أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي يسري - داعش من الوهم إلى اليقين















المزيد.....



داعش من الوهم إلى اليقين


علي يسري
الحوار المتمدن-العدد: 4605 - 2014 / 10 / 16 - 09:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من أعنف وأخطر التنظيمات المتطرفة التي ظهرت على الساحتين العربية والعالمية حتى الآن. هذا التنظيم المتشدد “السني” تمكن خلال فترة قياسية من احتلال ثلث أراضي سوريا ومساحات واسعة من العراق، بما في ذلك مدن كبيرة مثل الموصل بشمال غرب العراق.

أما التنظيم الذي يضم آلاف المقاتلين من الدول العربية والمجندين الأجانب من مختلف أنحاء العالم، فقد أدى ظهوره بهذه القوة “البشعة”، لإطلاق أكبر حملة عسكرية دولية بقيادة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب تحرير الكويت في عام 1991، وربما تتجاوز هذه الحملة الحالية حدود تلك الحرب.

لقد تطورت داعش من قوة سلفية جهادية أسسها أبو مصعب الزرقاوي، وهو أردني متطرف انتقل إلى العراق بعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2002، ليتزعم الزرقاوي بعد ذلك فرع تنظيم القاعدة في العراق، والذي كان مسئولاً عن تفجير ضريح العسكريين في سامراء عام 2006، والذي أشعل فتيل الحرب الأهلية في العراق في 2006 – 2007. لقد تغير اسم التنظيم إلى (الدولة الإسلامية في العراق) عقب مقتل زعيمه الزرقاوي بغارة أمريكية عام 2006، فيما بدأت قوة التنظيم تضعف عام 2007 بعد تحالف قوات أمريكية مع عشائر من العراقيين السنة لمواجهته.



أدى اندلاع الأزمة السورية إلى إعادة إحياء الدولة الإسلامية، والتي قدمت الدعم لأحد أعضائها وهو أبو محمد الجولاني لإنشاء جماعة في سوريا عقب ثورة 2011. وفي نيسان من عام 2013 أعلن زعيم الجماعة الحالي أبو بكر البغدادي دمج جماعته مع جبهة النصرة تحت مسمى “دولة الإسلام في العراق والشام”، بيد أن جبهة النصرة رفضت هذا الاندماج، وانشق معظم مجاهديها الأجانب إلى “داعش”، ومنذ ذلك الحين و”داعش” في حرب مع الثوار السوريين لتفرض نفسها كدولة لا تقبل بأي جماعة أخرى تحارب في المناطق المُستولى عليها قبل أن تقسم بالولاء لـ “داعش”.



داعش والثورة السورية.. الذبح بسكين بارد

في يوم 29 يونيو وفي أول أيام شهر رمضان، أعلنت داعش مبايعة أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين من قبل مجلس الشورى، ليتغير اسمها إلى (دولة الإسلام). دير الزور هي خامس محافظة في سوريا والعراق تخضع لسيطرة الدولة الإسلامية، وهو تدبير كان من فرط شدته أن أصدرت القاعدة بياناً رسمياً نأت فيه بنفسها عن التنظيم. لقد جاءت أولى موجات الانتصارات الساحقة لـ”داعش” في محافظتي نينوي وصلاح الدين السنّيتين بالعراق، ثم استفادت من المخزون الهائل الذي استحوذت عليه من الأسلحة، أضف إلى ذلك هذا الزخم الذي أنتجته من المعنويات والخوف عند الاستيلاء على مناطق جديدة في سوريا، وبعد سيطرتها على دير الزور، تتقدم داعش الآن شمالاً في ريف حلب.

فعندما أعلن البغدادي دمج جماعته في العراق مع جبهة النصرة، أخذت داعش تتصرف كدولة في المناطق المستحوذ عليها، فعلى الرغم من أعدادها المنخفضة، استطاعت داعش أن تؤسس حكماً من الإرهاب في مناطق سورية عديدة. وقد أدى إنشاؤها لنقاط التفتيش الخانقة، ومصادرتها للأسلحة، وفرضها لإديولوجيتها على السكان المحليين إلى نفور معظم الجماعات المتمردة. مع نهاية العام الفائت، أعلنت جميع الجماعات المتمردة الحرب على داعش ودفعتها خارج إدلب وحلب ودير الزور.

لكن الحرب كلفت الثوار غالياً، لقد أدت المعارك مع داعش إلى مقتل نحو 7 آلاف شخص وبدء تفكك تحالفات الثوار نتيجة القتال، فعلى سبيل المثال لم يتبقَ من الجبهة الإسلامية، إحدى أكبر الفصائل المسلحة المعارضة للنظام السوري التي تضم 7 فصائل إسلامية منها حركة أحرار الشام ولواء التوحيد والجبهة الإسلامية الكردية، إلا قوقعتها بعد أن كانت أكثر التحالفات قوة، والآن اتخذت “الجبهة قراراً بعدم قتال تنظيم “داعش” الإرهابي في شمالي محافظة “حلب” السورية، بسبب كثافة هجمات قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوات النظام السوري، حيث استهدفت قوات التحالف مواقعا للجبهة الإسلامية، وأنهم اتخذوا قراراً بعدم قتال داعش، بسبب تكثيف قوات النظام، وميليشيات حزب الله هجماتها في ريف حلب.

أما جبهة النصرة، التي كانت أكثر الجماعات المتمردة فاعلية، فهي الآن تجاهد لوقف انجراف مقاتليها ومناصريها نحو داعش، خصوصاً بعد خسارتها لقبضتها القوية في دير الزور. لقد ازدهرت داعش بفضل التفكك بين المتمردين السوريين والتناقضات لدى داعميهم، مما سارع من تفكك هذه الجماعات هو أن الكثير من أعضائها وقاداتها كانوا إما متعاطفين مع داعش أو مترددين في توجيه بنادقهم ضد أي طرف غير النظام السوري.

أما عن علاقة “داعش” بالنظام السوري والترويج المستمر لما يسمى بأن “داعش” صنيعة المخابرات السورية، فإنه يمكن الحديث بأن هناك اختلاف في الإديولجيات بين القاعدة والبعث السوري، وبأن معظم قيادات تنظيم “داعش” يعتقدون بأن حزب البعث ونظام الأسد كافر، ولكنهم قد سلكوا معه مسار التقية الدينية وأنهم يستعملونهم ولا يتبعونهم، أما حرب النظام على الشعب السوري، فهي بالضرورة حرب عليهم وبالتالي لا يمكن لـ “داعش” الدفاع عنه، وعلاوة على ذلك، فذلك المسار لا يخدم منهج تنظيم “داعش” الجهادي.

هناك أجندة عسكرية لـ “داعش”، وهناك خطط للمعارك، وهناك خطة لفرض بيعة البغدادي على بقية الفصائل المسلحة في سوريا، وهناك قيادات في “داعش” يعتقدون بأن هناك طريقة أفضل لفعل ذلك، وهي طريقة إعلان قتال الخارج عن بيعة البغدادي وإعلان الحكم الإسلامي، ولكن عليّ أن أقول أيضاً أن “داعش” لا يزال في منهجه يوافق إرادة النظام السوري، لكن من غير إتفاق أو تنسيق مسبق. وهذا هو سبب التهمة التي تقول أن “داعش” صنيعة النظام السوري. ببساطة هناك علاقة تعاون ومصالح وتبادل منافع مع اختلاف عقائدي كبير. إن السيل الجارف لـ “داعش” قوي وليس من الصعب رؤية أن القادم أسوأ. لكن فيما هو أبعد من العوامل السياسية والعملية.




داعش والعراق.. أبواب جهنم قد فُتحت

لم ينتهِ العام 2013 حتى كانت السلطات المركزية العراقية قد فضت بالقوة اعتصام الفلوجة الذى كان قد استمر قرابة العام، مانحة باستخدامها المفرط للقوة تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام “داعش” فرصة دخول المدينة بزعم حمايتها. على الناحية المقابلة، بدا وجود الجهاديين السنة “داعش” مطلوبا من الجميع على تناقض أهدافهم، فمسلحو المدينة “السنية” وعشائرها رغم اختلافهم الجذري مع حاملي الرايات السود كأسلوب حياة، مثل مشهد الاحتفال بإشعال النيران في كومة ضخمة من علب السجائر التي باتت محرمة كان لافتا. إلا أنهم كانوا على استعداد للتحالف معهم ضد الجيش العراقي النظامي، الذى ينظرون إليه “كأداة بطش” في يد نظام شيعي طائفي يرون أنه عمل على تهميشهم، إن لم يكن إقصائهم.

بالطبع لم يكن مختلفا موقف رجال الجيش العراقي القديم، جيش صدام، الذي كان قد جرى التخلص منهم. كذلك موقف قوى إقليمية كانت قد استدعت تحريضًا ومساندة لوجيستية الخطاب الطائفي قلقاً من تزايد ما اعتبروه مدًا شيعياً، والمثير أن وجود الجهاديين وراياتهم السود وإرهاب تسجيلاتهم الدموية بدا أنه مطلوب أيضا من الحكومة المركزية في بغداد، كغطاء منطقي ومضمون للحشد داخليا وخارجيا لعنوان “الحرب ضد الإرهاب”، وللصراع السياسي مع الزعامات المحلية، وهو بالمناسبة الغطاء ذاته الذي قدمته الرايات السود لبشار الأسد، الذي بدا المجتمع الدولي على استعداد لغض الطرف عن براميله المتفجرة خوفا من ذلك القادم المجهول.

كانت هذه بدايةَ القصة، لكنها ليست بالضرورة نهايتها لظهور التنظيم الدموي بالعراق.

لقد استغل تنظيم “الدولة الإسلامية” ضعف أجهزة الدولة العراقية ليتوسع بشكل مخيف في مناطق بعينها في هذا البلد. ظهرت قوته الضاربة بجلاء عندما قام بالاستيلاء على مدينة الموصل، حيث تم اعتبار العملية وقتها بمثابة ناقوس خطر لا يهدد العراق بمفرده وإنما المنطقة برمتها.

فيما وصل مقاتلو تنظيم داعش إلى أطراف مدينة كوباني الكردية، وبعد معارك هي الأعنف منذ بدء هجومهم على المدينة، أفادت وكالة رويترز للأنباء بأن عناصر التنظيم دخلوا المدينة المحاصرة منذ أسابيع ورفعوا راياتهم السوداء في الجانب الشرقي لكوباني، وأوضحت شبكات أنباء سورية محلية، أن تنظيم الدولة وصل إلى أحياء مدينة كوباني بعد أن سيطر على الأطراف الجنوبية والشرقية لقمة جبل “مشته النور” المطل على المدينة، مشيرا إلى أن عناصره استهدفوا بالدبابات والمدفعية الثقيلة والهاون أحياء المدينة بعشرات القذائف.



يتحدث الجراح الفرنسي “جاك بيريس” عن “رعب” المجازر التي يتعرض لها الأكراد في شمال سوريا:

“الوضع يدفعني إلى الانهيار بصفتي طبيباً، لافتاً إلى جروح وحروق وشبان انتُزعت أعضاؤهم، وعن التدفق المتواصل للجرحى مع انعدام “كل ما هو ضروري” لتقديم العلاجات الضرورية”.

لقد أصبح 40 إلى 50 ألف نسمة في “السرقانية”، وهي مدينة تبعد بضعة كيلو مترات شرق مدينة كوباني، عالقون بين مقاتلي داعش من جهة، والحدود التركية المقفلة من جهة أخرى بجدار علوه 5 أمتار ومزوّداً بأسلاك شائكة.

فبعد مقاومة استمرت أسابيع دخل التنظيم المتطرف المدينة وسيطر بالكامل على 3 من أحيائها الشرقية، وأخلى مئات المدنيين المدينة بطلب من المسئولين العسكريين الأكراد. لقد وصلت المعارك إلى داخل مدينة عين العرب الكردية السورية إثر سيطرة مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية” على 3 أحياء في ناحيتها الشرقية بعد 3 أسابيع من المعارك أجبرت مئات الآلاف من السكان على النزوح خوفا من بطش التنظيم “الجهادي” المتطرف. فيما ذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن الجهاديين “سيطروا على أحياء المدينة الصناعية ومقتلة الجديدة وكاني عربان في شرق كوباني بعد معارك عنيفة بينهم وبين وحدات حماية الشعب الكردي”، الميليشيا الأقل تسليحا وتجهيزا، وذلك بعد ساعات فقط على دخول مقاتلي التنظيم المتطرف كوباني التي تعتبر ثالث أكبر مدينة كردية في سوريا.



