أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح: مناهضة ومنع قتل النساء بذريعة جرائم الشرف - هشام سليني - أية حرقت حية ! فلنثر على من قتلها ! : عقلية تمييز وتسلّط مجتمعي رجعية ذكورية، تغذيها وتسندها مضامين الإسلام















المزيد.....



أية حرقت حية ! فلنثر على من قتلها ! : عقلية تمييز وتسلّط مجتمعي رجعية ذكورية، تغذيها وتسندها مضامين الإسلام


هشام سليني

الحوار المتمدن-العدد: 4486 - 2014 / 6 / 18 - 08:37
المحور: ملف مفتوح: مناهضة ومنع قتل النساء بذريعة جرائم الشرف
    


ماتت أية، بنت الثالثة عشر ربيعا، أحرقت حية بيد أبيها، بعد أن أهينت وسُحبت على الطريق وإمتهنت كرامتها ومسحت بها الأرض، وبعد أن ذرفت سيلا من دموع القهر والخوف ! وبكت توسلا لأبيها حتى يرحمها، بكت وإستعطفت وترجت والدها أن يرحمها، غير أن قلبه لم يرق لدموعها وتوسلاتها، قلبه لم يعطف ولم يرأف على فلذة كبده وهو يسكب عليها الوقود ويضرم فيها النار ! حية تشتعل أمامه وتصرخ ! والنار تأكل جسمها وهي تنتفظ ككومة من اللهب يكسو جسدها ورائحة الشواء تنبعث منها ! وصراخها الرهيب المروّع يختنق شيئا فشيئا ! يحترق ! ويتحوّل إلى أنين، ثم يخبو صوتها وتسكن حركتها والنار تأكل من لحمها، أمام أبيها ! أمام أبيها !!! لماذا ؟؟؟ لماذا !!! أي ذنب قد يبرر جزاءا كهذا ؟؟؟ وأي فعل قد يقتل إنسانية أب وعاطفة الأبوة داخله ويميت ضميره وقلبه وإحساسه !!! هل أن مرافقتها لزميلها على طريق المدرسة ذنب ؟؟؟ ويستحق الموت حرقا ؟؟؟ لماذا ؟؟؟
لأنها إمرأة... أحرقت حية لأنها إمرأة... جرّت من شعرها لأنها إمرأة... أهينت وإمتهنت لأنها إمرأة... سلبت حريّتها لأنها إمرأة... إستعبدت وأخضعت لجبال من القوانين المجتمعية والأعراف والتقاليد البالية وتسلّط عليها الأب والأخ والأم الخاضعة بدورها، لأنها إمرأة... إحتقرت لأنها إمرأة... فقط لأنها أنثى... لأنها في العرف المقدس نصف إنسان !!! وليست هي الضحية الأولى، ولن تكون الأخيرة، طالما حكمت مجتمعاتنا عقلية التفوّق والتسلّط الذكوري ومفاهيم الشرف الذي لا يتعلّق بأخلاقيات التعامل بين الناس وإنما بجسد المرأة، والعفة والعورة والسترة والحرمة و و و وسائر الأحكام التمييزية الجائرة الظالمة، المصبوغة بقداسة مصدرها، والعصية على النقد والتشكيك والمحاكمة
...
في كل أرجاء الأرض تعاني المرأة من العنف ومن التمييز ومن الظلم ومن العقلية الذكورية السائدة بدرجات عمق وانتشار متفاوتة من مجتمع لأخر... حتى في المجتمعات المتحضرة، ولا أقول المتقدمة، لا تزال المرأة تعاني من العنف الممارس ضدها، غير أن الظاهرة في المجتمعات المتحضّرة تكاد تنحصر في الممارسات الإجرامية التي تمثل خرقا للقيم المتأصلة في تلك المجتمعات ولأسسها الأخلاقية وللقواعد المبدئية التي تسير عليها (حالات تحرش جنسي، إغتصاب، عنف زوجي...)، فرغم منسوب الوعي والتحضّر الذي بلغته تلك المجتمعات، إلا أنها تعاني من وجود الكثير من الحالات المرضية والحالات الفردية الشاذة المارقة التي لا تعكس درجة الوعي العام والرقي الحضاري وقواعد السلوك السائدة والعقلية المتحضرة، وبالتالي فإنّ ما تحتاجه تلك المجتمعات في إعتقادي، هو مزيد من التطوير للمنظومة القانونية الزجرية والردعية، وأساليب الوقاية والمعالجة السريعة، من أجل القضاء على ظاهرة العنف المسلط على النساء أو الحد منها... إلا أن الأمر يختلف تماما في مجتمعنا، عن المجتمعات المتحضرة، فالعنف المسلط على النساء لدينا لا يمارسه فقط أفراد مارقون أو مرضى نفسيّون، إنما يمارسه المجتمع بأسره، ويكرسه نظام مجتمعي تمييزيّ بالٍ، لا يقوم على مبدأ تكريس العدالة وإحقاق الحق وإنما يقوم على تكريس واقع الهيمنة الذكورية والسلطة الذكورية والتفوّق الذكوري... في مجتمعنا المتخلف، لا تتمثل ظاهرة العنف ضد المرأة في ممارسات خارقة لقيم المجتمع، مارقة عن قوانينه ونواميسه، وإنما هو في الغالب عنف تشرعنه القوانين المجتمعية، وجملة الأعراف والتقاليد المتوارثة والمفاهيم الرثة التي يتأسس عليها أو يعكسها النظام المجتمعي الذكوري
كثيرا ما إنتقدنا عقلية التفوّق الذكوري في المجتمع، وإنتقدنا المفاهيم التي تنتجها أو تقوم عليها والقوانين المجتمعية التي تكرسها وتثقّل جميعها على كاهل المرأة، ولكن لتلك العقلية ولتلك المفاهيم ما يغذيها وما يمدها بقوة البقاء والإستمرار والنفوذ، وما يغذيها هو في الواقع وفي الأصل منتجها... فكيف لا يشتد التمييز ضد المرأة ونحن نخضع لمسلّمات مقدسة من رحم الإسلام، تكرس الدونيّة والتمييز ضد المرأة والعنف ضدها والتحقير من ذاتها الإنسانية وتكرس وتغذي وتقوي النظرة الرجعية السائدة في المجتمع ومجمل قوانينه الجائرة في حق المرأة : ناقصات عقلا ودينا ! شهادة الرجل تعادل شهادة إمرأتين ! نصيب الأخ من ميراث أبيه أو أمه يعادل نصيب أختيه مجتمعتين ! المرأة خلقت من ضلع الرجل ! المرأة أخرجت أدم من الجنة ! الرجال قوامون على النساء ! فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ! فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ! نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم انّا شئتم !

وغير ذلك الكثير من الأحكام التمييزية في حق المرأة، التي تصنفها كنصف إنسان، وتكرس التفوق الذكوري والسيطرة الذكورية وتشرعن العنف ضد المرأة وضربها وإخضاعها بالقوة لسلطة الرجل وتكرس نظرة دونية للمرأة بإعتبارها كائنا ناقصا محتقرا في ذمته (الشهادة...) وفي حقوقه الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية
إضافة ذلك، نجد أن النظرة للمرأة في الإسلام نظرة جسدية بحتة ! فإن مجمل ما يتعلق بالمرأة وما يتصل بسائر الأحكام الواردة في شأنها في الإسلام، كتابا أو سنة، كله يقوم على الجسد، سواءا ما تعلّق بإعتبارها ناقصة عقلا ودينا، أو ما يتعلق بضعف بنيتها الجسدية وما يقوم على ذلك من إعتبارات التفوق والتسلط الذكوري بمنطق القوة البدائية أو في تحديد دورها كحاضنة لبنيها وخادمة لزوجها ومَفرغة لشهواته ونزواته... علاوة على ذلك، فإن لفظ النكاح في الإسلام يستخدم للدلالة على الزواج وهو ذات اللفظ الذي يعني الجماع، أي إتيان المرأة جنسيا، وهذا التطابق اللفضي في النصوص الإسلامية بين مفهومي الزواج والجنس، يدل على النظرة الجنسية الغالبة للزواج في الإسلام ويتكامل مع النظرة الجسدية الغالبة للمرأة...
كذلك فإن مجمل النصوص التي تخاطب في مجملها الذكور، تصوّر النساء كأدوات مسلوبة الإرادة يتصرف فيها الذكور من الأباء والإخوة والأزواج والأسياد (من ملكت أيمانهم) وفق ما أقر لهم من تفويضات مختلفة، وحتى في صيغ الإستدراك التي تضفي في ظاهرها شيئا من إعتبارات العدالة، فهي ليست من العدالة في شيء، حيث تكيل الأمر غالبه لتقدير الرجل ولإرادته ولا تعفي المرأة من التمييز والدونية والإحتقار والإمتهان لذاتها وإنسانيتها والظلم والعبودية...
فللرجل أن يتخذ من النساء ما شاء وما طاب له، أربعة من الزوجات إضافة لما ملكت يمينه من الجواري العبدات المملوكات كأي غرض من أغراض المنزل، وحيث لا نرى في هذه الصورة ما يقيم إعتبارا لذات المرأة التي لا يزيد قدرها عن مجرد رقم أو عدد ! فأي ذات إنسانية لها مقابل الرجل ؟؟؟ وأي معنى لكلمة إنسان !!! فلمن يملك أربعة زوجات دون الجواري، نجد إمراة لربع رجل ! ولمن يملك مع الزوجات ستة جواري، نجد إمرأة لعشر رجل ! وأدنى من ذلك كلما إزداد ثراء الرجل وكثرت جواريه... وحيث يستدرك النص ليربط تعدد الزوجات بإعتبار العدالة بينهن (الزوجات يعني الحرّات، دون إقامة وزن أو قيمة إنسانية أو إعتبار للعدالة الإنسانية ولو كان بسيطا للجواري العبدات المشتريات بالمال أو السبايا، وكأنهن من صنف البهائم ولسن من البشر !!!) ، فإن النص يترك ذاك الإعتبار لتقدير الرجل، ما يجعل الأمر راجع لتقديره فقط، (وان خفتم الا تعدلوا فواحدة) دون أي إشارة للمرأة بشكل مباشر أو غير مباشر (أداة مسلوبة الإرادة)، وبالتالي فإن إعتبار العدالة ذاك ليس من العدالة في شيء... ولو أن النص يستدرك ثانية فيعلن : ولن تعدلوا ! فإن ذلك التأكيد لا ينجر عنه أي نهي صريح للرجل عن ما هو مباح وغير عادل بصريح النص !
ومن الجدير بالذكر والملاحظة والإستغراب، أن الإسلام يتدخل في أدق الدقائق وتفاصيل حياتنا، حتى في كيفية شرب الماء واللبن وكيفية النوم والمشي واللباس والهيئة ودخول الأماكن بأي قدم والتحية والجلوس والقيام (وما لا تجده في القرآن تجده في السنة)، بما يشكل تناقضا مع الغاية والفائدة من وجود العقل (فما الفائدة من منح الإنسان عقلا مفكرا مادام يحدد له كيف يتنفس وكيف يفتح عينه ويغمضها ؟؟؟)، ولكن رغم ذلك، لا يوجد في الإسلام مطلقا، مطلقا، أي إدانة أو تجريم أو حكم للإغتصاب !!! أبدا لا يوجد !!! مع ما تمثله هذه الجريمة النكراء من وحشية رهيبة وأضرار جسدية ونفسية خطيرة على الضحية !!! ولا يشير الإسلام سوى للزنا، بإعتباره جريمة تعاقب بالويل والثبور في الدنيا والآخرة، وهو ممارسة الجنس خارج إطار الزواج مع "النساء الحرّات" بإرادة مشتركة بين الطرفين (الجواري لا إعتبار لهن ولا أهمية لموضوع الزواج، جواري=بهائم في صورة أدمية)، فإن الإغتصاب وفقا لهذا المعنى لا شيء يقابله في الإسلام سوى حكم الزنا وإعتبارات الزنا، وبالتالي المساواة في الحكم بين الجاني والضحية... بل أكثر من ذلك، فإن ضحية الإغتصاب في المجتمعات الإسلامية تُحمّل غالبية الوزر ولا يتحمل الجاني مقارنة بها شيئا يذكر !!!
أضف لذلك أن تحريم ممارسة الحب خارج نطاق الزواج (ممارسة النكاح حسب التعبير الإسلامي- الزنا)، الغاية منه أو مقصده منع إختلاط الأنساب، حيث لا يعود معلوما من أب من ومن أخ من، هذا المقصد قد إنتفى والفائدة منه ما عادت موجودة، إذ أنه في عصرنا الحالي يمكّن التحليل الجيني من معرفة نسب الطفل وهوية والديه، حتى ولو أنكر أحدهما نسبته إليه، وبالتالي ما كان في الماضي غامضا، قد هزمه التطور العلمي... كما أنّ تعدد وسائل الوقاية يمنع إنتقال العدوى في الأمراض الجنسية وكذلك تمكّن التحاليل الطبية من إكتشاف أية أمراض موجودة بشكل مسبق... أصبح الوقاية موجودة وهي مطلوبة أيضا حتى في ظل الزواج...
كما أن هناك عديد المفاهيم السائدة والتي تُنسب للإسلام بإعتباره مرجع لها، أو هكذا يعتقد العامة، ما يبيّن أن الخرافة قد طغت حتى على النصوص والمضامين المثبتة في الإسلام، حيث ما عاد الناس يفرقون بين ما هو أصيل وماهو دخيل، ماهو إسلامي المصدر وماهو خرافة منسوبة إلى الإسلام، وأغلب ماهو متداول منذ زمن طويل من الخرافات، يعتقد العامة أن مصدره الإسلام، ومن بين تلك الخرافات، القصة المتداولة عن إخراج حواء لآدام من الجنة، هي قصة خيالية أسطورية من صنع الخيال الإنساني، وهي تذكرني بأسطورة ملحمة جلجامش وغيرها من الأساطير القديمة... هذه القصة محض خرافة ولا أساس لها حتى في الإسلام، وقد نسبت إلى الإسلام وبنيت عليها مفاهيم رجعية تمييزية في حق المرأة وأحكام ظالمة يتم تعميمها على جميع النساء، حيث يُستند إلى هذه القصة المزعومة غالبا بوعي أو من دونه لتبرير الإفتراء على النساء والٌقول أو الإدعاء المغرض بأنهن سبب كل بلاء يحل بالرجل ووراء كل شر يحصل له !!! وقد وردت قصة خروج أدم وحواء من الجنة في سبع مواضع في القرآن (في سور البقرة، والأعراف، والحِجر، والإسراء، وطه، والكهف، وص) : إطلعت عليها جميعها ولم أجد ما يشير مطلقا لتسبب حواء ولو بكيفية غير مباشرة في إخراج أدم من الجنة، بل على العكس من ذلك، جاء في سورة "طه" ما يمكن تفسيره بأن أدم قد يكون هو من غرر بها أو دفعها معه في الخطأ، وتسبب في خروجهما من الجنة، وهذا ما جاء في سورة طه عن قصة الخلق والخطيئة والخروج من
الجنة :
ولقد عهدنا إلى أدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا لآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا أدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى أدم ربه فغوى * ثم إجتباه فتاب عليه وهدى" سورة طه 115-122

ويظهر من هذه الآية أن الشيطان قد وسوس لأدم وتوجه له بالغواية والتضليل، وادعاء النصح والإرشاد لما هو خير له : " فوسوس إليه الشيطان قال يا أدم"، وقد يعني هذا أن أدم بعد إغتوائه أشرك معه زوجته في الخطأ... وهو ما يقلب فرضية إغواء حواء لأدم رأسا على عقب، ويعكس مسؤولية الخروج من الجنة لتكون المسؤولية في ذمة الرجل، لا المرأة
...

وحيث تمثل قصة الخلق للبعض برهان تفوّق للرجل وحجّة تملّك للمرأة، أو هكذا تأثر قصة الخلق في العقليات المتخلّفة، كون حواء خلقت من ضلع آدم، يستنتجون منها المعاني السلبية، ويضيفون لمزيد التحقير من شأن المرأة : من ضلعه الأعوج ! حتى يصمون المرأة بالعوج، وتراهم عن وعي أو بدونه يفترون حتى على ربهم وعلى دينهم بتوظيفات ساذجة هابطة لا تليق بأن تسند لذات إلاهية يعتقدون هم نفسهم في حكمتها المطلقة ! لتزيد القصة في تعميق تصورهم المتخلف ومرض الذكورية الذي يعاني منه المجتمع، غير أن لقصة الخلق تفسيرا حكيما غاية في المنطقية وعميقا في بعده الإنساني، وأجدني ميّالا لهذا التفسير، حيث أننا إزاء عدالة إلاهية يفترض أن تتجسد، وأن تنعكس في حكمتها على سائر البشر دون تمييز أو إستثناء... يبيّن ذاك التفسير الأبعاد الرمزية لخلق حواء بتلك الكيفية، فيقول أن حواء خلقت من ضلع أدم وهو نائم، ولم يخلقها وهو مستيقظ، حيث يُقال إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً و حباً، فلو خٌلقت حواء من آدم و هو مستيقظ لشعر بألم خروجها من ضلعه، و كرهها، لكنها خُلقت منه و هو نائم .. حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها، بينما المرأة تلد و هي مستيقظة ، و ترى الموت أمامها ، لكنها تزداد عاطفة، و تحب مولودها ؟؟ بل تفديه بحياتها... لم يخلقها من إحدى سيقانه، حتى لا تكون جارية تحت قدميه وأقل منه شأنا، ولم يخلقها من رأسه حتى لا تعلوا عليه وتتفوّق وتتسلّط، بل خلقها من إحدى ضلوعه التي هي وسط جسده، لكي تكون له كفئا وندّا... وعن خلقها من الضلع الأعوج، فهو الضلع الذي يحمي القلب، لأن الله خلقها لتحمي القلب ومن خصائص حواء التي أوكلت لها، هي حماية القلوب، وكذلك خلقت من الضلع التي تحت القلب، حتى يحبها آدم... هذا التفسير الأكثر تناسبا مع ما يفترض أن تكون عليه الطبيعة الإلاهية من حكمة وعدالة، ولكن العامة لا يميلون للمنطقيات وللبحث في التفسيرات المثلى، إنما يميلون للتفسير بسذاجة وسطحية وبما يتفق مع هواهم ونزعتهم المرضية المتأتية من العقلية الرجعية المتفشّية فيهم... وكذلك نلاحظ أن النظرة الدونية والجسدية والجنسية للمرأة والتسلط عليها وإستعبادها وممارسة العنف ضدها وكل ذاك الذي تغذيه أساس معطيات ومفاهيم وأحكام متأتية من الدين أو منسوبة للدين، سواء بتأويل صحيح أو خاطئ، فهي لا تتعلق بإلتزام ديني عام أو بالخضوع لأحكام الحلال والحرام، وإنما تأخذ تلك المضامين الدينية أو شبه الدينية بكيفية "إنتقائية" توظف أساسا خدمة لتأكيد دونية المرأة وخضوعها وتفوّق الرجل وسلطته، إلخ... ففي حين أن ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج "الزنا" حرام في الدين الإسلامي، فإن ممارسة الرجل للجنس خارج نطاق الزواج في مجتمعنا لا يمثل عيبا، بل هو للكثيرين مدعات للتفاخر والثناء وأمر عادي لغالبية البقية الباقية، ولا حرج على الرجل إن نام مع إحداهن سواء بالمال أو بدونه، حيث يغيب تماما في هذا السياق وفي علاقة بالرجل مفهوم الحرام وغالبا لا يلام به... أما لو نامت المرأة مع حبيبها دون زواج، وإنكشفت فعلتها، فالويل والثبور وعظائم الأمور، تكون مدانة وكأنما إرتكبت أفضع جرم ! وتوصف بأبشع وأقذر النعوت، وتنكرها العائلة وتتبرأ منها وتقسوا عليها وكذلك يقسوا المجتمع، كما يمكن ان تنال عقابا يصل حتى القتل على يد أقرب الأقربين من عائلتها في أحيان كثيرة... وحتى دون أن تصل فعلتها إلى الممارسة الجنسية، فإن مجرد مصاحبة ذكر أو حتى مرافقة زميل في طريق العودة من المدرسة سبب كاف لأن تقتل الفتاة شر قتلة وبوحشية منقطعة النظير في بلادنا، وعلى يد أقرب الناس إليها

إن المحرك الأساسي لهذه التصرفات ليس دافعا دينيا مباشرا، فقد ضعف تأثير الوازع الديني على الناس، رغم أنه كان مصدر تغذية أساسي لعقلية ذكورية رجعية متسلطة تمييزية، بعناصر التكوين الأولية والخام الفكري لكل المفاهيم التمييزية السائدة والأعراف المجتمعية المسيطرة، والتي صارت أقوى نفوذا وأعظم تأثيرا من الدين نفسه، ويبقى الإسلام يخدم كسند تبرير لتلك الأعراف والأحكام والمفاهيم المجتمعية الظالمة...
إنهم يسرقون، وينهبون، وينافقون، ويتحرشون بالنساء، ويأكلون مال الغير عنوة، ويكذبون، ويرتكبون أقذر الأفعال الغير شريفة، ويتبعون في تعاملاتهم أساليب مخلة بالشرف، ولكنهم لا يرون في ذلك مساسا أو إنتقاصا من شرفهم يستدعي إنتفاضة منهم أو رد فعل ما، ولا يهتمون لكون كل تلك الأفعال حرام في الدين، فهم لا يرون الشرف ولا يعرفونه سوى في جسد المرأة، وخاصة بين أفخاذها، هناك يقبع شرفهم، في مخرج البول، حيث تتبول المرأة كل يوم على شرفهم التافه المريض... هنا في مجتمعنا الجاهل المتخلف، يسرق الرجل ولا يألمه شرفه، ويسرق إبنه، فيوكل له محاميا ويدافع عنه، ولا يألمه شرفه، وليس الإنسان الشريف لدينا من يتعامل بشرف مع الناس، أي بأمانة وصدق ونزاهة وعدالة، ويتوخى القيم الأخلاقية في تعاملاته، وإنما شرف الرجل هنا في جسد غيره من البشر، وليس متعلقا به هو وبذاته وأفعاله... وحتى إن وجد نظريا لدينا مفهوم الشرف الكوني الإنساني، فلا يقام له وزن أو إعتبار، مقارنة بالإعتبارات المتعلقة بأجساد النساء من أقربائهم... أقسم أن سماكة عقل هذا المجتمع الغبي المريض تماثل مقدار سماكة غشاء البكارة لدى المرأة، أو هي دون ذلك، ولا تزيد عن ذلك في كل الأحوال !
وليس مستغربا أن يعمد أحد أعتى عتاة التشدد والتزمت والتطرف والتخلف والرجعية، من ذوي اللحى والأقمصة البدائية، أو حتى والد الفتاة الذي أحرقها حية، إلى تقبيل أرجل بائعة هوى في خلوة وبين الجدران والأبواب المغلقة، وأن يخر ساجدا تحت قدميها، وهو في العلن يذكرها بالسوء بين الناس ويسبها ويلعنها بأشد اللعنات وأذلها وأحقرها، ويحرق إبنته حية لأنها رافقت زميلها في طريق العودة من المدرسة
إن مجمل المضامين الدينية التي تحقر من شأن المرأة أو تخضعها للتسلط أو تكرس تمييزا تجاهها، تماثل أو تعادل في وطأتها جملة من الأحكام المستهجنة في حاضرنا من قبل السواد الأعظم في مجتمعنا، فإن غالبية من أعرفهم على الأقل (ولا أقول جميعهم) يستهجنون قطع الأيادي وتقطيع أطراف الإنسان حيا من خلاف، وإتخاذ الجواري والعبيد والغلمان، ولقد أثارت تصريحات لبعض النواب أو السياسيين المنتسبين لمرجعية إسلامية، سخط وإستهجان عامة الناس، ووصفوا تصريحاته بالوحشية والدموية، رغم أنه كان ينطق بما هو موجود فعلا في الإسلام، الذي يدين به كل من سخط وإستهجن ورفض تلك التصريحات وما جاء فيها من صور وحشية لا يقبلها اليوم الضمير الإنساني، فمن الواضح إذن أن الإسلام لم يكن يخاطب الإنسان في كل الأزمان والعصور، ولا ينكر فقهاء الإسلام مسألة ضرفية التنزيل ومراعات الضرفية الزمانية والمكانية في التنزيل أو في مضمون وجوهر ما أنزل من أحكام وأوامر ونواهي، فقد راعى الإسلام طبيعة المجتمع المتلقي، وعقليته وعاداته وتفكيره، مجتمع قبلي صحراوي جاهلي دموي عنيف همجي شديد التعطش للجنس وللنساء... وفي شأن النساء تحديدا، فقد كان العرب في الجزيرة العربية متعودون على إتخاذ النساء دون قيود أو عدد محدد، يتزوجون الكثير من النساء، بعضهم قد يتزوج عشرة نساء يجمع بينهن في وقت واحد، وبعضهم أكثر من ذلك، علاوة على الجواري اللاتي يشترونهن بالمال وهن ملك اليمين، لا رأي لهن ولا حقوق، وهن مجرد ملكية لمن إشتراهن يفعل بهن ما يريد ويأتيهن متى يريد وكيفما يريد، زد على ذلك سبايا الحروب والغزوات على القبائل المنافسة أو على القوافل العابرة، حيث تغتصب السبيّة قسرا حتى لو كانت في الأصل أميرة أو نبيلة، ولا يعد إغتصابها جرما، بل حق مستحق لمن سباها، وهي ملك له... فكان من المستحيل أن يتقبل هؤلاء إسلاما يكافئ بين الرجل والمرأة، ويقيّدهم بإمراة واحد مكافئة لهم في الحقوق والواجبات، لن يقبل من يتمتع بمئات النساء أن يقيّد بواحدة فقط، ولذلك فقد خفّظ الإسلام عدد الزوجات لأربعة وأبقي على ملك اليمين من الجواري والسبايا، تماشيا مع عقلية تلك المجتمعات الصحراوية البدائية وطبائعهم القاسية الجافة... وحيث أنها مجتمعات مجبولة على القتال والغزو، وقتالهم بالسيوف والمعدات الحادة، فهم متعودون على قطع الرؤوس والأوصال وتقطيع الإنسان إربا إربا دون أن يرف لهم جفن أو أن يظهر لهم ذلك أمر وحشيا رهيبا، وقد كان تقطيع أوصال الإنسان حيا أو تجزئته حيا إلى أجزاء من الوسائل المتبعة مع الأسرى والعبيد الخارجين عن طاعة أسيادهم، حيث كانت تربط أقدامهم وأرجلهم إلى الجمال (جمع جمل) ثم تهمز الجمال فتنطلق فترى الرجل وقد صاح صيحة واحدة واستحال إشلاءا ممزقة، وقد يضحك الناظرون على ذلك المنظر إذا مروا به أو إجتمعوا لمشاهدته... وهو ما يأكد أن في أجزاء كثيرة منه، يخاطب الإسلام حصرا تلك المجتمعات الدموية البدائية، ولم تشكل أحكامه في تقطيع الأوصال مبعث إستغراب لديهم، وإنما هي أمور عادية عندهم، فإن الإسلام يعبر في أجزاء كثيرة منه عن ثقافة تلك المجتمعات وعقليتها ونمط حياتها وتفكيرها وتصرفاتها وعاداتها وأعرافها التي كانت سائدة قبل مجيئ الإسلام وجاء الإسلام متماهيا مع البيئة التي ولد فيها.... فإن الإسلام لم يأسس لمفاهيم مثالية تحقق العدالة بين البشر، وإنما جاء فقط فحسّن نسبيا فيما هو سائد من المظاهر والسلوكات والعادات، إلخ... تحسين نسبي لا يكرس عدالة وإنما يحافظ على واقع عدالة مختل معدلا بعض الشيء في ميزان إختلاله، ويضل مع ذلك مختلا، ومختلا كثيرا مقارنة مع ما تستوجبه العدالة الفعلية... ففي موضوع الإرث مثلا، كان الإسلام يراعي أسلوب تفكير تلك المجتمعات وأيضا ما يتكرس فيها ويظهر في الإسلام من ضعف المرأة وإحتقارها، حيث لا تقبل العائلات أن يذهب ميراثها إلى الزوج الغريب، بإعتبار أن المرأة لا شخصية لها مع زوجها، وما حققه الإسلام يعتبر تطورا إبجابيا نسبيا، حيث ضمن للمرأة شيئا من ميراث أبيها أو أمها، ولكنه لم يحقق العدالة الكاملة والمساواة بينها وبين أخيها، واليوم وقد إكتسبت المرأة شخصية مستقلة بنضالها وإستقلالية مالية، وتغير الضرف الذي نزل فيه االنص، فبأي حق وبأي تبرير يضل هذا الحيف ! كيف يكون للمرأة نصف ما يأخذه أخيها من رزق أبويهما المشتركين !!!
في العصر الذي ولد فيه الإسلام وفي تلك المجتمعات الصحراوية البدائية ذات الطباع القاسية، كان الأباء يئدون بناتهم حديثات الولادة، يفتك الأب رضيعته من أمها ويأخذها للصحراء ويطمرها بالتراب، لأنه يرا فيها عارا وخزيا يلحقه وتهديدا لشرفه، فيئدها من دون رحمة، واليوم بعد ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام من مجيئ الإسلام، أب يحرق إبنته حية، ويشاهدها أمامه والنار تلتهمها، فقط لأنها رافقت زميلا في طريق المدرسة ! فمالذي تغيّر ؟؟؟ صحيح أن الإسلام قد إستنكر وئد البنات الرضيعات، ولكنه حافظ على المفاهيم والأعراف التمييزية الذكورية المريضة، التي كانت العامل المحفز لجريمة وئد البنات على يد أبائهن... يقول النص الإسلامي : "وإذا الموئودة سئلت، بأي ذنب قتلت..." ونقول : وإذا السبيّة سئلت، بأي ذنب إغتصبت ؟؟؟
فإن الإسلام لم يلغي العبودية، وإنما حسّن في شروط وضروف العبودية، والإسلام لم يحرر المرأة، ولم يساوها بالرجل، بل حافظ على ذات النظرة الدونية للمرأة في البيئة التي ولد في الإسلام، وحافظ على وضعها المتدني محسّنا نسبيا أيضا في شروط إستعبادها، سواء إستعبادها كزوجة، أو كإبنة أو كأخت، أو كجارية أو كسبية... والإسلام لم يكرس حقوق وكرامة الإنسان، بل حافظ على ذات الإنتهاكات لحقوق الإنسان ولحرمته الجسدية: الرجم، الجلد بالسياط، قطع اليد، تقطيع الأطراف من خلاف، تكفير الناس وإستباحة دماء الكفار وأموالهم ونسائهم، إلخ
...
وأقتبس مثالا أسقطه على تلك الأحكام الإسلامية، المثال عن قصة جون فالجون، التي وردت في كتاب البؤساء لفكتور هيجو، وهي تصور الظلم الذي كان سائدا في فرنسا في عصور سابقة، حيث حكم على جون فالجون بالسجن تسعة عشر عاما، لأنه سرق رغيف خبز من أجل إخوته الجائعين... لو كان جون فالجون لص الرغيف يعيش في مجتمع إسلامي يطبق الإسلام بحذافيره، لكان فقد يده إلى الأبد
هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة، إذ كيف يرضى الله بالتمييز بين عباده فقط بسبب جنسهم وليس على أساس فعلهم وأعمالهم ؟؟؟ وأي معنى لكلمة إنسان في القرآن ؟؟؟ كيف يرضى الله يُستعبد إنسان من خلقه على يد إنسان آخر ! كيف يرضى أن يكون بعض البشر عبيدا عند بشر أخرين، يباعون ويشترون، ويتصرفون فيهم كما يتصرفون في دوابهم وأغراضهم !!! كيف يرضى الله أن تُأخذ النساء من ديارهن ومن أزواجهن ومن أهلهن سبايا وأن يكنّ لمغتصبيهن ملكا يتصرفون فيهن كما يشاؤون، بمباركة الإسلام !!! هل لتلك السبيّة رب آخر، غير الذي أعطى لسابيها حق سبيها ؟؟؟ إلاه يرضى بذلك هل يستحق أن يعبد ؟؟؟ الإجابة أجدها في فرضية واحدة، وهي تتماهى تماما مع ما أدعوا ودعوت إليه مرارا في شأن الإسلام... وهي أن الإسلام ولد في بيئة قاسية جدا وقد كان ما أسسه الإسلام من إصلاحات يعتبر ثورة في ذاك الوقت، كثيرون لم يتقبلوها وأعلنوا الحرب على الإسلام من أجلها، لكنه كان يراعي الضرف ويطبق سياسة المراحل، فإن الإسلام لم يقدم مقاربات مثالية لمعالجة كاملة، تُحقق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، لكنه فتح باب التطور، باب الإصلاح، نحو بلوغ هدف المعالجة بعد مراحل من التطور تحصل مع الزمن وتبعا لتغيّر الضروف وخصائص البيئة الحاضنة والتطور الحضاري والثقافي للمجتمعات الإسلامية، وإذن فتلك النصوص الجامدة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، هي مجرد إصلاحات نسبية لأوضاع غير سوية بمجتمع بدائي صحراوي قاسي الطباع لم يكن ليقبل بأكثر من ذلك، فتلك النصوص لم تكن غاية الأمر، ولا يمكن أن تكون غايته أو منتهاه، فقد كانت مجرد فاتحة للعلاج، بداية لمسار من التطور، لا يسمح بالجمود والتحجر والتكلس... غير أن ما حصل أن تلك النصوص أخذت طابعا قداسيا وتحوّلت بدورها لأصنام لا تقبل المساس، ولا تقبل النقد أو التطوير أو المراجعة، حتى أن مجرد الجدل بشأنها في أمر خلقها أسال الكثير من الدماء في إحدى فترات حياة الإسلام (الصراع بين المعتزلة والحنابلة في عهد المأمون حول مسألة خلق القرآن)، وعوض ان تكون تلك المضامين المنزلة فاتحة للإصلاح ولمنطلق التطور والعلاج، صارت قيدا جامدا يمنع كل تقدم ويشدنا دوما إلى الخلف وعقبة تغلق طريق التطور والإصلاح والسير نحو العدالة وتكريس حقوق الإنسان... إذن ودون الخوض في مسألتي العقيدة والعبادات، فإن كل ماهو دون ذلك من مفاهيم وأحكام ومضامين مختلفة في الإسلام يجب أن تلغى تماما... فإنه عمليا لا حاجة بنا لقوانين أو أحكام أو أنظمة إرث أو تعامل إقتصادي أو نصوص تحكم الفروج والمخارج وغير ذلك من المضامين الحكمية الإسلامية ، فإنه لدينا اليوم قوانيننا المدنية التي تسيّر حياتنا، وتلك القوانين يجب أن تشرع وفقا لما تتطلبه المصلحة الإنسانية، أي مصلحة المواطن، دون أخذ بأي مرجعية تقدم تقديرات لا تلائم واقعنا وتنبني على إعتبارات وضروف وواقع بائد من زمن غابر وبيئة غير بيئتنا... فإن شئت حقوق الإنسان، أجد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يغنيني وما هو أكثر تطورا بكثير مما في الإسلام، وما حققته الحضارة الإنسانية من مكاسب في حقوق الإنسان تجاوز بمئات السنين ما حققه الإسلام من مكاسب لقوم غابرين منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، بل على عكس ذلك فإن الإسلام عامر اليوم بما لا يمكن للإنسانية وللضمير الإنساني أن يقبله من حيث الإنتهاكات لحقوق الإنسان والتمييز على أساس الجنس والعنصرية وغيره... وإن شئت حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الأقليات المختلفة أنواعها، فإني أجد في مختلف المعاهدات والإعلانات الأممية زبدة ما حققته الحضارة الإنسانية من مكاسب تكرس العدالة وحقوق الفئات والأفراد والجماعات، وقد إستأنفت الحضارة الإنسانية مسار التطور الذي إفتتحه الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، ولكنه توقف في خطوته الأولى، لأنه قدّس خطوته الأولى ووقف عندها ولم يشأ مغادرتها... وإن شئنا أنظمة إقتصادية وإجتماعية وغيرها، فما توصلت له البشرية أكثر تطورا وفائدة، نظر لأن الطبيعة الإقتصادية لمجتمعاتنا الحالية تختلف كلية على الطبيعة الإقتصادية للمجتمع الذي ولد في ظله الإسلام، وكذلك الخصائص الإجتماعية أيضا مختلفة، بين مجتمع قبلي صغير، وبين مجتمعات مدنية كبرى ومنفتحة بعضها على بعض... والخلاصة من جديد، أن تبقى العقيدة والعبادات، مع إلغاء كل ماهو دون ذلك، من أحكام ومضامين لا نحتاجها، فإننا قد نكون بحاجة للروحانيات وللإيمان بالبعث وبفرصة حياة ثانية، أما في تنظيم حياتنا ومعاملاتنا، فذاك راجع لمقاييس المصلحة المتغيرة... كما أن العقيدة والعبادات شأن ديني خاص، فيجب أن يُستبعد الإسلام من المجال العام وينحصر في المجال الخاص، في علاقة الإنسان بربه وعبادته له، هذا ما يجب تفعيله بموجب القانون ومؤسسات الدولة، وكذلك بالوعي المدني والتحدي والإصرار، حتى لا يكون الإسلام أداة تسلط لبعض المواطنين على غيرهم
...
لقد إكتفينا من المصائب والتمييز العنصري والجنسي والديني والكراهية والعنف والدم !!! إكتفينا من الهوس الجنسي المسيطر على العقول والتفكير والغرائز والقوانين المجتمعية والأعراف والأحكام الدينية والمفاهيم المتداولة والمسلّمات الرجعية المتخلفة، إكتفينا من التكفير والإرهاب والوحشية وسفك الدماء بإسم الإسلام !!! من منا يقبل اليوم أن تشطر إنسانية المرأة وأن تُعامل كنصف إنسان ؟؟؟ من منا اليوم يقبل أن يُستعبد البشر على يد بشر أخربن ؟؟؟ من منا اليوم يقبل أن يأخذ الأخ ضعف ما تأخذه أخته من ميراث أبويهما ؟؟؟ من منا يقبل اليوم أن يُفجّر الناس ويُقتلون بدون ذنب ولا جريرة ؟؟؟ من منا يقبل اليوم بأن يستباح دم الناس فقط لأنهم ليسوا مسلمين، أو لأنهم إرتدوا عن الإسلام، وتستباح أموالهم وحرمتهم الجسدية ؟؟؟ من منا يقبل أعمال القتل التي تحدث في أماكن عديدة من العالم الإسلامي بإسم الإسلام، وإستنادا لنصوص دينية فاقدة الصلوحية، نزلت في ضروف قتال وعداوات وواقع إنتهى وإنتفى، وتغيّر الواقع والعالم وبقيت تلك النصوص نقمة تستخدم للقتل والدمار وسفك الدماء والظلم والحيف والتمييز
!!!
إن من قتل أية ليس مجرد رجل مختل عقليا، بل هي عقلية مرضية تمييزية ذكورية متفشية في مجتمعنا منذ زمن طويل، عقلية تغذيها وتسندها مفاهيم وأحكام ومضامين دينية وشبه دينية منسوبة للدين... من قتل أية هو من قتل الكثيرات غيرها في جميع البلدان التي يدين شعبها أو بعض شعبها بالإسلام، أعداد لا تعد ولا تحصى من القتيلات، قتلن في صمت على مدى السنين والعقود والقرون الماضية، لم يذكرهن التاريخ، ولم تبكيهن البشرية، والكثيرات غيرهن يقتلن كل يوم بسبب المرض العقلي المتفشي في مجتمعاتنا، ومازال نزيف الدم مستمرا...
لقد تحدثتُ سابقا عن ظاهرة ومفهوم العنوسة في مجتمعاتنا، ذاك المفهوم الرجعي المتخلف، الذي تنتجه وتكرسه ذات العقلية المرضية الذكورية وسائر المفاهيم والأحكام والأعراف المرتبطة بها، تحدثت عن حرمان الكثيرات من النساء من حقهن الطبيعي في الأمومة، وجعله حكرا على المستظلات بظل زوج ! تحدثت عن حرمان الكثيرات من حقهن الإنساني الطبيعي في الحب وفي حياة جنسية طبيعية، حرمانهم من ذلك طوال حياتهن، فقط لأنهن لم يجدن زوجا، وكل ذلك في سياق تكريس تبعية المرأة للرجل، فإما أن تنتظر قدومه وأن تبني حياتها على إقترانها برجل، أو أن تحرم من حقوقها في الأمومة وفي حياة جنسية طبيعية وأن تعاني في صمت طوال حياتها !!! تحدثت عن مصطلح "العورة" ومفهومه، هذا المصطلح الذي لا وجود له إلا في لغتنا، ولا رديف له مطلقا في الفرنسية أو الأنجليزية أو أي من اللغات الحية !!! وعن مفهومه الذي لا وجود له مطلقا في ثقافات الشعوب المتحضرة ! فهل علينا أن نسعد لأننا نملك ما لا يملكون !!! أم أن علينا أن نبكي حظنا العاثر، حيث إبتلينا بما لم تبتلى به شعوب الأرض، ما جعلنا نرزح في ظل التخلف والجهل والإهتمامات التافهة والتفكير الرجعي، فيما بلغت الشعوب المتحررة عقولها أقصى وأرفع درجات التطور والرقي... تحدثت عن مفهوم العذريّة المتخلف، والقيمة الغريبة العجيبة التي يحملها في مجتمعاتنا وهو من المفاهيم المرتبطة بذات العقلية المرضية، حيث تعبتر المرأة لدينا كأنها سلعة معروضة في محل تجاري، فإن خرج الشيء من المحل، وأستخدم، فإنه يعد مستعملا ويفقد قيمته، أو تنقص قيمته كثيرا، كذلك تعامل المرأة كسلعة مستعملة فاقدة للقيمة، متى مارست الحب، أو تزوجت وتطلّقت !!!

يكفي من كل هذا الظلم والعذاب ! لن نتخلص من تلك العقلية الذكورية الظالمة مهما حاربناها وإنتقدناها وواجهناها، طالما لم نواجه ولم نحاكم أساسها وما يسندها من نصوص ومضامين دينية تمييزية بالية ومنتهية الفائدة والصلوحية، تكرس الظلم والتمييز والعنف والكراهية والإنتهاكات المختلفة للحقوق والحريات العامة والفردية، وعلينا نتبرأ اليوم من تلك المضامين، فلقد أنتجنا قوانيننا الإنسانية المدنية وأنظمتنا المجتمعية الإنسانية المتطورة، ولا حاجة بنا لتلك المضامين القديمة التي إستهجنناها وإستنكرناها في مناسبات كثيرة

وإني أتوجه لنساء بلادي، نساء تونس، وأدعوهن للثورة والإنتفاض، أدعوهن لكسر القيود ! جميع القيود ! يا نساء تونس حطمن قيدوكن !
مارسن حريتكن ! فالمساواة ليست مجرد قوانين مكتوبة وحقوق سياسية ولا تقتصر على العلاقة بالدولة ومؤسّساتها، وإنما عليكن أن تفرضن المساواة في نمط حياة المحتمع وعقليته وقوانينه الغير مكتوبة، عليكنّ أن تكسرن الأنوف المتكبرة، عليكن أن تكرّسن حقوقكن وحريتكن بممارستها وجعلها واقعا وحقيقة تحت ضوء الشمس ! عشن حريتكن ! مارسن حريتكن ! إنّ لكنّ الحق في الحب، وفي الأمومة وفي الحرية الجنسية وفي حياة جنسية طبيعية، تماما كما يعيشها الرجل في مجتمعنا اليوم دون قيد أو لوم، فعشن الحب ومارسن الحب، بلا قيود، ولا تكترثن بأعراف المجتمع المريض، يمكنكنّ أن تفرضن التغيير بعقليته ونمط تفكيره، في وسعكن أن تجعلن حقكن واقعا لا يمكن تغييره، واقعا لا يسع المجتمع إلا الرضوخ له وتقبله... حريتكن بأيديكن، حريتكن لن تمنح لكم، ولن يحرركن غيركن، ولن يرفع عنكن الظلم والدونية والتمييز غيركن، فإن كنتن تردن الحرية، والمساواة والعدالة، فعشنها ومارسنها، ولسوف تصير واقعا كما هي حق لكنّ... فتنقذن أنفسكنّ، وتنقذن الأجيال اللاحقة من بناتنا وبنيننا، وتحررن مجتمعنا من الرجعية والتخلف والشعوذة والتمييز والجمود الفكري، فعندما تحررت عقول البشر في الحضارات المتقدمة، أبدعت، وحينما أبدعت تفوقت، وإستأسدت

هشام سليني





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,924,634





- قريبا في المتحف... مومياء سنجام خدم لفراعنة الأسرة 19
- هل خدعت الثورة السودانية المرأة أم حققت مطالبها؟
- بالصور... ملكة جمال القرم لعام 2019
- مشروع قانون يجرم ممارسة الجنس خارج الزواج يثير جدلا واسعا في ...
- لماذا تقبل الفتيات في مصر على رياضة -بنجاك سيلات- القتالية؟ ...
- مشروع قانون يجرم ممارسة الجنس خارج الزواج يثير جدلا واسعا في ...
- جريمة مروّعة في المغرب… مجرم في الستين يغتصب طفلة!
- ارتفاع كبير في حالات الاعتداء والتحرش الجنسي بأنفاق قطار لند ...
- ارتفاع كبير في حالات الاعتداء والتحرش الجنسي بأنفاق قطار لند ...
- قصة امرأة يمنية تعكس تردي الصحة الإنجابية في بلادها


المزيد.....

- العنف الموجه ضد النساء جريمة الشرف نموذجا / وسام جلاحج
- المعالجة القانونية والإعلامية لجرائم قتل النساء على خلفية ما ... / محمد كريزم
- العنف الاسري ، العنف ضد الاطفال ، امراءة من الشرق – المرأة ا ... / فاطمة الفلاحي
- نموذج قاتل الطفلة نايا.. من هو السبب ..؟ / مصطفى حقي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح: مناهضة ومنع قتل النساء بذريعة جرائم الشرف - هشام سليني - أية حرقت حية ! فلنثر على من قتلها ! : عقلية تمييز وتسلّط مجتمعي رجعية ذكورية، تغذيها وتسندها مضامين الإسلام