أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ماهر الشريف - عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً















المزيد.....

عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً


ماهر الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 4473 - 2014 / 6 / 5 - 13:56
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


على هامش كتاب كريم مروة الجديد: "اعترافات نهاية قرن"
عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً

مع بداية القرن الجديد، وبعد أن كان قد تخلى عن مسؤولياته في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، فاضت قريحة كريم مروة، الذي صار اليوم على أعتاب الخامسة والثمانين من العمر، وبدأ بإصدار الكتب الواحد تلو الآخر، محاولاً فيها تقديم قراءته للأحداث السياسية والثقافية التي عاشها، في لبنان والبلدان العربية والعالم، وما استخلصها منها.

وقبل أسابيع، صدر في بيروت، عن دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، كتاب جديد لكريم مروة بعنوان: "اعترافات نهاية قرن"، تضمن اليوميات التي كتبها في عام 1999، معتقداً – وكان مخطئاً في حسابه - أن ذلك العام سيكون نهاية القرن العشرين. وبمناسبة صدور هذا الكتاب، دعا المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، بالتعاون مع الحركة الثقافية –أنطلياس ودار التنوير، إلى ندوة عقدت في العاشر من شهر نيسان الجاري في دار نقابة الصحافة اللبنانية ببيروت، وشارك فيها، إلى جانب نقيب الصحافيين اللبنانيين محمد البعلبكي، كلٌ من رفيق خوري، رئيس تحرير جريدة "الأنوار" البيروتية، والدكتور أنطوان سيف، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية والأمين العام السابق للحركة الثقافية-أنطلياس، والدكتور سناء أبو شقرا، الباحث والأستاذ في الجامعة اللبنانية، وكاتب هذه السطور، وأدراتها الناقدة الدكتورة ماجدة داغر.

وفيما يلي، "القراءة" التي قدمتها للكتاب في تلك الندوة:
قبل أن أبدأ بتقديم قراءتي لكتاب "اعترافات نهاية قرن"، أود الإشارة إلى أن "كتابة الأنا" ليست فناً جديداً في الثقافة العربية. ومع أن هذا الفن قد توسع في العقود الأخيرة، إلا أن مكانته لا تزال محدودة في الثقافة العربية، مقارنة مع المكانة التي يحتلها في الثقافات الأخرى. ويعود ذلك، بحسب بعض المختصين، إلى أن من الصعب الكتابة عن الأنا في ثقافة لا تميل إلى تعرية الذات، والاعتراف بأفعالها غير المستحبة اجتماعياً، كالثقافة العربية.

وكان الباحثون في الماضي يتعاملون مع السير الذاتية والمذكرات واليوميات بوصفها مصادر ثانوية، يلجأ الباحث إليها للتعويض عن غياب وثائق الأرشيف أو عدم تمكنه من الوصول إليها. بيد أن البحث التاريخي "الجديد" راح يجدد تقديره لمكانة "كتابة الأنا"، ويرى أنها ليست مصادر أقل وثوقية من غيرها، بحجة أنها "ذاتية"، ذلك أن جميع المصادر هي كذلك، وأن على الباحث أن يضع المعلومات الواردة في المصادر كافة في تقاطع مع بعضها بعضاً.

من الصحيح أن عدداً من القادة الشيوعيين العرب خاض في مجال كتابة المذكرات، إلا أن كتابة اليوميات، التي تضفي طابعاً إنسانياً أعمق وأصدق من المذكرات على الكتابة، تبقى نادرة في كتابات هؤلاء القادة. ومن هنا تنبع أهمية كتاب كريم مروة الذي بين أيدينا.

لقد كتب كريم مروة يومياته هذه وهو يعد كتاباً بعنوان: "التفكير اشتراكياً في زمن مختلف". وكان يكتبها – كما يذكر - في آخر الليل قبل أن يذهب إلى النوم، أو صبيحة اليوم التالي فور استيقاظه من النوم، وقبل أن يدخل في النشاط، وذلك بغية أن تكون اليوميات مأخوذة من أحداث وتأملات يوم بكامله. ويتضح من مواضع عديدة في هذه اليوميات أن كاتبها يتوجه بها إلى الأجيال القادمة، كي يقدم لها "خلاصة تجربة غنية في العمل السياسي، عمرها أكثر من نصف قرن حتى الآن "، وقراءة للحاضر، انطلاقاً من تجربته هذه ومن خلاصاته فيها، " من أجل المستقبل ".

وتتمحور هذه اليوميات حول الحرية الشخصية التي يطمح إليها القائد الحزبي، بعد أن أمضى أكثر من خمسين عاماً في الحزب، وذلك بعد أن قرر " بوعي كامل أن يتحرر من قيود التنظيم الحزبي ومن شروطه، وأن يكون مستقلاً من كل مسؤولية حزبية "، ويعود إلى ما كان عليه في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات، " شيوعياً حراً، منتمياً إلى الاشتراكية "، ليس بغرض التحرر من الالتزام، ولكن كي يمارس نشاطه، " كسياسي اشتراكي، من موقع الحرية في العمل وفي الكتابة الفكرية، باحثاً في تطوير مفهومه للاشتراكية ومفهومه لحركة التقدم على أساسها"، ومحاولاً، من هذا المنطلق، " تحديد مفهومه للحزب كأداة لا كهدف، وتحديد مفهومه للديمقراطية داخل الحزب، وتحديد مفهومه للديمقراطية على صعيدَي الدولة والمجتمع ".

ويعترف كريم مروة، في إحدى يومياته الأولى، بأنه لا يعرف " كيف سيمارس حريته، ولا كيف سيعبّر عن استقلاليته، " وأنه يشعر بالرهبة، إذ يتصوّر نفسه " خارج كل قيد وكل إطار من أي نوع "، خلافاً لما كان عليه على امتداد خمسين عاماً من عمره. كما يعترف، بعد كل هذا العمر الطويل في الحزب وفي قيادته، أن الطريق الجديد الذي سيسلكه سيكون " صعباً "، وذلك لأن حرية الإنسان، الذي يبقى ملتزماً بقضية، ويبقى ملتزماً بقيم، تظل ملتبسة ومحدودة. ومع ذلك، فهو يأمل أن تتيح له هذه الحرية، المحدودة والملتبسة، التفرغ لعمل آخر، بات اليوم "أقرب إلى مزاجه وإلى إمكاناته وإلى طموحه لعمل شيء مفيد "، هو الكتابة التي سيحمّلها أفكاره حول المستقبل، " تجاوزاً للماضي ونقداً له من دون التنكر له ".

ويقدم كريم نفسه، في يومياته هذه، على أنه سياسي ومثقف وإنسان، معتبراً أن لكل من هذه الجوانب مكانة في حياته.
فهو سياسي في الدرجة الأولى، سياسي "حتى العظم"، خدم طويلاً في موقع المسؤولية وجاء زمن الأجيال الجديدة لتحمل هذه المسؤولية عنه، وستبقى السياسة " جزءاً منه، جزءاً متمماً لحياته، حتى بعد أن انتقل من مسؤول في حزب إلى فرد ". وهو، في الوقت ذاته، مثقف، " لأنه يفكر، ويمارس الكتابة ويعرض فيها أفكاره، ويقرأ الكتب بأنواعها المختلفة، ويقيم علاقات صداقة متواصلة مع المثقفين، ويتابع النشاط الثقافي في ميادينه المختلفة ".

إنه، في النتيجة، " سياسي يعتمد الثقافة أساساً في تحديد أفكاره ومواقفه ". وهو بهذا المعنى مثقف " من نوع مختلف "، مثقف يعتبر أن الشرط الضروري لكي يكون للمثقف موقع ودور في حياة بلاده " أن يمتلك قدراً كبيراً من الحرية والاستقلالية، حتى وهو في موقع قيادي في حزب". فالمثقف، عندما يفقد استقلاليته، " يصبح في منطقة اللاتوازن، وتصبح الأمور عنده من دون معايير ". لذلك، فهو – كما يكتب - من أنصار " عدم إغراق المثقفين في أطر تنظيمية في الأحزاب، بل من أنصار عدم انضمام المثقفين إلى أحزاب، لكن ليس بصورة مطلقة، وإنما لأن الأحزاب، بما فيها أحزابنا، لم تتعامل بشكل صحيح مع المثقفين ومع الدور المطلوب منهم، ولم تحترم فرديتهم واستقلاليتهم "، بل هي همّشت العمل الثقافي وهمّشت دور المثقفين، وساهمت في تعامل الكثير من المثقفين مع الأمور " بترف ثقافي، وبمزاجية فردية "، لأنها " عجزت عن بلورة مشروع وطني وديمقراطي حقيقي مقنع يمكن أن يشكّل إطاراً عاماً يهيئ الشروط لإنخراط المثقفين فيه ".

أما الثابت عند هذا السياسي- المثقف ، فهو – كما يؤكد - سعيه الدائم لتجديد أفكاره والتزامه بقيم الاشتراكية. فهو "اشتراكي اليوم، واشتراكي غداً "، لكن له طريقته " التي يجتهد في صياغتها لتجديد فهمه للاشتراكية وتحديد شكل انتمائه إليها ". إنه، في يومياته هذه، اشتراكي مختلف عما كان عليه سابقاً؛ اشتراكي معاصر، من دون أن يقطع الصلة بالتاريخ القديم.

فما هي هذه الاشتراكية الجديدة التي يطمح إليها، بعد انهيار نموذجها السابق؟
إنه يعرّفها بأنها " ببساطة معادية للرأسمالية، معادية لها بعقل وبواقعية وببرنامج تحدده الشروط التاريخية وتحترم فيه المراحل، برنامج يرمي إلى تحقيق الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية التي هي الأقانيم الأصلية في المشروع الاشتراكي". اشتراكية ترى في الماركسية، باعتبارها " منهجاً وليست نصوصاً مقدسة "، مشروعاً عظيماً لتغيير العالم، شريطة البحث الدائم عن هذا التغيير " في الشروط الجديدة المختلفة بين زمن وآخر". وهي اشتراكية إنسانية، تجعل الموقف من الإنسان، حياته وسعادته وحريته وكرامته، " المقياس في كل عمل وفي كل نشاط وفي كل مشروع سياسي". إنها اشتراكية تعتبر الإنسان " القيمة الأعظم في الحياة "، وترى في الأخلاق " أساس العلاقة بين البشر".

إن هذه الاشتراكية المتطبعة بطابع إنساني، لا ترى في الحياة الخاصة لمن يتبناها نقيضاً للحياة العامة، وذلك لأنها معنية بالفرد – الإنسان، الذي يتشكّل منه المجتمع. هذا الفرد- الإنسان، المتحرر من النزعة الإنتاجوية ومن عبادة مفهوم التقدم، والذي يجد المصدر الأساسي لفرحه الحقيقي، في عائلته الصغيرة، فهو يعتز بأولاده وينشغل بمستقبلهم، ويرى في زوجته، سيدة العائلة، " المعلمة والرفيقة "، ويستمتع بالموسيقى والطرب، ويهتم بالشعر وبالسينما والمسرح، ويتمتع بالمشي على كورنيش المنارة البحري، ويدرك فوائده الجسدية والذهنية، ويبحث عن هواية يقاوم بها الضجر الذي ينتابه في بعض الأحيان. هذا الفرد-الإنسان، الذي يجد مفارقة عجيبة وغريبة ومذهلة، مفارقة تضغط على الروح " في أن يترافق تقدم العلوم في شتى ميادين المعرفة مع تفاقم ظاهرات وأشكال الظلم للإنسان " ؛ فالإنسان الذي يُفترض أنه هو الذي سيتمتع بهذا الجمال " مسحوق ومقهور، ولا وقت عنده للتمتع بالجمال ". أما الطبيعة الجميلة هذه فهي " مهددة بدمار داخلي من جراء التلوث البيئي فوق الأرض وتحت الأرض وفي السماء العليا ". هذا الفرد-الإنسان الذي يتخوف من استمرار استنزاف مياه بلده، لبنان، " من دون أن يحسب أهله حساباً لمستقبل قد لا يكون بعيداً يتهددهم بأن يصبحوا في صحراء ".

وماذا عن الشيوعية وعن مستقبل الحزب الشيوعي في لبنان؟
يقرّ كريم، بداية، أن الحزب الشيوعي اللبناني، وكغيره من الأحزاب الشيوعية، يواجه أزمة، لكنه يعترف في يومياته، للمرة الأولى، بأنه " يتحمّل شخصياً، من موقعه السابق في قيادة الحزب، المسؤولية عن الأزمة التي دخل فيها الحزب ".

وفي معرض النقد الذاتي الذي يمارسه، يتطرق إلى العلاقة التي كانت قائمة بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وبين قادة الدول الاشتراكية وقادة أحزابها، فيصف تلك العلاقة بالتعسفية، حيث كان الشيوعيون العرب " يحصنون أحزابهم الصغيرة، والضعيفة التأثير، بذلك النوع من العلاقة الأممية، ويقدمون في المقابل الدعم لسياسات الدول الاشتراكية حتى ولو على حساب مصالح البلدان والأحزاب الشيوعية العربية ". ومن ناحية أخرى، ينتقد كريم نفسه لأنه كان يشاهد بأم العين، في هذه الدول الاشتراكية، العلاقة السلبية القائمة بين الحزب والدولة وبين الشعب في موضوع الحرية، والفساد الذي كان سائداً في مؤسساتها الاقتصادية، لكنه لم يكن يجرؤ –كما يكتب - في ذلك الحين على التعبير عن رأيه حول " عناصر الخلل هذه في البناء الاشتراكي "، وذلك " بسبب خوفه من أن يقود ذلك إما إلى الإحباط لدى بعض الرفاق "، أو "إلى الاحتجاج على كلامه لدى رفاق آخرين "، أو إلى معاقبته " التي يمكن أن تصل إلى حد الطرد من الحزب ".

وبعد هذا النقد الذاتي، يؤكد كريم أنه سيبقى شيوعياً " بالمعنى الذي تعلمته من كتابات ماركس وأنجلز ولينين وكبار الشيوعيين المعاصرين، بمن فيهم بعض قادة حزبنا اللبناني "، لكنه يقف ضد " هذا الانهيار الحالي في قيم الشيوعية التي تظهر بشكل مأساوي عند كثيرين من شيوعيي بلداننا ". كما يؤكد بأن مستقبل الحزب الشيوعي اللبناني سيظل يشغله " رغم أنفه "، وهو سيبقى معنياً بأن يكون هذا الحزب " أميناً لتاريخه ولأفكاره ولإنجازاته ولتضحياته ولشهدائه "، على أن يكون " حزباً للمستقبل لا حزباً ماضوياً يغرق في الماضي ".

ولكن ما تصوّر كريم لحزب المستقبل هذا؟
إنه يطمح إلى حزب من نوع جديد، حزب " لا يبقي بالضرورة على اسم الحزب الشيوعي "، لأن كلمة شيوعي اليوم قد " تذكّر بمأساة الانهيار "، حزب يتبنّى اسماً جديداً " يتطابق لغة ومعنى مع الحالة الراهنة ولمهماتنا فيها "، حزب يكون " أكثر اتساعاً وشمولاً لحشد القوى في المرحلة المقبلة "، ويكون قادراً على وقف "هذا الانهيار الحالي في قيم الشيوعية ".

ومن منطلق قناعته بأن مستقبل الحزب الشيوعي سيظل مرهوناً بارتقاء الوعي لدى الشيوعيين، يعتبر كريم أن مهمته في الظروف الجديدة هي أن يسهم قدر إمكاناته " في خلق هذا الوعي من خارج الانتظام "، بحيث يساهم في إخراج الحزب من أزمته وإدخاله في عملية التجديد المنشودة، في الفكر والسياسة والتنظيم. وهو يعتقد أنه من موقعه هذا خارج الأطر التنظيمية، وخارج المسؤولية، سيكون " أكثر قدرة " على ذلك. أما أداته فستكون الكتابة، التي تستمد قيمتها من إسهامها في التنوير وفي " بث الوعي لدى ناس بلداننا الطيبين المقهورين الصامتين "، والتي عليها أن تهدف إلى إنتاج فكر جديد وثقافة جديدة يرفعان مستوى الوعي الشعبي، وإنتاج فكر اشتراكي " متحرر من الدوغماتية والشعبوية والماضوية التي اقترنت بالماركسية "، قد يكون أساساً لوضع "برامج سياسية تقود إلى تغيير هذا الواقع ".

لكن كريم لا يكتفي بهذه المهمة، بل يؤكد بأنه يطمح، رغم تقدمه في العمر، في أن يساهم مع آخرين مثله، في لبنان وفي العالم العربي، بابتداع الوسائل التي يمكن أن تكون أكثر فاعلية وأكثر جدوى في تحقيق هذا التغيير المنشود؛ ورفيقه الدائم " هو الأمل في المستقبل والعمل من أجل الوصول إليه ".

وبخصوص هذا الهدف-الأمل يعتبر كريم، في "يومية" أخيرة كتبها في 1 كانون الثاني 2014، بعنوان: "بعد خمسة عشر عاماً: حوادث وأفكار تحاكي المستقبل"، أن " الثورات " التي شهدها عدد من البلدان العربية قد " فتحت التاريخ على حقبة جديدة في حياة بلداننا "، وأن ذلك الخلل الذي رافقها ويرافقها " لن يحد من زخمها ولن يوقف استمرارها في الطريق إلى المستقبل الذي انتظرته شعوبنا طويلاً، وعانت كثيراً وهي تنتظر قدومه ". ومرد قناعته هذه هو أن هذه الثورات هي " من نوع جديد مختلف، تستكمل في شروط جديدة ما حاولت أن تقوم به حركات سابقة عليها تمّ قمعها، وتواصل وتتجاوز ما انقطع في الثلث الأخير من القرن الماضي ". وإذ يراهن كريم بثقة على هذه الثورات وعلى أبطالها، فهو يرى أن أحد الشروط الضرورية لنجاحها هو " أن يقدم المناضلون القدامى لجيل هذه الثورات خلاصة تجاربهم ومراجعاتهم النقدية الصريحة فيها ".

وأود في نهاية هذه القراءة السريعة لكتاب كريم مروة أن أعلّق على قضيتين تناولهما : الأولى تتعلق بالمثقفين العرب والعمل السياسي، والثانية تتعلق بمستقبل الانتفاضات الشعبية العربية. فيما يخص القضية الأولى، أوافق كريم على أن قيادات الأحزاب اليسارية قد همّشت دور المثقفين ولم تحترم استقلاليتهم – وهي مسؤولية تتحملّها هذه القيادات، ولكن يتحملّها أيضاً المثقفون أنفسهم الذين لم يناضلوا بحزم من أجل فرض استقلاليتهم المعرفية والنقدية ضمن أحزابهم- لكنني أخالفه في دعوته إلى عدم انضمام المثقفين إلى الأطر الحزبية. فمن المعروف أن المثقفين كانوا تاريخياً، وتحديداً في بلداننا وفي أحزابنا اليسارية، حملة رئيسيين للسياسة، وأن انسحابهم من هذه الأحزاب، نتيجة إحباطاتهم وتهاوي أحلامهم وقصر نفسهم، قد أضّر كثيراً بالسياسة وبالثقافة في آن معاً، وساهم في تراجع دور الأحزاب اليسارية في مجتمعاتنا. أما بالنسبة للقضية الثانية، فأنا أعتقد أن الانتفاضات الشعبية العربية، على الرغم من أهميتها التاريخية، بقيت قاصرة لكونها قد عزلت الإصلاح السياسي، الذي طالبت به، عن الإصلاح الثقافي، ولا سيما في مجال فهم الدين.

ومن هنا، أرى أن نشر الوعي، الذي شدّد كريم عليه كثيراً في كتابه، هو بالفعل من أولى مهمات المثقف اليساري، ولكنني أظن أن نشر الوعي بمتطلبات الحداثة المجتمعية، وفي مقدمها الإصلاح الديني، يجب أن يسبق، في ظروف مجتمعاتنا الراهنة، نشر الوعي بالاشتراكية، على اعتبار أن بلوغ الحداثة المجتمعية في مجتمعات ما زالت تفتقد إلى دول حديثة تقوم على المواطنة وتتنازعها الولاءات الجزئية، الطائفية والمذهبية والمناطقية، على حساب الولاء الوطني، أن بلوغ هذه الحداثة سيكون هو المدخل إلى الاشتراكية. ونشر هذا الوعي لا يجب أن يطاول النخب الثقافية، وأن يقتصر عليها، بل يجب أن ينفذ، في الأساس، إلى أعماق مجتمعاتنا. كيف، وبأية وسائل؟ هذا هو التحدي الكبير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- انطفاء نجم مضيء في سماء الثقافة التنويرية والتقدمية العربية
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد الع ...
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الأولى - فلسطين في العهد العث ...
- الشيوعيون العرب والنضال ضد الفاشية والنازية
- من تاريخ الصحافة الشيوعية العربية في فلسطين
- قرن على الصراع العربي - الصهيوني: هل هناك أفق للسلام؟
- عصبة التحرر الوطني في فلسطين (1943-1948): تجربة تنظيم شيوعي ...
- مساهمة في النقاش حول اليسار ومستقبله
- لا تزال فلسطين همّاً فكرياً عربياً؟
- تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة
- صادق جلال العظم- فيلسوف ماركسي منفتح على العلم وتطوّره
- جديد- بنيامين نتنياهو في سياق مواقفه وتوجهاته -القديمة-
- رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام
- النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي
- تجاوز الموقف الملتبس من العلمانية أحد مداخل تجديد الفكر القو ...
- تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي
- أضواء على تجربة اليسار في فنزويلا
- بورتو أليغري: محطة جديدة على طريق أنسنة العولمة - فلنتفاعل م ...
- ما هي آفاق الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي؟


المزيد.....




- شبكة “تقاطع” تشخص الواقع المزري للحقوق الشغلية
- المجلس التنسيقي- بالنمسا ينظم الملتقى السنوي ال 28 لدعم فلسط ...
- خالد: -صفقة العصر- تعيسة هدفها الوحيد التطبيع مع اسرائيل
- أحمد بيان// لنمارس السياسة بقوة..
- اللقاء الحواري السياسي مع الرفيق الأمين العام والمنظمات الشب ...
- مظاهرة ببرلين ضد وصول اليمين المتطرف للبرلمان
- تصريح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية على إثر التصريحات ...
- التعليم يدرس مطالب المتظاهرين بإجراء دور ثالث للمكملين
- ترامب يقرّر إعادة فتح قضيّة السفارة الأمريكية في تونس
- رائد فهمي يستقبل وفد قيادة حزب نداء الرافدين


المزيد.....

- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي
- هل يشكل المثقفون طبقة؟ / محمد الحنفي
- عندما يحيا الشخص ليدخر يموت فيه الإنسان وعندما يعيش ليحيا يص ... / محمد الحنفي
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- / نايف سلوم
- الاشتراكية الماركسية والمهمات الديمقراطية / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ماهر الشريف - عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً