أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار - العدد 65















المزيد.....



طريق اليسار - العدد 65


تجمع اليسار الماركسي في سورية

الحوار المتمدن-العدد: 4619 - 2014 / 10 / 30 - 00:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



طريق اليســـــار
جريدة سياسية يصدرها تجمع اليسار الماركسي في سورية / تيم /
* العدد 65 ـ تشرين1/أكتوبر 2014 - mhd.s2012@gmail.com E-M: *


* الافتتاحية *
- واشنطن و"اليوم التالي" -


من يقارن مذكرات بول بريمر ،الحاكم الأميركي للعراق 13أيار2003-28حزيران2004،مع كتاب المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر(1882-1907):"مصر الحديثة"،ومع "أوراق"جيرتروود بيل التي كانت أم العراق الملكي في عام1921والتي وصفها عبد الرحمن منيف في مقدمته لأوراقها ب"المرأة التي أنشأت دولة ونصبًت ملكاً"- يدرك الفرق السحيق بين الأميركان والبريطانيين في معرفة البلدان المحتلة من قبلهم.
منذ عام1843تمت ترجمة كتاب الشهرستاني:"الملل والنحل"إلى الانكليزية وكان مادة أساسية لدراسة رجال الخارجية والاستخبارات وموظفي الإدارات البريطانية الاستعمارية في بلدان العالم الاسلامي.كان الفرق بين الانكليز والفرنسيين في تعاطيهم مع بلدان المستعمرات أن لندن تدير مستعمراتها من خلال دراسة ممكنات تسيير القوى المحلية في المجتمع المعني لصالحها فيماباريس كانت تدير مستعمراتها من خلال أجندات محمولة من المركز الاستعماري الفرنسي ونظرات يحملها موظفوها تتسم بطابع استشراقي ورؤية ثقافية فيها "العدو" و"الصديق"في المجتمعات المحلية.كان حجم المقاومات للاستعمار البريطاني أقل من تلك التي واجهتها باريس وأقل عنفاً ،ولم تترك غلاً أوضغينة لاتزالان مع الزمن كالذي تركته فرنسة في الجزائر وسوريا وفييتنام ومدغشقر. تركت لندن وراءها ميلاً لتقليدها اجتماعياً وثقافياً وإدارياً ،كمانجد عند الهنود والباكستانيين منذ عام1947،كماتركت ألغاماً مدروسة مازالت تنفجر بعد رحيلها عن مستعمراتها،مثل مشكلة كشمير،ومشكلة جنوب السودان،ودولة اسرائيل على أرض فلسطين ، ومشكلة التاميل والسنهال في سيلان.
هناك ميل عند الأميركي نحو النظرة الإنعزالية عن العالم،وقد عبر عن هذا (مبدأ مونرو)الذي ساد السياسة الأميركية في نأيها عن العالم القديم بين عامي1823و1917عندما انخرطت في الحرب العالمية الأولى . كان هذا طبيعياً أن يسود في مجتمع أفراد هاجروا للعالم الجديد بعد إدارة الظهر لماضيهم في "القارة العجوز"،أولطوائف مثل البيوريتان الذين هربوا من اضطهادات ملوك آل ستيوارت في انكلترا منذ عام1620. هناك ميل آخر عند الأميركي لمماثلة العالم بأميركة،أولاعتبار "الآخر"يشبه "الأنا".يؤدي هذا عند صدمة اكتشاف الاختلافات عن نمط الحياة الأميركية إلى دفع الأميركي نحو الانكفاء على الذات والانعزالية،وعندما كان الأميركي يحمل رسالة عالمية فهذا كان يتم من خلال نشر نمط الحياة الأميركية كماعند(المحافظون الجدد)،ومعظمهم تروتسكيون سابقون،لماأرادوا نشر "القيم الأميركية" في(الديموقراطية)و(اقتصاد السوق)عبر غزوتي أفغانستان والعراق وقد كانتا ردتا فعل أميركيتين بفعل غزو أحسه الأميركي لداخله الانعزالي في يوم11سبتمبر2001لماضربت العاصمتان الاقتصادية والسياسية للعالم.
طرح(المحافظون الجدد)نظرية "بناء الأمم".فشل هذا في كابول وبغداد. هناك ميل انعزالي كبير هو الذي أصعد باراك أوباما إلى البيت الأبيض في انتخابات رئاسة عام2008،اجتمع فيه الفشل في أفغانستان والعراق مع نشوب الأزمة المالية- الاقتصادية التي بدأت بنيويورك منذ منتصف أيلول2008.هناك شيء جديد في هذه الانعزالية الأميركية الجديدة تختلف عن القديمة في كونها أتت كرد فعل على فشل الأميركي أمام تعقيد مشكلات العالم القديم وليس هرباً منه كمانجد في (مبدأ مونرو).
بعد فوز رونالد ريغان بانتخابات الثلاثاء الأول من تشرين ثاني 1980قام بتعيين القاضي ويليام كلارك في منصب مساعد لوزير الخارجية .أمام لجنة الكونغرس المختصة بفحص المعينين الجدد لمناصب إدارة ريغان فشل كلارك في تعيين مواقع بلدان عديدة على خارطة الكرة الأرضية . في حزيران 1982أصبح كلارك مستشاراً للأمن القومي عند الرئيس ريغان.تروي صحفية أميركية أتت للعراق بعد أسبوعين من سقوط بغداد بيد الأميركان في يوم9نيسان2003كيف كانت دهشتها كبيرة ،أمام مرأى الجموع الذاهبة إلى كربلاء لحضور أربعينية الحسين وحزنها الطازج، لماعرفت أن موته لم يكن يومها أوفي نفس الأسبوع بل قبل ثلاثة عشر قرناً ونيف من الزمن،مماجعلها تسأل:أي غابة مجهولة أتينا نحن الأميركان إليها؟.....
ليس بول بريمر أفضل كثيراً من تلك الصحفية الأميركية في معرفة العراق:لم يكن يعرف "اليوم التالي" لآثار وتداعيات قرارين اتخذهما بعد استشارة واشنطن:1- اجتثاث حزب البعث،2- حل وزارة الدفاع العراقية وكل الوزارات ذات الصلة بالأمن الوطني مع كل التشكيلات والأجهزة ذات الصلة. أنشأت القرارات تلك التي اتخذها بريمر،بعد مشاورة وموافقة إدارة بوش الابن،فراغاً عراقياً ملأته طهران والمنظمات الشيعية العراقية المحلية في السلطة وملأته (القاعدة) ومنظمات مختلفة أفرزتها (المقاومة العراقية) في الوسط الاجتماعي لسنة العراق العرب الذين شعروا بالتهميش والاقصاء في مرحلة مابعد صدام حسين بعد أن حكموا بغداد منذ عام1921إثر معاقبة لندن لشيعة العراق الذين كانوا عماد وعصب ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني.
في الفترة الأخيرة قال الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن "أجهزة الاستخبارات الأميركية قد قللت كثيراً من خطر تنظيم داعش،ولم تستطع التنبؤ به":قال أوباما هذا الكلام بعد دفعه لتشكيل تحالف دولي – اقليمي عريض ضد (داعش).قبل 10حزيران2014وسقوط الموصل بيد أبي بكر البغدادي كان أوباما متفرجاً على مايجري في سورية والعراق منذ اعلان البغدادي في 9نيسان2013"دولة الاسلام في العراق والشام"(داعش).
هل تخلي أوباما المفاجىء عن انعزاليته عبر تشكيل التحالف الجديد ضد (داعش) يحوي ادراكاً ل"اليوم التالي"،أم أن الأمر تكراراً أميركياً لماجرى مع بول بريمر وبوش الابن؟...



بيان إلى الشعب السوري

تبرز اليوم المواجهات المستمرة في عين العرب- كوباني بين أبناء وبنات المدينة وتنظيم داعش الإرهابي، وتشكل هذه المواجهات عنواناً عريضاً جديداً من أبرز مفرداته بدء تبلور وتثمير المقاومة الشعبية الوطنية السورية بوجه الإرهاب ، وثبوت أن معركة عين العرب هي معركة وطنية سورية من الدرجة الأولى، تجمع سوريين، كرداً وعرباً، في مقابل الإسناد المكشوف الذي تقدمه الحكومة التركية لتنظيم داعش، وفي مقابل احتمالات ارتكابها حماقة التدخل العسكري المباشر في سورية، بما يحمله من تداعيات لن تتوقف حدودها عند سورية وتركيا فحسب، بل ستشكل،إذا حدثت، نقلة نوعية في الصراع الإقليمي والدولي المستمر والمنتقل من مكان لآخر.
إن صمود ومقاومة أهلنا في معركة عين العرب – كوباني يؤكد حقيقة أن داعش تستخدم من قبل أطراف خارجية وتضخمإعلامياً، وأن هزيمتها ممكنة رغم كل الدعم اللوجستي والاستخباري الذي تحظى به،ورغم دمويتها وهمجيتها التي تريد ترهيب السوريين وأبناء البلدان التي تنشط بها.
إن الواجب الوطني والإنساني يقتضي من جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم السياسية دعم صمود شعبنا في عين العرب-كوباني. وكذلك يتوجب على النظام السوري أن يسارع إلى الدفاع عنها في وجه الإرهاب وهو الذي لا يكف عن ترديد دعاوى مكافحة الإرهاب.
وإذا كان مسار ظهور داعش وأشباهه وتمددها ومجازرها يثبت أن هناك أطراف مختلفة تريد لهذه التنظيمات أن تكون فزاعة تفاوضية، وعلى حساب الشعب بالدرجة الأولى، فإن الوقائع الميدانية والعسكرية الجارية اليوم، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك لدى أي مراهن واهم، أن التحالف الحالي غير جاد بمكافحة داعش وأشباهه بإطالته لأمد الحرب إلى أبعد مدى زمني ممكنواستبعاده لقوى المقاومة الشعبية التي تحارب الإرهاب الداعشي. وهذا يستدعي قيام إطار دولي موسع وجدي وفاعل بمكافحة الإرهاب، ومستند إلى الشرعية الدولية بقرار واضح التفويضات والأهداف والآجال من مجلس الأمن الدولي، وغير قابل للاستغلال من أي طرف فيه للتوظيف في تنفيذ أجندات جيوسياسية خاصة، بل مكرس أولاً وأخيراً لمساعدة الشعب السوري في الخلاص من الإرهاب التكفيري.
إن القوى الوطنية والديمقراطية الموقعة على هذا البيان، إذ تعلن دعمها بكل الوسائل المتاحة لأبناء عين العرب – كوباني في معركتهم الوطنية السورية، تجدد التأكيد على أن الاجتثاث الجدي والفعلي للإرهاب في سورية لن يتم إلا بتوفير مقدماته الضرورية المتمثلة في التوجه إلى حل سياسي تفاوضي وفقاً لبيان جنيف يلبي احتياجات سورية والسوريين في التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والعميق والشامل لنظام الاستبداد عبر حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة تتولى توحيد جهود كل السوريين باتجاه معالجة كل الملفات السورية المتراكمة والمستجدة.
النصر للمقاومة الشعبية في عين العرب
الخزي والعار للإرهاب الظلامي
دمشق 16 /10/2014
جبهة التغيير والتحرير
مجلس الحكماء
ائتلاف القوى العلمانية
هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي

-----------------------------------------------------------------------------------------------

