أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - هاشم عبد الرحمن تكروري - سكرات الشحرور، الجزء الثاني والأخير، والجزء الأول كان بعنوان كان لابد من السجن














المزيد.....

سكرات الشحرور، الجزء الثاني والأخير، والجزء الأول كان بعنوان كان لابد من السجن


هاشم عبد الرحمن تكروري
الحوار المتمدن-العدد: 4660 - 2014 / 12 / 12 - 11:10
المحور: القضية الفلسطينية
    



في واقع الحال عندما بدأت أُفكر في الكتابة عمّا يُعبر عنه عنوان هذا المقال لم أكن أمتلك عنه سوى مشاهداتي التي كنت أراها في ملامح وتصرفا من يحيط بي من الأسرى، وذلك في أيامهم الأخيرة داخل السجن، ولكن عندما بدأت أخطُ بقلمي كلمات هذا المقال كانت المشاهدات التي كنت أراها في الآخرين بدأت تتقارب إليَّ كأسير، واصبحت تلك المشاهدات تتحول إلى مشاهد حية أعيش لحظاتها ودقائقها وأستشعر بها وأتلمس نفي في اطيافها،فَثُقلُ تلك اللحظات حقاً لا يستشعر بها إلاّ أسير،فهي تبدأ في التفكير بالأيام والسنوات التي قضاها داخل أسوار السجن، تلك الأيام التي سُرِقت من عمره رغماً عن إرادته، وعمّا عاناه من مرارة الأسر، فهي أيام عمره بحلوها، بمرها، بشقائها،... ببعض اللحظات الجميلة التي كان يستلّها بعيداً عن أعين السجّان، فالأسير بعد اعتقاله ومحاكمته ينتقل من حياته وأسرته ومجتمعه، إلى حياة وأسرة ومجتمع جديد العهد لديه، تختلف بمجملها، وبواقعها، ومكانها، وزمانها، وشخوصها، إذن هي حياة جديدة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ، ويبدأ الأسير بتوطين النفس، وترويضها على نَسق الحياة الجديدة التي فُرضِت عليه، وبمرور الوقت تُصبح حياة الأسر هي حياته وواقع الأسرى واقع مجتمعه، ويصبح مع الأيام ابناً لهذا المجتمع الآخر، ولن أقول الغريب لأن من يحيا على واقع وحقيقة وجود الإحتلال البغيض على أرضه يعلم بالضرورة أن السجن يُصبح إحدى "السيناريوهات" المتوقعة لمن يحيا على هذه الأرض، بجانب السيناريوهات الأخرى" إصابة، استشهاد، هدم بيت... والقائمة تطول" فالمجتمع خارج أسوار السجن تُصبح صورته باهتة مع مرور الأيام، وتصبح علاقته به علاقة زيارة أهل ينقلون بعض الأخبار عن الأحبة والأصدقاء...!
ويتحول المجتمع خارج أسوار السجن كمجتمع يلتقط أخباره بين الحين والآخر، إمّا عن طريق زيارة الأهل، أو عن طريق التلفاز، أو الراديو -الذي لا يفارق أي أسير-، وكذلك من بعض الصحف التي لا تصل إلى أيدي الأسرى إلاّ من بعد أن يكون قد عفى على أخبارها الزمن.
ومع مرور الأيام تبدأ فترة الحكم بالتناقص رويداً، رويداً -هذا إن لم يكن من أصحاب الحكم المؤبد- ويبدأ الأسير من جديد بالتفكير، ولكن هذه المرة ليس بتوطين النفس وترويضها، ولكن بكيفية العودة إلى مجتمعه القديم، وهنا تبدأ الخواطر والأفكار بالزحف إلى مخيلة الأسير، وتبدأ الهواجس تصف به من كل مكان، فتبدأ نفسه بالتوتر، فهو سريع التأثر لأي حدث من حوله، وبأي كلمة تُقال بجواره، فدرجة حساسيته تُقاس على مقياس "ريختر"، فهو إن غضب لا يعلم لماذا غضب، وإن ابتسم لا يعلم سر هذه الابتسامة، وإن تكلم تسمع في كلامه الشعور بالقلق والترقب وعدم وضوح ما يقصد، فهو دائماً شارد الذهن، بعيد الخيال، لحظاته بسنوات، إذا أراد النوم فهو مُستيقظ أكثر منه نائم، وإن استيقظ فهو أقرب للنوم منه للاستيقاظ، طعامه قليل، ويُصبح مشروبه المُفضل كأساً من القهوة، إذا أراد التغيير، فلا ضير ...فكأساً آخر من القهوة، فهو لا يستلذ غيرها من الشراب، ولا يشعر لغيرها طعماً، ويصبح الكتاب الذي كان رفيق الدرب خلال فترة سجنه، صديق ثقيل الظل، والتلفاز أداة ليست ذات أهمية له، وتراه غائباً وهو حاضر، فهو بدأ يتهيأ لمجتمعه القديم، الذي كان يحياه، الجديد له بعد فترة غيابه الطويلة، قائمة الأسئلة والتساؤلات لديه أطول من عريضة شكوى مُقدمة إلى مسؤول عربي.
كيف سيستقبلني المجتمع من جديد؟، هل أستطيع العودة والاندماج في مجتمعي سريعاً؟، ما هو الحال مع رفاق الأمس؟، ما هي نظرة المجتمع لي؟، هل تلك العلاقات القديمة تحمل نفس أواصر الحب والصدق؟، هل سيكون عندي عمل؟، هل سيكون لي مستقبل خارج أسوار السجن؟، ؟؟؟.
وقد لاتسعفه كل أحرف وأدوات الاستفهام بالوصول إلى جواب قد يُدخل إلى نفسه الحائرة بعض الهدوء، فاللحظات الأخيرة دائماً ما تكون الأشد صعوبة على النفس "أسير وما هو بأسير"، فهو يعيش في لحظات النهاية والبداية في آن، نهاية لفترة سجنه، وبداية لفترة حريته، فهي سكرات وسكرات يحياها شاء أم لم يشأ، فهي مع الفرق بالمعنى، ففي الأولى فراق للحياة واستقبال للموت، وهنا فراق لفترة موته مع وقف التنفيذ وانتقال إلى آفاق الحرية من جديد، فهي سكرات، ولكنها هنا ليس سكرات للموت، ولكن...سكرات للشحرور-;-.

الشحرور كلمة عبرية تعني الإفراج، سجن النقب الصحراوي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,443,683
- الحكمة من قصار السور
- كان لا بد من السجن
- تشكل البنية المعرفية عند الإنسان
- الرأسمالية الثورية
- نظرية السيد والعبد


المزيد.....




- تونس: بعد أربع سنوات هيئة الحقيقة والكرامة تعقد مؤتمرها الخت ...
- إردوغان يكشف عن مقطع جديد بتسجيل قتلة خاشقجي
- "اير برلين" تقاضي طيران "الاتحاد" الإما ...
- "اير برلين" تقاضي طيران "الاتحاد" الإما ...
- هل أعاد مجلس الشيوخ الأميركي الاعتبار لوكالة الاستخبارات الم ...
- قرقاش يحذر تركيا من سعيها لاستهداف السعودية ويتحدث عن -حملة ...
- بالفيديو... لحظة اصطدام قطار في تركيا بجرار
- مصر تكشف حقيقة بيع منطقة الأهرامات لإحدى الدول العربية
- سفارة السعودية في باريس تناشد المواطنين اتخاذ الحيطة والحذر ...
- عمرو دياب يشعل الأجواء في السعودية... ويوجه رسالة إلى تركي آ ...


المزيد.....

- الحركات الدينية الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل / محمد عمارة تقي الدين
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (2-2) / غازي الصوراني
- على طريق إنعقاد المؤتمر الخامس لحزب الشعب الفلسطيني / حزب الشعب الفلسطيني
- مائة عام على وعد بلفور من وطن قومى الى دينى / جمال ابو لاشين
- 70 عاماً على النكبة / غازي الصوراني
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2017 - الجزء السادس / غازي الصوراني
- تسعة وستون عامًا على النكبة: الثقافة السياسية والتمثيل للاجئ ... / بلال عوض سلامة
- الشباب الفلسطيني اللاجئ؛ بين مأزق الوعي/ والمشروع الوطني وان ... / بلال عوض سلامة
- المخيمات الفلسطينية بين النشوء والتحديات / مي كمال أحمد هماش
- حول وثيقة فلسطين دولة علمانية ديموقراطية واحدة (2) / حسن شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - هاشم عبد الرحمن تكروري - سكرات الشحرور، الجزء الثاني والأخير، والجزء الأول كان بعنوان كان لابد من السجن