ينبغي أن نرى ظاهرة “داعش” كجزء من اتجاهين واسعين داخل الإسلام السني من شأنهما أن يجعلا من “داعش” تهديداً أيديولوجياً طويل المدى، حتى لو تم كبح جماحه عسكرياً. فإنه يجب النظر إلى صعود “داعش” في سياق الشعور بالاغتراب لدى السنّة. هذا الشعور بالطرد وبالظلم يعرف بالعربية بـ “المظلومية”، وهو مفهوم مرتبط تاريخياً بالشيعة، لقد تصرف السنّة في هذا الجزء من المنطقة كأقلية مذعورة، يشعرون بعدم الأمان، محاصرين. أما الشيعة فهم أكثر حسماً، ثقةً وتنظيماً، وبدعم إيراني للميليشيات المسلحة بالعراق، ولحزب الله بلبنان، فإن الشيعة أكثر نشاطاً وصخباً من أي وقت مضى. ولأول مرة في التاريخ يعبر المقاتلون الشيعة الحدود للمشاركة في الجهاد، كما حدث في سوريا بحجة الدفاع عن المراقد الشيعية وإخوانهم العلويين، في المقابل يشعر السنة بأنهم مُهاجَمون من دون دفاع.

لقد بدأت فكرة القتال كالطريقة الوحيدة لتحصيل حقوقهم تكتسب جاذبية لديهم، وفي الوقت ذاته يُنظَر للقوى التقليدية السنية السياسية كانت أم الدينية، على أنها واقفة في صف الظالمين، فاقدة تماماً للمصداقية، صامتة.

من هذا الوضع اليائس تخرج داعش بإمكانية ملء الفراغ. يمكن استشفاف هذا الموقف من حقيقة أن إرهاب داعش لاقى رداً خافتاً من قبل رجال الدين والعلماء، وأن استيلاءها على المحافظات السنية في العراق قوبل باحتفالات واسعة. وأن هنالك قلق لدى بعض الحكومات في المنطقة من وجود متعاطفين مع داعش ضمن المنظمة الدينية. على سبيل المثال، ندد الملك عبد الله بن عبد العزيز مؤخراً بـالكسل والصمت من قبل العلماء المسلمين في مواجهة التطرف (يقصد داعش)، كان ذلك توبيخاً علنياً غير مسبوق لكبار العلماء، بثه التلفزيون الرسمي السعودي.

إن رأس التنظيم البغدادي، والذي أعلن نفسه خليفة لـ “الدولة الإسلامية”، انتقل بفكرة الخلافة من العوالم الساحرة والتنظير الممل والدعوات الفضفاضة إلى حيز التطبيق على أرضية الواقع وإلى الممارسة الفعلية، لقد تصاعدت قوة التنظيم بسببين رئيسيين:

أولهما إقصاء قوى الإسلام السياسي وتعثرها عقب الربيع العربي والذي أعاد الحياة للتنظيمات الراديكالية والجهادية في المنطقة. أما السبب الثاني فيكمن في وضع السُنة في العراق، هذا الوضع دفع السنة إلى أن يتحالفوا مع الشيطان في سبيل الخروج من جحيم المالكي وطائفيته، وهو ما أكسب “داعش” تعاطفا من قبل بعض الأماكن في الشارع العراقي بتوصيف “الدولة الإسلامية” والنظر إليها على كونها المخلص.


تناولنا في المقال السابق ظاهرة “داعش” ومدى ارتباطها بتلك الأحداث المتفجرة في العراق أو زيادة لهيب الحرب المستعرة بسوريا، فإعلان داعش الخلافة لم يكن كما أراده الخليفة الداعشي، وبعد نحو قرن من الزمن، أصبح للمسلمين خليفة لكنه لم يُحمل على محمل الجد. ما بال المسلمين لا يرحبون بخليفتهم الجديد؟!، وما بال غير المسلمين الكُثر لا يحفلون بفرض الجزية؟! وماذا لو تكاثر عدد الخلفاء، وقد سبق أن كان لأمة المسلمين في زمان ثلاثة خلفاء لكل منهم خطيب مسجد يرفع الصلوات باسم الخليفة؟!

لقد أصبحت “داعش” ظاهرة جديدة دخلت السجال العربي المُستجد، وباتت واحدة من عناوين حقبة أطلق عليها ذات يوم لقب الربيع العربي. لكن الخلافة الجديدة وُلدت متعثرة، فهي ليست بالدولة ولا بالخلافة لكن طبيعة الجزيرة العربية غيرت وصف “داعش” إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ربما تحضيراً بما يُعد له، فلم يخطب الناس في الجوامع باسم الخليفة ولم تُصك العملة باسمه بعد. لكن السؤال هو كيف يمكن أن نفهم الارتباط بين الخليفة البغدادي الجديد وممن قررت عائلته قبل سنوات بجمعه للقب الملك (الذي أسبغه عليه المُستعمر البريطاني) ولقب “خادم الحرمين” (الذي لم يسبغه عليه الحَرَمان)؟!

داعش والسعودية.. وهابية النمط الواحد
من أجل تقدير دقيق للخطورة المتمثلة في مشروع “داعش”، لابد من قراءة إجمالية للعقل السياسي السعودي. فالدولة السعودية الوهابية التي نشأت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي عقب تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود عام 1744 الذي أسس لدولة دينية تقوم على تقاسم السلطة بين الشيخ والأمير، أريد لها الانفراد بالتمثيل السياسي السني، بما يحول دون نشوء أي كيان آخر منافس داخل المجال الإسلامي العام.

ففي داخل المجال الديني الوهابي، خاض حُراس المذهب تحديات متعاقبة لإبقاء الدولة السعودية داخل نطاق تأثير التعاليم الوهابية التي وضعها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فيما جرت محاولات فردية أحياناً وجماعية أحياناً أخرى لإعادة “وهبنة” الدولة السعودية ولكن باءت المحاولات بالفشل.

أدت الهجمة الخاطفة لداعش في العراق، واستيلائها على مدينة الموصل وعدد من المدن الأخرى، وأخيرا إعلان الخلافة وتنصيب الخليفة، إلى ارتباك حسبان الكثير من دول المنطقة، فربما يكون “داعش” خرج عن السيطرة منذ عام، ومنذ ذلك الحين صار التنظيم يطرح الندية لا التبعية، والبغدادي الآن له استراتيجيته الخاصة، ويسعى فقط لمصلحته بالأساس وفقا لمبدأ تقاطع المصالح، أي أنه الآن صار عدوا مؤجلا للدول التي دعمته ومولته في مغامرته بسوريا.

لكن عقب التطورات السريعة بالعراق، أضحى الموقف السعودي الحالي يذكرنا بمأزق الأفغان العرب، مع اختلاف وتيرة وخطورة الأحداث، فالمجاهدين سابقا والإرهابيين لاحقا، على بعد 200 كيلو متر من الحدود السعودية، وليس كما كانوا قبل 3 عقود في جبال أفغانستان. فبعد استعمال السعودية للجهاديين في ثمانينيات القرن الماضي لمحاربة الاتحاد السوفيتي في إطار الحرب الباردة وبإيعاز ودعم وتوجيه أميركي، تبقت للسعودية ودول أخرى مشكلة هؤلاء العائدين من أفغانستان، فتحولت ضدهم بعد تشجيع ودعم وفتاوي دينية حضت على ذهابهم لمقاتلة الشيوعيين “الملحدين” في بادئ الأمر، وبانتهاء دورهم، ولعوامل عدة عصفت بالمنطقة منذ بداية التسعينات، أدارت السعودية ظهرها لهم، بل وجرمت أنشطتم داخل حدودها منذ حرب الخليج الثانية.

دأب النظام السعودي منذ التسعينيات على انتهاج ما يمكن تسميته بعقيدة أمنية تجاه الجهاديين، تقوم على عنصريين أساسيين، أولهم وأهمهم هو أن تكون هذه الجماعات خارج الحدود السعودية، ولا تضر بمصالح المملكة، العنصر الثاني هو توظيف هذه الجماعات سياسيا لتحقيق مصلحة السياسة الخارجية السعودية شريطة أن يتم دعم هذه الجماعات من خلال قنوات غير رسمية.

الشق الأول تم تنفيذه بشكل احتوائي طوال فترة التسعينات بقبضة أمنية حديدية، وبعد 11 سبتمبر قطعت السعودية بشكل ظاهري كل ما تبقى من خيوط مع التنظيمات المتطرفة وشددت قبضتها داخلياً حتى تبعد عنها شبهة دعم الإرهاب في هذه الفترة.

أما الشق الثاني فقد تم توظيفه بشكل نموذجي في الأزمة السورية، فدعمت السعودية تدفق الإرهابيين إلى سوريا من كل بقاع الأرض، وأمنت معسكرات التدريب والسلاح بشراكة دول إقليمية، ووفرت غطاء إعلامي وديني لهم. كان الفاعل الرئيسي والمشرف على هذا الانفتاح من الجانب السعودي الأمير بندر بن سلطان المعين حديثا وقتها كرئيس للاستخبارات (في 15 أبريل 2014 صدر أمر ملكي بإعفائه من منصبه بناء على طلبه كرئيس للاستخبارات السعودية)، والذي أوغل في دعمه للمسلحين على أمل أن يتم إسقاط نظام الأسد سريعا، لكن بعد عامين أتضح أن الأسد باقي (في ظل تحالفات دولية أكبر)، بل أن موقفه صار أقوى من بداية الأحداث بسوريا، وأن معظم الدعم والأسلحة من الجانب السعودي ورجال أعماله المليارديرات، وقعت في يد جهاديين منفلتين لا يلتزموا بأطر القيادة التي تطمئن لها السعودية مثل النُصرة أو الجيش الحر، ناهيك عن الاقتتال بين الأطراف هناك، وهو ما يعني فشل بندر في مهمته، بل امتد هذا الفشل إلى نشأة خطر محتمل جديد يسمى “داعش”.

حاولت القيادة السعودية أخذ احتياطها من تمدد التنظيم وانفلاته، فشرعت في إجراءات منذ بداية العام الحالي من شأنها ضبط قنوات الدعم ولملمة تلك الفوضى المبعثرة، فأصدرت قائمة بالتنظيمات الإرهابية المحظور تواجدها على أراضيها أو انضمام السعوديين لها بعقوبات تصل إلى الإعدام، ومنح فترة لمواطنيها المتورطين بالانضمام والقتال في صفوف “داعش” بالتوبة والعودة إلى المملكة، وغيرها من الإجراءات الاحتوائية والحمائية، لكن دون تجفيف منابع الدعم أو غلق قنوات التمويل مثل ما ذكر تقرير للخارجية الأمريكية منذ شهور حول التمويل الخليجي للتنظيمات الإرهابية.

جاء في بيان صادر عن مجلس الوزراء العراقي وفق وكالة “ا ف ب”، أنه لوحظ موقفا وحيدا مستغربا يصدر من مجلس الوزراء السعودي، “وأننا ندين بشدة هذا الموقف الذي نعتبره ليس فقط تدخلا في الشأن الداخلي، وإنما يدل على نوع من المهادنة للإرهاب”!

فمنذ اندلاع الأحداث الأخيرة، سعت السعودية إلى نفي ما يحدث في شمال وغرب العراق من صنع “داعش” وأن الواقع يصف الأحداث بانتفاضة سُنية ضد ظلم وقهر وطائفية حكومة المالكي، وأن العديد من الأطر السياسية والقبلية والعشائرية في العراق تشارك في هذا الحراك، وأن مساهمة داعش فيه لا تتعدى كماً وكيفاً أصابع اليد الواحدة من نسبة المسلحين والتواجد على الأرض والسيطرة على المدن. لقد أصبحت السعودية الآن أمام مأزق ثلاثي، فمن جهة لا تستطيع أن تستمر في ادعاء أن ما يحدث بالعراق انتفاضة، ولا تستطيع إنكار أن الدولة الإسلامية لها اليد العليا فيما حدث وسوف يحدث، ومن جهة ثانية إذا حاولت احتواء وعقد صفقات مع المارد الجهادي الجديد فسيتم وصمها أمريكيا بوصمة دعم الإرهاب خاصة في ظل تراكم الثلوج بينها وبين الإدارة الأمريكية مؤخراً، وأخيراً إذا بادرت هي بالصدام مع الدولة الإسلامية عن طريق وكلاء لها بالعراق يعني أن الدولة ستسرع بتوسيع مجالها ليشمل الأراضي السعودية نفسها.

يتحدث عبد الله المالكي في مقال “الوهابية وإخوان من طاع الله وداعش.. هل أعاد التاريخ نفسه؟” عن ظاهرة “داعش” وكيف تخلق الدولة التطرف بأيديها، ثم تحترق به:

“ففي حين كان الإخوان (إخوان من طاعة الله وهي عبارة عن مليشيات بدوية وهابية مُسلحة أنشأها الملك عبد العزيز بهدف دعم قيام الدولة السعودية ومحاربة أعدائها، ولكن سرعان ما انقلبت عليه)، يكفِّرون الدولة، بسبب اتصالها بالحكومة البريطانية، وعقد الاتفاقات معها، اتباعا منهم لتعاليم وهابية (العهد القديم) وتطبيقا لنصوصها القديمة في تكفير كلّ من تحالف مع العساكر التركية؛ نجد أن هؤلاء الإخوان أنفسهم، أجازوا لزعمائهم فيما بعد، التواصل مع الحكومة البريطانية، ومحاولة عقد الاتفاقات معها، واللجوء إليها، والاستجارة بها، عندما ضاقت عليهم الأرض، جراء الخسائر والهزائم المتتالية التي تعرضوا لها من عساكر الملك عبد العزيز. ولكي لا يبدون متناقضين أمام أتباعهم، كانوا يبررون لهم هذا السلوك السياسي، بأنهم مقتدون بالصحابة، حين هاجروا إلى الحبشة النصرانية، وتركوا عشيرتهم الكافرة. الأمر الذي دفع كبار علماء وهابية (العهد الجديد) إلى إصدار الفتوى بتكفير أولئك (الإخوان) بسبب اتصالهم بالحكومة البريطانية (الكافرة) ولجوئهم إليها؛ فــ “هؤلاء الذين ذكرهم السائل، وهم العجمان والدويش، ومن تبعهم، لا شكَّ في كفرهم وردتهم، لأنهم انحازوا إلى أعداء الله ورسوله، وطلبوا الدخول تحت ولايتهم، واستعانوا بهم، فجمعوا بين الخروج من ديار المسلمين، واللحوق بأعداء الملة والدين، وتكفيرهم لأهل الإسلام، واستحلال دمائهم وأموالهم.

صدرت هذه الفتوى، في الوقت الذي كان أولئك العلماء يجيزون للملك التواصل مع ذات الحكومة البريطانية (الكافرة)، “لأنه إمام المسلمين، والناظر إلى مصالحهم، ولابدّ له من التحفظ على رعاياه وولايته، من الدول الأجانب”.

إن كلا الوهابيتين وجهان لنمط واحد؛ نمط يدّعي بأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة الدينية بصفة مطلقة، وأنه الممثل الشرعي والوحيد للعقيدة الصحيحة، وأنه المرجع الوحيد في فهم السلوك القويم المؤدي للنجاة في الآخرة، وبالتالي يحق له إنتاج المعنى الديني وإدارته وتطبيقه وفرضه في الواقع دون الآخرين”.

لقد أصبح من الضروري لفت الانتباه الى أن عقيدة “داعش” لا تختلف عن عقيدة أي تنظيم سلفي جهادي، وعودة سريعة إلى المكتبة العقائدية المثبتة على المواقع الإلكترونية لتنظيم “داعش” سوف تنفر من الهوية العقائدية لدى التنظيم. إن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب مثل كتاب التوحيد وكشف الشبهات ونواقض الإسلام، وغيرها يجرى توزيعها في المناطق الخاضعة لسيطرة “داعش”، ويتم تدريسها وشرحها في الدروس الدينية الخاصة التي يعقدها الجهاز التربوي في التنظيم، علاوة على ذلك، من يقرأ سيرة أفراد الطبقة القيادية في تنظيم دولة العراق الإسلامية سوف يجد وبسهولة متناهية أن هؤلاء تشرّبوا العقيدة الوهابية وأتقنوا العمل بكل تفاصيلها، بل يتعمَّد كتّاب سيرهم التشديد على عبارة “يسير على منهج السلف”، أي يعتنق المذهب الحنبلي الوهابي.

لم يختلف بن لادن مع آل سعود إلا في شأن السياسة الخارجية، ولا يختلف البغدادي مع آل سعود إلا على السياسة الخارجية، فلم يكن تسرب وانتشار العقيدة الوهابية حدثاً عفوياً أو صحوة متأخرة لأفكار محمد بن عبد الوهاب، إن اجتماع المال النفطي مع العقيدة الوهابية هو الذي روج للفكر والممارسة المتطرفة، لكن حتى بلاد العم “سام” ليست بمنأى عن ذلك، فواشنطن والغرب عمدوا إلى عون آل سعود والتغاضي عن تلك الممارسات الطائفية والقمع المزدوج باسم الدين والحق الإلهي المُمارس بحق الشعب السعودي، فلم تمنع التطرف ولا حتى محاولة تصديره للخارج. على سبيل المثال لم يعترض أحد في الغرب على وحشية من يسموا بالمجاهدين عندما قطعوا عضو محمد نجيب الله (رابع رئيس للجمهورية الأفغانية والذي أعدمته قوات طالبان شنقاً في 27 سبتمبر 1996 بکابول) وخصيتيه بحد السيف بعد أن علقوه على عامود كهرباء، لقد أصبحت ذائقة الغرب ضد الوحشية انتقائية مثل كل سياساته، والذين تساءلوا عن سبب إطلاق سراح شاكر العبسي (زعيم مجموعة فتح الإسلام المتورطة في خوض مواجهات مسلحة مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في طرابلس منذ 20 مايو 2007) من السجون السورية لا يتساءلون عن سبب إطلاق سراح أبي بكر البغدادي من سجون الاحتلال الأميركي في العراق!

أحياناً كثيرة تتطور الأفكار لتطرح تلك التساؤلات الهامة عن سبب عدم خروج المسلمين في مسيرات احتجاجية ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وما يقوم به من أعمال تشمئز لها النفوس، رغم اعتبار الكثيرين أن التنظيم المتشدد الذي تحركت دول غربية وعربية في الآونة الأخيرة لدحره، يشوه صورة الإسلام الحقيقي، إلا أن ما من مظاهرات شعبية خرجت للتنديد بداعش على غرار الاحتجاجات التي نظمت عقب نشر رسوم كاريكاتير مسيئة للنبي محمد أو فيلم “براءة المسلمين” المسيء، أو حملة حرق القرآن التي نظمها القس الأميركي تيري جونز. لقد تعقدت المسائل بالفعل. وذبحك يا عزيزي إن لم يكن بأيدي “داعش” سيصبح غداً بسبب “داعش” أيضا، لكن هذه المرة برعاية دولية وعربية في كثيراً منها، وتحت مظلة الحرب على الإرهاب!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في أصل المسألة السودانية «قرفنا».. «أبينا».. الثورة مستمرة


المزيد.....




- مسيحيون مغاربة يطالبون بحرية المعتقد
- اغتيالات رجال الدين في اليمن مستمرة
- يقودها مسلمون.. مبادرة لترميم كنائس دنسها داعش في الموصل
- المصارف الإسلامية .. نشأتها و طبيعتها – محمود ال جمعة المياح ...
- إسرائيل تريد قبور يهود كييف
- ‎أبو الفتوح يطلب دعم الإخوان لخوض انتخابات الرئاسة
- -يدا بيد- فلسطينيون ويهود يتشاركون صفوف الدراسة في القدس
- مشروع جديد يهدف لزرع الثقة بين اليهود والمسلمين في مالمو
- مرصد الإفتاء يحذر من تصاعد الهجمات الإرهابية بأفغانستان
- قائمة الخمسين.. -تأميم- الفتوى بالفضائيات المصرية


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي يسري - داعش من الوهم إلى اليقين