هيئة التنسيق الوطنية
لقوى التغيير الديمقراطي

خيار المقاومة الشعبية والحل السياسي التفاوضي
الطريق الصحيح لمواجهة داعـش وأخواتها
- بعد ظهور تنظيم داعـش وسيطرته على أجزاء واسعة من العراق وسورية توقف زخمه وتراجع أمام الصمود البطولي للمقاومة الشعبية في عين العرب – كوباني لشباب وشابات الكرد والعرب في وحدات حماية الشعب والمعارضة المسلحة (الجيش الحر) والآثوريين الســريان من أبناء المنطقة والتضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا في كثير من المناطق السورية الأخرى، ما يمثل علامــة فارقة في محاصرة ظاهـــــرة داعش وخطرها على سورية ودول المنطقة.
- تكثف عين العرب (كوباني) مجمل الموقف السوري الراهن في هذه اللحظة وستقرر نتيجة معركتها مصير ما يسمى المنطقة العازلة أو الآمنة التي تريدها تركية من سقوط عين العرب (كوباني) وهل سيكون لدينا جرح سوري نازف تدار أزمته طويلاً أم مسار للحل التسووي، الأمر الذي يمثل خطراً يتطلب تكاتف السوريين الوطنين في مواجهته بالتضافر مع مواجهة النظام الاستبدادي والجماعات الإرهابية المتطرفة مثل داعش.
- ترى هيئة التنسيق الوطنية في هذه اللحظة الصعبة أن مواجهة الاستبداد وهزيمة داعش هما مهمة واحدة يتطلب تحقيقها العودة إلى الحل السياسي، فإزالة الاستبداد الذي خلق بممارساته بيئة سورية خصبة لنمو داعش ستقود من خلال تطبيق بيان جنيف وتشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية إلى خلق البيئة الأكثر فعالية لهزيمة داعش. ومع تسجيلنا لفعالية الضربات الجوية التي شنها التحالف الدولي ضد داعش مؤخراً نؤكد أن جهوده لن تصبح مثمرة في سورية ما لم تتضافر مع بدء حل الأزمة السورية عبر تطبيق بيان جنيف من خلال عقد (جنيف3) وإنشاء تلك البيئة السياسية المواتية لمكافحة داعش.
- كما ترى الهيئة أن عوامل أزمات المنطقة متداخلة بفعل تدخل أطراف وقوى عربيــــــة وإقليمية ودوليــــــــة وسياساتها المتعارضة، فبعضها يتبنى الحل السياسي، وأخرى تتبنى الحل العسكري والعنف والتطرف وتصب الزيت على نيران هذه الأزمات ما يكرس انقسام المعارضة وغياب التوافق الوطني، فيما يجب أن تصب الجهود لمساندة نضال الشعب السوري وتوحيد صفوفه. وهنا نلاحظ ان تشكيل حكومة الوفاق الوطني في العراق قد يمثل بداية مسار جديد للتسويات السياسية وإنهاء ظاهرة الاستبداد الداخلي وظاهــــرة الإرهاب. ومن هذا المنطلق نعتبر إنجاز حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني وتفعيل دورها لتوحــــيد الصــــف الفلسطيني ومشاركتها في عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة والدور المصري الهام أوجد مساراً جديداً لإنهاء الانقسام وفتح الباب أمام الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
- وأخيراً فإن هيئة التنسيق الوطنية وبالتشاور مع القوى الديمقراطية تتابع الجهود المشتركة على طريق توحيد قوى المعارضة وبرنامجها لإنقاذ سورية من مخاطر الاستبداد والإرهاب.
الرحمة لأرواح شهداء المقاومة الشعبية في عين العرب / كوباني ولجميع شهداء الشعب السوري، والعزاء لذويهم والشفاء للجرحى والحرية للمعتقلين والأسرى والمفقودين.
دمشق 21 / 10 / 2014
المكتب التنفيذي
------------------------------------------------------------------------------------
فيسبوكيات
Abdulhadi Obaisi
‏10 أكتوبر‏، الساعة ‏12:07 صباحاً‏ • تم التعديل •
أين الساسة ?
فعلاً أنا لا أمزح .. ولو أنني أكتب في القدس العربي أو
السفير أو حتى تشرين سأظل أسأل .. أين الساسة ?

قد قلناها وتورمت أقلامنا حين كتبنا أن سوريا لم تعد
بلادً نشأت فيها ظواهر فوضوية أو طبيعية .. كثورة ونظام
لقد أصبحت مسرحاً للصراعات الأيديولوجية و مرمى لأصحاب
المصالح .. ومسارح كبيرة جداً .. وألاعيب تحاك علينا ولنا
ومنافقين .. وأمراء حروب .. ومتنفصين .. و تجار فكرٍ و
أيديولوحية.. وأصحاب نفوذ وأموال تنفق ميزانيات دول
بأكملها لتحارب أطراف صراعٍ ضاجعتها بزمن الحروب
الباردة الزرقاء إبان الكبت السياسي الذي حصل في أيام
السلم .. واليوم .. سوريا هي حلبة المصارعة .. التقارير
التي تشهد النفقات مرعبة جداً .. تلك النفقات لو أنفقت
على سوريا لأصبحت دولة اسكندنافية بامتياز .. ولكن تطريز
الصراع ووضعه في مقصلة الدين والفكر والسياسة .. جعل
الساسة مشوشين جداً عن الحل فيما بدا الطاحون العسكري
على أرض الواقع هو المفصل .. ولكن يبقى السؤال متفرّداً
ألم يأن للقادة وصناع القرار من جميع الأطراف الإدراك حقاً
بأن البارود ليس الحل !
وأن السلام هو شرعة أنزلها الرب لجميع الأديان لكي
توقف شلالات الدماء التي أراقها الجهل بجميع الأزمنة
التاريخية التي وثقتها تلك الكتب السماوية !
هل سيبقى أعدائنا يتفرجون علينا من المناظير والأقمار
الاصطناعية بكل غلظة وتشفي .. يراقبون ثلالم سكاكيننا
التي يذبح بها بعضنا بعضا ?.. فهل هذا يا عزيزي القارئ
منطقٌ ليسَ بأعوج ? .. أم أننا وحوشٍ تعشق الدمَ الراكد و
منظر الرقاب وهي تتدحرج من جانبها .. منتظرةً دورها !
فلا بُدّ من وطنيةٍ عقلانيةٍ بيضاء .. تنير هذا الظلام .. ولا بُدّ
من وطنٍ بلا دماء ! … فكروا بهذا جيدّاً وأخبروني !
فأنا السوري الذي شقيت من غربتي واشتقت لكي أعود
لأمني وقهوتي وبيتي وجامعتي وعملي ووطني من جديد !
‏‎Rezgar Akrawi‎‏ •


مشاركة ‏صورة‏ ‏رشيد الخيون‏ من قبل ‏سعد عمر‏.
‏9 أكتوبر‏، الساعة ‏09:04 مساءً‏ •
رشيد الخيون
في هذا اليوم التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 1967 أي قبل سبع وأربعين سنةً أذيع خبر اعدام أو قتل جيفارا، يومها كتب الشاعر مجيد جاسم الخيون، وهو مقيم في منطقة الجبايش، قصيدة "علم ثوار جيفاره"، ونشرت في ديوانه 1970 "ياهور الجبايش" نشرها أستاذنا في اللغة العربية الموصلي سالم الدباغ، يومها سالم لم يُقدم نفسه سنياً ولا مجيد شيعياً. من القصيدة:
جيفاره علم ثوار ليل الموت خطاره
جيفاره رصاص الموت بيد السود جيفاره
جيفاره يموت الموت صاروخ العروبة إلي ضرب إيلات ومغرج البحاره
جيفاره وسام بكل صدر ثاير يهز أمريكا بأفكاره
جيفاره ابن الأرجنتين عاف الأهل ودياره
لأجل كوبه والبوليف وللعالم وهب روحه
علم ثوار جيفاره
البنتاغون متونس خبر موتك وصل داره
رصاص أعظامك بلحدك
اترابك باللحد يعزف لحن ثوار لأنصاره
ومنها:
الحزن عم العراق أو وصل لأهواره
علم ثوار جيفاره
رحم الله جيفاره ورحم الله مجيد
“عين العرب”.. “كوباني”.. “عين الإسلام”.. ثلاثية التسمية للمدينة السورية المحاصرة
علاء وليد/ الأناضول-
“عين العرب” أو “كوباني” ومؤخراً “عين الإسلام” هي أسماء مختلفة لمدينة سورية واحدة تقع شمالي محافظة حلب على الحدود مع تركيا ويحاصرها تنظيم “داعش” منذ أكثر من أسبوعين ويسعى للسيطرة عليها وحسم المعركة مع المقاتلين الأكراد الذين يستميتون في الدفاع عنها بدعم من طيران التحالف الدولي وفصائل عربية تابعة للجيش الحر.
وعن أصل وسبب الأسماء الثلاث للمدينة، قال أحمد الجمو كردي من محافظة حلب، إن اسم “كوباني” لا يوجد له معنى لغوي محدد، سوى أن باحثين تاريخيين أرجعوا التسمية إلى الشركة الألمانية التي كانت متعهدة لمد وتنفيذ سكة الحديد الواصلة بين اسطنبول وبغداد عبر شمالي حلب(شمال سوريا) مطلع القرن الماضي، حيث افتتحت مكتباً لها في موقع “عين العرب” أو “كوباني” الحالي لإنجاز المشروع.
وفي تصريح لوكالة “الأناضول”، أوضح الجمو أن سكان المناطق القريبة كانوا يسمعون من بعض الخبراء الأجانب اسم “كومباني” أي شركة باللغة الانكليزية (Company)، وتم تداول الاسم وتحويره مع مرور الزمن قبل أن يصبح على ما هو عليه اليوم “كوباني”.
وأضاف أن هنالك رواية تاريخية أخرى يعرفها حول تسمية المدينة، تشير إلى أن وجود اسم كردي قديم للمنطقة وهو “كانيا عربان”، وهو حالياً ما يزال يطلق على الطرف الشمالي من المدينة، حيث كان هنالك عين مياه صغيرة، ويأتي رعاة من العرب ليسقوا أغنامهم منها، وأطلق بعض الأكراد على المنطقة تسمية “كانيا عربان” الذين كان العرب أنفسهم يتداولونه أيضاً، وترجم الاسم للعربية لاحقاً إلى “عين العرب”.
فيما يذكر أحد الباحثين التاريخيين الأكراد من محافظة حلب أيضاً، أن عشائر عربية كانت تعتدي على جيرانها من الأكراد مطلع القرن الماضي، ما حذا هؤلاء الجيران للاجتماع في محاولة لإيقاف تلك الاعتداءات واتخاذ موقف موحد منها لصدها.
وفي تصريحه لوكالة “الأناضول”، أضاف الباحث الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الاجتماع سمي بـ(كوم بانيا) والترجمة العربية لهذا الاسم هو (الإجماع على موقف)، على حد قوله، ومع مرور الزمن وإقامة سكان جدد في المنطقة حوّر الاسم ليصبح “كوباني”.
في سياق متصل قال الباحث إن رواية أخرى حول تسمية “كوباني”، تنص على أن عشيرة تدعى “مللان” كانت تقطن في منطقة “رأس العين” أو “سري كانيه” بالكردية بمحافظة الحسكة شمالي سوريا، تحالفت مع عشيرة أخرى في منقطة “عين العرب” الحالية وأطلقت على تلك العشيرة (كوما باني) وترجمة المفردتين كلاً على حدا “كوما” أي الجماعة و”باني” أي العليا، وهي تقابل “كوما خوار” والتي تعني “الجماعة السفلى”.
وأشار الباحث إلى أن التسميتان “الجماعة العليا” او “الجماعة السفلى” كان يقصد بهما الموقع الجغرافي لمكان تواجد كل من العشيرتين وليس لقيمة أو مكانتهما.
وأكد الباحث أن الروايتين التي ذكرهما الجمو حول أصل تسمية المدينة واردة، مشيراً إلى أن تلك الروايتين وما ذكر هو شخصياً حول أصل تسمية “كوباني” ليست الوحيدة إلا أنها “الأكثر تداولاً وترجيحاً”.
من جهة أخرى، تداول عناصر وموالون لتنظيم “داعش”(الدولة الإسلامية) على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤخراً، اسماَ ثالثاً للمدينة مغايراً للاسمين العربي(عين العرب) أو الكردي(كوباني)، وهو “عين الإسلام” وذلك في تغطية أولئك للمعارك التي يخوضها التنظيم منذ أكثر من أسبوعين للسيطرة على المدينة.
وفيما يرى الجمو أن تسمية “عين الإسلام” غير منتشرة، فإنه رأى أنها تسمية قد تكون أطلقها بعض عناصر التنظيم أو الموالين له “بشكل فردي”، مؤكداً أنه من خلال متابعته لم يصدر شيء رسمي بخصوص ذلك في بيان لـ”داعش” أو إحدى الإصدارات المرئية التي يصدرها عادة لتوثيق المعارك التي يخوضها عناصره، وهو ما استوثق منه مراسل “الأناضول” أيضاً.
ويسمي تنظيم “الدولة الإسلامية” المحافظات والمدن والبلدات الكبرة التي يسيطر عليها في كل من سوريا والعراق “ولايات”، ويلجأ في بعض الأحيان لتغيير اسم تلك التقسيمات الإدارية مثلما أطلق على محافظة دير الزور شرقي سوريا “ولاية الخير” وعلى الحسكة “البركة”، في حين يحافظ في أحيان أخرى على الأسماء الأصلية مثل “ولاية الرقة” السورية أو “ولاية نينوى” العراقية.
كما يستحدث في بعض الأحيان ولايات جديدة في مناطق سيطرته مثلما عمل نهاية أغسطس/ آب الماضي بإعلان ولاية جديدة شرقي سوريا وغربي العراق باسم “ولاية الفرات”، وجاء الأمر نتيجة ضم مدينة القائم غربي العراقي مع نظيرتها مدينة البوكمال السورية على الجانب الآخر من الحدود، في ولاية واحدة.
وكانت “عين العرب” أو “كوباني”، التي تبعد حوالي 150 كلم شمال شرقي حلب، تضم نحو 400 ألف نسمة بينهم أقلية عربية، منهم نحو 200 ألف نازح سوري من شرقي وشمالي البلاد لجؤوا إليها نتيجة تهجيرهم في الحرب ضد “داعش”، بينما أدت سيطرة التنظيم على مئات القرى المحيطة بالمدينة إلى تهجير أكثر من 130 ألف كردي من المدينة باتجاه تركيا، بحسب إحصائيات رسمية.
ويتبع للمدينة التي تحوي عدداً من المواقع الأثرية التي تعود للحضارتين الآرامية والآشورية، أكثر من 380 قرية سيطر “داعش” على معظمها خلال هجومه الأخير عليها وبات يفصله عن المدينة بضعة كيلومترات، بحسب مصادر سورية معارضة.
ومنذ الثامن من أغسطس/ آب الماضي يوجه التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة دول غربية وعربية، ضربات جوية لمواقع “داعش” في سوريا والعراق، ضمن الحرب على التنظيم، وأعلن البنتاغون عن شن ضربات ضد مقاتلي التنظيم في محيط “عين العرب”، خلال الأيام الماضية.



http://www.al-akhbar.com/node/217870 18102014
أسعد أبو خليل
حدود «سايكس ـ بيكو»: لماذا نتمسّك بها؟
استورد الإعلام العربي قلقاً بالغاً على «سايكس ـ بيكو» وكأن السيّد سايس والسيّد بيكو تربّيا في أحياء بيروت أو دمشق أو القاهرة. تحوّلت اتفاقيّة استعماريّة لتقسيم العالم العربي على مقاس التنافس البريطاني ــ الفرنسي (والروسي قبل «الثورة») إلى مشروع قومي عربي، والندب عليها بات من واجبات العروبة المستحدثة. الكلّ يعبّر عن خشية من مصير «سايكس ـ بيكو
لماذا هذا القلق على حدود «سايكس ـ بيكو»؟ ولماذا الخوف على قدسيّة اتفاق استعماري على تقسيم تركة الإمبراطوريّة العثمانيّة؟ وهذا الخوف من الإخلال بمضامين اتفاقيّة «سايكس ـ بيكو» هل هو نابع من تقدير كل مضاعفات ونتائج الاتفاقيّة المذكورة على مرّ القرن الماضي؟ أم أن الخوف هو ترجمة لمخاوف المصالح الغربيّة التي أنتجت الاتفاقيّة؟ ها نحن نكاد «نحتفل» بذكرى مرور قرن واحد على عقد الاتفاقيّة، فهل نبتهج بها؟ وهل نشكر الراعي المُستعمر على ما فعله بنا من خير وتوحيد للجهود والحدود؟
هذه واحدة فقط من مسلّمات الإعلام الغربي المُستورد، التي تصبح مسلّمة عربيّة وبلسان عربي. لكن لنعد إلى تلك الاتفاقيّة قبل أن ننوح حزناً على الإخلال بها. ليس من الشائع في بلادنا أن اتفاقيّة «سايكس ـ بيكو» لم تكن الأولى من نوعها لوراثة تركة الإمبراطوريّة العثمانيّة. فلقد سبقتها «اتفاقيّة القسطنطينيّة» في عام 1914 عندما أبلغ سفيرا بريطانيا وفرنسا وزير الخارجيّة الروسي أن حل مسألة «القسطنطينيّة والمضائق» سيكون وفق رغبات روسيا. لكن مراضاة فرنسا وبريطانيا لروسيا لم تكن إلا شكليّة، كما أن حملة الدردنيل عزّزت شكوك روسيا في صدق نيات الحليفيْن المتنافسيْن. كانت فرنسا تريد أن تستولي على كل سوريا (بما فيها فلسطين)، وقد تباحثت مع قادة موارنة في لبنان في أمر شنّ تمرّد مسلّح (قبل دخول الأتراك الحرب) لخلق عذر إرسال قوّة فرنسيّة لإستباق النفوذ البريطاني المتنامي.
أما بريطانيا فكانت تنوي طرد أي نفوذ عثماني من قبرص ومن مصر، مع إصرار على بسط نفوذها في إيران. لكن الأهداف البريطانيّة اتسعت بعد تشكيل لجنة للنظر في الأهداف الاستراتيجيّة للإمبراطوريّة. مارك سايكس (شريك الاتفاقيّة المشؤومة والخبير في الشؤون العربيّة) أراد ضمّ العراق إلى منطقة النفوذ البريطاني في منطقة شبه الجزيرة العربيّة. لم يكن أمر العراق جائزة ترضية للهاشميّين فقط. أما السيطرة على فلسطين فكانت بداية ملحقة بالطمع الاستعماري في العراق والرغبة في فتح منفذ غربي على البحر المتوسّط. لم تكن بداية الطمع البريطاني في فلسطين صهيونيّة المنشأ، لكن الجهود الجبّارة لحاييم وايزمن في ما بعد أسبغت طابعاً آخر على السيطرة البريطانيّة على أرض فلسطين، والإصرار عليها
, خصوصاً بعد تبنّي وعد بلفور المشؤوم. وقد أرادت الحكومة البريطانيّة بداية تقسيم الشرق إلى ثلاثة أقسام: منطقة نفوذ روسي شمالاً، ومنطقة نفوذ بريطاني جنوباً ومنطقة نفوذ فرنسي في الوسط.
أما بدء ترتيب الاتفاقيّة بين سايكس وبيكو في كانون الثاني/ يناير 1916، فقد أعطى حريّة السيطرة الكاملة لفرنسا في كيليكيا وسوريا الساحليّة وجبل لبنان شرقاً إلى الموصل. أما بريطانيا فقد نالت (بمنحة من نفسها) منطقة سيطرة حرّة من البصرة وبغداد حتى الجنوب في المشرق. أما فلسطين، فكانت الحصّة الأولى محصورة في حيفا وعكّا، فيما كان الاتفاق أن تكون هناك سيطرة إدارة دوليّة على باقي فلسطين (بإصرار فرنسي). وكان الامتعاض الروسي على الاتفاق الثنائي واضحاً، لكن الطرفيْن عوّضا بإقطاعات في أرمينيا وكردستان. ولم تنهِ الاتفاقيّة الطمع الفرنسي بفلسطين.
لكن بريطانيا لم تكن تطلع الحليف الفرنسي على كل نياتها وخططها. فهي دخلت في مشروع سيطرة على العالم العربي برمّته، وكانت تحلم بأن يرث واحد من أدواتها، الشريف حسين، الخلافة الإسلاميّة. هي حلمت بأن يتسع نفوذ الشريف حسين على الأمة الإسلاميّة (كوكيل لمصالحها وبصلاحيّة محدودة) ما يطيح منطقة النفوذ الفرنسي من أساسها. ولم تخف بريطانيا عن الشريف حسين تأييدها لمشروع تحويل لقبه إلى خليفة بعد الحرب. لكن المفاوضات بين عبدالله بن الحسين والحكومة البريطانيّة (ما عُرف تاريخيّاً بمراسلات «حسين ـ مكماهون») والتي سبقت الاتفاقيّة من دون علم الحسين، تعثّرت حول تحديد الحدود التي لم يكن في وارد المُستعمِر البريطاني إعطاء وعد مبرم بها، لعلمه بما سيستجدّ من تقسيم نفوذ غربي. والطريف أن الشريف حسين الذي فاوض بالنيابة عن العرب دعا حليفه البريطاني إلى تجاهل الرأي العام العربي، إذ قال في رسالة له إلى سيّده مكماهون في 14 تموز/ يوليو 1915 ما يأتي: «... وأودّ بهذه المناسبة أن أصرّح لحضرتكم ولحكومتكم أنه ليس هناك حاجة لأن تشغلوا أفكاركم بآراء الشعب هنا، لأنه بأجمعه ميال إلى حكومتكم بحكم المصالح المشتركة».
وكان مكماهون يعوّض عن عدم موافقته على إعلان الحدود المزمعة بالإفراط في كلام التفخيم الاستهلالي في رسائله، فيكتب الى شريف مكّة: «من السير هنري مكماهون إلى الشريف حسين 30 أغسطس 1915 إلى السيد الحسيب النسيب سلالة الأشراف وتاج الفخار وفرع الشجرة المحمدية والدوحة القرشية الأحمدية صاحب المقام الرفيع والمكانة السامية السيد ابن السيد والشريف بن الشريف السيد الجليل المبجل دولتلو الشريف حسين سيد الجميع أمير مكة المكرمة قبلة العالمين ومحط رجال المؤمنين الطائعين عمت بركته الناس أجمعين». وبعد كل هذا الإطناب يذكر بأدب: «وأما بخصوص مسألة الحدود والتخوم فالمفاوضة فيها تظهر أنها سابقة لأوانها». لكن لا ينسى مكماهون أن ينهي خطابه للشريف الحجازي من دون الإكراميّة التي ربطت كل مشايخ وأشراف الجزيرة بالاستعمار: «هذا وعربون على صدق نيتنا ولأجل مساعدتكم في مجهوداتكم في غايتنا المشتركة، فإني مرسل مع رسولكم مبلغ عشرين ألف جنيه». (يقول الملك عبد العزيز لأمين الريحاني في «ملوك العرب» ما يأتي:
«يظنّ الناس أننا نقبض من الإنكليز مبالغ كبيرة من المال. والحقيقة أنهم لم يدفعوا لنا إلا اليسير مما تستحقّه الأعمال التي قمنا بها». ص. 541)
لكن العبارة التي استدعت جدلاً تاريخيّاً لم ينتهِ فقد وردت في رسالة مكماهون في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1915 والتي جاء فيها بتمويه مقصود: «إن ولايتيْ مرسين وإسكندرونة وأجزاءً من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربيّة لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال إنها عربيّة محضة، وعليه يجب أن تُستثنى من الحدود المطلوبة». والخلاف بين مضامين المراسلات وبين إتفاقيّة «سايكس-بيكو» (التي كانت إلى حينه سريّة) شملت أكثر من قضيّة: العراق وتحديد مدى الاستقلال للعرب (الممنوح والمتمثّل بمتلّقي الرشى الحجازي) وحيفا والوضع القانوني لفلسطين برمّته. لم يُعلِم مكماهون الشريف بقصّة تقاسم مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا. لكن الأبرز في كذبة الاستثناء البريطاني أن مصطلح «الولاية» لا يسري على حمص وحماة، أما غرب ولاية حلب فلم يكن إلا البحر: هل كانت بريطانيا تدعو إلى استقلال المياه في هذا الاستثناء الشهير؟ ولو كانت تستثني فلسطين فلِمَ لم تشر إلى «سنجق القدس» مثلاً؟ إن الجملة لا تُفهم إلا عبر فهم «ولاية» بالمعنى غير الإداري العثماني، وذلك من أجل استثناء الساحل السوري واللبناني حرصاً على الوعد البريطاني لفرنسا في اتفاقيّة «سايكس ـ بيكو». إن محاولة المزاوجة بين هذه الجملة ووعد بلفور أتت لاحقاً ولم تكن واردة في حينه، خصوصاً أن فلسطين لا تقع غرب الخط المذكور بل جنوبه. ومَن غير فينيقيّي القوميّة اللبنانيّة وأحبار الكنيسة المارونيّة يرفض الهويّة العربيّة؟ (كُتب كثيراً عن هذا المقطع من المراسلات، والمؤرّخون الصهاينة مثل إيلي خدوري، في كتاب له عن الموضوع، أخذوا جانب التفسير الملائم لوعد بلفور، لكن الدراسات الحديثة ترفض ذلك. كتب في هذا المؤرّخ الأميركي تشارل سميث بعد أن درس الوثائق الأصليّة في الأرشيف البريطاني وقال لي إن من المؤكّد لمَن يطالع الأرشيف بنفسه بين عدّة عواصم أن يستنتج أن التفسير العربي كان هو الأصحّ في ذلك).
ببراءة شديدة (في أحسن الأحوال) يصف جورج أنطونيوس في مرجعه التاريخي، «يقظة العرب»، الاتفاقيّة بأنها «وثيقة صادمة» (ص. 248 من الطبعة الإنكليزيّة). ويضيف أنطونيوس: «إنها ليست فقط نتاج الجشع في أسوأ مظاهره، أي جشع ممزوج بالريبة ومؤدّي حكماً إلى الغباء». لكن أنطونيوس يعطي أحكاماً تخفيفيّة لمشاركة سايكس في وضع الاتفاقيّة (لأنه خبير في شؤون العرب، وكأن الخبرة تنفي العنصريّة والنيّات الاستعماريّة) ويضفي حناناً عليه في تحليله ويجعله عرضة لخبث مفاوضيه الروس والفرنسيّين.
المهم في كل هذا أن اتفاقيّة «سايكس ـ بيكو» يجب ألا تعنينا إلا من حيث نجاح استبطان نيات المستعمِروأهدافه. صحيح أن المُستعمِر الفرنسي والبريطاني أرادا أن يتقساما النفوذ والهيمنة والموارد بينهما، لكن الاتفاقيّة استدامت بسبب توطيد الغرب لسيطرته حتى بعد أفول الإمبراطوريّة البريطانيّة وبعد نيل الإستقلال الشكلي (ولم يكن استقلال المشرق العربي إلا وجهاً من وجوه التنازع والمنافسة بين المُستعمريْن. إن هجمة «داعش» تشكّل خطراً لكن ليس في تدمير مفاعيل اتفاقيّة «سايس ـ بيكو»، بل لفرض نظام حكم متعصّب وجائر وينكّل باسم الدين، وفي محاولة فرض طغيان جديد باسم الخلافة.
أرادت إتفاقيّة «سايس-بيكو» أن تفرض تقسيماً عشوائيّاً في المنطقة العربيّة ليس على أساس منطقي أو جغرافي بقدر ما هو على أساس تقاسم النفوذ بين مُستعمريْن. كان جورج أنطونيوس على حق في حكمه: أرادت الاتفاقيّة «قطع المثلّث العربي بطريقة تضع عوائق إصطناعيّة أمام الوحدة» العربيّة (ص. 248). ويخطئ من يربط المعارضة الغربيّة للوحدة العربيّة بزمن عبد الناصر.
بدأالغرب بمعارضة الوحدة العربيّة في القرن التاسع عشر: كان رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون جازماً في رفضه للوحدة أو السلطان العربي أمام توسّع نفوذ محمّد علي. أي بوادر لإنشاء خلافة عربيّة (ذات سيادة) كانت تلقى معارضة في لندن. لم يتغيّر نهج المستعمر الغربي مذّاك. لم يكن هناك حركة انفصاليّة في جسم العالم العربي منذ الاتفاقيّة لم يدعمها الغرب: من حركات القبائل والعشائر (والقبائل والعشائر لا تحيا إلا على الاستعمار ولقد تقلّص شأنها في العهد الاستقلالي الوحدوي وعلا شأنها وتعاظم في زمن التدخّل الغربي - لم يجد جورج بوش أفضل من حلفاء العشائر والحوزة في العراق بعد غزوه) إلى الحركات القبليّة الكرديّة وجيش جنوب السودان والقوى الانعزاليّة في لبنان ومحاولة تمزيق العالم العربي عبر الشرذمة الطائفيّة (كما فعل بوش في العراق مباشرة بعد غزوه).

تحقّق لاتفاقيّة «سايكس ـ بيكو» ما أرادت، وتوطّدت تقسيمات الاتفاقيّة الاستعماريّة وكياناتها. استبطن العرب في أقطارهم هويّات زرعها بينهم المُستعمر. أرادت حركات القوميّة العربيّة، خصوصاً في الزمن الناصري، تغيير المعادلة الاستعماريّة، أو نسفها، لكن الغرب كان لهم بالمرصاد. أنفق الكثير من أموال النفط على تعزيز هويّات في إقطاعات في الصحارى العربيّة (ورقص لها عبد الحليم كركلا)، والغرب يرسل جيوشه ومخابراته لكسر شوكة كل حلم توحيدي ومن أجل الدفاع عن بقاء الكيانات (مثل الكيان الكويتي أو الأردني أو اللبناني). لم يكن الانقلاب الانفصالي في عام 1961 حركة محليّة منفصلة عن النيّات الاستعماريّة المثبتة في «سايكس ـ بيكو».
قد يكون تجاهل حدود «سايكس ـ بيكو» إيجابيّاً إذا لم تُستبدل بكيانات طائفيّة عشائريّة على طريقة مشيخات شخبوط في دول الخليج. وقد يكون من الضروري نسف الكيانات القائمة تمهيداً لنشر هويّة جامعة تتخطّى حدوداً لم تنبت من وعي محلّي. إن التصميم الغربي على دعم الكيان اللبناني والأردني لم يكن إلا بغية إحاطة دولة العدوّ الإسرائيلي بطوق من الصداقة العربيّة التطبيعيّة ـ جهاراً أو سرّاً، على الطريقة اللبنانيّة. ودول الخليج التي لا شرعيّة لها خارج شرعيّة فتات موارد النفط والغاز، تحتاج إلى رفض كيانات وحدويّة: لهذا هي تحالفت مع الغرب لتدمير كل أحلام الوحدة في الخمسينيات والستينيات. وأعداء الوحدة أو الاندماج العربي في إعلام النفط والغاز لهم بدائلهم: هويّات القبيلة والطائفة والحارة والمحلّة والإثنيّة.
لم يكن القرن الماضي منذ سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة خيّراً على العرب. لكن الاتفاقيّة التي تزامنت مع الحرب العالميّة الأولى دامت ونجحت في ضخ فلسفة كيانات مفصّلة على قياس المستعمر. ليس هناك من متنافسين في الاستعمار اليوم: وحدها أميركا تقرّر والمجموعة الأوروبيّة تتبع صاغرة. قد
تحاول الحكومة الأميركيّة أن تتوصّل إلى اتفاقيّة جديدة من أجل صياغة نظام عربي جديد، لكن احتمال زيادة التقسيم والشرذمة أكبر من احتمالات تقليصها.
يجب كسر محظورات أورثنا إيّاها الغرب وتلقّفها منه حكّام الخليج وحلفاؤهم. هذه الحدود لا تخدم القضايا السياسيّة والاقتصاديّة للعالم العربي. انشغلت السلطة العثمانيّة والنخبة الحجازيّة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمشروع السكّة الحديديّة. ها نحن بعد أكثر من قرن من الزمن على افتتاح خط سكّة حديد الحجاز - دمشق وليس هناك من خطوط مواصلات تربط بين العواصم العربيّة. لم يعمّر. كيف يعقل أن لا وجود لخطّ سكّة حديديّة يربط بين عواصم الدول العربيّة (على الأقل في المشرق) وبين شبه الجزيرة العربيّة. هذه من عواقب «سايكس ـ بيكو» وتغليب الحكم القطري والعقل الأمني الموروث عن المستعمر. ليس صدفة أنه أسهل على الغربي أن يطير إلى أي من عواصم الدول العربيّة من العربي.
قد تكون فرصة في خضمّ هذه الحروب الدائرة وهذه الاجتياحات الكونيّة في الشرق العربي لإعادة النظر في كل موروثات الاستعمارّ وكياناته وحدوده وأطره. قرن كامل من الحكم الغربي في منطقتنا العربيّة. هذه السيطرة الغربيّة فرضت دولة العدوّ وفرضت الشرذمة وتصغير الهويّات وتفتيتها.
قد تكون هجمة «داعش» فرصة ليس فقط لمهواجة عقائد الرجعيّة الوهابيّة، بل فرصة أيضاً لرفض مضاعفات ترسيخ الاستعمار في الأذهان والدساتير والحدود. إن نسف الحدود والجدران والكيانات مقدّمة للتحرّر الحقيقي.

نفهم أن يترحّم المُستعمِر على «سايس ـ بيكو» لكن ما شأننا نحن بذلك؟


النظرة اليسارية - العلمانية إلى الدين والمتديّنين

الخميس، ١٦ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٤
محمد سيد رصاص
أثناء عشرية الحرب الأهلية الجزائرية بين العسكر والإسلاميين (1992-2002) أطلق العلمانيون، وهم خليط من اليساريين والمتفرنسين المعادين للتعريب وأنصار «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» من الأقلية البربرية، موجة من العداء الفكري - الثقافي للإسلاميين اقتصرت على معاداة الإسلاميين من حيث أنها لم تصل إلى حدود معاداة الإسلام كدين ومعتقد. في تركيا مصطفى كمال أتاتورك (1923-1938) وصلت العلمانية إلى أبعد من ذلك لتصل إلى مظاهر شعائرية (منع الأذان باللغة العربية) وإلى الزي (منع الحجاب في المدارس والدوائر الحكومية) مع عدائية ضمنية وأحياناً صريحة للدين، فيما كان هناك عند الكماليين عداء قومي ضد اليونانيين الذين هُجّر الملايين منهم من أزمير والساحل الشرقي لبحر إيجه، اختلط به العداء للمسيحية الذي لم يكن بعيداً عنه الإسلام التركي الموروث عن العثمانيين الذين احتلوا اليونان وصربيا واصطدموا مع القياصرة الروس. وفي المقابل كان أكراد تركيا في انتفاضة مدينة ديار بكر عام 1925 قد اختلطت عندهم النزعة القومية الكردية مع العداء لتوجهات أتاتورك في إلغاء الخلافة الإسلامية.
هذا التوليد لـ «الفكري - الثقافي» من جانب «السياسي»، كان له سابقة عند الفرنسيين في القرن الثامن عشر عند «مفكري عصر الأنوار»، مثل فولتير وديدرو ودولباك. وقد أتى هذا من تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع ملكية سلالة البوربون وتشكيلها سنداً دينياً - أيديولوجياً لنظام الملكية المطلقة. ولّد خليط العداء لتحالف الملك - الكنيسة أفكاراً عند فولتير لم تتجاوز العداء والنقد للمؤسسة الكنسية ولرجال الدين، فيما وصلت عند ديدرو ودولباك إلى نزعة إلحادية دينية ونزعة مادية حسية قاست فيها الدين بمسطرتَي العقل والعلم واعتبرت أن «أساس كل الظواهر الذهنية والروحية يكمن في المادة وفي العمليات المادية... في شكل فجّ وسطحي، ظن هذا النوع من المادية أن المشاعر والأفكار يمكن الاكتفاء في تفسيرها بوصفها نتاج عمليات مادية كيماوية، وأن الأفكار بالنسبة إلى الدماغ هي مثل علاقة البول بالكلية». (إريك فروم: "مفهوم ماركس للإنسان"، منشورات فريدريك أنكار، نيويورك، 1962 ،ص9). ويؤكد فروم أن «كارل ماركس كان فعلياً في ضدية حازمة ضد هذه الفلسفة المادية التي انتشرت بين المفكرين التقدميين وخصوصاً بين علماء الطبيعة» (ص9).
الفكر الألماني
كان ماركس ألمانياً وليس فرنسياً، وفي ألمانيا برز منذ انبثاق البروتستانتية عام 1517 توحّد بين الشعور القومي الألماني والكنيسة اللوثرية، فيما كان عند كاثوليك بافاريا ورينانيا في الجنوب ميل نحو الأمبراطورية النمسوية ذات الارتباط الروحي بروما. وفي عام 1781 صدر كتاب "نقد العقل المحض" لعمانوئيل كانط ، فحقق انقلاباً فلسفياً كوبرنيكياً في النظرة الفلسفية إلى الدين. وفي كتابه هذا، قام الألماني كانط بتفكيك معرفي لكل الأدلة الفلسفية والدينية على وجود الله نافياً صلاحيتها وجدواها في إنتاج أي فعل معرفي حقيقي لهذا الموضوع، ومعتبراً أن الميتافيزيقا (ماوراء الطبيعة) تكوّنت فلسفياً ولاهوتياً كنتيجة للطبيعة القادرة على التركيب الموجودة في البنية الذهنية البشرية ما يجعلها قادرة على تصور وبناء حالات ماوراء حسية على مثال أو في تضاد مع بناها الحسية، من دون أن يعني هذا أنها موجودة فعلاً في الواقع. فهي يمكن أن تبني الميتافيزيقا ولكن من دون أن تستطيع اثباتها.
لم يكن هذا تحطيماً فلسفياً للأدلة الفلسفية واللاهوتية لمصلحة الدين، وإنما عملياً أيضاً نقضاً وتحطيماً للجهد المضاد الفلسفي الإلحادي الذي حاول عبر جهد فلسفي استخدام العقل والعلم لإثبات ذهني لعدم وجود عالم ما وراء الطبيعة. في كتاب لاحق انبنى على الأول، حاول كانط في "نقد العقل العملي" (1788) إثبات أن الدين حالة شعورية جوّانية عند الفرد المؤمن المتديّن مبنيّة على الشعور الشخصي الأخلاقي تجاه فكرة الواجب التي تأخذ شكل الإيمان بوجود كائن أعلى ينظّم الكون وتتوجه النفوس والمشاعر والسلوكات وفقاً له ولما يمثله. ولكن يقول كانط إن هذا شيء داخلي فردي لاعلاقة للفلسفة واللاهوت والعلم والمنطق به، بل هو أخلاق تتمظهر في شكل اسمه الدين.
وضع كانط بهذا حدوداً صارمة أمام الملحدين من الفلاسفة وأمام المؤمنين من الفلاسفة واللاهوتيين، وبيّن أن الدين يجب أن يعالج كظاهرة بطريقة مختلفة عن كليهما: هيغل استناداً إلى كانط قال إن الله يجب البحث عنه في الذات الإنسانية. وفي العام 1835 ظهر كتاب لأحد تلاميذ هيغل هو دافيد شتراوس، بعنوان «حياة يسوع»، قال فيه إن قصة المسيح لا تعالج بالعقل والمنطق والعلم، وإنما هي رموز تخيلية تمثّل واقع العقل والخبرة والشعور في زمن محدد، وبالتالي المسيح والمسيحية هما تعبير عن الجوّ الفكري والروحي السائد في الشرق الخاضع لسيطرة روما. وبالتالي الدين لا يعالج بمضمونه المحض بل بوظيفيته كمضمون وطرح في زمان ومكان معينين وأيضاً من خلال الحامل الاجتماعي له. وبعد ست سنوات جاء كتاب لودفيغ فيورباخ «جوهر المسيحية»، ليقول إن اللاهوت ليس أكثر من علم إنساني.
لم يكن الفرنسيون مثل الألمان، فقد ظلّت الفلسفة الوضعية لأوغست كونت (1798 - 1758) متابعة للمادية الفرنسية وأدارت ظهرها للألمان وما قدمه كانط وهيغل وشتراوس وفيورباخ. وقالت إن العلم والتكنولوجيا كمرحلة ثالثة نهائية من تاريخ البشرية سيلغيان ويتجاوزان المرحلتين السابقتين: الميتافيزيقية والدينية. وقد بُنيت العلمانية الفرنسية التي أصبحت مذهباً رسمياً للدولة الفرنسية عام 1905 على مزيج من عصر الأنوار الفرنسي والفلسفة الوضعية.
كارل ماركس
تأثر ماركس بالثلاثي هيغل - شتراوس - فيورباخ، من حيث المنهج الجدلي الهيغلي، ومن حيث وظيفية الفكرة وحاملها الاجتماعي عند شتراوس، وبنظرية فيورباخ القائلة إن الأفكار تعالج عبر تجسداتها. ومن دون هذا الثلاثي لم يكن ممكناً أن تولد الماركسية كمنهج وأفكار. لم يكن إنغلز ولينين على هذا الخط الفلسفي الماركسي، بل تأثرا بطغيان الفلسفة الوضعية على الجو الفلسفي الأوروبي العام وعادا إلى نظرة فلسفية للدين أقرب إلى المادية الفرنسية التي كان ماركس خارجها تماماً.
تأثر أتاتورك بالعلمانية الفرنسية، ولم تكن علمانيته متساكنة مع الدين والمتديّنين. لم يتابع الماركسيون العرب كارل ماركس بل تأثروا بإنغلز ولينين. وفي كتاب "نقد الفكر الديني" الذي قدّمه الدكتور صادق جلال العظم عام 1970، هناك متابعة للمادية الفرنسية وليس لماركس وفيورباخ وشتراوس وهيغل وكانط، حيث هناك معالجة للدين والشعائر الدينية واعتقادات وسلوكات المتديّنين من خلال مساطر العقل والعلم والمنطق الحسّي. ومع بدء صعود موجة تيار الإسلام السياسي منذ منتصف السبعينات توقّفت محاولات فكريّة مثل التي قام بها العظم، بل جرت محاولات لـ «مواءمة» الماركسية والإسلام مثل التي قام بها حسين مروة عام 1978 في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية».
الآن، مع بدء انحسار موجة تيار الإسلام السياسي منذ سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في القاهرة وظهور وحشية «داعش»، هناك اتجاه عند الكثير من اليساريين والعلمانيين العرب، ومعظمهم من أبناء الأقليات الإسلامية والدينية وبعضهم من الأكراد الذين تنشأ عندهم ردود فعل الآن بفعل «داعش»، نحو بناء أفكار تجاه الإسلاميين والمتديّنين والإسلام ليس فيها شيء من كانط وهيغل وشتراوس وفيورباخ وماركس، بل فيها أفكار انطباعية انفعالية مبنية على السياسي المباشر، هي على مسافة كبيرة من العمق الفلسفي والفكري الذي هو إسمنت كل فكر سياسي.
* كاتب سوري

-----------------------------------------------------------------------------------------------
الملف الماركسي:
الصحوة الماركسية

حيدر ابراهيم علي

1212009

http://174.36.244.211-static.reverse.softlayer.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=190&msg=1231779310&page=0&pb=
ماركس لم يزر السودان أبداً..

("كتاب البحر كتاب يتغير يا أحباب سفينتنا

والنواتي الفائق من يتنبأ قبل التغيير

وأخطاء النوتي الفائق تعني

أن النجم القطبي يغيّر موقعه.".

مظفر النواب(

(1)

كان من الممكن ألا أكتب هذا المقال، مطلقاً، لو انعقد مؤتمر الحزب الشيوعي، إذ كان من المفترض أن يناقش أو على الأقل يفتح القضايا والموضوعة فيه، بغض النظر عن حسمها أو مواجهتها. ولكن تأجيل المؤتمر لأسباب غير معلومة أو غير مقبولة ومعقولة، جعلني أتيقّن وليس افترض، أن الحزب الشيوعي السوداني جزء أصيل من أسباب الأزمة السودانية المتجهة بنشاط نحو الكارثة. فالحزب الشيوعي احتكر بامتياز، أحياناً بجدارة واستحقاق وأحياناً أخرى بوضع اليد والريادة، قضية التقدم والحداثة والتغيير. لذلك، انعقد عليه كثير من الأمل حتى بين الفئات غير الشيوعية، وأيدته في الانتخابات وساندته في مواقف كثيرة ودافعت عن وجوده باعتباره فعلاً قاطرة للتقدم والتغيير. واستحق الاسم الذي روجه «الكيليتون» «Calyton» وهو القطار الصغير «والاسم لموظف بريطاني بالسكة حديد» الذي يجر العربات الكبيرة. فقد كان الحزب الشيوعي صغيراً وقليلاً في عضويته العددية قوي النفوذ المعنوي والتنظيمي ونجح في توجيه السياسة السودانية في منعطفات مهمة في تاريخ الوطن. فقد كان يمتلك روح المبادرة والجسارة ولكن الآن نردد: وفي الليلة الظلماء يفتقد القمر. ولكن القمر للأسف الى محاق وخسوف وضاعت أنواره في البيروقراطية والشيخوخة والتردد. ولم يعد القمر يضئ لنفسه ويحل مشكلاته الداخلية، ناهيك عن أن يمتد للوطن جميعه.

(2)

النهوض بالبلاد من خلال برنامج يعود بنا إلى شعارات ومبادئ الثورة الوطنية الديمقراطية التي ارتفعت عقب الاستقلال، ولكنها تعرضت لانتكاسات وهزائم عديدة. كان بعضها ذاتياً أي تسببت فيه القوى صاحبة المصلحة الحقيقية حين حاولت حرق المراحل والتوجه إلى مرحلة الثورة الاشتراكية دون تنفيذ مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية. ولأن هذه القوى لم تكن تملك أدوات تغيير جماهيرية أيدت بنصف قلب انقلاب 25 مايو 1969 واخطأت مرة اخرى حين حاولت تصحيحه بانقلاب 19 يوليو 1971. فقد كان الحزب الشيوعي كطليعة ثورية يملك قدرات تنظيمية عالية، داخل الحزب وبين القوى الديمقراطية، وأخرى على الواجهات مثل اتحادات الشباب والعمال والنساء والمزارعين والمهنيين. ولكن الضعف النظري والفكري لم تنقذه القدرات التنظيمية ولا الدينامية السياسية. وكانت النتيجة فقدان الحزب للمبادرة ولجأ إلى تحالفات اقرب إلى استجداء شرعية الوجود والعمل، وأقصد بذلك تجربة الحزب الشيوعي في التجمع الوطني الديمقراطي خلال فترة معارضة النظام الحالي والممتدة حتى اليوم.

ظل الحزب الشيوعي متمسكاً بأساليب عمل عتيقة وحول كلمة شيوعي في اسمه إلى نوع من الطوطم (Totem) أو الفتشية (Fetischism) وكلاهما عند الانثروبولوجيين بمعنى إضفاء قدسية على شيء من خلال ترميزه. إذ تربط بعض القبائل نفسها بحيوان أو شجرة أو ظاهرة طبيعية، وينتسب إليها. وتعتبر الاضرار بهذا الطوطم سوف يضر بها «أقرب الى السبر» لذلك، تحمي هذا الطوطم الرمز وتمنع المساس به او الاضرار به. اما الفتشية او الصنمية، فيعرفها البعض «مفهوم يدل على عقلية أو موقف معرفي بدائي يصور القوى الطبيعية وأحاسيس المجموعة في صور مادية وينسب لها روحاً وحياة وحركة خفية ويمنحها قوة التدخل في الأحداث وتغييرها «يوسف الصديق: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة. تونس، الدار العربية للكتاب، 1980، ص98». والمقصود ان الجماعة هي التي تعطيه القدرة. وتذكر فكرة الحزب ايضاً باسطورة بيجمليون (Pygmalion) التي حولها شو الى مسرحية «سيدتي الجميلة» فالنحات في الأصل والمتبني للفتاة، خلقها او كونها، ثم فقد السيطرة عليها رغم انه صانعها! وفي علم الاجتماع يصنع البشر ظاهرة ما ثم تصبح موضوعية خارجة عنه تتحكم فيه وتسيّره. ويكاد هذا التوصيف ينطبق على الحزب الشيوعي السوداني، صنعه بشر وأصبح خارجهم ومهيمنا عليهم عوضاً عن العكس. ونحن لا يهمنا اسم الوردة بل يهمنا عطرها ورائحتها!

(3)

قاد النقاش حول الابقاء على اسم الحزب الى نوع مما يمكن تسميته «الصحوة الماركسية» على نفس منوال «الصحوة الاسلامية» فقد استجدت ظروف جعلت بعض الحركيين الاسلامويين يتذكرون ان الاسلام هو الحل! ونفس الشيء ينطبق على بعض الشيوعيين استيقظوا ليكتشفوا دور الماركسية في السودان ممثلة في الحزب الشيوعي. وامتلأت صفحات الجرائد بكلمات مثل: الماركسية، وماركس، والاهتداء بالماركسية او الاسترشاد بالماركسية. وكتب الاستاذ تاج السر عثمان، خلال الثلاثة الشهور الاخيرة عن الماركسية، ما يعادل ما كتبه خلال ثلاثين عاماً سابقة عن الماركسية. هذه ليست مشكلة، ولكن ما يقلق هو القول بأن الماركسية لا تتعارض مع الدين «راجع كتابات تاج السر في (الصحافة)، (أجراس الحرية) وغيرهما، وحوار مع السيد سليمان، (اجراس الحرية) 27، 28 سبتمبر 2008 وسبقهم الأستاذ كمال الجزولي في مجلة (الخرطوم الجديدة) العدد الثاني يوليو 2005، ص36، ود. صدقي كبلو، صحيفة (الاضواء) 16 يناير 2005». وسأعود لنقاش هذه القضايا خلال الحلقات القادمة.

(4)

قصدت بالعنوان الجانبي «ماركس لم يزر السودان أبداً!» أن أقول أن الماركسية لم تدخل السودان بل عرف السودان حركة شيوعية أقرب إلى جبهات التحرر الوطني ضد الاستعمار واكمال مهام ما بعد الاستقلال. وحتى بالنسبة لهذا الوضع، تساءل البعض: هل كانت ضرورة ذاتية أي نابعة من التاريخ السوداني الخاص، في نهاية اربعينيات القرن الماضي؟ أي هل نضجت الظروف الاجتماعية، الاقتصادية والتاريخية بحيث تتطلب استدعاء وتبني النظرية الماركسية لبناء حزب شيوعي سوداني. لا أريد القول باستيراد الافككار فهذا تعبير خاطئ وخبيث يهدف الى عزلنا عن تطورات الانسانية والعالم. ولكن علم اجتماع المعرفة والافكار الماركسي نفسه، يرجع نشأة الأفكار والمعرفة إلى ظروف ومعطيات مادية ملموسة هي التي تنتج الأفكار حسب مراحل تاريخية محددة. لذلك، كانت مهمة الحزب الشيوعي السوداني صعبة وتعسفية في نشر الماركسية في السودان، حتى في أبسط صورها. وحاول سودنة الماركسية وإلباسها عراقي وسروال ومركوب، والأهم من ذلك في يدها إبريق وسبحة، إذ حاول أن تكون متدينة ومؤمنة. ورغم كل التنازلات والانتقائية لم تنتشر الماركسية وإن كانت الشيوعية قد انتشرت بين نخبة يسارية. فقد أقام الحزب الشيوعي السوداني تماهياً بين الشيوعية والماركسية، فصارت التحليلات الاقتصادية تسمي تفسيراً ماركسياً رغم أنها غير مغطية نظرياً وفكرياً بأي أسس من الفلسفة أو النظرية الماركسية عدا مراحل التاريخ الخمس للتطور المجتمعي البشري. يضاف إلى ذلك التنظيم اللينيني الستاليني.

كانت الماركسية بعيدة عن المزاج السوداني حتى المثقف منه، وقد يعود ذلك نسبياً إلى نظام التعليم البريطاني والذي لا يهتم بتدريس الفلسفة ويقوم على قواعد عملية تهدف إلى تخريج موظفين جيدين وليس مفكرين. هذا وقد واجهت الحزب الشيوعي مشكلة ما يسميه: التعليم والتثقيف داخل الحزب. ويلاحظ الاستاذ تاج السر عثمان نفسه هذه الصعوبة لأن النشاط العملي يطغى على النشاط الفكري داخل الحزب. ففي ورقة لسمنار العمل الثقافي في الحزب بتاريخ 3/9/2005 يكتب:

«منذ تأسيس الحزب احتلت قضية التعليم النظري فيه مكانة متقدمة لما لها من ارتباط وثيق بتوسيع وترسيخ نفوذ الحزب السياسي والفكري وسط الجماهير.. فبعد ست سنوات من تأسيس الحزب لخصت وثيقة» في سبيل تقوية حزبنا وتوسيعه الصادرة في 1952 هذه القضية على النحو التالي: 1- - ضعف العمل النظري.

2- عدم نشر الماركسية وتقريبها للشعب.

3- ضعف ترجمة الكتب الماركسية. ص1.

وهنا تبرز اكبر اشكاليات الحزب الشيوعي السوداني وهي العلاقة بين النظرية والممارسة او العمل. ورغم نجاح الحزب تنظيمياً، تقول الوثيقة سابقة الذكر «إننا لم ننجح حتى الآن في بعث حركة سياسية حقيقية تحت قيادتنا.. السبب الأساسي في ذلك هو الفشل في القيام بأعباء النضال الفكري والايديولوجي». وتسببت هذه الفجوة في الانقسامات والخلافات داخل الحزب، ومما عقد الأمور غياب الحوار الفكري وهذا شيء طبيعي مع غياب الأفكار والفكر نفسه بين الاعضاء. ولجأ الحزب كثيراً إلى الحسم التنظيمي هرباً من الحسم الفكري حماية «لوحدة الحزب» وغالباً ما يتم محاصرة ولعن الأفكار المختلفة من خلال وصفها بالانتهازية والانقسامية والردة «لاحظ الحمولة الدينية لهذا الوصف» ولكن المعركة الفكرية لم تتوقّف وتجددت بأشكال جديدة، حتى اليوم.

ويكتب عبدالخالق محجوب عن الظاهرة:

«وفي تثقيف الكادر واجه الحزب مرة أخرى نفس الأفكار التي صرعها في عام 1947 والتي كانت ترمي إلى عزلة النظرية عن العمل ولا ترى في النظرية منهاجاً للتفكير بل محفوظات وشعارات جامدة. ورغم أن الاتجاه الثوري الشاعر باحتياجات الحزب في تلك الظروف بوجوب وضع الأسس الثابتة لتثقيف الأعضاء اعتماداً على منجزات التطبيق السليم للماركسية اللينية على ظروف بلادنا، كان قوياً في هذه النقطة من الناحية النظرية باعتماده على تراث الحزب في الصراع الداخلي منذ عام 1947 إلا أنه لم ينجح في تلك الفترة في إحداث تحول عملي في اتجاه الحزب في تثقيف أعضائه. رغم عشرات البرامج التثقيفية المعلنة ورغم القرارات حول وجوب تجميع محصول الحزب في الماركسية اللينية المطبّقة على المشاكل المعاصرة».

وتتكرر الملاحظة بصورة أدق:

«عدم وجود جهاز فعّال للتعليم الحزبي والتثقيف. فقد ظل العمل يجري طيلة هذه الفترة في إطار مكتب للدعاية وبين كادر خبير متخصص يقوده رفيق مسؤول. وبالرغم من المجهودات المختلفة صعوداً وهبوطاً والتي بذلت من قبل مكاتب الدعاية فإنها لم تستطع أن تخلق جهازاً يشمل الحزب بمستوياته من المرشحين حتى حلقات الكادر القيادي، لم نستطع أن ننمي بين هذه الحلقة الاتجاه الثابت للتثقيف الذاتي. صحيح كانت هناك صعاب من ضمنها عدم وجود كادر مثقف قادر على هذه العملية.. وغياب هذا الجهاز أدى الى انحباس منجزات الحزب الشيوعي في حقل تطبيق الماركسية في اطار سطحي لا يتمشى مع ما يقابل حزبنا من مهام (....) ويكفي ان نشير مثالاً للضعف والتدهور في هذا الشأن الوضع بين تنظيمات الطلبة الشيوعيين، فقد اتضح ان اعضاء بقوة اكثر من سنتين في التنظيم لم يطلعوا على لائحة الحزب ولم يدرسوا ابجديات الماركسية» (الماركسية وقضايا الثورة السودانية، الطبعة الأولى، ص186).

هذه الظاهرة الخاصة بالضعف والقصور النظري، لازمت أغلب الاحزاب الشيوعية العربية، إذ غلبت فيها الشيوعية التي يمثلها الحزب الطليعي على الفكر الماركسي والنظرية الماركسية كمنهج وطريقة تحليل وتفكير، وكعلم اجتماع واقتصاد وفلسفة. فقد كانت شيوعية أكثر منها ماركسية. يلاحظ فيصل دراج بصورة عامة:

(فالفكر الماركسي العربي، باستثناءات قليلة، ارتضى بماركسية كتبية وافدة، معتبراً أن التنوير كله في حزب «الطبقة العاملة» الذي يسترشد بمبادئ ماركسية طريفة، تستند إلى «التفاؤل التاريخي» لا إلى معطيات المعرفة الموضوعية 2005: 106). ويعبر مناضل ممارس من الطراز الأول بصدق عن هذه الاشكالية او الازدواجية المتنافرة في الاحزاب الشيوعية العربية، يقول الشيوعي المصري محمد يوسف الجندي:

«.. كان لتوجه حدثو العملي والنضالي تأثير عليّ، واصبحت أهمل الى حد كبير العمل الفكري والثقافي الذي يحتاج الى جهد مكتبي كبير، ويبدو ان بعض الاتجاهات التي تعتبر المثقفين بورجوازيين، وتعطي الأفضلية للعمال أو البروليتاريا، وهو الأمر الذي كان شائعاً في توجهات بعض الحركات الشيوعية في العالم وفي بعض ممارسات البلاد الاشتراكية، كان له تأثير ايضاً على تكويني. ولولا ذلك لكان في إمكاني أن استفيد من فترة الاختفاء في الاطلاع والبحث والكتابة، ولكان في ذلك اشباع معنوي لي، ولكن ذلك لم يتم الا بشكل ضئيل. 2000: 6-87.

كانت الأحزاب الشيوعية تفضل، في الغالب، النشاط العملي على النشاط الفكري غير المحمود والذي قد يرسِّخ السلوك البرجوازي. يحكي قلعجي أن خالد بكداش أكد تكليف أن أحد الأطباء الشيوعيين المعروفين في القدس، من قبل الحزب هناك، بتوزيع المنشورات ولصقها على الجدران، فسأله قلعجي «أليس هناك شيوعيون عاديون يمكن أن يقوموا بهذا العمل بدلاً من اسناده إلى طبيب معروف يمكن الإفادة منه في مجال أكثر أهمية؟ فكان رده «هناك كثيرون ولكن القصد من اسناد هذا العمل إليه هو اذلاله وسحق الرواسب البورجوازية في نفسه وهو يقوم بمهمته بصدر رحب» ص297. ولكن في واقع الحال حدث العكس تماماً، إذ لم يتحول البورجوازي الصغير إلى بروليتاري في سلوكه، فهو لم يستطع أن يخون طبقته بل حاول الكادحون تقليد البورجوازية.

ويورد عبدالخالق محجوب تحليلاً دقيقاً لهذه الظاهرة بين المزارعين، فقد كان من المتوقع تحويلهم إلى شيوعيين جيدين وقادة، ولكن ما حدث فقد صار الكادر مسخاً لا ينتمي لا للقرية ولا للمدينة. والنتيجة، فهو «يأخذ من المدينة قشور العادات ويصبح فيلسوفاً يحب الأفندية». وقد حدث هذا بالفعل عام 1958 في مشروع الجزيرة حيث انعزل بعض الشيوعيين المزارعين وأصبحوا يحاكون كادر المدينة ويحبون الأفندية. «اصلاح الخطأ.. ص59».
الصحوة الماركسية.. «الحلقة الثانية»


مـــاركس لـم يـــزر الســـودان أبــــداً..
ظل التأرجح بين تفضيل العملي وإدانة التنظير ظاهرة مستمرة. وكان على الحزب الشيوعي ابتكار طريقة جديدة خاصة به للتعامل مع الشعار المعروف «لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية» وأن يخلق بدقة العلاقة بين الحركة والنظرية دون تناقض، وإن كانت الحركة قد غلبت النظرية في حالة الحزب الشيوعي السوداني. وقد حدث صراع حول مفهوم «التطبيق الحي للماركسية اللينينية على ظروف بلادنا» او ما أسمته وثيقة «الماركسية وقضايا الثورة السودانية التطبيق الخلاق والمستقل للماركسية» ص183 فقد اتهم البعض بمحاولتهم عزل الماركسية عن الواقع، ولكن المشكلة كانت في ابعاد البعض للماركسية او بالأصح بروز فجوة بين النظرية والتطبيق. وكانت هذه الوضعية نتيجة ميل الحزب الشيوعي السوداني نحو ما يسمى في التجربة الروسية الشيوعية الأولى «الماركسية الشعبية» والتأكيد عليها كأيديولوجية تجميعية «تمثل أداة تمييز ايديولوجي للحزب. فهناك حاجة نفسية الى وضع حدٍّ فاصل بين الحزب الشيوعي والاحزاب الاخرى يقوم على الاثبات للذاتية الطبقية. ورغم ان الوحدة بين النظرية والتطبيق، هي إحدى دعائم الماركسية الأصلية»، فقد ضحت بها قيادة الحزب في سبيل التوفيق وإقامة الانسجام بين الايديولوجية والعقلية التي كانت سائدة بين جماهير الحزب مايتاس 1975: (60-68).
كان عبدالخالق محجوب شديد الاهتمام بما يسمى «المستوى الفكري للأعضاء» أي ضعف معارفهم الماركسية، وذلك لأن هذه القضية هي السبيل الوحيد لتحويل الحزب الى قوة جماهيرية مؤثرة. وحين ناقش هذه المسألة في المؤتمر الرابع بوصفها قضية التعليم الحزبي، توصل الى ما دعاه المعالم الرئيسية التالية:
أولاً: لقد قدمت الماركسية في الفترة الأولى لبناء حلقات الحزب الشيوعي وتنظيماته الأساسية كعموميات بواسطة الكادر المثقّف الشيوعي في احتكاكه المباشر بطلائع الجماهير الثورية. وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة للتعليم الماركسي في الحزب الشيوعي السوداني. ومن هذه الحلقات بدأ تعليم الماركسية للأعضاء الوافدين بتبسيط العموميات اعتماداً على الكتب الماركسية المترجمة.. الماركسية.. ص184.
كان من المفترض أن تكون هذه الوسيلة في المرحلة المبكّرة، مؤقتة وكفعل طارئ ولا يستمر لمدة طويلة. ولكن مع توسع الحزب وتزايد علاقاته بالنضال الجماهيري، كما تقول الوثيقة، وتصديه لحل قضايا ملموسة، كان لا بد أن تبدأ المطالبة من قبل الأعضاء بتقديم أمثلة من الواقع توضح العموميات الماركسية التي تدرس. فالعموميات الماركسية لم تعد تكفي وحدها لتعلم الماركسية بالإضافة إلى تطوّرات وتعقيدات جديدة تتطلّب تعميقاً في فهم الماركسية لتقديم حلول صحيحة لها.
انفتح الشيوعيون في مرحلة صعود الحركة الوطنية ثم بعد الاستقلال أكثر على العالم الخارجي مما أتاح دخول الأدبيات الشيوعية وانتشرت الكتب والمجلات. ومكّن كثير منهم من الحصول عليه والتعرف على ما فيها. وكانت النتيجة حسب الوثيقة «لهذا بدأ الاقبال على التعليم الحزبي بالطريقة القديمة يتراجع، وكان على حزبنا ان يرفع من مستوى هذا التعليم إلى مستوى تقديم الماركسية مطبّقة على ظروف بلادنا. وقد أدى ضعف هذا العمل إلى الأزمة المستمّرة في ميدان التعليم الحزبي والذي أصبح يتميّز بالتقطع ثم الذبول أخيراً.. ص 184.
تحكّمت عموميات الماركسية في التكوين الفكري للحزب الشيوعي ولم يستطع التغلّب على نقائص النشأة الأولى، فقد كانت بعض طلائع المثقفين في الأربعينيات ذات صلة ثقافية بالخارج من خلال الحصول على سلسلة left Book club Series أما الكتب الماركسية التي تعرف عليها الشيوعيون ودرسوها ثم علموها لآخرين، فقد كانت المؤلفات الرئيسية التالية: 1) تطور المجتمع. 2) اقتصاد محرك التاريخ. 3) المادية الجدلية. 4) المادلية التاريخية. وهما من تأليف ستالين. 5) محاضرة عن الدولة والثورة. 6) فائض القيمة. 7) رأس المال المأجور. افادة لعباس علي في الشيوعي 152.. ويقول الجزولي سعيد رأينا الكتاب الماركسي عند هاشم السعيد، كانت كتباً صغيرة مطبوعة في دمشق، منها: (أسس اللينينية والمسألة الوطنية لستالين) (الشيوعي 150)، وكان اتجاه التقليل من النظرية سائداً يحكي احمد سليمان عن بدايات انضمامه، وأنه لم يكن يميل إلى الكتب النظرية والفلسفية. يقول عن احد الاجتماعات: «وكان العزيز سعد قد تربى سياسياً في منظمة اسكرا قبل توحيدها، مع «ح.م.» وكان كأغلبية مثقفيها تستهويه النظريات (....) ويستلهم الحلول السياسية للمعضلات والمشاكل حتى اليومية منها من تجربة الرفاق الروس والصينيين. ولكن مشكلة إرساء العمل الثوري بمدني او الجزيرة. لم تكن بالنسبة لي مسألة نظرية بقدر ما كانت عملية وواقعية. فالسؤال يدور حول كيفية الوصول الى المزارعين وعن كيفية ضمان استمرار العمل الثوري.. ص80
يلاحظ المتابع لموقف الحزب الشيوعي من الفكر والتثقيف، ان الشكوى لم تنقطع والنقد تواصل وأشارت كل وثائق ودورات واجتماعات لجان الحزب الشيوعي الى الضعف الفكري في القيادة او الكوادر والقاعدة الجماهيرية. فمنذ انقسام عام 1952 ظهر الابتعاد عن الفكر والتنظير رغم ان الخلاف في بعض جوانبه كان حول السائد أي التطبيق الحي أو الخلاف للماركسية على الواقع. ولكن تطور الحزب أنتج وضعاً بعيداً عن الأهداف المرغوبة لفهم الماركسية، يكتب تاج عثمان «والصراع ضد الاتجاه الانقسامي غلَّب الجانب العملي ودفع الاتجاه النظري إلى الوراء وأحجم عدد كبير من الزملاء المهتمين بالثقافة والتربية الفكرية من مناقشة النظرية ورفع دورها في الحزب خوفاً من الوصف أو الدمغ بتهويل دور النظرية، فالوضع كان يتطلّب توازناً بين النشاط العملي والنظري، فالمستوى النضالي المتقدّم للحزب لم يواكبه مستوى فكري متقدّم يوجه هذا النضال: «سمنار العمل الثقافي، ص2
كان الحزب الشيوعي يحاول تحصين أعضائه وكوادره من الأفكار الأخرى من خلال الإدانة المسبقة والتحذير منها وليس بتكثيف وتعميق الصراع الفكري. وهذا يعني تسليح الشيوعي بنظرية ماركسية متماسكة ومتسقة منطقياً وناجعة عملية. ولكن الحزب اكتفى بأن الشيوعيين لا بد لهم من الابتعاد عن هذه الأفكار ومناقشتها ودحضها. وهناك العديد من الأفكار والتيارات أعلن الحزب الشيوعي الحرب عليها تمتد من أفكار ماو حتى وجودية سارتر. ففي دورة اللجنة المركزية في يناير 1963 أطلق الحزب حرباً على الاتجاه الصيني، ويقرر محجوب «استطعنا حماية حزبنا منه. وكانت الحماية تثقف على نقطتين: أولاً: وحدة الحزب وهي التي جاءت عبر سنوات من فكرة الانقسام، ثانياً: خلال النشاط العملي الذي برهن على سلامة الخط السياسي لحزبنا: قضايا.. ص29. ومن الواضح أن الانتصار عملي دون أي اشتباك فكري قد يهز قناعات الشيوعيين السودانيين. إذ نلاحظ أن الحماية تقف على نقطتين مرتبطتين بالنواحي التنظيمية فقط وهما الوحدة والنشاط العملي ولا يأتي أي ذكر للقضايا النظرية والفكرية. ويتكرر نفس الموقف بالنسبة «لتعرض البلاد لتيارات الفلسفة الوجودية وتيارات مختلفة من الفكر الاوروبي الممزق» ص30. وبقي الحزب الشيوعي السوداني بعيداً عن المعارك الفكرية الكبرى وقنع «بتكريب» التنظيم وبالتالي ظلت المكتبة السودانية شبه خالية من المساهمات الشيوعية السودانية المميزة، خاصة حين نقارنه بالحزب الشيوعي اللبناني، والذي أنتج مفكرين من أمثال رئيف خوري وعمر فاخوري وجورج حنا ومهدي عامل وكريم مروة. وظلت مجلته «الطريق» تصدر بمستوى رفيع لأكثر من ستين عاماً. واكتفى الحزب الشيوعي السوداني بالمديح العالي الذي أعطاه صفة أكبر حزب شيوعي في العالمين العربي والافريقي.
تنتهي كل اجتماعات الحزب الشيوعي بالإشارة والتنويه بأن الحزب يعاني من ضعف نظري واضح في القيادة والقاعدة. ففي ثورة اكتوبر 1964 ورغم الزخم الجماهيري الذي حرّكه الحزب الشيوعي بفضل نفوذه المعنوي، ولكنه أقل كثيراً على المستوى النظري والفكري. ورغم اشتراك الحزب الكبير بأعضاء ومتعاطفين داخل حكومة اكتوبر، فقد واجه أزمة حادة إذ لم يستطع أن يقدّم مشاريع قوانين ودراسات حول جهاز الدولة والاقتصاد، كما لم يكن لديه جهاز متخصص في شؤون مشكلة الجنوب. والأهم من ذلك، كما تقول وقائع دورة اللجنة المركزية 24/9/1965. ضعف الكادر المتفرّغ القيادي النظري وتركيزه على العمل السياسي وعدم تخصصه في فرع من فروع المعرفة الماركسية (للمزيد راجع الشيوعي 159).
نشرت في هذه الفترة وثيقة مهمة وهي «الماركسية وقضايا الثورة السودانية» وهي تمثل نص التقرير العام المجاز في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني في اكتوبر 1967، وكان لا بد أن تتعرّض للوضع الثقافي والنظري في الحزب والذي اعتبرته متخلّفاً رغم أهمية تطويره.
أرجعت ذلك إلى أسباب عدة، من أهمها حسب الوثيقة ص185 ما يلي:
1- الأشكال التنظيمية التي قامت في الحزب والمبنية على فرع العمل وفرع السكن. هذا الشكل ليس خاطئاً ولكنه طبق بطريقة حالت دون توفير الكادر اللازم للتعليم الحزبي بين مؤسسات الطبقة العاملة، وهذا الكادر هو بالطبع كادر المثقفين الشيوعيين. وكان الالتحام بيد كادر المثقفين والكادر الشعبي في المراحل الأولى لبناء الحزب قد أسهم في تقديم الماركسية ولكن الوضع اختلف لعدم تطبيق هذا الشكل التنظيمي بجد وبصورة أفضل.
2- عدم وجود جهاز فعّال للتعليم الحزبي والتثقيف. فقد ظل العمل يجري طيلة الفترة السابقة في إطار مكتب الدعاية وبين كادر خبير متخصص يقوده رفيق مسؤول. وقد أدى غياب هذا الجهاز الى انحباس منجزات الحزب الشيوعي، من حقل تطبيق الماركسية في اطار سطحي لا يتمشى مع ما يقابل الحزب من مهام، وما يتحمله الكادر والاعضاء من مسؤوليات بين الحركة الجماهيرية.
يبدي كاتب الوثيقة ضيقاً وتبرماً واضحين حين يكتب:
«ولا عذر للبدائية في هذه الظروف. ففي الحزب كادر مثقف. وللحزب امكانات في كادره المتفرغ الذي يجب ان يتحول في مسؤولياته للتصدي لقضية التعليم الحزبي والتثقيف. وبين الكادر المثقف الشيوعي هناك اعداد علينا تحويلها للعمل كمدرسين للماركسية في فروع الحزب» (6-187) وهذا يعني، وفق الوثيقة أن يتحوّل المكتب القائد للدعاية والتثقيف إلى جهاز متصل بكل فروع الحزب الشيوعي بواسطة فرق مدرسي الماركسية الذين عليهم تدريبهم ومداومة تعليمهم وامدادهم بالمناهج والمواد اللازمة للتعليم ص87.
امتلك الحزب الشيوعي، بالفعل، امكانات كبيرة في مجال النشر والإصدارات ولكنها توقّفت، ليس لأسباب مالية مثلاً، ولكن لأسباب فكرية ونظرية. إذ يعود تكريس النشاط العملي على حساب النشاط الفكري والنظري ليحرم المثقفين الشيوعيين من الوقت والمزاج ورؤية أهمية هذا الجانب. إذ يلهث المثقف الشيوعي خلف مهام إدارية ويقتل الوقت في اجتماعات ماراثونية، كما يقول الشيوعيون أنفسهم: لسلخ جلد النملة. فقد أصدر الشيوعيون الموجودون في مصر منتصف أربعينيات القرن مجلة «ام درمان» لتدعو شعار الكفاح المشترك مقابل شعار وحدة وادي النيل تحت التاج المصري. وقد أصدرت المجموعة الأخيرة مجلة اسمها «السودان». وصدر الامتياز باسم محمد أمين حسين ورئيس التحرير عبده دهب، والذي يقول إنها كانت توزع عام 1946 ثلاثة آلاف نسخة، وارتفع التوزيع بعد ملاحقة صدقي باشا لها إلى ثمانية آلاف نسخة «رفعت السعيد، ص749». وفي داخل السودان كانت «اللواء الاحمر» هي احد اقدم اشكال الصلة مع الجماهير بالاضافة لاصدار المنشورات وكتابة الشعارات على الجدران والاجتماعات المصغرة. وسبقتها مجلة الكادر صحيفة اللجنة المركزية عام 1947 وقد تحول اسمها الى الشيوعي عام 1954. وهذا هو العام الذي صدرت خلاله -2 ديسمبر 1954- جريدة الميدان لسان حال الجبهة المعادية للاستعمار. و«الوعي» مجلة الثقافة الماركسية والتعليم الحزب و«المنظم» مجلة المكتب التنظيمي. وكانت «الفجر الجديد» المجلة العلنية التي أصدرها عبدالخالق محجوب بداية 1957 واستمرت حتى يناير 1958 وتوقفت بعد صدور اربعة أعداد، ثم عاودت الصدور عام 1965 وتوقفت بعد صدور أربعة أعداد، في ديسمبر 1965 ويمكن اعتبار «الجهاد» صحيفة علنية للحزب صدرت في نوفمبر 1951 نتيجة اتفاق مع صاحب امتيازها عبدالمنعم حسب الله مقابل استلامه للعائد المادي للجريدة في مدينة ام درمان. ولكن الاتفاق ظل سارياً حتى سبتمبر 1952 حين ضغط المصريون عليه لايقاف حملة الجريدة على النظام المصري لإعدامه خميس والبقري، وأخيراً استرد جريدته من الحزب. وكانت للحزب صلات وثيقة مع صحف علنية مثل «الصراحة» وأسسها عبدالله رجب عام 1949 و«أخبار الاسبوع» ورئيس تحريرها عوض برير. وأصدر الحزب صحيفة «الضياء» ورئيس التحرير الطيب التجاني الطيب. وأصدرت صحيفة لجنوب السودان اسمها Advance التقدم ورأس تحريرها كل من الأساتذة: جوزيف قرنق والتجاني الطيب، وكان الحزب الشيوعي قريبا من دور نشر مثل دار الفكر، ودار شهدي ودار الوسيلة.

(الصحوة الماركسية) الحلقه الثالثه
ماركس لم يزر السودان أبداً!!

ليس من أغراض هذه المقالات الهجوم أو التعدي على أي جهة ولكنها محاولة للمساهمة في محاولات تجديد الفكر الاشتراكي، وموجهة للأجيال التي تحتاج لقدر من معرفة التاريخ لممارسة النقد.
? الكاتب غير مؤهَّل لاستخدام «سلاح الدين الصدئ» ضد أي جهة لأن هذا السلاح يستخدم ضده أيضاً.
بقي سؤال التثقيف يشغل الحزب الشيوعي باستمرار خاصة خلال هذه الفترة بسبب التحولات الداخلية (انقلاب الانقاذ الإسلامي) والخارجية (انهيار المعسكر الاشتراكي). فهذه معطيات مهمة تستحق التحليل والدرس والتنظير لاتخاذ مواقف جديدة على ضوئها تحدد مستقبل الحزب الشيوعي وتكيّفه مع عصر المعلومات وثورة المعرفة. يحدثنا تاج السر عثمان عن المحاولات التي جرت في الفترة 1996-2005، ففي التاريخ المذكور 1996 تم إعادة تكوين مكتب التعليم الحزبي بعد تقلّص عضوية المكتب السابق بسبب انقسام الحاج وراق وهشام عمر النور ووفاة عبدالمنعم سليمان وهجرة محمد سعيد القدال ومحمد سليمان وعلي سعيد. وتحوّل الاسم إلى مركز التثقيف المركزي ووضعت له أهداف جديدة (توسيع مفهوم العمل الثقافي في الحزب الذي يشمل التثقيف الذاتي وتكوين المكتبات والاهتمام بالعمل الثقافي كواجب ثابت في أجندة الفروع، وتكوين مكتب ثقافي في كل منطقة، وضرورة وجود مسؤول ثقافي في كل فرع والاهتمام بالنشاط الثقافي العام في مجالات الفروع، كل هذا وغيره يخرجنا من مفهوم التعليم الحزبي الضيق (ص5)، وقد أعد المكتب مشاريع محاضرات، ويلاحظ أن العمل الثقافي اعتمد على المحاضرات وما زالت المجلات والكتب غائبة تماماً.
لجأ الحزب الشيوعي السوداني إلى أساليب هي أقرب للفتوى الدينية في محاولاته لايجاد إجابة أو حلٍّ لكل موضوع أو مشكلة، بصورة نهائية وقاطعة. ولم يسأل الحزب النظرية نفسها حين تقع الأخطاء، بل غالباً ما يعتبر الأخطاء ذات طابع تنظيمي أو سلوكي. في حوار شيّق بين سارتر وجماعة المانيفستو الإيطالية التي طرحت عليه السؤال التالي:
? فهل تعتقد أن صورة الحزب هذه التي اعتمدتها واعتمدنا نحن كذلك في الخمسينيات يجب أن تتغير لأن الظرف تغيَّر أم يجب تغييرها لأن التحليل النظري الذي بنيت عليه تشوبه عيوب لم تبرز بوضوح إلا اليوم؟
- سارتر: لا شك أن تحليلنا يومها كانت تشوبه عيوب نظرية.
(مجلة مواقف عدد 9 مايو/ يونيو 1970، ص79).
هذا نموذج للنقد الذي يمارسه الماركسيون الأوروبيون كل فترة أخرى ويتجه نحو جذر المشكلة أو الخطأ. ولكن الحزب الشيوعي السوداني، يأبى ألا يبتعد عن الممارسة والعمل على حساب التوقّف عند النظرية. ويأتي كتاب (إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير دليلاً ساطعاً على هذا التوجه داخل الحزب الذي يرى الخطأ في العمل وليس في النظرية أو بعض أجزائها. هناك اهتمام مبالغ فيه بـ(الخط، أو البرنامج) واللائحة والعمل الجماهيري، وكل هذه تجسيدات للنظرية، لأن النظرية هي التي تنتج تنظيمها الفاعل، فالحزب الشيوعي السوداني، يفكّر في الطبقة العاملة ولكن لضعفها يعمل وسط الكادحين والفقراء بينهم عمال في واقع ويظل ثابتاً لدى مفاهيم الطبقة العاملة ودور الطليعة حسب الرؤية اللينينية- الستالينية يتبعها وقع الحاضر، محاولاً عدم الانحراف والتحريف.
يقدّم كتاب (إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير) وثيقة مهمة تؤكِّد البحث عن نقاء الشيوعية وتكوين الشيوعي «المثالي» الجيد. ولكن السؤال المهم: هل تم اصلاح الخطأ بعد حوالى أكثر من أربعين عاماً على صدور الكتاب في صيف 1963؟ بقيت كثير من السلبيات والنقائص التي نقدها وأدانها الكتاب، حيّة ونشطة، بل تزايدت في حالات عديدة. ويمكن قراءة الوثيقة كتاريخ داخلي للحزب الشيوعي منذ نشأته الأولى، فقد لخصت «تجربة الحزب» حسب نص الوثيقة (ص5) ويصطدم القارئ بكمية السلبيات التي عاشها الحزب ويتساءل كيف تعايش الشيوعي السوداني مع هذه الأخطاء والانحرافات؟ رغم أن الوثيقة توحي بأن إصدار الوثيقة أصبح ضرورة بعد أن اشتد الصراع الفكري داخل الحزب ضد أفكار وممارسات العزلة واليسارية الطفولية) وتصف الوثيقة بالتفصيل السلوكيات الغريبة والأسئلة قائمة: كيف ظهرت هذه العيوب في حزب يوصف نفسه دائماً بأنه (جديد)؟ وكيف استمرت حتى وقت نقدها في الوثيقة وبالتأكيد بعدها؟ تقول الوثيقة «حيث جنحت قيادات بعض المناطق -وخاصة في مديرية النيل الأزرق والمديرية الشمالية- نحو الإثارة والشعارات وتواتر إصدار وتوزيع المنشورات والكتابة على الجدران دون التفات لبناء الحزب، واستقرار قواعد حياته الداخلية، والتعليم الحزبي فسادت حياة الشللية المغلقة على نفسها بين الشيوعيين، وملء الفراغ بالثرثرة عن شؤون الحزب والتحليلات الفطيرة والساذجة عن ضعف النظام العسكري، والتعالي على العمل البسيط اليومي بين الجماهير (...) وأصبحت صلة الحزب بالجماهير وحيدة الجانب ومحصورة في المنشورات أو البيانات أو صحيفة اللواء الأحمر، فإذا لم تصدر منشورات أو بيانات، أحس العضو بالوحشة والفراغ. فلم تكن لفروع الحزب برامج عملها للصلة المتنوّعة والدائمة بالجماهير في مجالاتها، ولم تكن تراقب نشاط الأعضاء بين الجماهير». (ص5-6).
انشغل الحزب الشيوعي السوداني بعملية إصلاح الخطأ في فترة بدأ نظام عبود فيها يضعف وكان لا بد للحزب الشيوعي من تهيئة نفسه للمرحلة القادمة. لذلك تقدّم شعار المؤتمر الثالث: (اجعلوا من الحزب الشيوعي السوداني قوة اجتماعية كبرى). وهذا يعني هذا تجاوز برنامج (في سبيل السودان) والذي أقره المؤتمر الثالث مطلع عام 1956، حيث تقول وثيقة (اصلاح الخطأ): «بالطبع لا يمكن أن يكون ذلك البرنامج خالداً وخلاصة ثابتة لمعرفتنا بوطننا، فالعمل اليومي والتجارب التي نواجهها تزيد معرفتنا ببلادنا وتغني خبرتنا وينعكس ذلك في ما نكتب ثم في تعديلات أو تغييرات البرنامج ذاته. وبالفعل نجد اليوم كثيراً من المعارف التي توصلنا إليها منذ عام 1956 حتى الآن لا مكان لها في ذلك البرنامج، كما نجد نقاطاً أخرى ظهرت فيه واتضحت عدم صحتها ولكن رغم هذا يمكننا القول إن برنامجنا يحوي الحد الأدنى والمعقول من معرفة ظروف وطننا». (ص17-18).
يحاول الحزب الشيوعي تجديد نفسه من خلال البرامج والتنظيم ولكنه يصطدم مع وحدة الحزب مقابل التجديد، والذي يعنى بطريقة أو أخرى من بعض الثوابت المعتمدة نهائياً. لذلك، في نفس الوقت الذي تطالبه الوثيقة بالتجديد وان البرنامج السابق ليس خالداً ولا مقدّساً، فإنها تكرر الحديث عن النضال «ضد الاتجاهات الغربية من تحريف وجمود». أو «ضد الجمود في النظرية واليمينية في العمل». وتتحدّث الوثيقة عن نقاط المعرفة الأساسية، وهي تتمثل في:
- السودان قطر مترامي الأطراف تسكنه قوميات مختلفة.
- يوصف السودان اقتصادياً بأنه متخلّف.
- بالسودان طبقات اجتماعية حديثة، هناك الجماهير العاملة في المصانع والمكاتب، هناك البرجوازية، هناك أشباه الاقطاعيين من أصحاب المشاريع الزراعية الكبيرة وشيوخ القبائل وهناك المزارعون بأقسامهم المختلفة.
- استطاعت الثورة السودانية خلال تطورها الجماهيري، انجاز الاستقلال. ولكن لا بد من دعم للاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي.
- لانجاز هذا التقدم لا بد من الوحدة الشعبية القائمة على التحالف بين الجماهير العاملة والمزارعين في الأساس بوصف أولئك الطليعة الثورية وهؤلاء الأغلبية الساحقة من سكان البلاد.
- يرى الشيوعيون السودانيون بدراسة الوضع العالمي وظروف بلادهم أنه من الممكن إحراز هذا التقدّم بالنضال الجماهيري وبالطرق السلمية حتى لا تتعرّض البلاد لهزات. (18-19).
كان هذا التحليل خلف الوصول إلى نتيجة في صراع عام 1947 تقول: «إن بلادنا بها طبقات ثورية وأن بها كتلة من الشيوعيين يمكن لهم بل واجبهم أن يكونوا حزباً شيوعياً مستقلاً»، ولكن هذه الفرضية رغم وقوف الأغلبية معها داخل الحركة، إلا أنها تسببت في خلافات أعمق وأدت إلى الانشقاق والانقسام، وقد تكون هذه الفرضية هي المعيار لكل التهم التي طالت من يحيدون عنها. فقد تشكّك بعضهم في وجود طبقات ثورية، والآخر في ضرورة بناء حزب شيوعي مستقل في السودان. وانطلقت من صندوق باندورا هذا معظم الخلافات.
توقع الحزب الناشئ الاقتراب من الجماهير وكسبها لصفة لو اكتسب الشيوعي السوداني معرفة بظروف بلاده ودراستها على ضوء النظرية الشيوعية العامة. وتشير الوثيقة إلى أن الحد الأدنى للمعرفة بالوطن موجود في البرنامج «سبيل السودان». ويبقى المطلب الثاني إلى جانب المعرفة بالوطن، وهو تنمية المعارف القائمة على الماركسية. وهنا يبدأ الصراع، فالوثيقة تطالب بالكفاح ضد اتجاهين خطرين في دراسة ظروف الثورة السودانية، هما: الاتجاه التحريفي واتجاه الجمود القصدي. فهناك تطوّر يحدث بعد الانتقال من المراحل الأولى إذ بعد حصول المعرفة الأساسية والتي تساعد في الوصول إلى الجماهير والارتباط يتحدد ما يمكن أن ينجز ومالا يمكن أن ينجز وعلى الشيوعيين أن يقدِّموا للجماهير البرنامج ويقربوا لهم الماركسية اللينينية في خلاصة تجاربهم ومبادئهم العامة، أي الأفكار الشيوعية التي تقنع بها الطلائع للانضمام إلى حزب العاملين. ويؤكّد محجوب في هذه النقطة: (وهذا هو أول تلامس بين حلقة الكادر الحزبي والأقسام المتقدّمة من الجماهير الثورية. ومن هناك كان المسلك في هذا الحيز جزءاً من المسلك إزاء الجماهير الثورية، وتحسينه جزءاً من الحملة لتحسين صلاتنا بالجماهير ودعماً) (ص21) فرض المجتمع السوداني التقليدي المحافظ على الحزب الشيوعي الاهتمام (بالمسلك) خاصة بين القيادات. لأن هذا المجتمع يهمه نموذج السلوك والاخلاق الجيدين بغض النظر عن معرفته وعلمه وانضباطه الحزبي والتزامه الايديولوجي. بالتأكيد الماركسية لا تفصل بين المعرفة والممارسة، بل هي ممارسة عارفة. ولكنها لا تنظر لها من ناحية اخلاقية بحتة، بل بسبب مضمون النظرية نفسه. وفي حالة السودان، يمكن أن يفرض كثيراً من القيم المضادة للتحديث والتقديم لتقوية عملية الضبط الاجتماعي داخله حسب معايير محافظة. وقد يقبل السوداني العادي مسلك شيوعي، ولكن يرفض افكاره بل يستغرب ان يسلك (هذا الشيوعي) مثل هذا السلوك السوداني (الأصيل). ألا توجد أخلاق شيوعية أصيلة أيضاً قد تكون أحياناً أرقى من أخلاق الأمر الواقع؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رجاء الناصر

*- مواليد حلب 1946 تخرج من كلية الحقوق وأصبح محامياً وقاضياً .
*- انتسب إلى الاتحاد الاشتراكي في الستينات . وفي حملة الاعتقالات التي جرت في أيار 1968 ، والتي شملت الأمين العام للاتحاد الاشتراكي د . جمال الأتاسي وقيادات الاتحاد ، تم تشكيل لجنة قيادية مؤقتة كان منها رجاء الناصر لقيادة الحزب .
*- أصبح لاحقاً عضواً في اللجنة المركزية ، وكان أحد المعارضين لدخول الاتحاد الاشتراكي في ( الجبهة الوطنية التقدمية ) عند تأسيسها في 7 آذار 1972 .
*- كان هذا سبباً لنشوء خلافات مع قيادة الاتحاد . وقد اتجه رجاء الناصر بين عامي 1978 – 1980 إلى تأسيس التنظيم الشعبي الناصري والخروج من الاتحاد الاشتراكي .
*- وفي عام 1983 اعتقل لأشهر عدة ، ثم أفرج عنه .
*- وفي عام 1986 ، جرت حملة اعتقالات ضد التنظيم الشعبي الناصري ، توارى على إثرها رجاء الناصر عن الأنظار .
*- 1990 عاد مع مجموعة من قيادات وكوادر التنظيم الشعبي الناصري إلى الاتحاد الاشتراكي وانتظموا فيه ، وأصبح لاحقاً عضواً في المكتب السياسي للحزب وأمين سر اللجنة المركزية .
*- عند تأسيس هيئة التنسيق 25 حزيران 2011 أصبح أمين سر المكتب التنفيذي للهيئة واستمر فيه حتى اعتقاله في 20 / 11 / 2013 .





حتى نلتقي .....
إلى جيفارا
بين الرهاب والتشرنق ..!

* الشيخ *



تتحول ذكراك لطقس بدائي مغرق في القدم
وصورتك لأيقونة ترفع لها آيات
ورفاتك لطوطم يقصده المريدون
وكفى المؤمنين شر القتال ..!
***
بين رهاب يتلطى خلف جدران
مؤسسات تكلست
وتشرنق يحمي الذات
من الرياح وتقلبات الطبيعة
يكون حضورك في الغياب
وسام جنرالات ترهلت
وغيابك في الحضور
اجترار لزمن ولى
إلى غير رجعة
***
لو جئت اليوم
لانفض عنك مريدوك وقالوا :
أنت مقامر ..



تجمع اليسار الماركسي " تيم "

تجمع لأحزاب وتنظيمات ماركسية . صدرت وثيقته الـتأسيسية في 20 نيسان2007.
يضم (تيم) في عضويته:
1- حزب العمل الشيوعي في سوريا .
2- الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي .
3- الحزب اليساري الكردي في سوريا .
4- هيئة الشيوعيين السوريين .
الموقع الفرعي لتجمع اليسار في الحوار المتمدن:
htt://www.ahewar.org/m.asp?i=1715




للاطلاع على صفحة الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي على الفيسبوك على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/pages/الحزب-الشيوعي-السوري-المكتب-السياسي/1509678585952833





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,363,023,083
- طريق اليسار - العدد 64 أيلول / سبتمبر 2014
- طريق اليسار - العدد 63
- طريق اليسار - العدد 62 تموز / يوليو 2014
- طريق اليسار - العدد 61
- طريق اليسار - العدد 60 أيار / مايو 2014
- بيان توضيحي من الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي
- من أجل اللقاء التشاوري للمعارضة السورية في القاهرة
- تقرير سياسي لدورة المجلس المركزي المنعقدة بتاريخ14-1532014
- طريق اليسار - العدد 59 نيسان / أبريل 2014
- طريق اليسار - العدد 58
- طريق اليسار -العدد 57
- طريق اليسار - العدد 56 كانون ثاني / يناير 2014
- طريق اليسار - العدد 55
- طريق اليسار - العدد 54
- طريق اليسار - العدد 53
- طريق اليسار - العدد 52
- طريق اليسار -العدد 51
- طريق اليسار - العدد 50 تموز / يوليو 2013
- القرارات الصادرة عن اجتماع المكتب التنفيذي
- طريق اليسار - العدد 49


المزيد.....




- شاهد.. إفطار عائلي للملك عبدالله الثاني مع الملكة رانيا
- تحول إلى أزهى نسخة من نفسك في هذا الصالون الفريد في لندن
- ظريف يصف موافقة ترامب إرسال قوات للمنطقة بـ-الخطيرة-
- الشرطة الفرنسية تكثف جهود البحث عن منفذ تفجير ليون
- مواجهات عنيفة في تعز
- الشرطة الفرنسية تكثف جهود البحث عن منفذ تفجير ليون
- قادها أنصار الصدر.. مظاهرات تطالب بالنأي بالعراق عن صراع أمي ...
- لأول مرة منذ بداية التصعيد.. إيران تتحدث عن أسلحة سرية تستطي ...
- محكمة فرنسية تسجن بائع قوارب ساعد مهاجرين على عبور بحر المان ...
- قبيل زيارة ترامب... زلزال يهز طوكيو


المزيد.....

- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله
- رسائل مجاهدة / نورة طاع الله
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار - العدد 65