مع المشروع الاشتراكي وحامية لانجازاته وملبية لمصالح الطبقات الشعبية. وعلى خلاف هذا النمط فان التصحيحات البنيوية في دول اميركا اللاتينية تقوم على اساس السياسات النيوليبرالية المستوردة والملقنة من قبل المؤسسات المالية الدولية المحتكمة لراس المال ولمصالحة على حساب المصالح الحيوية لهذه المجتمعات.
ـ ان سياسات التكيف في الحالة الكوبية لم تأت استجابة  لضغوط وعوامل ضبط خارجية (مثل صندوق النقد الدولي والوكالة الاميركية للتنمية الدولية والبنك الدولي) وغيرها من "التكيفات المالية". ويعود السبب الرئيسي في ذلك الى ان
الازمة الاقتصادية الكوبية لم تكن اساسا مرتبطة بازمة الديون الاجنبية كما حصل، وما زال، في اغلب دول اميركا اللاتينية. لذا يرى المرء ان الحفاظ على البقاء والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك عملية اعادة بناء الاقتصاد الاشتراكي، لم يكن جزءا مما يطلق علية اسم "التصحيحات البنيوية" التي يروج لها اصحاب الاندماج في النظام الراسمالي الاحتكاري المعولم والذي يملي ويحدد صياغة هذه التصحيحات بناءا على مصلحة راس المال ضاربين بعرض الحائط مصالح دول العالم الثالت وجماهيرها الفقيرة.
ـ أما التباين الآخر فيكمن ايجازه بان "التصحيحيات البنيوية" في كوبا لم تكن نسخة مطابقة لعمليات تكديس وتركيز راس المال العالمي الذي يتحكم باقتصادات دول اميركا اللاتينية عبر آلية اعادة البنية الاقتصادية في هذه الدول وترتيب انظمتها وحكوماتها ومجتمعاتها والذي ادى بطبيعته الى حالة من الاستقطاب الاجتماعي الذي يستثني ويهمش الاغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية. فعلى النقيض من ذلك، فان "الفترة ألخاصة" في كوبا والتصحيحات البنيوية التي تخللتها قامت على اساس ومن اجل حماية مبادئ التضامن الاجتماعي والمساواة والاستمرار في توفير النفقات الاجتماعية. وعليى فان اهم الفوارق بين كوبا ودول اميركا اللاتينية الاخرى فيما يتعلق "بالتصحيحات البنيوية" يكمن في النتائج الاجتماعية المترتبة على هذه الاجراءات والتي تستثني الاغلبية العظمى من السكان.
IV
تقييم التجربة الاشتراكية في كوبا: الاخطاء والعبر

المراجعة النقدية: ايديولوجية دوغمائية أم براغماتية مبدأية؟
لم يستثني المأزق الذي اجتازته الماركسية والذي رافق انهيار الاشتراكية الاوروبية الشرقية كوبا والقى باعباءه الثقيلة  على تلك الجزيرة ايضا. فقد أخذ الكوبيون بالتساؤل اذا ما كانوا هم ايضا يرتكبون نفس الاخطاء والتي ستؤدي بهم الى ذات النتائج: الفشل ثم الانهيار. كيف سخّرت الاحزاب الشيوعية التي أمسكلت بالسلطة في البدان الاشتراكية، النظرية الماركسية من اجل تبرير القرارات السياسية التي اتخذتها في بناء الاشتراكية؟ هذا هو السؤال الذي أصبح الشغل الشاغل للماركسيين الكوبيين. ولاستشفاف الاجابة على هذا السؤال، اخذت مجموعة من الاكاديميين الكوبيين على عاتقها مهمة البحث في هذه التجارب. وفيما يلي موجزا للاستنتاجات التي توصلوا اليها:
ـ ان ترديد الفكرة التي تقول بان بناء الاشتراكية هو عملية ثورية طبيعية (عملية مثالية منفصلة عن الواقع دون تناقضات أو صراعات)، هذا الترديد والتغني لن يجعل فكرة الاشتراكية اكثر واقعية ولا اكثر قابلية للتنفيذ.
ـ ليست الماركسية ـ اللينينية فلسفة مغلقة بل انها تبقى الباب مفتوحا امام تحسين مبادئها وتطويرها وهو الامر الذي يبعث فيها القوة. وتسمح الماركسية ـ اللينينية، بحكم طبيعتها الديالكتيكية، ان يتم تطبيقها في ظروف اجتماعية متفاوتة.
ـ لم يعني سقوط الانظمة الاشتراكية في اوروبا الشرقية بالضرورة أن الخطأ يكمن في الايديولوجية التي اتبعوها. فالمأزق في الحقيقة لم يكمن في الماركسية كنظام من الافكار والقيم والفرضيات بل في فهم هؤلاء لها: الفهم الدوغمائي والميتافيزيقي. ولهذا السبب، ومن اجل الحفاظ على ذاتها، ابتعدت كوبا عن هذا التفسير المتجمد للماركسية.

ـ ما زالت الماركسية في هذه المرحلة، كما كانت في السابق، قادرة على اجتذاب الشعوب اذا ما تم انتهاجها بابداع وضمن منهج يختلف عن اشتراكية اوروبا الشرقية. كما اشار الاكاديميون الكوبيون الى أمثلة في التاريخ المعاصر لفشل الرأسمالية الاّ ان اللانظمة والمجتمعات ورغم فشلها استمرت بالالتزان بالنظام الراسمالي.
ـ لقد تكيّفت الرؤية للاشتراكية  خلال مرحلة التحول الاشتراكي. وهي مرحلة حافلة بالتناقض حيث تكون العلاقة بين التلقائية والعفوية من جهة والوعي من جهة اخرى علاقة تناقض تتغلب فيها التلقائية في اغلب الاحيان. وما أن تنحسر صورة التحول الاشتراكي كعملية سلمية تدريجية وما ان يتم التخلي عن التفسيرات المجردة "واللاتاريخية"، حتى تتم العودة الى ماركس وانجلز ولينين والى التجربة الثورية الكوبية. ان نبذ المفاهيم المثالية للاشتراكية لا يعني التخلي عن المثل الاشتراكية العليا. لقد حلّت المثالية الدوغمائية محل المثل الماركسية الثورية الحقيقية.
ـ لقد كان من الخطأ تقديم النظرية الماركسية والتجربة الكوبية بشكل مثالي. ولذا كان من الضروري صياغة الادوات السليمة لتفحص المجتمع الكوبي. كما انه كان من الخطأ الاستشهاد بماركس أو لينين من أجل تبرير بعض الافكار. فلا يجوز استخدام الحقيقة المجردة في حين يتم تجاهل الواقع. اضافة الى ان الديموغائية لن تكون اداة في التغيير الاجتماعي.
ـ لقد اثبتت الاشتراكية انها نظام اجتماعي يتمتع بقدرة كامنة على بناء المجتمع العادل مما يجعل منها نظاما متفوقا على الرأسمالية. الاّ انه لم يتوفر الدليل حتى الآن على هذا التفوق في كل الابعاد.
ـ ان اهمية دور الماركسية في عالم "ما بعد السوفييت" لا يقوم على الارثودكسية الايديولوجية بل على المفهوم الذي يقول بان الماركسية، اذا ما طبقت بشكل سليم، فانها تكون اداة فعّالة في فهم التاريخ الاجتماعي. فالاطار النظري الماركسي، اضافة الى انه يغوص في الاسباب العميقة للمشاكل الاجتماعية، فانه يوفر ايضا اداة فعالة في صنع القرارات. ويجب الاّ
يستخدم التغني بالماركسة في شل القدرة على التفحص الذكي والمتمعن للواقع.
ـ خلافا لما يدعيه العالم السياسي الاميركية فرانسيس فوكوياما، فاننا لم نصل الى نهاية التاريخ. فالانسانية لا تستطيع أن تحيا وان تستمر في عالم احادي القطبية تحكمه النيوليبرالية في ظل ظروف غير انسانية وفي حين تتمتع الاقلية بكل الثراء والامتيازات. ويدرك المنظرون الرأسماليون أن نظامهم هذا لا يستطيع أن يوفق بين الملكية الخاصة من جهة، والمشاركة الشعبية من جهة ثانية، اضافة الى التناقضات الاخرى التي ينطوي عليها النظام الراسمالي.
ـ لا يجوز أن نقيّم الاشتراكية بناءا على تجربة اوروبا الشرقية خاصة في المرحلة التي تلت ستالين. ومن الناحية الثانية فاننا، استنادا الى تجارب هولاندا في القرن السادس عشر، وانكلترا في القرن السابع عشر، واوروبا في اعقاب هزيمة نابليون عام 1815، نرى أن الرأسمالية تمثل نظاما غير قابل للحياة.
ـ ان المصير النهائي للاشتراكية امر لم يحسم بعد. لقد كان من الطوباوية والعفوية الافتراض باننا نتبع نظاما تطوريا محددا بشكل مسبق. ان الحكم على التاريخ لا يقوم من خلال الازقة المسدودة بل من خلال الجهد الانساني. وبهذا المعنى فان تجارب اوروبا الشرقية اساءت فهم ماركس وانجلز ولينين.
ـ أن تحليل الواقع الاجتماعي يجب ان يرتكز الى ابحاث تجريبية وتحليل للمضمون الاجتماعي. وهي اساليب لم يتعود  الفلاسفة والمنظرون الماركسيون على استخدامها.

 


موقف القيادة الكوبية
لقد انسجمت مسيرة التحليل هذه ورافقت بشكل جزئي قرارات القيادة السياسية في كوبا خلال عقد التسعينيات والتي تمثلت في:
ـ رفض الاشتراكية الاوروبية الشرقية كنموذج وامتحان لقدرة الاشتراكية على الحياة والتطبيق. وقد عبّر هذا عن تقييم براغماتي والتزام عقائدي في الحين ذاته.
ـ ان التفكير الماركسي يجب الاّ يتبع اسلوبا دوغمائيا، بل عليه ان يسهّل فهم اوضاع محددة وملموسة . وقد شكل هذا تعبيرا عن التوجهات والنوايا لم يكن متبعا سابقا في كوبا.
ـ ان رفض الرأسمالية والتمسك بالاشتراكية واحتضانها سيؤديان الى مجتمع افضل. وهذا ما يجعل هذا الاحتمال امرا واقعا.
ـ ان التفكير الدوغمائي والاستشهاد بالادبيات والمقولات الماركسية لن يكون بديلا عن التفكير الثوري النقدي كما أنه لا يشكل تبريرا للسياسات الفاشلة.

اضافة الى الحوار المفتوح في هذه القضايا، قام المفكرون الماركسيون الكوبيون بالعديد من الدراسات التي غطت قضايا لم يكن بالامكان طرحها أو نشرها سابقا مثل: حاضر ومستقبل الاشتراكية كأيديولوجية وكأداة للتحليل الاجتماعي، الماركسية واليسار، اساليب تدريس الماركسية في كوبا، الماركسية كمثل أعلى  في السياسة الكوبية خلال مرحلة ما قبل عام 1959، واهمية ودور الماركسية في المرحلة الراهنة.   كما شاركت قيادة الحزب والسلطة الكوبية (فيدل كاسترو، راؤول كاسترو، وزير التخطيط الاقتصادي وغيرهم من قادة الحزب والدولة) في طرح وجهات نظرها حول التغييرات الحاصلة في كوبا وملامح النظام الجديد ومعطياته الاقتصادية والسياسية. وفيما يلي موجزا لمواقف هؤلاء القادة:
ـ الهدف من الاصلاح الاقتصادي هو تحسين الاشتراكية وليس الانتقال نحو الرأسمالية.
ـ ان التحول في كوبا لن يكون "تحولا نحو الجحيم" كما حصل في الدول الاوروبية الشرقية.
ـ تستطيع الدولة ان تزيد من انجازاتها اذا ما حسنت تنظيم اوضاعها واصبحت أكثر فعالية.
ـ ستحافظ الدولة على دور مركزي ونشيط في الحياة الاقتصادية.
ـ لن يقتصر دور الدولة على توفير أو الاشراف على الخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم) كما حاصل في دولة الرفاهية.
ـ سيعبر دور الدولة في الاصلاح الاقتصادي عن مصلحة الشعب.
ـ ان التنبه الى مسالة من يمسك بالسلطة السياسية والمصالح التي يمثلها، لهو امر بالغ الاهمية.
ـ لا بد لمشاريع الدولة ان تصبح اكثر نجاعة اقتصادية وقدرة على المنافسة.
ـ ان حل العجز المالي الخارجي (انعدام مصادر التمويل والاستلاف) يكمن في الاقتصاد المحلي.
ـ يجب ان تتوجه التحسينات الاقتصادية نحو ايجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية الاساسية: النقص في احتياطي العملة الصعبة.
ـ لن يكون هناك خصخصة شاملة أو توسعا كبيرا للاعمال الخاصة لان ذلك لن يحل مشاكلنا.
ـ يكون حل المشاكل الاساسية عن طريق ايجاد واستحداث صناعة كبيرة وليس عن طريق انتشار الالاف من الاعمال الحرة والخاصة والصغيرة.
ـ لن يكون هناك في كوبا تعاقدا ولا تشغيلا للعمال الكوبيين في اشغال أو مشاريع خاصة تتمتع بصلاحية تحديد اجور هؤلاء العمال.
ـ لن يكون هناك نقابات مهنية مستقلة. أما اصحاب الاشغال الخاصة فبامكانهم الانتساب الى النقابات الرسمية.    
ـ لن يكون هناك جمعيات مستقلة تقوم باثارة الشكوك حول الثورة.

أما حول توجهات واحتمالات المستقبل، فقد اشار القادة الكوبيون الى التوقعات التالية:
ـ ستتزداد المشاريع الخاصة وتأخذ شكلا اكثر استقرارا.
ـ ستقوم الحكومة بدراسة اصدار تشريعات وانظمة حول المشاريع الخاصة ذات الحجم المتوسط والصغير وكذلك مشاريع الدولة والتعاونيات والمشاربع المشتركة بين القطاعين العام والخاص.
ـ المزيد من النمو في لامركزية التجارة الخارجية، وحجم التجارة الخارجية مع بلدان اميركا اللاتينية وكذلك المزيد من الصادرات.

وقد قامت هذه الفرضيات على المفاهيم الايديولوجية التي حددتها القيادة الكوبية كما يلي:
ـ لن يكون هناك مستقبلا بدون الوطن المستقل والثورة والاشتراكية.
ـ لا نتفق مع النيوليبرالية التي تدعي ان مشاريع الدولة ذات قيمة أدني من المشاريع الخاصة.
ـ لقد أخذت الطوباوية الممكنة تتحول الى واقع.  

V
تناقضات التحول الاشتراكي في كوبا: التحديات الراهنة والكامنة

حبل المشروع الاشتراكي الكوبي وخاصة في عقده الاخير(الذي تميز "بالفترة الخاصة" واعادة ترتيب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية)، بالعديد من التناقضات التي اشتدت حدتها مع اشتداد الازمة وآثارها على الحياة والمجتمع الكوبيين. 

1) تفاوت مستوى المعيشة: تباين مستوى المعيشة بين الفئات المختلفة في المجتمع الكوبي بما يحمله ذلك من آثار اجتماعية. فقد ادّى ارتفاع مستوى المعيشة للسكان خلال السنة الاولى التي تلت انتصار الثورة الكوبية عام 1959 الى انعاش الحياة العامة وتماسك الجماهير والتزامها العارم بالعملية الثورية والسياسية.  أما الازمة الاقتصادية فقد سحبت آثارها على مستوى المعيشة اليومي للمواطن الكوبي والتي تمثلت في قلة المواد الغذائية والاحذية ونقص الزيوت والصابون ومستلزمات النظافة الشخصية وظهور امراض سوء التغذية (من جراء نقص المواد الغذائية) وشحة الطاقة الكهربائية التي  ادت الى انقطاع الكهرباء كلية او جزئيا عدة مرات خلال اليوم الواحد حيث عاشت الجزيرة لساعات طويلة في ظلمة الليل دون اضاءة. 
2) المساواة: حرصت الثورة الكوبية منذ سنواتها الاولى على تعزيز مبادئ ومفاهيم المساواة بين البشر. أما ازمة التسعينيات فقد ألقت باعبائها الاقتصادية وآثارها الاجتماعية الوخيمة لتهز هذه المبادئ حيث اصبح التمايز الاجتماعي واضحا ومتزايدا. ومع ازدياد الازمة الاقتصادية عمقا، اتخذت الحكومة بعض الاجراءات الهادفة الى التخفيف من عبء حدة هذه الازمة كان احدها وربما من اهمها في هذا المضمار شرعنة الدولار والسماح بالتداول به في السوق مما ادى الى خلق سوق سوداء زادت من حدة التفاوت الاجتماعي. فقد تحددت القوة الشرائية للمواطن، وبالتالي مستوى المعيشة، بقدرته على التداول بالدولار والتي تعني قدرة المواطن على اقتناء الحاجات والكماليات والسلع في السوق السوداء.

ادى هذا كله الى اتساع الفجوة في مستوى المعيشة بين الفئات الاجتماعية المختلفة والى المزيد من الاحباط الاقتصادي والانتاجي والاجتماعي لدى المواطنين الذي عاشوا في مجتمع بث فيهم حسا مرهفا للمساواة ومناهضة كافة اشكال التمييز. كما يجدر التنويه الى ان هذه الظواهر كانت مناقضة لمبادئ المشاركة المتكافئة التي خلّفتها سنوات طويلة من عملية التثقيف والتربية الاجتماعية بعد انتصار الثورة الكوبية. وقد شكل هذا التناقض تحديا لاكبر الانجازات التي قامت بها العملية الثورية الكوبية: تعزيز الكرامة لدى المواطن على المستوى الفردي والجماعي. فقد تعلم هذا المواطن أن المساواة والكرامة حقان مضمونان لا يقبلان المساومة بل وتعلم ايضا كيف يدافع عنهما ويحميهما من العدو الخارجي والداخلي. وما ارتقاء الوعي الجمعي والسياسي لدى الكوبيين الا احدى السمات الناصعة في كوبا اليوم والتي لا يفوت الزائر ان يلحظها.

3) ويتمثل التناقض الثالث في التناقض الحاصل بين مستوى المعرفة والتأهيل العلمي والتكنولوجي للقوى العاملة في كوبا من ناحية، وعجز النظام على توفير العمل المناسب لهذه المؤهلات من الناحية الاخرى.  ومع احتدام الازمة في التسعينينات واغلاق العديد من القطاعات الاقتصادية والصناعية وارتحال القوى العاملة من مواقع عملها الاصلية، اضحت البطالة واقعا ملموسا للمرة الاولى في كوبا منذ ان انتصرت الثورة عام 1959. وقد تأثر بهذه البطالة ما يقرب من 100-150 ألف عامل يعملون بشكل رئيسي في الاعمال الحرة والسياحة والزراعة. ولهذا التناقض أهمية بالغة فيما يتعلق بقدرة كوبا على الدخول واللحاق بالسوق العالمية والتي تتوقف على مخزونها من المعرفة المتراكمة والتأهيل العلمي والتكنولوجي العالي لعمّالها وفنييها. ويعتقد الكثيرون من دارسي الحالة الكوبية، ان هذا هو العامل سيكون حاسما ضمن اوضاع السوق العالمية في المرحلة الراهنة لانه سيضمن تدفق راس المال والاستثمار. ومع حلول الازمة، وجد الكثير من هؤلاء العمال انفسهم يعملون في قطاعات اقتصادية خارج مجال تخصصهم وتأهيلهم اما لضيق فرص العمل أو بسبب الاغراءات المادية. فالتناقض، اذن، يكمن في "فائض الانتاج" للقوى العاملة. الا انه رغم  ذلك فان هذا الفائض يشكل عاملا ايجابيا في الاقتصاد الكوبي بحكم كونه قوة كامنة تسهم في اعادة كوبا الى السوق العالمية. 

4) التحول في القيم الاخلاقية: رسمت الثورة الكوبية تصورها للمجتمع الجديد على مبادئ التضامن والروح الجماعية واحترام الفرد وكرامته ومكافحة كافة اشكال التمييز. ولم تكتفي الثورة بتعميم والتثقيف بهذه القيم فحسب، بل سعت الى بعثها كرسالة اممية حملها الآلاف من الكوبيين اطباءا وعمالا وفنيين وثوارا ومقاتلين ومدرسين الى العديد من بلدان افريقيا واميركا اللاتينية. ونتيجة لذلك تجذرت هذه المفاهيم في نفسية الانسان الكوبي وخاصة الاجيال الشابة منه والتي ترعرعت في مرحلة ما بعد انتصار الثورة. وقد جاءت أزمة التسعينيات لتحث الكوبيين على النهوض والتصدي للتحديات والقيام بمسؤولياتهم الاجتماعية والوطنية ومكافحة قيم المجتمع الراسمالي (الأنانية والأستئثار بالذات والفردية والاستهلاكية وغيرها) التي تمظهرت في مسلكيات اجتماعية لم تكن ذات شان من قبل مثل جنوح الشباب والفساد والتسول (وان كان خفيا في شوارع هافانا وغيرها) والدعارة التي عادت، بسبب ازدهار السياحة، الى التفشي بشكل ملحوظ ومقلق.

5)  عداء الامبريالية الاميركية المستمر تجاه كوبا: فرغم انهيار الاتحاد السوفياتي وغياب ذريعة التحالف الكوبي ـ السوفياتي وانتهاء الوجود العسكري السوفياتي في كوبا وسحب كوبا لكافة اشكال وجودها أو مشاركتها العسكرية ونشاطها المعادية للامبريالية الاميركية في اميركا اللاتينية، نرى أن الولايات المتحدة ما زالت تبحث عن ذرائع مستجدة لتصعيد الازمة مع كوبا. وكانت آخر طبعات هذا العداء اطلاق الدعوات حول انتهاك الحريات الديمقراطية وحريات الانسان وتشجيع الهجرة غير القانونية من كوبا الى الولايات المتحدة (على قلة عددها)، وصولا الى حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 واتهام كوبا باقتناء اسلحة وتكنولوجية ارهابية.

6) ازدواجية الاقتصاد والجمع بين المتناقضات: ادّت عملية الاصلاح الاقتصادي الى الحالة القائمة الان في الاقتصاد الكوبي وهو اقتصاد يتسم بطبيعة ازدواجية يتعايش فيه نظامان يختلفان في البنية تنظيمية والسياسات المالية والعناصر المكونة لكل منهما:
أ) القطاعات الاقتصادية الجديدة والنامية حيث تسود الاستثمارات المشتركة والشركات المحدودة والشركات التي تملكها الحكومة الكوبية شراكة مع الاستثمارات والشركات الاجنبية. ويتركز النشاط الرئيسي لهذه الشركات في التصدير أو القطاعات المحلية التي تتعامل بالعملات الاجنبية مثل السياحة حيث يسود تداول الدولار الاميركي.
ب) من الناحية الثانية هناك القطاعات التقليدية في الاقتصاد الكوبي والتي تقوم على المشاريع التي تملكها الدولة حيث ينعدم اي دور أو شراكة أو تبادل اقتصادي مع الشركات والاستثمارات الاجنبية وحيث يتم تداول العملة الكوبية ـ البيسو فقط.

لا تعني الطبيعة المزدوجة للاقتصاد الكوبي وجود قطاع عصري وآخر متخلف داخل العملية الاقتصادية الواحدة. كما لا تعني هذه الازدواجية ان هذين القطاعين مندمجان في نظام واحد. بل ان المعاينة التحليلية للاقتصاد الكوبي اليوم تظهر تناقضا وتفاوتا بين هذين القطاعين اللذان يفتقران الى التمفصل بينهما اضافة الى ان كلا منهما يختلف من حيث انظمة المحاسبة والتخطيط والاحكام القانونية والمالية.  ومن هنا يصبح من الاهمية بمكان تحليل الاقتصاد الكوبي من هذه الزاوية لاعادة بناءه في نظام مندمج ومتكامل يستطيع أن يوفر التوازن أولا ثم الانتقال نحو النمو الاقتصادي والتنمية.

VI
البحث عن البديل الاشتراكي: ما العمل؟

مشروع الاصلاح الاشتراكي
حفل العقد الاخير، الذي تلى انهيار الاشتراكية الاوروبية الشرقية، بالصعوبات والتحديات وتميز بكونه مرحلة بحث عن الذات واتخاذ القرارات الحاسمة لمعالجة الازمة المستجدة. انهمك الكوبيون، في كل مناحي حياتهم وبكافة انتماءاتهم الاجتماعية، وشاركوا، بافكارهم ومقترحاتهم، في حوار وطني بحثا عن الاصلاح الاقتصادي المنشود والنموذج الاشتراكي الملائم للوضع الكوبي وحول مستقبل البلاد.

وقد قدمت جهات مختلفة من خارج كوبا مقترحات قامت في جوهرها على طرح بديل غير اشتراكي وتصدت لحوار هو في حقيقته شأن كوبي وداخلي. وقد تميزت معظم هذه المقترحات الخارجية بفهم قاصر للواقع الكوبي، وارتكزت الى الاسس الايديولوجية لاقتصاد السوق وبدقة اكبر الاقتصاد الراسمالي، كما انها تعاملت مع كوبا كنظام "دكتاتوري محكوم بدكتاتورية عسكرية" او "كمجتمع مدني غير متطور" أو "كمجتمع مغلق على الافكار الجديدة التي تعصف بالعالم". الاّ ان النقد الجوهري لوجهات النظر الدخيلة هذه يكمن في نهجها هذا، سواء كان مبطنا أم صريحان وعليه يظل احتمال ادخال هذه المقترحات والانماط الاقتصادية التي تطرحها الى الاقتصاد الكوبي، بعيدا جدا.

وسوف نرصد فيما يلي مقترحات لبديل اشتراكي قدمته مجموعة من الباحثين الاقتصاديين الكوبيين.  وقد تنامى هذا المشروع ونضج في تصوراته عبر سنوات العقد الاخير. وسندع جانبا الخطط والسياسات والتفاصيل التقنية والاقتصادية على اهميتها لنمسك بالملامح الرئيسية والاطار العام للاصلاح الاشتراكي التي تطالب به هذه المقترحات. ومنعا للاختلاط فسوف نطلق على هذا المشروع اسم "مشروع الاصلاح الاشتراكي".

وتنبع أهمية هذا المشروع من انه يوفر تحليلا للوضع الراهن ويقدم تصورات محددة لاصلاحات اقتصادية تستهدف اعادة توجيه الاقتصاد الكوبي نحو الولوج الى القرن الحادي والعشرين، بتحويله الى اقتصاد فعّال وذي نجاعة اقتصادية عالية مستنيرة بالاهداف الاشتراكية التي تتضمن، من بين ما تتضمن، التوزيع المتساوي والعادل للدخل وتكافئ الفرص وتوفير الخدمات الاجتماعية لكل  المواطنين.

هناك خشية من ان تقود هذه المقترحات الاقتصاد الكوبي الى الاندماج في اقتصاد السوق وهدر المشروع الاشتراكي أو في أحسن الاحوال اختزال الانجازات الاشتراكية ودور الدولة الى مجرد توفير الخدمات التعلميمة والرعاية الصحية المجانية. أما اصحاب المشروع الذي نحن بصدده فيؤكدون على اعادة بناء الاقتصاد الكوبي ضمن رؤية موضوعية لواقع تميز بحصار خانق وفقدان القدرة على الاستلاف وغياب التوازن الداخلي والخارجي في هذه الجزيرة. ولا يتصدى هذا المشروع لقضايا التحول الاشتراكي وتنمية قوى الانتاج وتوفير الموارد المحلية فحسب بل يتجاوز ذلك الى ضمان استمرارية المشروع الاشتراكي.

ويتبلور هذا المشروع ضمن سياق ووضع سياسي دولي عاصف ومعقد، وضمن شروط تبادل تجاري واقتصادي لا تحمي مصالح كوبا، اضافة الى انه يتعامل مع واقع اقتصادي بطئ التحول يعمل من خلال مؤسسات اقتصادية واجتماعية وسياسية نشأت في ظل العقود الثلاث التي تلت الثورة (1959-1989) والتي تختلف كلية عن الظروف الراهنة. تتصدى هذه المقترحات لعملية البناء الاشتراكي في مناخ ما بعد الحرب الباردة وما صاحبها من شحة في الموارد في كوبا.
واخيرا، فان هذا المشروع، على ما يرى بعض الباحثين، يتجاوز مناشدة الطبيعة الاشتراكية للانسان أو خلق "الانسان الجديد" لينتقل الى البحث "بجدية عن التوازن السليم بين السوق من جهة والتخطيط المركزي من جهة اخرى وارساء العملية التي تضمن الحفاظ على هذا التوازن وديمومته". وربما يعيد هذا المشروع، ضمن الرؤية طويلة المدى للتاريخ البشري، الامل والتفاؤل بعد الانهيار والسوداوية الذان حلاّ بالبشرية نتيجة البيريسترويكا وتحريف التجربة الاشتراكية في اوروبا الشرقية بمساهمته في الحوار القائم حول آفاق الاشتراكية ومستقبلها والبدائل المطروحة امامها في العالم.

مشروع الاصلاح الاشتراكي: المنطلقات العامة
ـ لقد قام الاقتصاد الكوبي وانتظمت أسسه على مبادئ التخطيط المركزي والذي اتاح دورا محددا لعلاقات السوق والعلاقات المالية. ومع حلول عام 1990 حدث تغير عميق في الروابط الدولية بين كوبا وشركائها في التجارة الدولية. فقد انفتحت كوبا بشكل مفاجئ ومباشر على السوق العالمية بينما شددت الولايات المتحدة من حصارها الخانق على الجزيرة، الاّ ان كوبا، استمرت وحيدة وفي غياب القطب السوفياتي ورغم انعدام القدرة على الاستلاف وضمن العزلة عن العالم الخارجي اضافة الى مشكلات انعدام النجاعة الاقتصادية التي واجهتها كوبا في الداخل.
ـ يرى اصحاب هذا المشروع ان المشكلة الاساسية في كوبا هي اعادة الحيوية الى اقتصاد دولة صغيرة وفقيرة ومحاصرة. الاّ ان هذه النهضة الاقتصادية المرجوة مرتبطة بشروط معينة ومقترنه بضمانة النمو الاقتصادي وحماية واستمرارية العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني في كوبا.
ـ ان الاقتصاد الكوبي بحاجة الى اعادة بناء جذرية تشمل اعادة تحديد اسس التراكم الاقتصادي وعودة كوبا الى الاندماج في الاقتصاد العالمي وتحقيق الاصلاح الاقتصادي. وليس المقصود باعادة البنية الاقتصادية هنا الدلالات العامة لهذا المصطلح، بل اصلاح النظام الاقتصادي اصلاحا اشتراكيا قادرا على الاستمرار. "يهدف الاصلاح الاقتصادي الى خلق الشروط التي تتيح للثورة الكوبية البقاء على الحياة والاستمرار ضمن سياق دولي اكثر تعقيدا، وفي ظل مجتمع يتميز بالتنوع اكثر من الماضي....اننا نقترح تحولا اساسيا في الاقتصاد الكوبي دون التخلي عن الطابع الاشتراكي. لذلك يتوجب على كوبا ان تنتقل من نمط اشتراكي معين الى تمط اشتراكي آخر". يعتقد هؤلاء الاقتصاديون انه يجب على النموذج الاشتراكي الجديد استخدام وسائل مختلفة تلبي مصالح السكان. وسيكون الفارق بينه وبين النظام القائم انه سيشمل عدة عوامل اقتصادية اضافة الى دور الدولة. وعليه فان هذا سيتطلب ايضا اصلاح مشاريع الدولة وكافة اشكال الملكية. "ففي اطار اقتصاد سوق لامركزي، تتنافس مشارع الدولة والمشارع الخاصة فيما بينها متميزة بمستوع عالية من النجاعة والربح".   
ـ لقد سدد انهيار الاتحاد السوفياتي ضربة قاسية الى النمط السوفيتي في التطبيق الاشتراكي المسمى "الاشتراكية القائمة فعلا" أو ما يسمى احيانا الاشتراكية الكلاسيكية. وقد جاء هذا الانهيار ليثبت أن هذا النمط غير قادر على الاستمرار على المدى الطويل. وعليه فقد اضحى جليا ان قدرة الاشتراكية على الاستمرار، على الاقل من الناحية النظرية، ترتكز اساسا على اعادة تعريف هذا المفهوم. ورغم انه ليس هناك تعريفا فريدا أو جامدا للاشتراكية، الاّ انه يمكن القول بان هناك اتفاقا تاما على ان الفكرة الاساسية في الاشتراكية انما تعني شكلا معينا من الملكية تتوفر فيه رقابة المجتمع الحقيقية وتعود المنفعة منه الى المجتمع. واضافة الى سيطرة ملكية المجتمع والتخطيط الذي ينبثق عنها فان هذا المفهوم يجب ان يشمل  ايضا الديمقراطية.
ـ ومن خلال تعايش هذه الابعاد الثلاث لمفهوم الملكية (ملكية المجتمع والتخطيط والديمقراطية) نستطيع ان نشتق السمات الاخرى مثل العدالة الاجتماعية ونشوء الوعي الجديد بالتضامن الاجتماعي. وعلى اية حال فان المهم في هذا الشأن هو أن ملكية المجتمع هي شرط ضروري للمشروع الاشتراكي. "فبدون ملكية المجتمع لوسائل الانتاج فان تعبير الاشتراكية يفقد معناه الاصلي ويتحول الى مصطلح عام يدل على مجتمع افضل تتعدد تفسيراته. اي انه يشير الى البديل دون ان يحدده".   ـ في سياق الاقتصاد الاشتراكي هذا، فاننا لا نقصد بالاصلاح التغييرات التي تمس التخطيط والادارة بل نعني التعديلات في المبادئ التي تزود النظام بالمعلومات والتي تشير الى احداث تغييرات في "ألآليات الاقتصادية". والمقصود بالاليات الاقتصادية هنا وسائل التخطيط والادارة والعلاقات بين عناصر العملية الاقتصادية المختلفة. كما اننا نقصد بالاصلاح تلك التغييرات الاقتصادية، والتي حدثت في بلدان اشتراكية مختلفة في مراحل متفاوتة من تطورها، والتي كانت تهدف الى "تحسين" الاشتراكية لا الى احلالها باقتصادات رأسمالية كما هو حاصل في اوروبا الشرقية منذ عام 1989. 

مشروع الاصلاح الاشتراكي: الاطار النظري
ـ يذهب العديد من المنظرين الناقدين للاصلاحات الاقتصادية الاشتراكية الى أن النظام الاشتراكي الكلاسيكي غير قادر على تجديد ذاته لان الاصلاحات الجزئية داخل هذا النظام تؤدي الى تدمير تماسكه الداخلي. وعلية يخرج هؤلاء بنتيجة ان هذا "النظام" محكوم عليه بالفشل بحكم طبيعته التي لا تسمح ولا تقبل "اية تحسينات". والسبب في ذلك يعود، من وجهة نظرهم، الى ان هذه التحسينات لو قدر لها ان تنفذ بشكل مستمر ومتماسك فانها ستؤدي حتما الى تسعير التناقضات الداخلية والتي ستؤدي، بدورها، الى "التحول الى ما بعد الشيوعية". وهكذا يطرح هذا التصور رؤية سلبية لعملية الاصلاح الاقتصادي الاشتراكي ويعكس مفهوما أساسيا مفاده ان "النظام الاشتراكي الكلاسيكي" غير قابل للحياة أو للتطبيق.
ـ اما معارضو هذا النظرية فيذهبون الى أنها تتعاطى فقط مع الاصلاح الذي يستهدف تثبيت الآليات الاقتصادية للاشتراكية الكلاسيكية التى تعتمد على نظام التخطيط المركزي. في حين ان الباحثين الكوبيين الداعين الى مشروع الاصلاح الاشتراكي يرون ان هناك نمطا آخرا يشتمل على اكثر من مجرد الاصلاح الاقتصادي الاشتراكي ويطلقون علية اسم "الاصلاح الجذري". ويقوم هذا النمط على اجراء تعديلات اساسية وجوهرية في الآليات الاقتصادية تمثل تغييرا شاملا واساسيا في النمط الاشتراكي ذاته.  وتسهّل هذه الاصلاحات الانتقال من الاشتراكية الكلاسيكية الى شكل آخر من الاشتراكية. ولا يدور الحديث هنا عن "تغييرات تحدث داخل نمط اشتراكي معين" بل عن "تغييرات تشكل تحولا من نمط معين من الاشتراكية الى نمط آخر". وفي حين يرى هؤلاء الاقتصاديون الكوبيون ان هذا التحول يتطلب بالضرورة "اعطاء السوق دورا نشيطا" فانهم يؤكدون، في الوقت ذاته، على أن هذا الدور لن يكون "مهيمنا" أو "مستفردا" في توزيع الموارد أو في وظيفية الاقتصاد بشكل عام. ويضيفون ان السوق ستلعب دورا اكثر اهمية من الدور الذي لعبته في النمط الاشتراكي الكلاسيكي أو في معظم الاصلاحات الاشتراكية التي تمت حتى يومنا هذا.
ـ هناك اعتبار آخر لا بد من اخذه بالحسبان لدى التخطيط لنمط اشتراكي بديل وهو علاقة هذا النمط بالرؤية بعيدة المدى للمجتمع. وبايجاز يمكن القول بان الماركسة التقليدية اعتبرت الاشتراكية المرحلة الاولى للشيوعية. أما الدلالات العملية لهذه الفرضية فهي أن هذه المرحلة الاولى (الاشتراكية) تمهد لتوجهات وسمات المرحلة المقبلة (الشيوعية). بعبارة اخرى، ستساهم الاشتراكية من خلال ذلك في بناء المثل الاعلى والغاية القصوى. ولهذا السبب تم اصدار احكام سلبية على بعض الظواهر الاشتراكية، وظاهرة السوق واحدة منها، حيث يتم النظر اليها "كظاهرة  دخيلة" أو "كتنازل" أو "انحراف" عن المثل الشيوعي الاعلى دون تقديم تحليل كاف لذلك. ومع ادراكنا بان هذه المسالة قد تثير الكثير من الجدل، "الاّ اننا تود ان نذكّر ونلفت النظر الى أن الخلط بين النمط في البناء الاشتراكي من جهة وبين تحديد تصور مسبق للمستقبل الذي نتطلع اليه على المدى البعيد من جهة اخرى، يمثل عقبة رئيسية أمام الانتقال من الواقع الراهن".
ـ اذا  كان مقدرا للاشتراكية ان تكون قادرة على الحياة والاستمرار والنمو، فلا بد لها ان تكون قادرة على تحقيق ذلك في ظروف الشحة النسبية اي قلة الموارد مثلها في ذلك مثل انماط الانتاج الاخرى. وبعبارة اخرى، فانه يتوجب على الاشتراكية ان تكون قادرة على الحياة والتطبيق في سياق الصراع على توزيع الموارد. فالاشتراكية لا تزيل "مشكلة المجتمع الاقتصادية"، بل تقدم "شكلا محددا" لمواجهتها يختلف عن "الشكل" الذي تقدمه الرأسمالية. ولذا فان التعاطي مع الاقتصاد الاشتراكي باسلوب مثالي يشكل عاملا سلبيا في اداء هذا الاقتصاد لوظيفته.
ـ لقد سعى النمط الاشتراكي الكلاسيكي الى حل مشكلة توزيع الموارد باستخدام آليات اقتصادية لعب فيها التخطيط المركزي دورا مطلقا. "الاّ اننا لا نبالغ اذا قلنا ان الشاغل الرئيسي للنظرية الاقتصادية الاشتراكية هو تحديد المبادئ السليمة التي يتم على اساسها توزيع العمل بين التخطيط والسوق".
ـ لا بد من تطوير نموذج اشتراكي جديد ينطلق من الاقرار بعدم قدرة السوق في الاقتصادات الرأسمالية على توزيع فعّال ومعقول للموارد. وليس هناك من داعي لسرد التجارب العديدة التي تشهد بفشل السوق، بل نكتفي بالقول ان العديد من الاقتراحات المجردة حول المنافسة المطلقة في نظريات التوازن الاقتصادي تجعل من المتعذر الدفاع عن السوق "كضابط وحيد للنجاعة الاقتصادية".
ـ لقد استطاعت الرأسمالية، بالرغم من تناقضاتها، ان تبقى على الحياة. ويرجع ذلك تحديدا الى انها لم تقم بوظيفتها على اساس تحكم السوق لوحده بالاقتصاد. وفي حين ان هيمنة السوق في النظام الراسمالي امر لا خلاف عليه، فاننا نجد ان تاريخ الاقتصادات الرأسمالية يشير الى وجود دور فعّال للدولة في السياسات الاقتصادية من اجل تصحيح واكمال وظيفة (وانشطة ) السوق ومن تلك الانشطة اعادة توزيع الدخل.
ـ هناك العديد من الدراسات التي تناولت مسألة الفشل في التوفيق بين "التخطيط" و"السوق" ضمن الاقتصادات الاشتراكية. الاّ انه لا يجوز لهذه التجربة السلبية في الاشكال التي اتخذتها "درجات أو مستويات الاحلال" بين التخطيط والسوق في الاقتصادات الاشتراكية، لا يجوز ان تعتبر مقياسا نقوم على اساسه بالافتراض مسبقا باستحالة الجمع بين هذين العنصرين في انماط اقتصادية اشتراكية مختلفة حيث تدور المسألة الاساسية حول المفاهيم والاقرار العملي بالدور الفعّال (الناشط) للسوق في الوظيفة الطبيعية للاقتصاد الاشتراكي ولا تقتصر على التوزيع الامثل للادوار بين التخطيط والسوق. بل ان بناء الاشتراكية لا يتطلب الغاء السوق بل كبح هيمنة راس المال وهذان امران مختلفان.
ـ لا بدّ للرؤية الاشتراكية للاقتصاد ان يكون لديها لها دوما بعض الخشية والتحفظات تجاه السوق، الاّ انه لا يجوز التقليل من أهمية دورالسوق أو السماح لها بدور اقل من الدور الذي تفرضه الشروط الموضوعية والمعقولة. كثيرا ما يسود الاعتقاد بان الاشتراكية هي المجتمع الاول لمرحلة "ما بعد السوق"، في حين نجد في اغلب الحالات، ان الاشتراكية هي "آخر مجتمعات السوق".
ـ تتطلب مواجهة الوضع الاقتصادي الراهن في كوبا برنامجا تدريجيا تستهدف احداث التغييرات المطلوبة حتى يتسنى القيام بانشطة متعددة ومتماسكة ومتناسقة ضمن جدول زمني محدد. ومن اجل التخطيط لمثل هذا البرنامج لا بد من الاخذ بعين الاعتبار عناصر نظرية ومفاهيم يتعلق بعضها باعادة انتاج اقتصاد متناغم مع خصائص الاقتصاد الكوبي، كما يرتبط بعضها الاخر ببرنامج اعادة البناء الاقتصادي. ويشير اصحاب المشروع الاصلاح الاشتراكي الى ان اعادة البناء الاقتصادي لا تقدم حلولا لكل المشاكل الاقتصادية بل يؤكدون ان مشروعهم قد يولّد، من خلال الممارسة، تناقضاته الذاتية وقد يؤدي الى نتائج لا يمكن حسبانها. ويحذرون من ان مشروعهم ليس هو المشروع الوحيد وليس هو أفضل الممكن، اضافة الى أن الممارسة، وليست المقاييس المقررة مسبقا، هي وحدها القادرة على تقديم الدليل القاطع على قيمة هذا البرنامج. 

اهداف ومقدمات مشروع اعادة البناء الاقتصادي
تشمل الاهداف المركزية لاعادة البناء الاقتصادي ما يلي :
(1) استعادة الشروط الملائمة لعملية اعادة انتاج اقتصادي في كوبا
(2) ادخال ديناميكية اقتصادية داخلية على اساس تحفيز وتشجيع العمل الفردي والجماعي
(3) التنوع والدمج المنطقي للقطاعات المختلفة في الاقتصاد الكوبي بما ينسجم مع الاوضاع الرهنة للاقتصاد الكوبي والاسواق العاليمة
(4) الحفاظ، بأعلى قدر ممكن، على بناء الاقتصاد على اساس الاشتراكية والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية للثورة.

يرتكز برنامج اعادة البناء الاقتصادي على اساس صيانة وتعزيز المكتسبات الاساسية للثورة. وعليه فان المقدمات الاجتماعية والسياسية لهذا المشروع تشمل:
(1) اعادة انتاج السلطة السياسية للشعب وخلق الظروف المادية اللازمة لممارسة هذه السلطة ضمن سياق اكثر تنوعا، وضمانة الطابع الاشتراكي للاقتصاد تحت توجيه الدولة لسيطرة الاشكال المجتمعية للملكية (القطاع العام والتعاونيات، واعلاء المصالح الوطنية.
(2) تعزيز الديمقراطية التمثيلية والمشاركة (بالكسرة) من اجل صيانة وتطوير مصالح التنمية الوطنية ضمن الظروف المحلية والدولية المستجدة وخاصة على اساس نشاطات القوة (السلطة) الشعبية على كافة المستويات .  
(3) تعزيز دور النقابات والمنظمات الاجتماعية الاخرى في الدفاع عن مصالح العمال ونضالهم الذي يمكن ان يزداد حدة في الاوضاع المستجدة. ويحتفظ العمال بدور مركزي في تحديد ظروف العمل والتغييرات القانونية والتشريعية اللازمة في هذا المجال. أما الدولة فستلعب دورا رئيسيا في ضبط سوق العمل.
(4) تحديد واضح لنظام متكامل للحوافز المادية والمعنوية للعمال في القطاع العام. يشكل هذا جزءا ضروريا من اية خطة تستهدف رفع انتاجية وكثافة العمل. وتبقى الحوافز المادية، رغم ضرورتها، غير كافية. فالمكافئات المالية (المرتبطة  بالقدرة على الانتاج) والمرونة في الاجور، يعتبران امران اساسيان. الاّ انه لا بد ان تكون هناك حوافز معنوية واخلاقية ايضا ذات مضمون ايديولوجي ومرتبطة مباشرة بادارة المشروع الاقتصادي. وبهذا المعنى فانه من الاهمية البالغة ان تتمتع القوى العاملة، الفردية والجماعية، بحس واضح بجدوى عملها ووعي عميق بالاهداف القصيرة والمتوسطة المدى، واحساس بالمسؤولية في التعبير عن وجهات نظرها داخل المؤسسات. كما انه من الضروري ان يكون هناك نظام للحوافز السلبية والايجابية على المستويين المادي والمعنوي.
(5) المشاركة بنجاعة اقتصادية اكبر وبشكل جوهري في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال مساهمات المؤسسات الاقليمية وبشكل خاص في اللجان المحلية للقوى الشعبية.
(6) ضمانة وتحسين نظام الرعاية الصحية المجانية لجميع المواطنين.
(7) توزيع واعادة توزيع الدخل من أجل تحقيق المساواة الاقتصادية بين كافة فئات السكان والغاء التفاوتات الكبيرة الناتجة عن تمركزالدخل والثروة وتأمين الضمان الاجتماعي لكل المواطنين. 

اللامركزية ودياليكتيكية التخطيط والسوق
ـ يحتاج الاقتصاد غير النامي ذو الموارد المحدودة مركزية في اتخاذ القرارات الاقتصادية الهامة وهو ما ينعكس في التنمية المخططة. أما في القرارات الدنيا والاقل اهمية فان اللامركزية تصبح ضرورية من اجل السماح بالتجاوبات المرنة من قبل العناصر والفعاليات المختلفة ومن مجموع السكان بشكل عام. وفي حين أن الحفاظ على تحسين نظام التخطيط شرط ضروري للتنمية الاقتصادية واعادة انتاج النظام السياسي، فان بناء السوق (التي تضبطها الدولة من خلال الآليات الاقتصادية والادارية)، من الناحية الثانية، ضروري لزيادة لامركزية وفعالية هذه الآليات، وكذلك من أجل الربط بين العناصر الاقتصادية المتنوعة التي تتعايش، بل والتي يجب ان تتعايش، فيما بينها.
ـ يقترح الباحثون ان ما يسمونه "بالتخطيط الاشتراكي اللامركزي" يوفر حوافز لتمفصل ووضوح النمط الاقتصادي الاشتراكي. وخلافا للاعتقاد السائد، فان هذا التخطيط الاشتراكي اللامركزي لا يتصدى لعملية البحث عن نمط اشتراكي يتيح مشاركة شعبية فحسب، بل وفوق كل شئ، يسعى الى دمج النهج اللامركزي في عملية التخطيط. وتعتبر هذه مسألة مركزية للفهم الدقيق للفوارق بين النمط الذي يطرحه هؤلاء الاقتصاديون الكوبيون وغيرها من المشاريع اللامركزية البديلة.
ـ كيف نضمن المشاركة الشعبية ودورها الفعال كجزء لا يتجزء من التخطيط الاشتراكي؟ يقوم الرد على هذه الاشكالية بمحاولة فهم عنصرين اساسيين يشكلان مفهوم "النمط الاشتراكي بالمشاركة الشعبية" وهما المشاركة الشعبية وطبيعة آلية التنسيق (اي هل هي آلية مركزية أو لامركزية). وعليه فان اللامركزية وتعزيز المشاركة الشعبية ليسا مترادفتان. وفي الحقيقة فان الشكل السائد في أغلب الانماط الاشتراكية البديلة هو نمط "التخطيط المركزي الاشتراكي الديمقراطي" حيث يتم الجمع بين مشاركة العمّال والمستهلكين من جهة وبين آلية التنسيق من جهة اخرى. ويمكن القول بشكل عام ان دور السوق في هذا النمط يظل محدودا جدا وتستمر المؤسسات في العمل ضمن القيود المالية. أما نمط "التخطيط الاشتراكي اللامركزي" فانه يشمل عنصر المشاركة الشعبية في حين يقوم التخطيط في غياب نظام التنسيق المركزي. فهناك اجماع في كوبا على نظام يحتاج الى المزيد من اللامركزية والمشاركة الشعبية في النظام الاقتصادي. الاّ أن الحوار ما زال يفتقر الى التحديد الدقيق للنمط المقترح من اللامركزية. ويتبين هذا العجز في مسالتين: الاولى هي طبيعة التنسيق الاقتصادي المتوخى، والثانية دور السوق في آليات هذا التنسيق.
 ـ لا يكمن الخلاف في الحوار داخل كوبا حول اذا ما كان هناك ضرورة للامركزية النظام الاقتصادي، بل في تحديد واختيار نمط اللامركزية المطلوبة. فيكون الامر مختلفا اذا ما تم اختيار نمط تخطيط مركزي أو لامركزي، حيث أن كلا من هذين الخيارين يتمثل، من حيث المفهوم النظري والممارسة العملية، في اجوبة مختلفة للمسألة المركزية في النظام الاقتصادي: اي آلية التنسيق. اضافة الى ذلك فان دور السوق يحتاج الى المزيد من التوضيح والدقة في هذا الحوار حيث ان هناك خلاف جوهري بين قبول السوق بشكل محدود (يقتصر دورها على آلية لتبادل المعلومات والمعطيات) من جهة، وبين فهم السوق كآلية للتوزيع المباشر للموارد من جهة اخرى. أن الخلاف بين هذين الامرين أمر جوهري في تحديد شكل آلية التنسيق الاقتصادي. أما النموذج الذي يقترحه هؤلاء الاقتصاديون الكوبيون فيقوم على أن المشاركة الشعبية هي مبدأ اجتماعي ـ سياسي اساسي يحتوي على عناصر هامة (مثل مستوى عال من رقابة العمال على الادارة والرقابة الشعبية للتخطيط والتنمية الاقتصادية للمؤسسات)، كما انه يولي دورا أكبر للمستهلك. يرتقي بنا هذا النموذج اذن الى مستوى اعلى من تحديد آلية التنسيق الاقتصادي في عملية التخطيط ذاتها، كما انه يقدم تصورا لنظام تخطيط مركزي ذي روابط عديدة بالدولة ويتمتع، في الوقت ذاته، بمستوى عال نسبيا من اللامركزية التي تتمركز حول ضبط السوق ووسائل الانتاج والعملات الاجنبية. ستلعب السوق، في هذا النموذج، دورا لامركزيا هاما في التنسيق الاقتصادي للنظام. ويرى اصحاب هذا النموذج انه الانسب للاقتصاد الكوبي، وان لم يكن مثاليا، حيث انه يلبي الحاجة الحقيقية للاقتصاد والطموحات الوطنية. ويتفق هذا الفريق على المبدأ الاساسي القائل ان الاصلاح الذين يقترحونه يقوم على دور محدود ومنضبط "للسوق في وسائل الانتاج ضمن اقتصاد اشتراكي".   
ـ يتطلب هذا المشروع تدريجية في التنفيذ وتجنب الدخول المفاجئ والمتهور في تنمية السوق دون تحديد نقطة انطلاق واقعية وخاصة في غياب مؤسسات متطورة ودون الاخذ بالاعتبار نقائص المزاحمة ومشاكلها ودون كفاءات ادارية ذات تأهيل عال. ستؤدي هذه النقائص الى فشل المشروع واللجوء الى "خيار معاكس". "اننا نتحدث، اذن، عن عملية نمو للسوق"، ومن داخل هذه العملية تلعب السوق دورا رئيسيا في توزيع موارد الانتاج  ولكن دون أن يحل محل أو يلغي أو يزيح الدور الاساسي لنظام تخطيط الدولة في مراقبة وضبط النظام الاقتصادي بكليته. ومن الممكن لهذا أن يتم فقط باجراء التعديلات الجذرية في الآليات التقليدية للتخطيط الاقتصادي. واضافة لما ذكرناه اعلاه فان التخطيط الاقتصادي سيتطلب دورا ومساهمة أكبر في عملية التخطيط على مستوى الاقاليم المختلفة في البلاد والذي يعتبر عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه من مسؤوليات ومهام الدولة في سياق نظام تنسيق اقتصادي يتمتع بمستوى عال من اللامركزية والمشاركة الشعبية.

اشكال الملكية
تعتبر ملكية الدولة الشكل السائد للملكية في كوبا في المرحلة الراهنة. الاّ ان أشكالا جديدة من الملكية قد ظهرت ونمت
(مثل الاعمال الخاصة ـ الحرة والاستثمارات الاجنبية) خلال السنوت الاخيرة والتي تشير كافة الدلائل الى انها ستستمر في الازدياد والنمو. لقد اثار البحث عن رفع مستويات النجاعة الاقتصادية، ضمن الوضع الاقتصادي الراهن في كوبا، الحاجة الماسة لاشكال جديدة من الملكية. الاّ ان الجوهر الاشتراكي للمشروع الكوبي يتطلب الحفاظ على سيادة ملكية المجتمع. فسيادة هذا الشكل من الملكية يجب أن تبقى عنصرا مركزيا في النموذج الكوبي من أجل حماية التطورات الاجتماعية ـ الاقتصادية في البلاد بما يتفق والمصالح الوطنية ومن أجل  توفير النفقات الاجتماعية اللازمة لتأمين مستوى عيش كريم للجماهير الواسعة من السكان. وفي هذا السياق، فان اشكال الملكية الخاصة يجب أن تنحصر في وسائل الانتاج غير الاساسية حين تتوفر مستويات عالية من الفعالية والتشغيل ضمن الحدود المرسومة لضبطها. 

 


دور الدولة
اضافة الى نشوء اشكال جديدة من الملكية، فقد شهد العقد الاخير العديد من الاجراءات اللامركزية في ادارة المشاريع التي كانت سابقا ملكية خالصة للدولة وتحت ادارتها المطلقة. كما رافقت ذلك ظهور اشكال جديدة من الانتاج والخدمات التي لا تخضع لملكية الدولة وحيث تلعب السوق دورا هاما في توزيع الموارد على المستويات الماكروـ اقتصادية. يتوجب على الدولة، في ظل مثل هذه التطورات، أن تكيف وظيفتها على كافة المستويات وأن تولي أهمية أكبر لاستخدام "الادوات الاقتصادية" أي ستحتفظ الدولة بدورها "الداعم" غير انه يتوجب عليها ان تمارسه بطريقة أكثر تعقيدا. بايجاز نقول انه لا بد من التعبير عن قدرة الدولة في ضمانة الاهداف الاشتراكية ومضمون عملية اعادة البناء الاقتصادي. وضمن هذه الرؤية فان وظائف الدولة في عملية الاصلاح الاقتصادي المقترح يجب ان تشمل ما يلي:
ـ الحفاظ والتمسك بملكية وسائل الانتاج الاساسية
ـ ان تتمتع بالقدرة على التخطيط للتنمية الاقتصادية الوطنية بالوسائل المتوفرة والمتنوعة والتنسيق الاداري وغير المباشر لوسائل التخطيط (التخطيط لاهداف التنمية ومعدل نموها والبنية الاقتصادية)
ـ تعزيز وتشجيع وتنمية المؤسسات
ـ ان تمثل البلاد في اية مفاوضات مع راس المال الاجنبي
ـ الرقابة وسن قواعد ضبط السوق ومكافحة الاحتكار
ـ القيام بدور رئيسي في وظيفة وتنفيذ الاستثمارات ترخيصها وفرض الرقابة عليها. ستثتثمر الدولة في المشاريع التي تقع تحت سيطرتها ورقابتها المباشرة وكذلك في المشاريع اللامركزية التي لا تملكها.
ـ وظائف اخرى مثل الاعمال المصرفية وضبط السياسات المصرفية والمالية من خلال البنك المركزي وتحديد الضرائب والاجور والتعاقد مع الاستثمارات الاجنبية
ـ ضمان توفير النفقات الاجتماعية اللازمة لصيانة وتنمية المكتسيات الاجتماعية الاساسية (اعادة توزيع الدخل والموارد عن طريق توفير الرعاية الصحية والتعليم الشاملين المجانيين). ولذا فعلى الدولة ان يتوفر لها الدخل الكافي لتفادي الفقر والتفاوت الاجتماعي. أما اذا استمرت الفجوة في الدخل، سواء كانت من جرّاء تزايد في الدخل أو الفقر، فعلى الدولة ان تتدخل لمنع حدوث ذلك.
ـ ستتولى الدولة مسؤولية وضع سياسات توزيع الدخل من خلال فرض الضرائب التصاعدية ومنح المخصصات المالية لفئات معينة من المجتمع اضافة الى توفير الرعاية الصحية والتعليم المجانيين. وعلية فان الدولة هي التي تقرر الحصة من الدخل الوطني الذي سيتم احتسامها لاستهلاك المجتمع وتغطية هذه النفقات الاجتماعية. يتطلب القيام بهذه المهام حكومة (مركزية ومحلية) على قدر عال من المهارة. ولعله من الاهمية بمكان ان نشدد على ضرورة قيام الحكومة المركزية بالاستثمار المباشر في المشاريع وحتى تلك التي تنتظم في القطاعات "اللاممركزة".
ـ سن أنظمة تضبط العمل والعمال وتشغيلهم وتحديد اجورهم.

 

 


الاندماج في السوق العالمية: هل تملك كوبا المقومات؟
استهدفت المرحلة الاولى (1990ـ بدايات 1995) من استراتيجية "اعادة الارتباط" بين كوبا والسوق العالمية الى الحفاظ على البقاء وحماية الذات. وقد ارتكزت استراتيجية النظام الكوبي في تلك المرحلة الى اعادة الحيوية للاقتصاد الكوبي باتباع سياسة ذات شقين:
ـ الشق الاول (العصري): انعاش وبعث الطاقة الكامنة في النمو الاقتصادي. وقد تمثل ذلك في تطوير الصادرات الجديدة وخاصة السياحة الدولية وصناعة الادوية والمعدات الطبية الاكترونية.
ـ أما الشق الثاني (التقليدي): فقد توجه نحو تطوير الصادرات التقليدية مثل السكر ومعدن النيكل.

وقد اتضح بعد بضعة سنوات ان هذا الاقتصاد المزدوج لم يضمن الازدهار الاقتصادي لكوبا ولا دمجها في السوق العالمية. ونقدم فيما يلي تصورا لاحد الباحثين الكوبيين (بيدرو مونريال) لمقومات وشروط هذه العملية المعقدة التي شغلت كوبا منذ اوائل التسعينيات.
ـ لا تستطيع كوبا الاندماج في الاقتصاد العالمي على نطاق واسع في هذه المرحلة بسبب النقص في القدرة الاستثمارية وعليه فان "الدخول المحدود" الى السوق العالمية هو "الممكن الوحيد" والاكثر قدرة على التحقيق ضمن الظروف الاقتصادية الراهنة في كوبا. ويتطلب هذا الدخول أو الاندماج المحدود تحولا كبيرا من اجل تطوير القطاع التقليدي في الاقتصاد الكوبي والذي يتطلب بدوره استثمارات هائلة غير متوفرة الان. اذن فتطوير القطاع التقليدي يتوقف في نهاية التحليل على توفر الاموال المخصصة للاستثمار في هذا الهدف.
ـ يمكننا مما سبق ان نستنتج امرين: اولهما ان عملية الاندماج في السوق العالمية لا تتحقق ضمن "مستوى نمو اقتصادي" منخفض، وثانيهما أن السبب في ذلك يعود الى ان "مستوى النمو الاقتصادي" المنخفض لا يخلق المناخ المناسب لتراكم الاموال المحلية (التوفير) ولا لاجتذابها من الخارج. يفضي بنا الاستنتاجان الاخيران الى المقولة التالية: اذا ما توخت كوبا الاندماج في السوق العالمي بحجم معقول فانه لا بد لها ان نسعى الى تحقيق مستوى "النمو الاقتصادي العالمي" اي ما يقارب 8% سنويا. وتتطلب ضمانة هذا النمو الاقتصادي، من بين ما تتطلب، توجها جديدا في الاطار العام للسياسات الاقتصادية الراهنة في كوبا. اضافة الى انه قد يكون من الصعوبة الوصول الى نمو اقتصادي مستديم دون تطوير قطاع خاص محلي ذي حجم مناسب.
ـ يمكننا القول، بناءا على ما تقدم، ان عودة كوبا الى السوق العالمية بشكل مستديم وطويل المدى تتطلب "تحولا بنيويا" يتطلب بدوره مستوى عاليا من النمو يستطيع ان يوفر الموارد الكبيرة اللازمة لتحقيق هذا التحول. ومن اجل تبسيط هذا النهج فاننا نقول: حيث ان الدولة الكوبية لا تملك الموارد الكافية لتنفيذ اية تحولات اقتصادية كما ذكرنا اعلاه، فلا بد من الالتفات الى "الاموال الخاصة" (راس مال القطاع الخاص) لتحقيق مستوى النمو الاقتصادي  المنشود. وبعبارة اخرى نقول ان كوبا تحتاج الى "اقتصاد مختلط" من "الاموال الخاصة" و"موارد الدولة". وعليه فان الاصلاحات الاقتصادية لا بد ان تشمل العناصر التالية:
أ) بعث الحيوية من جديد في قطاع الدولة (المشاريع الاقتصادية التي تملكها وتديرها الدولة) حتى يتسنى لها ان تلعب دورا هاما في الاقتصاد. وهذا يتطلب خلق قطاع دولة ذي نجاعة اقتصادية وانتاجية عالية. هذا من ناحية.
ب) ومن الناحية الثانية، نجد أن حضور راس المال الخاص (المحلي) في الاقتصاد الكوبي محدود جدا في هذه المرحلة وربما كان متقصرا على الانتاج الزراعي. وبناءا عليه، وبسبب السياسات الراهنة والتي كبحت نشوء رأس مال خاص محلي في كوبا، فان هذا القطاع سيساهم بدور محدود في توفير الاستثمارات المالية وضمانة النمو الاقتصادي. الاّ ان راس المال الخاص والمحلي في كوبا ذا الانجاعة الاقتصادية يستطيع ان يكون مفتاح الحل وان يبني الجسر للوصول الى مستوى النمو الاقتصادي العالمي (8% سنويا). وعلية فان راس المال هذا يستطيع ان يكون الآلية الاكثر فعالية واقل كلفة في تحقيق ذلك لانه القطاع الخاص المتطور الذي يستطيع ان يستجلب عائدات المغتربين الكوبيين وتوجيهها نحو الاستثمار كما انه القادر على اجتذاب الاستثمارات الاجنبية. اضافة الى ذلك فان الارباح الناجمة عن المشاريع المحلية الخاصة تصبح مصدرا هاما للتوفير وتراكم الاموال داخل البلاد. وعليه تستطيع الدولة من خلال نظام ضرائب فعّال ان تزيد من تراكم المال في خزيتها واستخدامها في تغطية النفقات الاجتماعية.
ـ أما "راس المال الاجنبي" فانه يقوم، بسبب السياسات الاقتصادية، بدور محدود في المرحلة الراهنة. ولا بد لهذه السياسات ان تتغير حتى تتيح الفرصة لمزيد من تدفق الاستثمارات الاجنبية.

VII
خاتمة

ـ لقد كانت الاشتراكية "خيار" الثورة الكوبية وقرارا اتخدته قيادتها في البناء الاقتصادي الاشتراكي بعد انتصارها وتسلمها مقاليد الحكم. فالثورة الكوبية لم تكن ثورة اشتراكية لا من حيث خلفيتها نشأتها ولا في توجهاتها الايديولوجية. ولعلنا نستطيع القول بانه، باستثناء التوجهات الفكرية المبكرة لتشي غيفارا، فان هذه الثورة لم تحمل في احشائها مضمونا اشتراكيا ولم يكن للماركسية أو/و الاشتراكية حضورا بارزا في صفوف القيادة والتنظيم الثوري الكوبي. 

وان صح قول المشككين بان التزام كوبا بالاشتراكية جاء تعبيرا عن روح المغامرة والمخاطرة وجنون العظمة لدى كاسترو ورفاقه، فكيف يمكننا اذن ان نفسر هذا الدعم الجماهيري العارم والصمود في وجه الجوع والفقر والعدوان لعقود اربع (الشعار السائد في كوبا اليوم هو ذاته الذي ساد مرحلة الثورة: الوطن أو الموت)؟ الا تشكل التجربة الكوبية برمتها: القيادة الفذة والشجاعة، الشعب الصامد، الاستماتة  الشعبية من اجل حرية واستقلال الوطن، وسيادة الدولة وحفظ الانجازات الاشتراكية، بناء الاسس الاولية لوعي جماهيري جديد (انساني واشتراكي وتضامني واممي) ولديمقرطية تشارك فيها الجماهير الشعبية، الا تشكل هذه مقومات كوبا الجديدة والمستمرة؟ وان كان هذا موضع تسائل وتشكيك في عالم تسودة احادية القطبية ويمسك بمصيره راس المال المعولم، فكيف لنا، اذن، ان نفهم تاريخ الشعوب وثوراتها التي حققت النصر تلو الآخر؟ اي من اين لنا ان نفهم ارادة الشعوب والعامل الانساني الحاسم في النضال ونزعة الجماهير والطبقات المستغلة (بالفتح) الى الانعتاق والتحرر والتقدم؟


ـ أدى الانهيار السوفيتي ومؤثراته الى ضرب الاقتصاد الكوبي مما ادى الى قرار المقاومة والنضال للتغلب على الواقع السلبي المستجد. ولم يسمح النظام الكوبي للازمة الاقتصادية، رغم شدتها، من ان تسلب الشعب الكوبي ارادته في الرد والصمود والمقاومة. ولعل هذا التناقض بين الواقع الاقتصادي والاجتماعي القبيح من جهة، واصرار الشعب على الصمود والمقاومة من جهة اخرى، هو الذي ولّد تلك الطاقة الهائلة التي صانت لهذا الشعب بقائه واستمراره: ولعل في هذا ما يفسر قدرة هذا الشعب على الاستمرار في الصمود والمقاومة اليوم. وعلى الرغم من المشاكل الجسيمة التي تواجهها مثل نقص المواد الغذائية والمواد الخام والهبوط العام في مستوى المعيشة خلال العقد الاخير، فان الازمة الكوبية والتي بدأت عام 1990 لن تؤدي الى انهيار الثورة الكوبية. ويعود هذا الى عوامل ثلاثة يرتبط الواحد منها بالاخر ويؤثر بها تأثرا متبادلا:
(1) ان طبيعة الازمة التي المت بالبلاد ليست مرتبطة ولا تعود اسبابها الى فشل المشروع الاشتراكي: اي الفكرة والنظام والقيم الاشتراكية كما يعتقد الكثير من المحللين
(2) ان الاجراءات التكيفية والتصحيحات البنيوية التي اتحذها النظام ادت الى نتائج ايجابية في معالجة الازمة والتخفيف من حدتها
(3) ان خصائص النظام السياسي في كوبا والارضية الايديولوجية والاجتماعية التي يقف عليها تقوم على مبدأ الديمقراطية الاشتراكية والمشاركة الشعبية في هذه العملية.

ـ لا تقتصر اشكالية المأزق الكوبي على معالجة الازمة الاقتصادية والنمو الاقتصادي والتنمية، بل تتمثل ايضا في ضمانة ان يقوم هذا النموعلى بنية اقتصادية واجتماعية تتناغم مع المشروع الاشتراكي الذي ناضل وضحى الشعب الكوبي من اجله. وقد يتطلب هذا المسعى ابداعا وتبني وجهات نظر قد لا تكون تقليدية أو كلاسيكية في الاشتراكية أو بدقة اكبر في التجارب الاشتراكية في الماضي والحاضر والمستقبل.

ـ يمكننا القول، بعد مرور عقد من الزمن، ان الاقتصاد العالمي قد ترك بصماته على السياسات الاقتصادية في كوبا. فقد اخذت قطاعات هامة من الاقتصاد الكوبي (السياحة وصناعة النيكل) تتجه نحو الاقتصاد العالمي واستطاعت ان تحتل موقها في السوق العالمية رغم المزاحة الشديدة كما انها اصبحت قادرة على التطور والتحسين المتواصلين. اضافة الى ذلك، نجد ان "افكار اللامركزية" والتوجه نحو اقتصاد السوق قد اصبحت جزءا من النهج السائد لادارة الاقتصاد الكوبي بغض الطرف عن المواقف والتبريرات الايديولوجية.

ـ قد تكون محاولة اندماج كوبا في الاقتصاد العالمي قد ولدت تصادما مع التصورات المثالية (والواقع الذي خلفته هذه) في
 اذهان الكوبيين في اوائل التسعينيات. الاّ ان مسار التحول الذي سلكته كوبا من اجل تسهيل اندماجها خلق وجودا متناميا للملكية الخاصة (واشكال اخرى من الملكية لم تكن معهودة في كوبا قبل حلول الازمة الاقتصادية) كما ادى الى اتساع دور السوق في الاقتصاد الكوبي. الاّ انه لا يجوز الاستنتاج، بشكل آلي، ان هذا يعني التوجه نحو اقتصاد السوق. فمن ناحية ليست هناك ضرورة لهذا التوجه، كما انه من الناحية الثانية، توجه غير مرغوب فيه. ففي كوبا اجماع على ان تطوير اقتصادي راسمالي امر مرفوض ولا يشكل حلا لمشاكل البلاد.

ـ مهما اشتدت حدة أو اتساع الاندماج في السوق العالمي، فان هذا الاندماج، لن يخلو من مضاعفاته ومشاكله (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية). وقد رأينا كيف ادت شرعنة الدولار في السوق الكوبية الى تهميش واستثناء فئات اجتماعية معينة والى تعميق الفجوة في الدخل والتفاوت في مستوى المعيشة بل الى انعدام المساواة في حالات كثيرة. وهنا يأتي دور  البرامج والسياسات الاجتماعية التي تستند الى سياسة وايديولوجية تعود في جذورها الى الالتزامات الاجتماعية التي اعلنتها وتمسكت بها الثور والنظام السياسي في كوبا. ومن الممكن استخدام هذه البرامج والسياسات من اجل ازالة او التخفيف من حدة هذه المشاكل.
ـ ان التوجهات الاصلاحية في الاقتصاد الكوبي ماضية في طريقها وقد قطعت شوطا في صياغة اشكال جديدة للملكية وسيتسم الاقتصاد الكوبي في القرن الواحد والعشرين بالسمات التالية:
ـ انخفاض ملكية الدولة لوسائل الانتاج وازديار اشكال الانتاج غير التابعة للدولة وازدياد المشارع الخاصة والعاملين فيها
ـ تطور ونمو "سوق اشتراكية" تشمل العناصر الاساسية من القوى العاملة ووسائل الانتاج ومصادر التمويل ووسائل جمع المعلومات والاعلام
ـ تعزيز راس المال الاجنبي (الاستثمارات الاجنبية التي تتداول الدولار الاميركي)
ـ مزيد من اللامركزية في صنع القرارات
ـ الازدهار المادي والروحي للمواطنين
ـ المزيد من سياسة الباب المفتوحة تجاه العالم الخارجي
ـ اقتصاد عصري ترافقه تجارة خارجية اكثر تنوعا
ـ تعزيز علاقات الجنوب ـ الجنوب وخاص بين كوبا ودول اميركا اللاتينية والحوض الكاريبي
ـ تنامي الوعي الاشتراكي (الفردي واجماعي)
ـ استمرار الاصلاح الاقتصادي تحت قيادة الحزب الشيوعي الكوبي.

ـ رغم القلق الذي تسببه الظواهر والآفات الاجتماعية السلبية (الدعارة والتوسل والفساد والرشوة والجشع وغيرها)، فان التعاطي الموضوعي مع هذه المسائل يتطلب تحليل هذه التطورات الاجتماعية وفهمها ضمن سياقها الاجتماعي ـ الاقتصادي. وتظل اسباب هذه الظواهر مرتبطة اصلا بجذورها الاقتصادية. وستبقى الحلول ـ مهما تعددت اشكالها الاجتماعية والاخلاقية ـ محكومة بالانفراج الاقتصادي القادر على ازالة الاسباب المادية والموضوعية لهذه الظواهر. ومما يبعث على التفاؤل أن الحوار في هذه القضايا علني في كوبا، مما يشكل مؤشرا ايجابيا يقرّب المجتمع الكوبي من العمل للقضاء على هذه الظواهر ويسهم في اقامة المشاريع التي تقي المجتمع من آثارها. اذ كيف يمكن السير قدما بالمشروع الاشتراكي دون القضاء على هذه الآفات؟

ـ مستقبل الاشتراكية في كوبا: كان المطلوب من الاصلاح الاقتصادي، قبل تحديد سمات النظام الجديد، ان يتخلى عن النظام القديم او عن اجزاء منه. ويستطيع المرء، استنادا الى التغييرات الاقتصادية التي تمت خلال ما ينوف عن عقد من الزمن، ان يستشف معالم وطابع النمط الذي سيؤول اليه الاقتصاد الكوبي. هل تملك كوبا مقومات الصمود والقدرة على المضي قدما في المشروع الاشتراكي؟ لعل الاجابة تكمن في الشعب الكوبي ذاته ومسيرته؟ ألم تزل كوبا صامدة شامخة بانجازاتها حتى يومنا هذا؟
 تقف كوبا على مفترق طريق وفي زمن يتطلب صناعة القرارات الصعبة. وسواء استمرت عملية الاندماج في السوق العالمية وباي قدر والى اي مدى، وسواء اخذت هذه العملية بالتسارع أو بالتباطئ، فسيكون لهذه القرارات آثارا بعيدة المدى عل كوبا وشعبها وثورتها لعقود طويلة مقبلة.الاّ ان هذا الامر ليس بالجديد على كوبا. وهل واجهت كوبا في العقود الاربعة الاخيرة غير الخيارات الصعبة والبدائل المستعصية؟
وقد جاءت تطورات السنوات الاخيرة بالرد على اجزاء كبيرة من هذه التساؤلات ـ اللغز. فقد تمثل رد كوبا في المقاومة والصمود ومنع الانهيار الاقتصادي، ثم في الحفاظ على النظام الاشتراكي ومشروع بناء الاشتراكية، والسعي للاندماج (مهما كانت درجته) في الاقتصاد العالمي. ويدرك من يتابع الشأن الكوبي ان حماية الثورة والاستقلال الوطني وسياد الدولة الكوبية وصيانة الانجازات الاشتراكية هي ثوابت ومقومات الموقف الكوبي سواء على صعيد القيادة والحزب الحاكم والنظام أو على صعيد الشارع الكوبي. ففي هذا النسيج المتشابك، يرى الكوبيون حريتهم واستقلالهم الوطني. وفي تلك المقومات نستطيع ان نتلمس ملامح المستقبل في كوبا ومستقبل الاشتراكية فيها. ولعل المدخل لفهم كوبا اليوم والغد يكمن في فهم الترابط العضوي والجدلي بين الاستقلال الوطني والسيادة من جهة وحماية الثورة والانجازات الاشتراكية من جهة اخرى. فقد غيّر "القاموس الكوبي" المعاني والدلالات والمفاهيم لمفردات، يرددها الغرب حتى الغثيان، مثل: المساواة والحرية والديمقراطية بالمشاركة الشعبية وحقوق الانسان وحقوق الانتخاب والتصويت وغيرها من المفردات التي يفهمها الكوبيون ويتلقون رنينها بشكل مغاير كلية عن المجتمعات الغربية "البرلمانية". فعلى سبيل المثال، فان التعليم والرعاية الصحية المجانيين لكل مواطن كوبي يشكلان حقا مضمونا غير قابل للنقاش ويشكلان رديفا لمفهوم "المساواة".

ـ يعتقد البعض أن الاشتراكية، كما عاشتها كوبا خلال العقود الثلاث (1961-1989) التي سبقت الانهيار السوفيتي، قد ولّت الى غير رجعة، وذهب معها العديد من الخدمات الاجتماعية التي ميّزت الحياة الكوبية في تلك المرحلة. الاّ أن السؤال يبقى: اذا لم يكن بمقدور كوبا، بسبب قلة الموارد، ان تقوم بكل تلك النفقات الاجتماعية والحفاظ على كافة الانجازات التي تمتع بها المجتمع سابقا، فما هي الاهداف التي يجب أن تسعى اليها كوبا لتحقيقها ضمن الامكانيات الراهنة؟ ولعل جزء من الاجابة على هذا السؤال يكمن في مجمل السياسات التي اتخذتها كوبا في العقد الاخير والتي استهدفت الحفاظ على الانجازات الاشتراكية اضافة الى التغييرات التي حدثت في تلك الفترة. ربما يشكل هذا الاطار العام للشكل الذي ستتخذه كوبا في المستقبل. فقد شرعت كوبا في عملية البحث عن النط الاشتراكي الملائم لها ولظروفها، الاّ ان زمنا طويلا قد يمضي قبل التوصل الى الاجابة علة هذه الاشكالية وقبل ان تكتمل هذه العملية.

ـ ليس هناك ما يشير الى تغيير أو زوال النظام السياسي في كوبا: حكم الحزب الواحد. ومع ان السماح بالحريات الدينية (التي اعقبت زيارة البابا عام 1998) يشير الى قدر من تحرير "مسألة الدين" وقد يدفع بعض المسيحيين الثوريين والتقدميين بالالتحاق بالحزب الشيوعي الكوبي (وهناك في الحزب امثال هؤلاء). ويرى بعض موالي الحزب، أن هذا سيمكن الحزب من توسيع قاعدته التنظيمية بل وربما يصبح "حزب الشعب الكوبي باسره" وهكذا يوفر حماية اكبر للنظام وللثورة وانجازاتها. ومع ان هذه المسألة تحمل في طياتها العديد من القضايا الحزبية الاخرى (مثل اسم الحزب وبرنامجه..الخ) الاّ انه من المبكر الدخول في تلك التفاصيل. ورغم أن الغرب "معني جدا" بمسألة الحريات الدينية ويقوم على اساسها "بتصنيف" الانظمة السياسية والشعوب والمجتمعات ويقرر في "انتهاكها لحقوق الانسان"، الاّ ان الكوبيين يعيرونها القليل من الاهتمام ولا يبدو انها مطروحة بثقل على اجندة الحوار الوطني.

ـ لم تنحصر تأثيرات الثورة في كوبا وتفاعلاتها على الساسة والمثقفين والحزبيين، بل تغلغلت النسيج الاجتماعي مكونة، منذ انتصار الثورة عام 1959، ثقافة سياسية جديدة وهي عملية لم تكتمل بل هي متواصلة  الجدل بين المجتمع والقيم والافكار السائدة والاوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ما هو دور المشاركة الشعبية وتفاعلات الشارع الكوبي في صياغة المستقبل وتحديد معالمه؟ اي، بعبارة اخرى، كيف يتم التفاعل (سياسيا واجتماعيا) بين النظام والجماهير الشعبية والمواطنين، وكيف ينعكس هذا كله على صياغة السياسات والاصلاح الاشتراكي في المستقبل؟ تشير الدلائل ان السياسات الرسمية قد تجاوبت، في حالات عديدة، ولبت رغبات وتطلعات الشارع الكوبي. ويمكن القول بان تطلعات وتوقعات الجماهير سوف تنعكس (بشكل أو باخر، وبقدر أو باخر، وربما ليس في كل مرة) في سياسات النظام. الاّ ان هذا لا يعني ان النظام والحزب الشيوعي الكوبي قد تخليا عن صلاحيتهما في تحديد وتفسير وتمثيل مصالح الشعب الكوبي. ويستطيع المرء من خلال هذه العملية الجدلية والمتنامية ان يرسم معالم المستقبل دون ان يقع فريسة المنطق الميكانيكي والمتحجر الذي تروج له دعاية الغرب الرأسمالي (المغرضة والتي تفرض معاييرها على مجتمع وبيئة وظروف مغايرة) والذي يفترض انه "برحيل الزعيم تنتهي الثورة والاشتراكية" ويسوقون أمثلة الاتحاد السوفيتي والصين والدول الاشتراكية الاخرى.

ـ يشهد النظام والحزب الشيوعي في كوبا تصاعدا ملموسا للجيل الجديد من الكوادر والقيادات. وقد أخذ هؤلاء يحتلون مواقعهم الحزبية والوزارية بدعم ومباركة كاسترو ورعيل الثورة انغسهم – المحاربين القدماء. الاّ ان هذا الجيل (فيدل كاسترو واخوه راؤول وانطونيو الاركون وغيرهم من قادة الثورة وحاملي لوائها طيلة هذه السنوات)، ما زالوا يمسكون بدفة الحكم ويملكون القرار في اجهزة الحزب والدولة. غير ان قيادات الجيل الجديد، بالاضافة لولائهم للثورة والحزب وللمشروع الاشتراكي في كوبا، يحملون سمات جيل جديد وعالم مختلف. ومن المؤكد ان هؤلاء سيحضرون معهم مفاهيم جديدة ورؤية مختلفة في صنع السياسات وادارة البلاد والتعامل مع القوى السياسية الاخرى (الداخلية منها والدولية). ومن المرجح ان تأخذ القيادة الكوبية الجديدة شكل قيادة جماعية مشتركة تجمع بعض الكوادر الحزبية والسياسية الصاعدة بالاضافة الى بعض رموز الثورة ووجوها التاريخية مثل راؤول كاسترو. ومهما آل اليه الامر فان للعملية التاريخية منطقها وقوانينها التي تحكم مسيرتها. وقد احتكمت مسيرة الاصلاح الاشتراكي في كوبا لهذه القوانين في عدة منعطفات في العقد الاخير مما يشكل مؤشرا لتوجهات المستقبل. وعليه فان قيادة كوبا الغد ستحمل بصمات وميرات الثورة الكوبية وقيادتها التاريخية الاّ انها ستحضر معها ايضا نظرة الجيل الجديد في صنع القرار وربما رؤية واسلوبا جديدا في تشييد علاقاتها مع هذا العالم المتغير دوما. 

ـ سيستمر الغرب الرأسمالي في عدوانه على كوبا (وليست كوبا بالطبع الضحية الوحيدة لهذا العدوان المعولم مع انه لا بد من الاقرار بخصوصيات العداء الاميركي لكوبا) وسيستخدم في حربه هذه ادعاءاته التقليدية (حكم كاسترو الاوتوقراطي الدكتاتوري، انتهاك حقوق الانسان والحقوق الديمقراطية، كوبا وكر الشيوعية...الخ) مضيفا اليها آخر التقليعات ـ تقليعات ما بعد 11 سبتمبر 2001 ( كوبا تدعم الارهابيين، كوبا تمتلك اسلحة بيوتكنولوجية أو تمتلك التكنولوجبا لانتاجها، كوبا تملك اسلحة دمار شامل). وستسارع المافيا الكوبية ومناصريها من المغتربين الكوبيين في الولايات المتحدة، بدعم من الادارة الاميركية الحاضنة لهم، للانضمام الى هذه الجوقة لاضفاء "المصداقية" لها. ومن المعروف ان التطورات في كوبا تتأثر الى حد كبير بتهديدات "الغول" الامريكي المتربص بالقرب من هافانا. ويشهد تاريخ كوبا الحديث ان عملية الاصلاح وتداعياتها ونتائجها تتأثر، وستبقى متأثرة لمدى بعيد والى حد كبير، سلبا وايجابا، بشبح هذا العدوان الذي اضحى "ازليا" في الذهنية الكوبية. هذه امور اكدتها سنوات طويلة  المعاناة والنضال. الاّ ان الكوبيين مصممون وماضون قدما في عملية الاصلاح الاشتراكي رغم كل ذلك. ومهما ارتفعت وتيرة هذه التهديدات، فليس هناك ما يشير الى تلكأ أو تراجع للشعب الكوبي عن المضي قدما في مشروعه. وهنا يصدق قول قديم لاحدهم: " لو كان ممكنا، لكان من المريح لكوبا الاّ تكون الولايات المتحدة موجودة اصلا". لعل في هذا القول شيء اكثر من مجرد التمني. فلو اختفت الولايات المتحدة عن وجه الكرة الارضية، لاستطاع الكوبيون ان يبنوا اتشتراكيتهم كما يشاؤون وبوحي من تطلعاتهم وظروفهم ورؤية قيادتهم الثورية. الاّ ان تاريخ الشعوب وتاريخ كوبا يعلمنا ان هذا الشعب سيمضي في دربه وسيبني اشتراكيته المنشودة كما يتصورها، رغم تلك العوائق، وربما بسببها.              
 
وفي سياق الوضع الدولي والنضال الاممي، فلا بد من رؤية مستقبل كوبا والاشتراكية فيها ضمن نضال البشرية الاممي من اجل عالم افضل ومن اجل الاشتراكية التي، وحدها، تقدم الحلول والاجابات على حاجات البشرية وقضاياها الملحة. ورغم بطش الراسمالية وعولمة هيمنتها، فان الغوص الى ما هو تحت السطح، يظهر الحقيقة جلية ناصعة: فالرأسمالية لم تحضر لهذه البشرية وجماهيرها الغفيرة الاّ المزيد من الفقر والجوع والمرض وكافة اشكال الاستغلال، ولم تساهم سياساتها النيوليبرالية الاّ في توسيع الفجوة بين الفقير والثري والتدهور في مستوى المعيشة للطبقات الشعبية في تلك البلدان.  

المراجع والهوامش:

REFERENCES:
1. Delia Luisa Lopez Garcia, Economic Crisis, Adjustments, and Democracy in Cuba., in Cuba in the 1990s, ed. Jose Bell Lara, published by Instituto Cuban de Libro ,  Jose Marti, Publicaciones en Lenguas Extranjers, Ciudad de La Havana, Cuba, 1999, pp. 11-51
2. Elena Diaz Gonzalez, Cuban Socialism: Adjustments and Paradoxes, in Cuba in the 1990s, ed. Jose Bell Lara, published by Instituto Cuban de Libro ,  Jose Marti, Publicaciones en Lenguas Extranjers, Ciudad de La Havana, Cuba, 1999, pp.  53-72
3. Julio Carranza Valdez, Luis Gutierrez Urdaneta, Pedro Monreal Gonzalez, Cuba: Restructuring the Economy – A contribution to the Debate, translated and Foreword by Ruth Pearson, ( The Institute of Latin American Studies, University of London,  1997)
4. Max Azicri, Cuba Today and Tomorrow: Reinventing Socialism, (University Press of Florida, Gainesville, Florida, USA, 2000).
5. Pedro Monreal, Sea Changes: The New Cuban Economy,  NACLA Report on the Americas 32 no5 21-9 Mr/Ap 1999
6. Interview with Che Guevara, Monthly Review, September 1961, Volume 13, Number 4
7. John M. Kirk and Julia Sagebien, Cuba Libre: Blending Tropical Socialism with Market Economics, Business Quarterly v60 p34-8+ Spr 96
8. Ernesto Che Guevara, Justicia Global: Liberacion y Socialismo, (Oceaon Press, Melbourne, Australia, 2002)
9. Graciela Chailloux Laffita, Rosa Lopez Oceguera, Silvio Baro Herrera, Globlaization and Cuba – U.S. Conflict, (Editorial Jose marti, La Habana, Cuba, 1999).
10. Jon Lee Anderson, Che Guevara: A Revolutionary Life, (Grove Press, New York, USA, 1997).
11. Evelio Vilario Ruiz, Cuba: Socialist Economic Reform and Modernization, (Instituto Cuban Del Libro, Editorial Jose Marti, Havana, Cuba 1998).
12. Julio Carranza Valdez, in a lecture: The Cuban Economy, held at La Casa de Las Americas, La Habana, Cuba, 4th July 2002.
13. Julio Carranza Valdez, Luis Gutierrez Urdaneta, Pedro Monreal Gonzalez, Cuba: Restructuracion Economica, Socialism y Mercado, in Temas, a Cuban Periodical of Culture, Ideology, and Society, No. 1, Macrh 1995, La Habana, Cuba. (Spanish).
14ـ عادل سمارة: البريسترويكا، حرب الخليج، والعلاقات العربية ـ السوفياتية، (مركز احياء التراث العربي ـ الطيبة ـ فلسطين المحتلة، 1991).
15 ـ سمير امين: بعض قضايا المستقبل: تأملات حول تحديات العالم المعاصر. (دار الفارابي، بيروت ـ لبنان، 1990).

 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,915,495,390





- حسن نصرالله: باقون في سوريا.. وأمريكا تنقل داعش بالطوافات لم ...
- خالد بن سلمان: أمن البحر الأحمر من أمن السعودية وسنحميه من م ...
- رئيس وزراء ماليزيا السابق يمثل أمام القضاء بـ 21 تهمة غسيل أ ...
- رئيس وزراء ماليزيا السابق يمثل أمام القضاء بـ 21 تهمة غسيل أ ...
- استشهاد فتى فلسطيني برصاص الاحتلال جنوب غزة
- أمنستي: مصر سجن مفتوح للمنتقدين
- الدفاع التونسية تنفي مشاركة قوات أمريكية في عمليات قتالية ضد ...
- سوريا... شائعات تستهدف رفع مسؤولية كارثة الطائرة الروسية عن ...
- الخارجية الأمريكية تؤكد دعمها وحدة أراضي جورجيا
- صورة -عنصرية- تثير الغضب وتهدد حياة أصحابها


المزيد.....

- صعود وسقوط التنمية العربية..قراءة في أطروحات علي القادري / مجدى عبد الهادى
- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي
- ما يمكن القيام به في أوقات العجز* / دعونا ندخل مدرسة لينين / رشيد غويلب
- أناركيون / مازن كم الماز
- مناقشات بشأن استراتيجية اليسار/ يسار الوسط ..الوحدة المطلوبة ... / رشيد غويلب
- قراءة وكالة المخابرات المركزية للنظرية الفرنسية / علي عامر
- مراجعة في أوراق عام 2016 / اليسار العالمي .. محطات مهمة ونجا ... / رشيد غويلب
- هل يمكننا تغيير العالم من دون الاستيلاء على السلطة ؟ جون هول ... / مازن كم الماز
- موسكو تعرف الدموع / الدكتور احمد الخميسي
- هاييتي ٢٠٠٤-٢٠١ ... / كايو ديزورزي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مسعد عربيد - مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل