أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - فاطمة الزهرة العبار - شذرات من المشهد الاعلامي بالمغرب قبل 1912















المزيد.....


شذرات من المشهد الاعلامي بالمغرب قبل 1912


فاطمة الزهرة العبار

الحوار المتمدن-العدد: 4688 - 2015 / 1 / 11 - 20:46
المحور: الصحافة والاعلام
    


شذرات من المشهد الإعلامي بالمغرب قبل 1912

مع بداية القرن 19م تزايدت الأطماع الاستعمارية حول المغرب، فتنبهت الدول الأوروبية إلى أن هناك نوعين من الاحتلال:
- الاحتلال العسكري: ويكون عن طريق التدخلات العسكرية، وممارسة مختلف أشكال العنف والإرهاب.
- الاحتلال السلمي أو "الاستعمار النير" كما يحلو للكثيرين أن يطلقوا عليه: ويمكن أن نلخصه في إحدى الصيغ التي كانت محببة عند المارشال ليوطي، والتي هي "عمل صالح يساوي كتيبة"، أي استعمال مختلف الأساليب السلمية التي يمكن من خلالها اجتذاب سكان البلد المستعمر، وجعلهم يحسون بلطف تقاليد المستعمر، ومزايا حضارته... وفي هذا الإطار تنبهت الدول الاستعمارية إلى الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الصحافة في تسهيل عملية توغلها داخل المغرب، فأولتها أهمية كبيرة، باعتبارها من أهم الاشكال الاستعمارية الحديثة والفعالة التي تندرج في إطار الدعاية الاستعمارية السلمية.
وهكذا، وفي إطار مؤامرتها الاستعمارية سعت الدول المتنافسة على المغرب إلى خلق مجموعة من الجرائد في مواقع ومدن استراتيجية من المغرب، جندت كلها لخدمة النفوذ الاستعماري. وكانت كل جريدة تعكس وجهة نظر من يمولها ويوجهها من جهة، وتعمل من ناحية أخرى على تسهيل الجيوش الكولونيالية لتتسرب إلى المغرب بسهولة، وتعمل على إنجاز مشروعها الاستعماري في أحسن الظروف، وبأقل التكاليف الممكنة.
مع نهاية القرن 19م وبداية القرن 20م، تزايد عدد الصحف الاستعمارية بالمغرب، وتعددت لغاتها بتعدد الدول الطامعة في احتلال البلد والسيطرة عليه. ويرجع الفضل في ظهور الصحافة الأوروبية الاستعمارية بالمغرب إلى الإسبان الذين عملوا سنة 1860م على تأسيس جريدة "El Eco de Tetuan" (صدى تطوان) التي تعتبر أول صحيفة أوروبية صدرت بالمغرب. وقد صدرت عن مطبعة الحملة (Emprenta de campañ-;-a) التي كان الجيش الإسباني قد نقلها إلى مدينة تطوان بعد احتلاله لها خلال الحرب المعروفة في الوثائق الإسبانية بحرب إفريقيا "Guerra de Africa". وتعتبر مطبعة الحملة أول مطبعة ظهرت في المغرب.
وإذا كانت "El Eco de Tetuan" قد اقتصرت على عدد واحد، فإن مدينة تطوان سرعان ما ستعرف يوم 16 غشت 1860 صدور صحيفة "El Noticiero de Tetuan" (مخبر تطوان) عن مطبعة تم استيرادها من الجزيرة الخضراء إلى مدينة تطوان التي كانت تلعب آنذاك دور الوصل بين إسبانيا وأوروبا. وقد أخدت هذه الصحيفة على عاتقها مهمة التعريف بالحضارة الإسبانية، كما كانت تتبنى التوجهات الاستعمارية لإسباينا، وتدافع عن الإسبان المتواجدين بالمغرب.
وقد اعطى صدور "El Eco de Tetuan" و "El Noticiero de Tetuan" الضوء الأخضر للأوروبيين ليعملوا على تأسيس عدد من المطابع التي صدرت عنها مجموعة ضخمة من الجرائد اليومية والأسبوعية، والدوريات، والحوليات، والمجلات المتعددة الاختصاصات، والنشرات الإخبارية والتجارية والثقافية والفكرية... باللغات العربية والأجنبية للدفاع عن أطروحاتها الكولونيالية بالمغرب، وخدمة أهدافها ومصالحها به. وقد استفادت مختلف هذه الصحف من انعدام أي قانون منظم للصحافة بالمغرب.
إن اهتمام الأوروبيين بإصدار الصحافة في مستعمراتهم يندرج في إطار ماعرف بـ "الاستعمار النير"، الذي تفننوا من خلاله في إبداع طرق وأساليب سلمية جديدة لاستغلال الشعوب المستعمرة. وقد كانت الصحافة إحدى الوسائل المهمة التي انتبهوا إلى الدور الكبير الذي يمكن ان تلعبه في خدمة أهدافهم الكولونيالية من جهة، وفي تسهيل عملية توغلهم الاستعماري داخل المغرب من جهة اخرى.
تركزت الصحافة الأوروبية قبل الحماية بكل من سبتة ومليلية اللتان عرفتا نشاطا صحافيا كبيرا، إلى درجة أن الإسبان كانوا ينعتون مليلية بعميدة الصحافة الإسبانية بإفريقيا .
غير أن الصحافة الأوروبية ستعرف ازدهارا حقيقيا، وتطورا أكثر أهمية ونشاطا بمدينة طنجة التي تميزت بمؤهلاتها الجيوسياسية المتمثلة في قربها من أوروبا، وفي موقعها الممتاز بخطوط المواصلات البحرية بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا، وفي انتعاش التجارة والعلاقات البحرية بها، وفي اختلاف أجناسها، وتعدد لغاتها وثقافاتها، وفي تمركز عدد من المراسلين الأوروبيين بها، فضلا عن كونها العاصمة الديبلوماسية التي كانت تتواجد بها المفوضيات والسفارات والقنصليات والشركات والوكالات الأوروبية... وقد شكلت الصحف التي صدرت فيها منذ الثمانينات من القرن 19م، 60 في المائة من مجموع الصحف الأوروبية التي صدرت بالمنطقة الشمالية. كما ساعد إنشاء مطبعة "Gregorio Trinidad Abirenes" بمدينة طنجة سنة 1880 على ازدهار الحركة الصحافية بها، إلى درجة أن صحافة المدينة كانت بمثابة وكالات أنباء تقتبس منها صحف أوروبا كل ماتنشره عن المغرب .
أما في المنطقة الجنوبية، فقد تركزت أهم الصحف الاستعمارية الأوروبية في مدينة فاس والدار البيضاء، قبل أن تنتشر مباشرة بعد توقيع الحماية في أهم المدن المغربية سواء في الجنوب بالمنطقة السلطانية، أو في الشمال بالمنطقتين الخليفية والدولية، او بمدينتي سبتة ومليلية اللتان كانتا وماتزالان تحت الاستعمار الإسباني المطلق.
وإذا كان الأوروبيون، خاصة منهم الإسبان والفرنسيون الذين سيتمكنون في النهاية من اقتسام المغرب، قد اقتصروا في البداية على اللغات الأجنبية كأداة للتواصل، فإنهم سرعان ما استعانوا باللغة العربية أيضا وذلك في محاولة منهم لتوسيع جمهور القراء ليشمل اكبر نسبة من المغاربة الذين كان أغلبهم لا يجيد اللغات الأجنبية. وكما كان الإسبان سباقون إلى إصدار الصحافة بالمغرب، فقد كانوا أيضا سباقون الى تاسيس صحافة عربية عندما أصدروا ملحقا باللغة العربية لجريدة "El Eco de Ceuta" يحمل نفس العنوان (طنين سبتة).
بعد "طنين سبتة" ظهرت مجموعة من الملحقات العربية التابعة لعدد من الصحف الأوروبية، كما أن بعض الصحف الأوروبية الأخرى كانت تنشر من حين لآخر مقالات وإعلانات باللغة العربية كمحاولة منها لاجتذاب القراء المغاربة.
مع بداية القرن العشرين ارتفعت حدة التكالب الاستعماري حول المغرب، فتعددت الصحف الأجنبية الصادرة به، وظهرت صحف أخرى جديدة باللغة العربية، كان الهدف الاساسي منها هو التأثير على الرأي العام المغربي، وإيهامه بأن الحل الوحيد للمشاكل التي يتخبط فيها المغرب هو التدخل الأجنبي الذي من شأنه أن ينشر الأمن والاستقرار ويدفع البلاد نحو التقدم والرقي.
بمجرد توقيع معاهدتي 30 مارس في فاس، و27 نونبر 1912 في مدريد، انطلقت أيدي الإسبان والفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين في إصدار صحف جدية باللغات الأجنبية والعربية. وكانت كل دولة تهدف من خلال سياستها الإعلامية إلى خدمة مخططاتها الاستعمارية، وإحكام السيطرة على المنطقة التي كانت تسيطر عليها.
لكن ألا يحق لنا أن نتساءل عن موقع المغاربة في خضم هذه الحركة الإعلامية الهائلة التي عرفتها أوروبا منذ القرن 15م، والتي امتدت تأثيراتها القوية إلى البلدان التي استعمرتها بما فيها المغرب؟
إذا كانت الدول الأوروبية قد قطعت أشواطا كبيرة في ميدان الطباعة والنشر منذ اختراع غوتنبرغ للطباعة في أربعيات القرن 15م، وإذا كان تداول المطبوعات بما فيها الصحافة قد أضحى منذ ذلك التاريخ مألوفا داخل المجتمع الأوروبي، فانه بسبب سياسة الحذر والانزواء التي اختارها منذ عهد المولى سليمان، كأسلوب كان يتوخى من ورائه دفع الأخطار التي كانت تحدق به، لم يتمكن المغرب من التعرف على الصحافة بمفهومها العصري إلا في النصف الاول من القرن 19م عندما ظهرت بمدينة سبتة يوم فاتح ماي 1820م أسبوعية "El liberal Africano" (المتحرر الإفريقي) التابعة للجمعية الوطنية بالمدينة ، وكانت تصدر عن مطبعة بمدريد، مما يعني أن ظهور الصحافة العصرية بالمغرب ارتبط ارتباطا وثيقا بتصاعد التكالب الاستعماري عليه، وازدياد حدة الأطماع الأوروبية في السيطرة عليه.
لكن هل يعني هذا أن المغاربة لم يسبق لهم البثة قبل هذا التاريخ أن تعرفوا على الصحافة كمظهر من مظاهر العالم الحديث والمعاصر؟ وأنهم كانوا في عزلة مطلقة عما كان يحدث خارج بلادهم؟ وأن المستوى الفكري والثقافي لديهم ظل محاصرا بسبب سياسة العزلة والاحتراز التي نهجها ولاة أمره، وأنهم لم يتمكنوا من التعرف على الصحافة التي كانت من أجل مظاهر التطور إلا في وقت متأخر جدا مقارنة مع غيرهم من الأوروبيين والمشارقة؟
تشير المصادر المغربية، وخاصة منها كتب الرحلات إلى أنه اذا كان المغاربة لم يتعرفوا على الصحافة العصرية إلا مع بداية القرن 19م، وأنهم لم يعرفوا صدورها فوق أرضهم إلا مع بداية النصف الثاني من نفس القرن، فإن النخبة المتنورة منهم كانت قد تعرفت عليها قبل هذا التاريخ، فالغساني، وزير المولى إسماعيل الذي كان هذا الاخير قد أرسله إلى إسبانيا لأداء مهمة لدى الملك الإسباني كارلوس الثاني (1690-1691)، تحدث في رحلته التي ألفها في اواخر القرن 17م عن الصحيفة التي أثارت انتباهه بإسبانيا فأشار إلى دورها في نشر الاخبار بين الناس وإطلاعهم على الجديد رغم ما فيها من الزيادة والكذب. فقال: "ويسمونها الكازيطة، فيطلع الناس منها على أخبار كثيرة، إلا أن فيها من الزيادة والكذب ما تحمل عليه الشهوة الإنسانية .
واذا كان الغساني قد اطلع على المطبعة في أوروبا، فإن الرحالة المغربي محمد الفاسي كان قد وقف على هذا الاختراع العلمي في الأستانة، كما وقف عليه في المشرق العربي عندما اطلع سنة 1216هـ- 1801م على مطبعة الحملة الفرنسية بالقاهرة، وأبدى في رحلته إعجابا بها .
بعد مضي حوالي قرن ونصف من الزمان على رحلة الغساني، انطلقت من مدينة تطوان بعثة سفارية جديدة في اتجاه باريس (1845-1846)، كان من أهم أعضائها محمد الصفار الذي ترك مؤلفا حول تفاصيل هذه الرحلة، قدم فيه - فيما يتعلق بموضوعنا- وصفا مسهبا لكوازيط باريس، ومعلومات مهمة عن القوانين المنظمة لها، والطرق التي تعتمدها في جمع الأخبار، وطبيعة المواضيع التي تنشر بها، وكيفية إصدارها وتوزيعها، ونظام الاشتراك فيها، ودورها في المعارضة السياسية، وكذا الأهمية الكبرى التي كانت تحتلها عند الفرنسيين الذين لاحظ الصفار أنهم كانوا متشبتين بها، ولايقدرون على الاستغناء عنها، "حتى إن أحدهم قد يصبر على الأكل والشرب، ولايصبر على النظر إلى الكازيطة" .
وقد أولى محمد الصفارعناية كبيرة لدار الإصطنبا التي لم تكن غير المطبعة الملكية التي أثارت انتباهه بباريس، فقدم صفا دقيقا لها، وتطرق لمختلف المراحل التي تقطعها عملية الطبع .
وإذا كان الغساني والصفار قد اقتصرا في رحلتيهما على تقديم أوصاف مختلفة للطباعة والصحافة، وإبداء الإعجاب بهما، فإن إدريس العمراوي سفـير السلطان محمد بن عبد الرحمان إلـى فرنسا سنة 1860 ، ذهب إلى أبعد من ذلك عندما طلب من السلطان أن يعمل على تزويد المغرب بالطباعة، نظرا لما لها من أهمية كبرى في تقدم البلاد ورقيها .
إلا بالرغم من انتباه النخبة المثقفة بمغرب ما قبل الحماية إلى أهمية الصحافة وفضائلها، فقد ظلت غير مرغوب فيها، بل ومرفوضة بشدة، لا طرف الرعية فحسب، وبل ومن طرف المخزن أيضا الذي اعتبرها " (...) من باب حاطب ليل، ومن محدثات الأمور التي لم يعهد مثلها، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ، مما ساهم بشكل كبير في تأخر ظهور الصحافة بالمغرب مقارنة مع أوروبا والمشرق.
وعلى الرغم من الرفض المغربي للصحافة، فإنه لايمكننا أبدا تصور انعدام أشكال معينة للتواصل كان يتم عن طريقها تداول الأخبار والمستجدات بين المغاربة. فما هي الوسائل التي اعتمدها المغاربة للتواصل ونقل الاخبار وتداولها؟
في كتابه "Les tableaux de la guerre" أعرب شارل إيريارت Charles Yriarte الصحافي الفرنسي الذي رافق القوات الإسبانية خلال حرب تطوان (1859-1860) كمراسل لبعض الصحف الباريسية عن اندهاشه الكبير من السرعة القصوى التي اتنشر بها خبر توقيع معاهدة الصلح السلام بين المغرب وإسبانيا، فأشار إلى أن الخبر وصل إلى مناطق وجهات بعيدة من مدينة تطوان في ظرف ساعتين فقط .
قد نشارك شارل إيريارت إندهاشه، إلا أننا نتجاوزه إلى التساؤل عن الوسيلة التي اعتمدها أهل تطوان في نقل الخبر بهذه السرعة؟ وعن أشكال التواصل التي كان المغاربة يعتمدونها في نقل أخبارهم ومستجداتهم ؟
ظل المغاربة مرتبطين لوقت طويل بوسائل تقليدية للتواصل ونشر الأخبار، فإلى جانب عملية إيقاد النار في أعلى قمم الجبال التي ذكر شارل إيريارت بأن سكان القبائل الجبلية المحيطة بمدينة تطوان كانوا يلجأون إليها للتعبير عن وقوع مستجدات وأحداث عندهم ، فقد استعمل المغاربة في تواصلهم وسائل تقليدية أخرى أهمها:
- البراح الذي كان يبعثه المخزن أو القبيلة لنشر الأخبار في الأسواق والأماكن العامة.
- وعاظ وخطباء المساجد والزوايا والمدارس الذين كانوا يعتمدون في نشر الأخبار على التواصل الشفهي.
- الرقاص الذي غالبا ما كان يلتجأ إليه المخزن المغربي لنشر ونقل التعليمات والأخبار الرسمية.
- التجار والباعة المتجولون الذين كانوا يشكلون من خلال تنقلهم في مختلف ربوع البلاد وخارجها وكالات غير مباشرة لنشر الاخبار .
وباعتمادهم على مثل هذه الأساليب التواصلية التقليدية، لم يشعر المغاربة أبدا بحاجتهم إلى الصحافة أو إلى امتلاك أية وسيلة من وسائل الإعلام العصري، خاصة وأن امتلاكها لن يتأتى لهم إلا عن طريق الاحتكاك بــ "دار الكفر" !!.
وقد استمر المغاربة على وضعهم هذا إلى أن أرغموا على تقبل الصحافة والاستئناس بها بعد أن اشتد التكالب الاستعماري على المغرب، وارتفعت أطماع الدول الأوروبية الكبرى حوله، وتعزز النشاط الصحفي الأوروبي بالمغرب بتأسيس مجموعة من المطابع التي صدرت عنها أعداد مهمة من الجرائد والمجلات، جندت لخدمة مصالح الدول التابعة إليها، والترويج لمخططاتها الاستعمارية، والتعريف بتاريخها وحضارتها، فضلا عن التدخل في شؤون المخزن، والتجاسر على شؤون المغاربة وخصوصياتهم.
وبدوره انتبه المخزن المغربي إلى الأدوار الخطيرة التي كانت تلعبها الصحافة الاستعمارية في خدمة أهداف أصحابها التوسعية، وتشويه سمعة المغرب، وخلق البلبلة به، فكان أن أصدر محمد بن العربي الطريس، النائب السلطاني بطنجة، يوم 20 يوليوز 1886م مذكرة بعث بها إلى جميع المفوضيات الأجنبية بالمدينة يخبرها فيها بقراره القاضي بايقاف صحافة المدينة. وإذا كان هذا القرار قد ظل حبرا على ورق، فإن السلطان المغربي سرعان ما انتبه إلى إمكانية مواجهة الصحافة الاستعمارية بنفس الأداة أي بالصحافة، فقام بايعاز من الألمان باقتناء جريدة "لسان المغرب" التي حاول من خلالها أن يواجه الحملات الصحفية التي كانت توجهها ضده الصحف الأوروبية، وخاصة منها الفرنسية. غير أن هذه الجريدة لم تتمكن من أداء الدور الذي كان يتوخاه منها السلطان، وذلك بسبب جهله بالميدان الصحفي وعدم تمرسه به.
في 27 يونيو 1908 أصدر السلطان من جديد جريدة أطلق عليها اسم "الفجر"، غير أن هذه المحاولة سرعان مابات بالفشل، عندما توقفت "الفجر" بدورها عن الصدور.
وعلى الرغم من إدراكه لخطورة المقالات التي كانت تصدرها الصحافة الأوروبية بالمغرب، وعلى الرغم من وعيه الكامل بما تفرضه عليه مسؤولياته تجاه تلك الصحف، فقد ظل المخزن المغربي عاجزا أمام نفوذها، ولم يتمكن من التحكم فيها، وإيقاف مدها وتدخلها في شؤون المغرب، لأن قواه كانت دون مستوى طموحاته، فتراجع تاركا المجال أمام العلماء الذين جندوا أقلامهم للرد على ما كانت تنشره الصحافة الأوروبية من مقالات كاذبة، وماكانت تروج له من أفكار تخدم المصالح الاستعمارية. وفي هذا الإطار عملوا على إصدار مجموعة من النشرات أهمها "الطاعون" التي أصدرها محمد بن عبد الكبير الكتاني بفاس في 1324-1906، و"مقالة من سنان القلم لتنبيه وديع كرم" التي أصدرها وأدارها محمد العابد بن سودة في 20 ذي الحجة 1325- 26 يناير 1907، و "مفاكهة ذوي النيل والإجادة حضرة مدير جريدة السعادة" التي أصدرها عبد الحي الكتاني بفاس سنة 1908، و"تنبيه المستبد من حيث على جهله يعتمد" التي أصدرها محمد بن يحيى الصقلي بفاس 1908، و"الجيش العرمرم لهزم وديع كرم" التي ألفها شخص مجهول سنة 1908م.
إلى جانب العلماء برزت النخبة المثقفة التي كانت تؤمن بأن العمل الصحفي قد يكون أحد سلاح يمكن أن يواجهوا به الأطماع الاستعمارية بالمغرب، ويقفوا عن طريقه في وجه كل استغلال يستهدف بلادهم وأرضهم. وكانت هذه الفئة قد شاركت المخزن يوم 8 فبراير 1907 في إصدار جريدة "لسان المغرب" بطنجة.
تولت مختلف الصحف والنشرات التي أصدرها المغاربة قبل الحماية مهمة إثارة الأفكار الوطنية ومناهضة التغلغل الاستعماري، والرد على الجرائد الاستعمارية التي كانت تتحدث باسم مصالح الدول الأوروبية. كما تبنت دعاوي صريحة للإصلاح والتحديث، فساهمت بذلك في حدوث زخم فكري وثقافي بالمغرب . غير أن فشلها سرعان ما أعاد من جديد الاحتكار الأوروبي للساحة الإعلامية بالمغرب. فكان أن اتجه المغاربة نحو صحافة المشرق العربي التي كانت تصل إلى المغرب عن طريق البريد الإنجليزي، والتي كان عدد كبير منهم يجدون فيها متنفسا يعوضهم عن حرمانهم من حقهم في إصدار صحافة عربية مغربية حرة. فساهموا فيها قراءة وكتابة، ودعموها ماديا ومعنويا. وقد لعبت الصحافة المشرقية التي كانت قوية الانتشار والتأثير دورا كبيرا في التثقيف السياسي والعلمي والديني، وفي انتشار السلفية بالمغرب، وفي نهضة المجتمع المغربي، كما لقيت أفكار التجديد والإصلاح التي تنبض بها الصحافة العربية المشرقية صدى عميقا لدى النخبة المتنورة المغربية.
في 30 مارس 1912 تم عقد معاهدة الحماية بين المغرب وفرنسا. وبعد أشهر، أي في 27 نونبر من نفس السنة، تم توقيع معاهدة فرنسية إسبانية بمدريد، أعطي بموجبها للإسبان الحق في احتلال المغرب. وقد أثارت المعاهدتان غضب المغاربة الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام التدخل الاستعماري ببلدهم، فبمجرد ما وطئت أقدام جنود الاحتلال أرض المغرب، تألفت بمختلف مناطقه مجموعة من الرباطات الجهادية التي ارتأى قادتها بأن المواجهة المسلحة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها رد العدوان، والتصدي للغزو الاستعماري، بل إن المقاومة المسلحة كانت قد انطلقت قبل توقيع المعاهدتين السالفتين عندما انتقضت بعض القبائل المغربية في الشمال والجنوب للتصدي للتغلغل الاسباني والفرنسي ببعض مناطق وجهات المغرب.
وعلى الرغم مما كبدته المقاومة الشعبية المسلحة في مختلف أنحاء المغرب للمستعمر من خسائر فادحة، فقد برهنت التجارب مع مرور الوقت أن لغة الحديد والنار أكثر من يتقنها هو الاستعمار، وأنه من العبث الاقتصار في مواجهة الاستعمار على الأسلوب العسكري فقط، نظر لهزالة السلاح وضعف الإمكانيات التي كان يتوفر عليها المغاربة مقارنة مع التفوق الشامل الذي أظهرته القوات الاستعمارية في مختلف الميادين، خاصة وأنها كانت تعمل مع مرور الوقت على التسرب إلى مختلف المؤسسات المغربية، فتعمل على إعادة هيكلتها وتكييفها وفقا لما يتطلبه وجودها بالمغرب، مستفيدة من واقع الجهل والتخلف والفقر الذي كان متفشيا داخل المجتمع المغربي.
وبعد تفكير عميق، واستقراء علمي للواقع المغربي، أدركت الفئة المتنورة بالمغرب أنه لايمكن الانتصار على المعمرين إلا بخوض معركة طويلة النفس تقوم على مزاوجة المقاومة المسلحة بمقاومة سياسية سلمية، تتعايش مرحليا مع واقع الاحتلال، وتقوم على وضع استراتيجيات مرحلية تهدف الى نهضة المجتمع المغربي، وإصلاح مختلف جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والسياسية... وتعمل على توحيد الكلمة، ونشر التعليم، وتنوير الرأي العام، وتعميق الفكر الوطني لديه، وجعله معتزا بالهوية المغربية، ومستوعبا لخطورة الوجود الاجنبي ببلده... وتأهيله من خلال كل ذلك إلى مواجهة الاستعمار سياسيا وعسكريا...
وإذا كانت الصحافة قد حظيت كما أشرنا سالفا باهتمام كبير من طرف السلطات الاستعمارية التي عملت على توجيهها بالشكل الذي يساعدها على إحكام سيطرتها على المغرب، وعلى إنجاز مشروعها الاستعماري في أحسن الظروف، وبأقل التكاليف الممكنة، فإن المغاربة لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام السياسة الإعلامية التي تبنتها السلطات الاستعمارية في الشمال والجنوب، بل عملوا منذ السنوات الأولى للحماية على تأسيس منابر إعلامية وطنية حرة، تكون واجهة للنضال الذي ستخوضه في عدة جبهات.
إلا أن ميلاد الصحافة الوطنية بالمغرب لم يكن بالأمر الهين، بل كان عسيرا وشاقا، وجاء نتيجة للمجهودات الكبرى التي بذلها الوطنيون لتهيي الشروط الضرورية لإصدار الصحافة، فأسسوا المطابع، وعملوا جاهدين على توفير موارد مالية ثابتة لإدارة شؤون الصحيفة، وسعوا إلى انتزاع شهادة ميلادها من يد السلطات الإسبانية التي كانت تقف بالمرصاد لكل منبر إعلامي يتم من خلاله التعبير عن مطامح وآمال المغاربة وتطلعاتهم... وعملوا فوق كل ذلك على تأسيس المعاهد والمدارس لإعداد الأقلام المحررة والمساهمة، وتأسيس جيل من القراء الذين في غيابهم لا يمكننا الحديث عن وجود الصحافة
وقد لعبت الصحافة خلال المرحلة الاستعمارية أدوارا مهمة، كانت تتكيف خلالها مع مختلف المستجدات والأحداث، وتنتقل من وظيفة إلى أخرى كلما اقتضت الظروف ذلك. وهي في مختلف ظروفها وأحوالها ووظائفها كانت فاعلة ومساهمة بشكل كبير في توجيه الرأي العام والتأثير عليه، كما كانت على الدوام مرآة عاكسة لمجتمعها، تسجل الوقائع اليومية، وتعالج مختلف الظواهر والقضايا، وتتابع مختلف الطوارىء والمستجدات... ولعل أدوار الصحافة المتعددة هي التي دفعت المفكر الإيرلندي إدموند بيرك، والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل في النصف الأول من القرن 19م إلى وصف المراسلين والصحفيين بالسلطة الرابعة التي كان لها نفوذ كبير يفوق تأثير السلطات الثلاث الأولى (رجال الدين والنبلاء والعوام) التي كانت تتشكل منها أوروبا آنذاك.









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,273,872,033





- صيني يشتري حمامة بسعر 1.4 مليون دولار في مزاد
- أحمد بطاطاش: -بوتفليقة سيحكم الجزائر خارج الإطار الدستوري بع ...
- إطلاق نار يسفر عن ضحايا وإصابات في القاهرة.. والأمن يقتل الف ...
- شاهد: معركة الطائرات المسيرة في هولندا
- نواب ديمقراطيون يطلبون فتح تحقيق بصلة صاحبة صالون تدليك بترا ...
- صينية تكاد تموت بعد حقنة عصير فاكهة
- شاهد: معركة الطائرات المسيرة في هولندا
- نواب ديمقراطيون يطلبون فتح تحقيق بصلة صاحبة صالون تدليك بترا ...
- الصحة العالمية: إصابة 97 الف ووفاة 166بالكوليرا في مناطق سيط ...
- اللجنة الأمنية في تعز تقر إخلاء المدينة من المعسكرات واعداد ...


المزيد.....

- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان
- الإعلام و الوساطة : أدوار و معايير و فخ تمثيل الجماهير / مريم الحسن
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ... / زياد بوزيان
- الإعلام والتواصل الجماعيين: أي واقع وأية آفاق؟.....الجزء الأ ... / محمد الحنفي
- الصحافة المستقلة، والافتقار إلى ممارسة الاستقلالية!!!… / محمد الحنفي
- اعلام الحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الكفاح المسلح 1979-198 ... / داود امين
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم
- مقدمة في علم الاتصال / أ.م.د.حبيب مال الله ابراهيم
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - فاطمة الزهرة العبار - شذرات من المشهد الاعلامي بالمغرب قبل 1912